(170)
(27)
(476)
من دروس السيرة النبوية التي يلقيها العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن دروس الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، رُسُل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبي موسى الأشعري - 2
عصر يوم الخميس: 23 صفر 1448هـ
يتضمن الدرس استكمال سيرة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وذكر مناقبه كقبول بشارة النبي ﷺ، وحُسن تلاوته للقرآن، وملازمته وحراسته للنبي ﷺ. ثم يذكر بعثه إلى اليمن مع معاذ بن جبل، ويستعرض مراسلات النبي ﷺ لملوك حِمْيَر لدعوتهم للإسلام، مُختتماً بالحث على محبة الصحابة والاقتداء بهديهم.
الحمد لله مُكرِمنا برسالة مصطفاه، خاتم أنبياه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات الهدى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبدأنا في ذكر رُسُل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر سيدنا أبي موسى الأشعري عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وذكرنا بعض أخباره وما كان منه.
ومما يُذكَر من شأن سيدنا أبي موسى ما كان من بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له ولبلال فيما جاء في الصحيحين؛ يقول سيدنا أبو موسى: كنتُ عند رسول الله -عبد الله بن قيس اسمه- كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجِعِرَانة بين مكة والمدينة، وذلك في عام فتح مكة، ومعه بلال، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ قال: ألا تُنجز لي ما وعدتني؟ قال له: أبشر. قال: قد أكثرتَ عليّ من أبشر! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، قال: إن هذا قد ردَّ البشرى فاقْبَلاها أنتما. قالا: قد قَبِلْنا يا رسول الله.
ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومَجَّ فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشِرا.. فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء ستر: أَفْضِلا لأمّكما -أي: خَلُّوا شيء لأمكم أم المؤمنين أم سلمة- فأفضَلا لها منه طائفة.
وبهذا بيان ما يحصل من المشاعر والأحاسيس بواسطة الإيمان والعقل والفطرة الزكية، وذلك أنّ الخيرات في شؤون القُرب من رب البريات، ونيل المنزلة لديه، والاستعداد لحسن لقائه، والظفر عند لقائه بالخير والنعيم؛ وهذا أَجَلُّ وأكبر ما يُعدُّه المؤمن من المكاسب والفوائد ويلتفت إليه.
وضعيفو الإيمان وقليلو التربية والتزكية لا يحسّون إلا بمكاسب الدنيا والمال ومَا هي وكيف تكون، ولا يلتفتون للمعاني العظيمة.
فهذا الأعرابي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان من الغنائم التي جمعها من حنين، ويقول لسيدنا رسول الله: ألا تُنجز لي ما وعدتني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أبشر. مع المعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم "أبشر" فيه خير كبير في الحس والمعنى، أنه سيأتيه من هذه الغنائم والمال نصيب، وأن قوله "أبشر" تحمل له مِنَحًا وفوائد أكبر وأجزل من المال، ولكنّ الأعرابي لغرض طبعه وعدم بلوغ الإيمان إلى قلبه قال: قد أكثرتَ عليّ من أبشر! فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى سيدنا أبي موسى وعنده بلال، قال: إن هذا قد ردَّ البشرى فاقْبَلاها أنتما، قالا: قد قبلنا يا رسول الله، نريد بشارتك، فحازوها.
وكم صَرَفَ عن نفسه الأعرابي المسكين! لاحقاً سيعطيه من هذا المتاع ولكن ماذا سيفيده؟ وإلى فين سيوصله؟ ولو كان قَبِلَ البشرى لكان له خير الدنيا والأخرى، لكن مسكين أحاسيسه وأذواقه قَلَّتْ وضعفت.
وهكذا، كُنا نشهد كثيراً من الأخيار أهل الذوق، يقومون بخدمة صاحب صلاح أو تقوى أو رجل من أهل الخير، ويُعرض عليهم الأجرة، يقول: بغيتها في يوم غير اليوم هذا، أريد منك الأجرة في يوم غير اليوم هذا!
وهكذا.. عندهم أذواق، ويتداولون بينهم كنا نسمعهم يقولون: "دعوة خير من عَطوَة"، يعني إذا ظفرتَ بِأحَد من أهل الصلاح دعا لك أحسن من أن يعطيك ما يعطيك من المال، تُحصِّل منه دعوة تنفعك إلى الأبد، هكذا كانت ثقافة أحاسيسهم ومشاعرهم.
من هذا وجدت جد المُتَوَفَّى عبد الله فقيهان عليه رحمة الله، كان يشتغل بأبواب الحبيب علوي بن شهاب في بيته الجديد، ولما أكمَّلوا السُدَّة سينصبونها خرج الحبيب علوي، قال له: اكتب فيها التاريخ يوم كذا، واكتب: على يد المعلم محفوظ فقيهان، قال له: التاريخ سأكتبه، أما اسمي.. حبيب علوي، بغيته فوق، بغيت اسمي فوق يُعرف! ضحك الحبيب علوي قال: بغيت باشوفك إيش تقول، ما دامك حياك توك خلاص اكتب الذي بغيت، فكانت هكذا أذواقهم.. هذا من الذين قبلوا البشرى!
وكذلك مرة وفد من بني تميم جاؤوه، وأقبل يُبشِّرهم، قالوا: قد بشّرتنا فأعطِنا، في البخاري أيضًا، فجاء الأشعريون، جماعة أبو موسى، قال: ألا تقبلون البشرى؟ قالوا: قد قبِلنا يا رسول الله، -بشَّرك الله بالخير-، فذهبتْ إليهم.
وهذا سيدنا بلال وسيدنا أبو موسى قالا: قبلنا يا رسول الله، فدعا بقدح فيه ماء، غسل يديه ووجهه فيه، ومجّ فيه، ثم قال: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا.
ما هذا؟ عمل الصوفية أو كيف؟ عمل محمد! عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا منهجه، هذا سيرته، هذه عقيدته، يا رب صلّ عليه!
غسل يديه ووجهه في الإناء، ومجّ فيه من فمه الشريف، ويقول لسيدنا أبي موسى وسيدنا بلال: اشربا منه وأفرِغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا.
تسمعهم وتُلاحظ سيدتنا أم سلمة، هي صاحبة ذوق، أم المؤمنين، وصاحبة وعي وصاحبة إيمان، لما قاموا يشربون ويصبون تقول: أَفْضِلا لأمكما! عندكم هنا أم المؤمنين، تريد نصيباً من البركة هذه التي أخذوها من النبي!
إذن فالجميع على هذه الحالة، كلهم صوفية أو سَمِّهم ما تُسمّيهم، هذا مسلكهم، هذا منهجهم، هذه سيرتهم عليهم رضوان الله.
قال: فَخَلّوا بعض الماء هذا الذي تركه لهم صلى الله عليه وسلم: خذي يا أم المؤمنين، هذا نصيبك، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
وهكذا اشتهر عندنا في الصحيحين وغيرهما أنهم يُقبلون على وَضوءه، الماء الذي يتوضأ به، فيكاد أن يقتتلوا، يكادوا يقتتلوا على الوضوء مزاحمة، كل واحد يريد نصيباً من هذا، ما هو هذا؟ مقتضى صحة الإيمان واليقين، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراهم، حتى جاءنا أيضًا في الصحيح: فرأيتُ من لم يُصب شيئًا من ذلك الماء أخذ من بَلَلِ صاحبه فتمسّح به.
وقد تكررت قصة سماع النبي صلى الله عليه وسلم لتلاوة سيدنا أبي موسى الأشعري، وفي الصحيحين في عدة وقائع وفي غير الصحيحين كان تعجبه قراءته، صوته حَسن بالقرآن، وجاء من طريق سيدنا أنس وأبي هريرة وعائشة وأبي موسى نفسه، في البخاري وفي مسلم وفي مسند الإمام أحمد قصص سماعه ﷺ لقراءة سيدنا أبي موسى الأشعري.
يقول: جاء أيضاً عند ابن حبان وابن سعد وابن أبي شيبة وأبي نعيم والبيهقي في عدد من الروايات، منها يقول: خرج بُريدة عشاءً فلقِيَهُ النبي ﷺ فأخذ بيده، أدخله المسجد فإذا صوت رجل يقرأ، قال النبي ﷺ: تراهُ يُرائي؟ في تزكيته وتعليمه يُعلِّم الأمة الأدب وحسن الظن، إذا سمعت واحد يقرأ تقول هذا مرائي؟ قال: تراه يرائي. قال بريدة سكت وقلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: وجَلس الرجل يدعو، سمعه النبي يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، قال ﷺ: والذي نفس محمد بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئِل به أعطى وإذا دُعِيَ به أجاب.
قال: فلما كان من الليلة القابلة خرج بريدة عشاءً فلقيه النبي ﷺ، قال: فأخذ بيده فأدخله المسجد فإذا صوت الرجل نفسه يقرأ، في الليلة الثانية، فيه تولُّع قلوبهم بتلاوة القرآن والخلوة مع الرحمن، وفي مسجده ﷺ في أول الليل، وسط الليل، آخر الليل، يُحصِّل ذا يقرأ وذا يقرأ، ذا يجيء يركع وذا يسجد وذا يدعو، وهكذا.
فإذا صوت الرجل نفسه يقرأ القرآن، قال رسول الله ﷺ: أتقول هو مرائي؟ يؤكِّد كيف تكون ظنون المسلمين واعتقاداتهم في بعضهم البعض وما الذي يجب أن يُقدَّم، قال بُريدة: أتقول هو مرائي يا رسول الله؟ أنت تقول، تقول هذا؟ قال: لا، بل مؤمن منيب، لا، بل مؤمن منيب! علّم الأمة كيف، وقد قال في الحديث الآخر: "اذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مُراؤون".
قال بريدة: فأتيتُ الرجل، فإذا الأشعري يقرأ بصوت له في جانب المسجد، فقال رسول الله ﷺ: إن عبد الله بن قيس أُعطي مزمارًا من مزامير آل داوود، أي صوتًا حَسنًا بالقراءة، كما كان صوت سيدنا داوود حسنًا عندما يتلو الزبور، وكان عند تلاوته للزبور قد يقف الريح عندما يبدأ في التلاوة ولا يتحرّك حتى يُكمل، وقد يقف الماء الجاري بجانبه ،ويجتمع عليه من الإنس والجن حتى الوحوش، يسمعون تلاوة سيدنا داوود، على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وقال على سيدنا عبد الله بن قيس، هذا أبو موسى الأشعري: أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود، قال بُريدة: فقلت: أفلا أُخبره يا رسول الله؟ قال: بلى. فأخبره، قال: أتيته وأخبرته، قال: أنت لي صديق، أخبرتني عن رسول الله ﷺ حديثًا، أنت اليوم لي أخ صديق، يعني: زادت محبتي لك ومودتي إياك لما بلّغتني هذا عن رسول الله ﷺ أنه يقول عني هكذا. حدّثني بحديث رسول الله ﷺ أنت اليوم لي أخ صديق.
قال: فلما أصبح أبو موسى لقيه رسول الله ﷺ قال: يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود، فقال أبو موسى: أما والله يا رسول الله لو علمتُ أنك تسمع لقراءتي لحبّرتهُ لك تحبيرًا، ولشوّقتهُ لك تشويقًا.. أي: زدتُ في تحسينه وتزيينه.
بل حصل له هذا الاستماع مع السيدة عائشة، وحصل استماع مع مجموعة من أمهات المؤمنين، كان يقرأ، في رواية ابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم الحبيب ﷺ، يقول: إن أبا موسى قرأ ليلةً - على عادته كل ساعة يجي المسجد ويقرأ في الليل-، قال: فقُمْنَ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يستمعن لقراءته، -لمّا علمنَ أن النبي يُعجبه قراءته ويستمع قُمْنَ سمعن قراءة أبي موسى- يقول: فلما أصبح أُخبِر بذلك فقال: لو علمتُ لحبّرته تحبيرًا ولشوّقته تشويقًا.
وجاء في رواية الطبراني والحاكم من حديث أبي موسى نفسه، أن النبي ﷺ وعائشة رضي الله عنها مرّا به وهو يقرأ في بيته -في بيته، ليس المسجد- قال فقاما، وقف النبي والسيدة عائشة معه وقفت، يستمع واستمعت، يستمعان لقراءته، -بعد ذلك رآه في الصباح لما جاء- أخبره حين أصبح، قال: "يا رسول الله لو أعلم بمكانك لحبّرته لك تحبيرًا"، أُزِيد في حسنه طلباً لرضوانك، الذي هو رضوان ربي جل جلاله، ودخول السرور على قلبك.
يقول فقراءته كانت تستوقف بيوت النبوة كلها، يقُمْنَ لها أمهات المؤمنين ليستمعن لها، ويقف النبي ومعه عائشة يستمعان، والنبي يُخبره صبيحة ذلك اليوم تطييبًا لخاطره وإظهارًا لفضله عليه رضوان الله.
جاء أيضًا في الصحيحين قصتهم في الخروج مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، مر ﷺ بطريق والصحابة يجهرون بالذكر والتكبير على عادتهم، في طريق فيها قريب يمرّون على بعض قبائل المشركين، النبي أحب أن لا يعلَموا بهم، فقال: "أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم -ارفقوا بأنفسكم- إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم"، أمرهم أن يخفضوا أصواتهم حتى لا يعلم بهم العدو.
فجاء هذا في حادثة معينة وسفر، ومن المعلوم عنه صلى الله عليه وسلم قوله: إن الله يقول: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه"، ومعلوم سماعه لجهر الصحابة في كثير من الأوقات، بعض الصلوات وغيرها، بأدعية وبأذكار ما كان ينكر عليهم، لكن هذا الحديث الذي جاء لأجل الرفق بالأنفس وهم مقبلون على الجهاد، ولئلا يعلم العدو موقعهم.
فلما خطبهم النبي بذلك جعل في نفسه يُردِّد سيدنا أبو موسى: "لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، النبي ﷺ كان بجنبه وكان رديف له، قال: يا عبد الله بن قيس، قال: لبيك، قال: ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
أَكْثِرْ من هذا الذكر الذي تَذْكُر الله به، لا حول؛ يعني لا قدرة ولا قوة لأحد على شيء، تَحَوُّل من حال إلى حال، ولا على أن يَقوى على طاعة، ولا على أن يبعد عن معصية، ولا أن يُحَصِّل خيراً، ولا يُدفَع عنه شر إلا بالله العلي العظيم.
بل "لا حول ولا قوة إلا بالله" تحمل معنى أنه لا يُحرِّك طائر جناحين إلا لله، ولا ترفع بعوضة رجلها إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة، توقن أن كل شيء تحت قهره وقدرته سبحانه وتعالى، لا حول ولا قوة إلا بالله.
ولما جاء ﷺ إلى بئر أريس، بعدما توضأ أبو موسى في بيته وخرج يتبع رسول الله ﷺ، وجده قد دخل حائطًا في البستان وجلس على بئر أريس، فوقف سيدنا أبو موسى عند مدخل البئر، يلاحظ مَن يجي ومن هذا، وقال: لأكوننّ بوّاب رسول الله ﷺ.. وتولى هذه الخدمة، وقف عند الباب.
جاء سيدنا أبو بكر عَلِمَ النبي ذهب إلى البستان، جاء، قال: انتظر، سأستأذن لك رسول الله، قال: يا رسول، أبو بكر على الباب، قال: ائذن له وبشره بالجنة، قال: رسول الله يأذن لك ويبشرك بالجنة، دخل، جلس قليلاً إلا وسيدنا عمر وصل، من أين جاءهم ريح الخبر وأن النبي هناك؟ يجيؤون على الترتيب، تعلقات قلوبهم بالجناب الشريف!
وصل سيدنا عمر، قال انتظر، ذهب إلى عند النبي: يا رسول الله عمر بالباب، قال له: ائذن له وبشره بالجنة، قال: يأذن لك رسول الله ويبشرك بالجنة، دخل، إلا ووصل سيدنا عثمان، قال انتظر، ذهب إلى عند النبي: يا رسول الله عثمان بالباب، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه.
جاء لسيدنا عثمان: النبي يأذن لك بالدخول ويبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان! وقد أشار إليه، وبما يحصل له، وأنه يخرج عليه قوم يحملون سيوفهم، ويريدون خلع قميص كساكه الله إياه؛ يقول: فلا تخلعه، واصبر حتى تفطر ذلك اليوم عندنا.
مرت السنين وجاؤوا، وحصلت المشاكل وحاصروا بيته وقتلوه وهو يقرأ القرآن، وقعت أول قطرة من دمه على قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
فكان من آخر ما تكلم به: اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، وكان يتأمّلها بعض الصحابة يقولون: لو دعا عليهم في تلك الساعة أن لا يجتمعون ما اجتمع اثنان منهم! وهو مظلوم وفي حالة موت ويدعو، هَمُّه اجتماع الأمة: اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، عليه رضوان الله.
وكان سيدنا عبد الله بن قيس -هذا أبو موسى- كثير الملازمة لمجالس النبي صلى الله عليه وسلم والمسارعة لخدمته عليه الصلاة والسلام، وحفظ من هديه في مجلسه.
يقول: كان النبي ﷺ إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة يقول: اشفعوا تُؤجَروا، ويقضي الله على لسان النبي ما شاء. يقول مَن يؤخِّر قضاء بعض الحاجات فيشفع أحد منكم، فتنالوا الأجر، فيُعلِّمهم تكافلهم وتكاملهم بينهم البين وتساعدهم وتعاونهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأهل السِّيَر يذكرون سيدنا أبا موسى في رُسُل رسول الله ﷺ ويذكرون رسالته إلى اليمن، وبعثه صلى الله عليه وسلم هو وسيدنا معاذ بن جبل إلى اليمن داعيَيْن ومعلِّمَيْن وواليَيْن عندما رجع من تبوك سنة تسع.
وكَتب كُتُب صلى الله عليه وسلم إلى بعض ملوك حِمْيَر وبعض الملوك في اليمن، حتى يذكر ابن القيم في "زاد المعاد" يقول: بعث ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك داعيين للإسلام، فأسلم عامة أهلها طوعًا من غير قتال.
وهكذا، يقول الصالحي الشامي في كتابه في السيرة "سُبل الهدى والرشاد" يقول: فصل في إرساله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن.
ومن جملة الملوك الذين كاتبهم ﷺ في اليمن الحارث بن عبد كُلال، الحارث بن عبد كلال بن نصر بن سهل، هذا حِمْيَري، أحد أقيال اليمن وملوك حِمْيَر، والملك دون الملك الأعظم يسمونه قَيل، القَيل عندهم المَلك دون الملك الأعظم، الملوك الذين تحته هؤلاء يقولون لهم أقيال.
وكان له إخوة شركاء في المُلك: نُعيم بن عبد كلال، ومسروح بن عبد كلال، وشرحبيل بن عبد كلال، ومعهم كذلك النعمان قَيل ذي رُعَيْن ومَعافِر وهَمْدان.
ويقول ابن الأثير: الحارث بن عبد كلال كَتب إليه النبي ﷺ كتابًا يُعَدُّ في أهل اليمن، له ذكر في حديث عمرو بن حزم، هذا ليست له صُحبة إنما كان موجودًا يعني في حياة النبي فلم يلقَهُ. وهكذا يقول ابن حجر: الذي تظاهرت به الروايات أنه أرسل بإسلامه للنبي ﷺ وأقام باليمن حتى توفي ﷺ ولم يلقه.
فتعددت الكتب هناك، منها هذا الكتاب إلى بني عبد كلال مع عيّاش بن ربيعة، جاء في رواية ابن سعد في الطبقات يقول: كتب رسول الله ﷺ إلى الحارث ومسروح ونعيم بني عبد كلال من حِمْيَر: "سِلمٌ أنتم ما آمنتم بالله ورسوله، وإن الله وحده لا شريك له، بعث موسى بآياته وخلق عيسى بكلماته، وقالت اليهود عُزير ابن الله، وقالت النصارى الله ثالث ثلاثة، عيسى ابن الله"، ودعاهم إلى الإسلام.
بعث بالكتاب مع عياش بن أبي ربيعة هذا المخزومي، ووصّاه وصية، يقول له كيف تُبَلِّغ الكتب للملوك: إذا جئتَ أرضهم فلا تدخلن ليلاً حتى تُصبِح، ثم تطهَّر فأحسِن طهورك وصلِّ ركعتين واسأل الله النجاح والقبول، واستعذ بالله، وخُذ كتابي بيمينك، وادفعه بيمينك في أيمانهم، فإنهم قابلون -قال: سيقبلون منك- واقرأ عليهم: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ..) إلى آخرها، فإذا فرغت منها قل: آمن محمد وأنا أول المؤمنين، فلن تأتيك حُجة إلا دُحضت، ولا كتاب زُخرف إلا ذهب نوره، وهم قارئون عليك، فإذا رطنوا قُل: (آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
ذهب ونزل بات خارج المنطقة حتى يدخل عليهم في الصباح، يقول له: إذا هُم أسلموا اعمد إلى قُضُبهم الثلاثة -أصنام كانت عندهم- فَحَطِّمها.
خرج عيّاش وبات قبل المنطقة، وأصبح، توضّأ واغتسل وصلى ركعتين، ودعا الله تبارك وتعالى، دروا به فلبسوا زينتهم خرجوا يتلقونه، رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم! فلبس الناس زينتهم احتفاءً برسول رسول الله، فقال: أنا رسول الله ﷺ إليكم، دعاهم ودفع إليهم الكتاب كما أُمر بيمينه، استلموه فوضعه في أيمانهم، فقبلوا كتابه كلهم وأسلموا، الحارث ونعيم ومسروح بنو عبد كلال، فكان كما قاله صلى الله عليه وسلم: "فإنهم قابلون".
هذا كتاب يوشك أن يكون ثاني؛ لأنه في روايات السيرة أنه في كتاب وصل إليهم قَبْلُ، وقال: سأنظر في أمري، الحارث يقول: سأنظُر في أمري. فمعناه أن ذاك متقدم؛ جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل للحارث بن عبد كلال هذا المهاجر بن أبي أمية المخزومي، أخو أم سلمة رضي الله عنها، قَدِم عليه وبلّغه، ووعظه المُهاجر بكلام بليغ يقول له فيه: "قد كان قبلك ملوكٌ ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلاً وأمّلوا بعيدًا وتزوّدوا قليلاً، فمنهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلتهُ النِّقم، وإني أدعوك إلى عبادة الله وحده وإلى اتباع النبي الأمي، واعلم أن لك ربًّا يميت الحي ويحيي الميت، ويعلم ما تخفي الصدور".
قال له الحارث: سأنظر في أمري، فلم يعاجل بالقبول أول الأمر، ثم كان من أمره ما تظاهر أنه أسلم وأرسل بإسلامه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون كتابه مع المهاجر هذا بن أبي أمية قَبْل، ثم كتب له ﷺ.
وجاء في السيرة عند ابن إسحاق وكذلك الطبري في التاريخ، أنه قدم على الرسول ﷺ مَقْدَمَهُ من تبوك في شهر رمضان سنة تسع كتابُ ملوك حِمْيَر: الحارث بن عبد كلال، نعيم بن عبد كلال، النعمان، قَيل ذي رُعَيْن، يعني ملك الجماعة هؤلاء، ومعافِر وهَمْدان، مُقِرِّين بالإسلام، وأرسلوا رسولهم بالإسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث إليه زرعة ذو يزن، مالك بن مُرَّة الرَّهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُنزل رسولهم ويُكرمه، وكتب إليهم ﷺ جوابًا، من أطول ما كتب ﷺ وأجمعها للشرائع من الكتب.
يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله النبي، إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قَيل ذي رعين ومعافر وهمدان. أما بعد ذلكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه قد وَقَعَ بنا رسولكم مُنْقَلَبَنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر ما قِبَلَكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين -أي المقاتلين منهم- وأن الله قد هداكم بهُداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خُمس الله وخمس سهم النبي وصَفِيّه، وما كُتب على المؤمنين من الصدقة: من العقار عُشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغَرْب -نزح- نصف العُشر، وأن في الإبل الأربعين ابنة لَبُون، وفي الثلاثين من الإبل ابن لَبُون ذكرًا، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتين، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيعًا جَذَعًا أو جَذَعَة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وأنها فريضة الله التي فرضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرًا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله. وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم. ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يُرَدُّ عنها وعليه الجزية على كل حالِم -يعني بالغ ذكر أو أنثى حر أو عبد- دينار وافٍ من قيمة المعافر أو عِوَضه ثيابًا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.
أما بعد، فإن رسول الله محمدًا النبي أرسل إلى زُرْعَة ذي يزن أن إذا أتتكم رُسلي فأوصيكم بهم خيرًا؛ معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعُقبة بن نمر ومالك بن مُرة وأصحابه، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مَخاليفكم وأبلغوها رسلي، وأن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلا راضيًا -يدخل يرجع من عندكم وهو راضي مسرور-.
أما بعد، فإن محمدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله، ثم إنّ مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت مِن أول حِمْيَر وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحِمْيَر خيرًا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسول الله هو وليّ غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يُزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكًا قد بلّغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرًا، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم وآمركم بهم خيرًا، فإنهم منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
هذا من أطول ما كتب ﷺ لمّا أنهم قد أسلموا وقاموا، ولاّهم عليهم مهام هناك وفَقّههم في جانب الزكاة، فكتب الكتاب إليهم وأرسله إليهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: فهذه المكاتبات ثبت بها إسلام الحارث وإخوته وحَسُن إسلامهم، حتى شهد له النبي: أنك أسلمت من أول حِمْيَر، والحارث كَتَبَ للنبي ﷺ شعرًا يقول فيه:
ودينك دين الحق فيه طهارةٌ ** وأنت بما فيه من الحق آمرُ
في أثناء قصيدة له.
وقيل إنه وفد بنفسه، وأكثر روايات السيرة أنه أرسل إليه بالإسلام وهو في اليمن، وعلى القول بأنه وفد، قيل إنه قبل أن يدخل قال: "يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجِذَين صبيح الخدَّين." فيكون هذا أحد من جماعته وأصحابه، لأن عامة كتب السيرة والروايات تذكُر أنه لم يقدم بنفسه إلى المدينة، إنما أرسل برسله إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فسيدنا أبو موسى عُدَّ رسولاً إليهم للنبي، لما جاءوا بكتاب ملوك حِمْيَر بإسلامهم، بعث إليهم وإلى أهل اليمن رسوله وعُمّاله، دعاة ومعلمين وولاة: "وإني قد أرسلتُ إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيرًا".
كان سيدنا أبو موسى ومعاذ بن جبل رأس هؤلاء المبعوثين لليمن وأجلّهم، فهم دخلوا في هذه الرسالة وخدمتها عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
رزقنا الله محبتهم وحُسن متابعتهم، وحشرنا في زمرتهم وأرانا وجوههم، وفي البرزخ وفي يوم القيامة وفي دار الكرامة إنه أكرم الأكرمين.
اللهم إنهُ لأجلكَ أحببناهم، فاجمع بيننا وبينهم في دار الكرامة وأنت راض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك أجود الأجودين، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد.
15 ربيع الأول 1448