(368)
(479)
(30)
(635)
من دروس السيرة النبوية التي يلقيها العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن دروس الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، رُسُل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رفاعة بن زيد الجذامي - 2 - أبي موسى الأشعري - 1
عصر يوم الجمعة: 17 صفر 1448هـ
يتضمن الدرس تتمّة سيرة رفاعة بن زيد الجُذامي رضي الله عنه، وأخبار أسرته ورواية الحديث في ذريته، ثم يبدأ بسيرة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أحد رسل النبي ﷺ إلى ملوك حِمْيَر، وذكر فضائل الأشعريين ومناقبهم، وإسلام أبي موسى وهجرته وقدومه مع أصحاب السفينة، وفضل ذوي الهجرتين، وما كان لهم قربٍ من النبي ﷺ وخدمةٍ للدين، مع مشاركته في غزوة أوطاس، مؤكّداً على المحبة الصادقة لله ورسوله وتبليغ الرسالة ونصرتها.
الحمد لله مُكرمنا برسالة سيد المرسلين، ونبوة خاتم النبيين؛ سيدنا محمد الذي جُعِلنا به خير أُمَّة في العالمين.
اللهم أدم صلواتك على عبدك المختار المُجْتَبَى سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل اليقين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقَرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد؛
فإننا في تأمُّل أخبار رُسُل سيدنا رسول الله ﷺ الذين شُرِّفوا بحمل الرسالة منه إلى أطرافٍ من الأرض، يُبلِّغون ما أمرهم بتبليغه عن الله تبارك وتعالى، فبلَّغوا عن رسول الله وحملوا رسالته.
ذكرنا منهم سيدنا رفاعة بن زيد الجُذَامي رضي الله تعالى عنه، وهو ممّن نزل بعد ذلك الشام، كما أنَّ أصله من هناك.
قال ابن حجر في الإصابة ناقلًا عن موسى بن سهل الرملي: نزل بيت جِبْرِين هو وأخواه سويد ورفاعة، وكلهم من الذين وفدوا على النبي ﷺ. نزلوا بيت جِبْرِين، وبيت جِبْرِين: بلدة في فلسطين بين بيت المقدس وغزة، هي من أعمال الخليل، قرية الخليل؛ مدينة الخليل التي فيها قبر سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وابنه إسحاق ويعقوب، وجيء أيضًا بيوسف ابن إسحاق، وكما جيء بموسى إلى قريب من بيت المقدس.
سيدنا يوسف جيء به من مصر إلى عند والده يعقوب وجده سيدنا إبراهيم الخليل، جاؤوا إلى هذه المدينة جِبْرِين وكان هناك، فهو ممّن يَغْلِب أنه توفي بالشام عليه رضوان الله تبارك وتعالى، هو وإخوته كانوا من الوفود على سيدنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم بعد وفاته ﷺ نزلوا بيت جِبْرِين بفلسطين.
فأخوه هذا أيضًا بَعْجة بن زيد تقدَّم، وبَرْذع كذلك أخو بَرْذع بن زيد، وسويد بن زيد كان ممّن ركبوا مع رفاعة إلى المدينة في أمر الأسرى، كما تقدَّمت الإشارة إلى ذلك.
وزوجته أيضًا أم سَلْمَى، لها أخ يُسمَّى خليفة بن أمية، لمّا أسلم خاف على نفسه القتل بعد أن علم قومه بإسلامه، فآوَتْهُ أم سَلْمَى هذه زوجة سيدنا رفاعة بن زيد الجُذَامي، كما نقل ابن حجر في الإصابة.
يقول خليفة بن أمية -أخو زوجته، رفاعة-: خرجت أنا وجبارة من مكة في فداء سَبْيٍ سُبِيَ لنا، حتى أتينا المدينة فأسلمنا، وأُخبِر النبي ﷺ بما جئنا له، فقال: أُرسِل معكما جيشًا؟ فقالا: يا رسول الله، نصدق ونفي أو نغدر؟ قال: لا، بل اصْدُقَا، فذهبنا إليهم بالفداء واستقنا ما أُخِذَ لنا من المدينة، قال: فضربتني اللَّقْوَة -انحراف جانب الفم-، فأدركتنا اللَّقْوَة، قال: فأتينا النبي ﷺ فمسح وجهي بيمينه فَبَرَأت، وزوَّدنا تمرًا.
وهكذا جاءت اللَّقْوَة لبعضهم، وطلع عند الحبيب حسن بن عبد القادر البار عليه رحمة الله وعاد كما كان، فجاء له واحد آخر وطلع عنده فقرأ عليهم وما ظهر أثر، رجع له قال: كيف فلان قرأت عليه وأنا؟ قال: هات لك نية مثل نيته واطلع، أصلح لك النية مثل نية فلان وتعال عندنا، هو جاء بنية.
وهذا يقول: لمّا ضربتنا اللَّقْوَة أتينا النبي ﷺ، فمسح وجهي بيمينه فَبَرَأتُ، ورجع كما كان، قال: وزوَّدنا تمرًا، فأتينا إلى قومنا، أراد قومنا قتلنا لأننا أسلمنا ففررنا منهم، قال: فأوَيتُ إلى أختي أم سَلْمَة، -امرأة رفاعة بن زيد هذا-، فأقمتُ حتى جاء زيد بن حارثة بالجيش الذي بعثه النبي ﷺ.
وخرج رفاعة بن زيد مع قومه، فأقمتُ عند أختي بكُراع حتى جاؤوا بالسَّبْي، فخرجت معهم إلى المدينة المنورة، وفيه رَدّ النبي عليهم سَبْيَهُم كما تقدَّمت القصة في ذلك، فإنما أرسل إليهم ﷺ لمكان مُقاتلتهم وإرادتهم قَتْلَ مَن أسلم وغير ذلك، وهذا الجيش جيش سيدنا زيد بن حارثة، ومع ذلك كله فقد رَدَّ النبي لهم جميع ما أخذوا عليهم.
وكان مِمّن روى عنه ولده، وممّن روى عن ولده حفيده، تسلسلت فيهم رواية الأحاديث، فيروي محمد بن سَلَام بن زيد بن رفاعة، عن أبيه سَلَام، عن أبيه زيد، عن جده رفاعة.
فابن زيد يروي عنه، وحفيده سَلَام يروي عن أبيه، وابن حفيده محمد بن سَلَام يروي عن أبيه، فتسلسلت الرواية فيهم لبعض الأحاديث النبوية.
وتوفي بالشام، فهذا مِن أخبار سيدنا رفاعة بن زيد الجُذَامي عليه رحمة الله تبارك وتعالى، وكان هذا كمال العشرين ممّن ذكرناهم من رُسُل سيدنا رسول الله ﷺ.
الحادي والعشرون: سيدنا أبو موسى الأشعري عليه رحمة الله تبارك وتعالى، من جهة زَبِيد في اليمن.
أحد رُسُل رسول الله ﷺ الذي بعثه إلى ملوك حِمْيَر؛ الحارث بن عبد كُلال واخوته.
هذا عبد الله بن قيس بن سُلَيْم بن حَضَّار بن حرب بن عامر، يرجع إلى الأشعر، الأشعر يُنْسَب إليه هذا وغَلَبَت عليه، يُنْسَب إليه اسمه نَبْت بن أُدَد بن كهلان بن سَبَأ، مِن سَبَأ مِن قحطان، يَمَانِيّ النسب، عريق في النسب مِن قحطان، سيدنا عبد الله بن قيس المشهور بأبي موسى الأشعري.
أبو موسى الأشعري عليه رحمة الله تبارك وتعالى، أمُّه من بني عَكّ؛ عَكّ بن عدنان أخو مَعَدّ بن عدنان، فوالدته عَكِّيَّة، وهو قحطاني من سَبَأ، أمه اسمها ظَبْيَة بنت وهب بن عَتِيك من بني عَكّ بن عدنان أخو سيدنا مَعَدّ بن عدنان، أسلمت أمه وماتت بالمدينة المنورة، أم سيدنا أبي موسى الأشعري، كانت من الألوف من الصحابة الذين قُبِروا في البقيع الغَرْقَد.
وكان لأبي موسى الأشعري أيضًا إخوان من أبيه، أشهرهم أبو بُرْدَة عامر وأبو رُهْم مَجْدِي، ولهم ذكر في حديث الهجرة في الصحيحين، وكذلك يُذكَر في إخوانه محمد بن قيس وأبو بُرْدَة بن قيس.
وكان هاجر معهم من قبيلتهم الأشعريين خمسون، ومعهم ستة من عَكّ أخوالهم، وعمُّه أبو عامر عُبَيْد بن سُلَيْم صاحب أَوْطَاس وله خبر في الاستشهاد هناك.
وكُنِّي أبو موسى بابنه هذا، وغَلَبت عليه الكُنية حتى صارت كأنها اسمه، فإذا قيل الأشعري وأبو موسى لم يَنْصَرِف إلَّا إلى عبد الله بن قيس هذا عليه رضوان الله تعالى.
وعلى يده ابتنى المسجد في زَبِيد المُسمَّى مسجد الأشاعرة، جَدَّدوه وباقٍ إلى الآن موجود، كانت بناية المسجد في سنة ثمانٍ من الهجرة في حياة النبي ﷺ، في عام فتح مكة بُنِيَ المسجد هذا في زَبِيد؛ مسجد الأشاعرة، قبيلته.
ومنهم الإمام أبو الحسن الأشعري الذي حفظ العقيدة الموروثة من الكتاب والسُّنة عن الصحابة والتابعين، فَسُمِّي أتباعه الأشاعرة عند ظهور بعض البدع والمخالفات في الدين.
فأبو الحسن الأشعري من ذرية سيدنا أبي موسى الأشعري هذا، فهو من هذه القبيلة اليمانية أولاد الأشعر بن أُدَد هذا الذي ذكرناه، يرجع إلى سَبَأ وإلى قحطان، كانت منازلهم ممّا يلي زَبِيد وساحل البحر.
وجاءت أخبار عن رسول الله ﷺ في الأشعريين هؤلاء القبيلة، ففي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح يرويه، يقول ﷺ قبل قدومهم وهم يَقدَمُون في المدينة: "يقدم عليكم غدًا قومٌ هم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم". فوفدوا في اليوم الثاني الأشاعرة، سيدنا أبو موسى ومَن معه، قَدِمَ الأشعريون، فلمّا دنوا جعلوا يَرْتَجِزون، لما دنوا من المدينة، ورَجَزُهُم:
غدًا نلقى الأحبَّة.. محمدًا وحِزْبَه
غدًا نلقى الأحبَّة.. محمدًا وحِزْبَه
يعمل المحبة والشوق في قلوبهم عملًا، فكان هذا ارتجازهم وهم مُقْبِلون.
فذكرهم ﷺ قبل أن يَفِدُوا وقال: "يَقْدَم عليكم غدًا قومٌ هم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم". يقول: فلمّا قَرُبُوا من المدينة صار رَجَزُهُم: "غدًا نلقى الأحبَّة.. محمدًا وحِزْبَه".
فلمّا قَدِموا تصافحوا، صافحوا الناس وما كانت مشهورة المصافحة، فأقرَّهم ﷺ ودعا إلى المصافحة وقال: "أتاكم أهل اليمن بالمصافحة"، فحثَّ عليها ﷺ وقال:" إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفِرَ لهما قبل أن يتفرقا"، فكانوا من أول مَن سَنَّ المصافحة، فأحبَّ ذلك ﷺ ودعا إليه وأمر به، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وجاء في رواية الحاكم في المستدرك عن عياض الأشعري قال: لمّا نزلت آية قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، قال ﷺ: هم قومك يا أبا موسى، وأشار إليه، مُشيرًا إلى أنَّ ممّن تنطبق عليه هذه الآية على وجه الخصوص جماعة من جماعة سيدنا أبي موسى الأشعري عليهم رضوان الله تعالى.
فلا يزال أيضًا يبقى فيهم وفي ذراريهم وأهل بلدانهم مَن يَنْتَخِبُهُ الله تعالى ليكونوا: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)، (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، وهي منطبقة على كل مَن انطبق الوصف عليه، ولكن على وجه الخصوص عَيَّنَ ﷺ أنَّ هؤلاء ممّن عَنَتهُم الآية الكريمة، وأرادهم الله تعالى بتنزيله عليهم رضوان الله.
وقال أيضًا جاء في الصحيحين عندنا عن أبي موسى يقول: قال ﷺ: "إنَّ الأشعريين إذا أرملوا في الغزو - يعني قَلَّ زادهم وطعامهم-، أو قَلَّ طعام عيالهم بالمدينة -في بلادهم- جمعوا ما كان عندهم؛ -مَن معه قليل ومَن معه كثير- جمعوه في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسَّوِيَّة، فهم مني وأنا منهم". يقول ﷺ، يُحِبُّ منهم هذا الخُلُق الكريم، أنه عند الحاجة يجمعون الزاد، الذي معه قليل والذي معه كثير كلهم سويّاً، ويقتسمون بالسَّوِيَّة بينهم، فيُبَارَك لهم فيه وينزل عليهم الخير، فأثنى عليهم ﷺ وقال:" فهُم مني وأنا منهم"، عليهم رضوان الله.
كما جاء أيضًا في الصحيحين عندنا في البخاري ومسلم، أنه ﷺ كان يقول: "إني لأعرف أصوات رُفْقَة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، فكانوا إذا جَنَّ الليل - لهم ترديد لآيات القرآن بأصوات، قال: وأعرف منازلهم.. إذا كانوا في السفر معه ﷺ في شيء- أعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أَرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار، لكن في الليل لمّا أجيء وأسمع الأصوات أعرف أنَّ الأشعريين في هذا المحل وأنهم نزلوا هذا المكان، فكان يَسْتَحْسِن ذلك منهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولا شيء في سُنَّتِهِ؛ أنه يقول لا واحد يرفع صوته.. لا تجهر بصلاتك وتقول كذا! قال: أعرف أصواتهم أين نزلوا أعرف أنها في القرآن، وأثنى عليهم بذلك.. لا شيء في سنته اسكت ولا تجهر، هذه سُنَّة غيره، في سُنَّتِهِ لا شيء من هذا، كان يسمع القرآن ويسمع الذكر من كثير من الصحابة، وما بَدَا منه أن زَجَرَ أحدًا منهم، ولا نَهَى أحدًا منهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
لمّا كان مَرَّة في غزوة وأراد أن يستبقوا قوتهم وأن لا يعلم بهم العدو، قال: ارْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تَدْعُون أصمًّا ولا غائبًا. وأما في مسجده الشريف وفي المدينة، فكان كثيرًا ما يسمع أصوات الصحابة بالأذكار وبالأدعية وبالقرآن، وكان يُثْنِي عليهم ﷺ، فهذه سُنَّتُهُ الكريمة صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
وحتى كان يقول أحيانًا لبعض أمهات المؤمنين: تعالي نسمع صوت فلان يقرأ، يقرأ في المسجد في الليل، يقرأ في المسجد يرفع صوته، يجيء يستمع صوته، ومنهم سيدنا أبو موسى الأشعري هذا، كان يقرأ في الليل أحيانًا والنبي يستمع لصوته.
ويقول أيضًا عليه الصلاة والسلام في رواية الإمام أحمد في مسنده والترمذي في السنن، يقول: "نِعْمَ الحَيُّ الأَزْدُ والأشعريون، لا يَفِرُّون في القتال ولا يَغُلُّون، هُم مِنِّي وأنا منهم" ﷺ.
وسيدنا أبو موسى عليه الرضوان قَدِمَ مكة قبل الهجرة، وحالَفَ أبا أُحَيْحَة سعيد بن العاص بن أمية، وقيل إنه حالَفَ آل عُتْبَة بن ربيعة، وأسلم قبل هجرة النبي ﷺ بمكة قديمًا.
وجاء عند ابن عساكر سبب خروجهم من اليمن إلى مكة، قالوا: إنهم أصابوا دمًا باليمن فخرجوا منها وهم عشرة رأسهم أبو عامر، حتى قَدِمُوا مكة فنزلوا بالمَعْلَاة حيث كان يُقال له بيت أبي موسى، وحالَفوا آل سعيد بن العاص. وهكذا جاء في المستدرك عند الإمام الحاكم يقول عن الواقدي، قال: كان أبو موسى قَدِمَ مكة فحالَفَ أبا أُحَيْحَة سعيد بن العاص وأسلم بمكة عليه رضوان الله تعالى. ثم رجع بعد إسلامه إلى بلاده وقومه في اليمن، وأقام حتى كان خروجه مع قومه مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة.
وأهل السِّيَر أيضًا اختلفوا: هل هاجر قبل ذلك إلى الحبشة؟ أو صادفوهم قادمين من الحبشة في الطريق في البحر وجاؤوا هم وإياهم معاً.. قَدِموا إلى خيبر معاً، فقال بعضهم: إن أبا موسى هاجر إلى الحبشة أولًا، فجاء عند ابن إسحاق فيما يروي عنه الحاكم، يقول: كان أبو موسى الأشعري مِمّن هاجر إلى أرض الحبشة وأقام بها حتى بَعَثَ النبي ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في سفينتين فَقَدِموا عليه بخيبر، وبعض أهل السيرة قال كما يروي الواقدي عن ابن سعد عن أبي بكر بن أبي جهم، يقول: ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة، ولا حلف له في قريش، وكان أسلم بمكة ورجع إلى أرضه حتى قَدِمَ هو وأناس من الأشعريين على رسول الله ﷺ، وهذا قول الأكثرين، وقالوا إنَّ الريح في البحر أوصلتهم إلى جهة الحبشة، وبعد ذلك صادف مَجِيئهم مع سيدنا جعفر بن أبي طالب من الحبشة، ودخلوا معًا إلى النبي ﷺ.
وقال ابن حجر في الإصابة إنَّ هذا قول الأكثر، ولكن جاء في الصحيحين يقول سيدنا أبو موسى: بلغنا مَخْرَج الرسول ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهم أبو بُرْدَة والآخر أبو رُهْم، -هذا في الصحيحين، هذا ذكرهم في هجرته- في بضع وخمسين رجلًا من قومي، قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة…هذه القصة هي تجمع بين الروايات كلها؛ لمّا ألقتهم السفينة إلى هناك وبعدها خرجوا معهم.
قال: فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إنَّ رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، قال: فأقمنا معه حتى قَدِمنا جميعًا.. فتبيَّن أنه لم يُهاجر إلى الحبشة من مكة، وإنما رجع هو إلى اليمن، وإنما فكَّر أن يُهاجر من اليمن يرجع إلى المدينة بعد ما بلغه هجرة النبي للمدينة، لكن الريح أخذتهم إلى عند الحبشة، فَلَقُوا هناك سيدنا جعفر، وقال لهم: النبي بَعَثَنَا إلى هنا ونحن نقوم الآن بخدمة رسالته في المنطقة، فقوموا معنا، قالوا أقمنا مُدة إلا وجاء الخبر من النبي قال لهم تعالوا، فراحوا معًا. فتبيَّن أنه لم يُهاجر من مكة، بل خرج من اليمن مهاجرًا للمدينة، فألقت سفينتهم إلى أرض الحبشة، وأقاموا عند سيدنا جعفر حتى خرجوا معه جميعًا، هذا هو الصحيح الذي يُبَيِّن اختلاف الروايات هل هاجر إلى الحبشة أو لم يُهاجر.
فَقَدِمَ في ليالي فتح خيبر مع أصحاب السفينتين هذه التي قدمت -الله أكبر- سنة سبع، وكان قدومهم مع سيدنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه -الله أكبر-، قَدِمَ ليالي فتح خيبر، وغزا وجاهد مع النبي ﷺ، وحمل عنه عِلمًا كثيرًا؛ يعني أبا موسى الأشعري.
قال أبو موسى رضي الله عنه فيما روى الإمام البخاري: فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فأَسْهَم لنا، قال: فأعطانا منها، وما قَسَمَ لأحدٍ مِمّن غاب عن خيبر منها شيء إلَّا لِمَن شَهِدَ معه، إلَّا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قَسَمَ لهم مِن غنيمة خيبر كأنهم حضروا معه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومِن المعلوم فَرَحُهُ بهم؛ وأنه قابل سيدنا جعفر فجعل يقول: "لا أدري بأيهما أنا أَسَرُّ.. بِفَتْحِ خيبر أم بقُدُومِ جعفر؟" وكان قد قاله ﷺ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقِي"، يقول لسيدنا جعفر بن أبي طالب، ومع هذا الشوق والمحبة وغَيبته سنوات في الحبشة، تركه السنة الثانية وبعدها بَعَثَهُ إلى مُؤْتَة، إلى الشام، وكانت وفاته عليه رضوان الله.
فكان ابن سبع وثلاثين سنة عمره لمّا توفي، لما قُتِل، وقد قام بالجهد هذا كله؛ الصبر في مكة، والذهاب للحبشة، وإسلام النجاشي على يده، ونشر الدين، والرجوع إلى المدينة، والخبر في المدينة حتى كان أهل الصّفَّة يأوون إليه، ويتفقَّد المساكين، ورجع وهو في سبع وثلاثين من عمره توفي عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وأخوه سيدنا علي كان في سبع وعشرين في تلك الأيام، أيام مقتل سيدنا جعفر عليهم رضوان الله تعالى، وكان أخوه عَقِيل أكبر منه بعشر سنين في وقت وفاة سيدنا جعفر، وكان في سبع وأربعين، عَقِيل بن أبي طالب.
وجاء أيضًا في الصحيحين أنه ﷺ لمّا فَرِحَ بهم النبي ﷺ، ودخلت أسماء بنت عُمَيْس عليها الرضوان، فسأل سيدنا عمر: مَن هذه؟ قالوا: أسماء بنت عُمَيْس، قال: صاحبة الحبشة؟ قالوا: نعم، زوجة سيدنا جعفر، قال: سَبَقْنَاكُم بالهجرة! يقول لها سيدنا عمر: سبقناكم بالهجرة، نحن أحقُّ برسول الله ﷺ منكم، قالت: كيف؟ نحن مِن أجل الله ورسوله، وقعدنا هناك في الغربة وصبرنا عليها، وأنتم عند رسول الله يُواسِيكُم ويَتَفَقَّدكُم وتقول لنا هذا؟ لا والله لا أَطْعَمُ حتى أذهب أسأل رسول الله ﷺ، قامت عليها الرضوان ودخلت على النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت له إنَّ عمر قال كذا وكذا، قال: ليس بأحقَّ بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان.
قالت السيدة أسماء: فلقد رأيتُ أبا موسى وأصحاب السفينة يأتُونني أرْسَالًا، يسألوني ماذا قال النبي؟ عن من جاؤوا في السفينة، يستوثقون أنَّ النبي ذكرهم ذِكْرًا خاصًّا وأثبت لهم هجرتين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قالت: ما مِن الدنيا شيء هُم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم منه، وإنَّ أبا موسى ليستعيد هذا الحديث مني، أي يقول: ماذا قال؟ تُخْبِرُهُ، يقول: قولي لي ماذا قال النبي ﷺ، ويستلذ قوله ﷺ عنهم لمّا جاؤوا، وقال لهم: لكم الهجرة مرتين؛ هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إليَّ.
ولهذا كانوا يُسَمُّون أصحاب سيدنا أبي موسى هذا؛ أصحاب السفينة، أصحاب سيدنا جعفر: ذَوِي الهجرتين، كما ذكره أبو نُعَيْم في الحلية وغيره، يُسَمُّونهم: "ذَوِي الهجرتين".
وروى ابن عساكر أنَّ النبي ﷺ أطعَم الأشعريين مِن خيبر طُعْمَة، فكان يُقال لها: طُعْمَة الأشعريين، جَعَلَ لهم ضيافة خاصة ﷺ، وجاء أيضًا عند الحاكم يقول: قَدِمَ أبو موسى الأشعري عند النبي ﷺ، فدعا النبي ﷺ لأكبر أهل السفينة وأصغرهم، قال أبو عامر الأشعري: أنا أكبر أهل السفينة وابني أصغرهم، قال سعيد: وكان فيهم أبو عامر وأبو مالك وأبو موسى وكعب بن عاصم، كلهم مِن أهل السفينة الذين قَدِمُوا على النبي ﷺ، وصلوا إلى المدينة لكن قالوا لهم إنَّ النبي في خيبر، مشوا وما صبروا يجلسون في المدينة إلى أن يجيء، ذهبوا ولحقوه إلى هناك عليه الصلاة والسلام.
وجاء أيضًا عندنا في الصحيحين، يقول سيدنا أبو موسى: لمّا فرغ رسول الله ﷺ مِن حُنَيْن بَعَثَ أبا عامر الأشعري على جيشٍ إلى أَوْطَاس، هذا وادٍ في هَوَازِن، قال: فَلَقِيَ دُرَيْد بن الصِّمَّة فَقُتِلَ دُرَيْد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبَعَثَنِي مع أبي عامر، فَرُمِيَ أبو عامر في ركبته؛ رماه رجل مِن بني جُشَم بسهم فأثبتهُ في ركبته، قال: فانتهيت إليه فقلت: يا عم مَن رماك؟ فأشار وقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلمّا رآني ولَّى ذاهبًا، هرب، قال: فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألَسْتَ عربيًّا؟ ألا تَثْبُت؟ -ما هذا؟ هرب وقت القتال؟! كنت ترمي بالرماح والسيوف فينا، والآن تهرب لمّا جئنا؟ ما أنت عربي؟ ما تَثْبُت؟ أما تستحي على نفسك؟ قال: فَكَفَّ، فالتقينا، فاختلفنا ضربتين فقتلته.
ثم رجعت إلى أبي عامر وقلت: قد قَتَلَ الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنَزَا منه الماء (الدم)، قال: يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله فأقرئه مني السلام، -مُعَلَّقي القلوب بالحبيب ﷺ، بنوا دينهم على هذه المحبة!- وقُل له: يقول لك أبو عامر استغفر لي، قال: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات.
فلمّا قَدِمْتُ على النبي ﷺ أخبرته، فلمّا أخبرته دعا بماء، توضأ، قال: ثم رفع يديه يقول: اللهم اغفر لِعُبَيْدٍ ابن أبي عامر، قال: ورفع يديه حتى رأيت بياض إِبْطَيْهِ مِن مبالغته في رفع اليد، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير مِن خلقك، قال أبو موسى: ولي فاستغفر يا رسول الله، -هذا الخير كله لأخي أبو عامر.. وأنا!- فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا، قال أبو بُرْدَة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى، حظوا اللحظة هذه منه ﷺ والدعوة الكريمة.
وهكذا تأتي معنا بقية أخبار سيدنا أبي موسى وقومه الأشعريين، جعلنا الله وإياكم مِن أهل المحبة الصادقة لله ورسوله، حتى نحيا ونموت ونمسي ونُصْبِح والله ورسوله أحب إلينا ممّا سواهما، الله ورسوله أحب إلينا ممّا سواهما، الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما.
أَحْيِنَا على ذلك يا رب، وتَوَفَّنَا على ذلك يا ربنا يا أرحم الراحمين، إذا جاء يوم الحشر فاجعلنا محشورين في خواص أهل المحبة وكُمَّل الأَحِبَّة، المرتبطين بذلك الجَنَاب الأشرف، ومَن شَرَّفْتَهُم بهذا الشرف؛ أكرِمْنَا وأَتْحِفْنَا بعظيم هذه التُّحَف، يا حَيُّ يا قَيُّوم، بِسِرِّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ، الفاتحة.
04 ربيع الأول 1448