(635)
(475)
(368)
من دروس السيرة النبوية التي يلقيها العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ضمن دروس الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، رُسُل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رفاعة بن زيد الجذامي - 1
عصر يوم الخميس: 16 صفر 1448هـ
السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه. الحمدُ لله مُكرِمِنا برسالة حبيبه ومصطفاه صلّى الله عليه وآله وصحبه ومن اهتدى بهُداه، وعلى آبائه وإخوانه من رسل الله وأنبياه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.
وبعد: فإنّنا في خلال أيّام الدورات نُعرِّج على شيءٍ ممّا يتعلّق بسيرة سيّدنا الهادي الداعي المُرشد الناصح الدالّ، خيرِ ناصحٍ في البريّة، خيرِ البريّة، محمّدٍ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
وقد تحدّثنا في السنوات الماضية عن عددٍ من الرُّسل الذين أرسلهم سيّدنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ليُبلِّغوا هذا الدينَ وهذه الرسالةَ إلى أقوامهم، وإلى قُرًى وإلى مدنٍ ذهبوا إليها، وكان على يدهم انتشارُ دين الحقّ ونورِ الهدى ودخولُ الناس في دين الله تبارك وتعالى.
وهكذا لم تزل همّةُ كلِّ مؤمنٍ صادقٍ أن يخدم رسالةَ هذا النبيّ ودعوةَ هذا النبيّ وما جاء به هذا النبيّ، ويُبلِّغها إلى كلِّ من استطاع، وبذلك يُسهِم في خدمة الحقّ والدين والشريعة، ومشاركةِ النبيّين والمرسَلين في القيام بأمر الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
وبذلك يُبيِّن ما أمر اللهُ بتبيينه، فيُكرَم بثواب الله تبارك وتعالى وإفضالِه الكبير، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، جعلنا اللهُ وإيّاكم منهم.
وننتهي إلى ذكر المُرسَل الذي أرسله النبيّ محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم، العشرين ممّن ذكرنا، قد ذكرنا تسعةَ عشرَ فيما مضى، وهذا رِفاعةُ بن زيدٍ الجُذاميّ عليه رحمةُ الله تبارك وتعالى.
رِفاعةُ بن زيد بن وهبٍ الجُذاميّ الضُّبَيبيّ، من بني الضُّبَيب، وهم بطنٌ من جُذام، من بني ضُبَيبة بن جُذام، قبيلتُه هذه جُذام قبيلةٌ عربيّةٌ عظيمة، منازلها في أطراف الشام ممّا يلي الحجاز، جبالٌ تُسمّى جبالَ حِسمى وما وَلاها. كان منها هذا الصحابيّ رضي الله تعالى عنه.
وحِسمى أرضٌ يقول عنها الصالحيّ الشاميّ في «سبل الهدى والرشاد»، يقول: إنّها أرضٌ بالبادية غليظة يَنزلها جُذام، ويقال: آخرُ ما نضبَ من ماء الطوفان: حِسمى، (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ)، وآخر ما غاض فيها.
وفيها جاء أيضاً أخبارٌ فيما رواه ابنُ الأثير في «أسد الغابة»، يقول: «الإيمانُ يمانٍ حتّى جبال جُذام، وبارك الله في جُذام». وجاء أيضاً عند ابن نُعيمٍ الأصبهانيّ أنّه قال صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيّة، وهذين الحيّين من لخمٍ وجُذام».
وأسلم عليه رضوانُ الله، هذا سيّدُنا رِفاعة، أسلم في أيّام صلح الحديبية، ورد على النبيّ عليه الصلاة والسلام في أيّام صلح الحديبية قبل خيبر في السنة السادسة من الهجرة.
رِفاعةُ بن زيدٍ الجُذاميّ أهدى إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلامًا، وهذا الذي اسمه مِدْعَم، الذي قُتِل بعد ذلك في خيبر.
وجاء في رواية الطبرانيّ في «المعجم الكبير»: قدِم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هُدنة الحديبية رِفاعةُ بن زيدٍ الجُذاميّ عليه رضوانُ الله، فازوا برؤية سيّدنا محمّدٍ وهم به مؤمنون، وتهيَّؤوا بذلك أنّهم في القيامة له يُلاقون.
ووفَدَ أيضاً على رأس وفدٍ من جُذام بعد أن حمل كتابًا منه، من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي إليهم، وأسلمَ من أسلمَ منهم، وقدِم نحوَ الاثني عشرَ نفَرًا منهم، وقدِموا على النبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم وبارك عليه وعلى آله.
يقول: في «عيون الأثر» قدومُ رِفاعةَ الجُذاميّ. وروى ابنُ منده وابنُ نُعيمٍ في «معرفة الصحابة»، يقول: رِفاعةُ بن زيدٍ قال: قدِمتُ على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنا وجماعة من قومي، وكنا عشرة، وجاء في رواية: اثنا عشرة، خرجوا في اثني عشر رجلاً، وقدموا على سيدنا رسول الله ﷺ، ووفد من وفد عليه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وآمن من آمن، وظفر من ظفر بذلك الخير الكبير.
خرج رفاعة وبعدّته أبناء زيد وحبان وأنيف أبناء ملة، في اثني عشر رجلاً إلى رسول الله ﷺ، وأسلم فحَسُنَ إسلامه، وأجازه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وعقد له لواءً، وأقام بالمدينة المنوّرة أيّامًا يتعلّم القرآن، ثمّ سأل النبيّ ﷺ أن يكتب معه كتابًا يلقاهم ويدعوهم إلى الإسلام.
فلمّا رجعوا قلنا لأنيف: ما أمركم به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: أمرَنا إذا أردنا ذبحَ الشاة أن نُضجِعَها على شقّها الأيسر، ونتوجّهَ القبلة ونذبحَها ونُهريقَ دمَها ونأكلَها ونحمدَ الله عزّ وجلّ.
فكان تعلّموا من فقههم في الدين شؤونَ عباداتهم ومن عاداتهم ومن كيفيّة الذبح وسننه.. أخذوها عنه صلّى الله عليه وسلّم وبارك عليه وعلى آله، وهو الذي بُعِث معلِّمًا لجميع شؤون الحياة. صلواتُ ربّي وسلامه عليه وآله وصحبه ومن والاه.
وهكذا جاء أيضاً أنّهم لمّا سُئلوا قالوا لهم: ما أمركم النبيّ ﷺ؟ قالوا: أمرَنا أن نُضجِعَ الشاةَ على شقّها الأيسر ثمّ نذبحَها، ونتوجّهَ القبلة ونسمّيَ اللهَ عزّ وجلّ ونذبحَ. صلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، ورضي عن جميع أصحابه أجمعين.
وجاء أنّ رسول الله ﷺ قال له: أين منزلُك؟ قال: بينك وبين الشام، قال ﷺ: انطلق بكتابي هذا إليهم وكُن رسولي إليهم.
وكتب له ﷺ كتابًا ورد به على قومه، كتب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمّدٍ رسول الله لرِفاعةَ بن زيد، إنّي بعثتُه إلى قومه عامّةً ومن دخل فيهم، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فَمَن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمانُ شهرين». هكذا جاء في رواية ابن هشامٍ والطبريّ والطبرانيّ. فحمل الكتابَ عليه رضوانُ الله.
جاء في «المغازي» عند الواقديّ يقول: «فمن أقبل منهم فهو من حزب الله وحزب رسوله، ومن ارتدّ فله أمانُ شهرين».
وجاء في «طبقات ابن سعد» يقول: «فمن أقبل ففي حزب الله، ومن أبى فله أمانُ شهرين». وعقد له ﷺ اللواءَ وبعثه إلى قومه.
فلمّا قدِم رِفاعةُ على قومه بكتاب النبيّ ﷺ قرأه عليهم، فأجابوه وأسرعوا وأسلموا وساروا، والحرة منهم هؤلاء الاثنا عشر، ونزلوا وفدًا إلى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
وانتشر بسبب هذا الكتاب، وحمل صلّى الله عليه وسلّم سيّدَنا رِفاعةَ بن زيدٍ الجُذاميّ الإسلامَ في بطونٍ وقبائلَ أخرى ممّن حواليهم، اجتمعت غطفان ووائل ومن كان من سلامات وبهرة حين جاء رِفاعةُ بن زيدٍ بكتاب النبيّ ﷺ فتوجّه إليهم فأسلموا على يديه.
فكان مفتاحَ خيرٍ لقومه، وسببَ بركةٍ ويُمنٍ لقبيلته، وأدخلهم اللهُ الهدى ونورَ الحقّ بسببه، بعد أن لقيَ النبيَّ محمّدًا ﷺ وتعلّم من القرآن ما تعلّم، ثمّ كلّفه ﷺ أن يحمل هذه الأمانة.
وكذلك كان له خبرٌ في قصّة سريّة سيّدنا زيد بن حارثة إلى موطنه حِسمى، وسببه أنّ سيّدنا دِحيةَ الكلبيّ عليه رحمةُ الله ورضوانُه لمّا عاد بعد الكتاب الذي بعثه به النبيّ ﷺ إلى قيصر، ودفع الكتابَ إلى قيصر، وأُهديت هدايا لسيّدنا دِحية، ورجع.
ومع رجوعه مرَّ على بعض الأحياء من قبيلة جُذامٍ هؤلاء، وغاروا عليه وأخذوا ما معه، ما تركوا له إلّا ثيابًا خَلَقة، فبلغ الخبرُ لمن أسلم منهم فجاؤوا وخلّصوه.
فسيّدنا دِحيةُ عليه رضوانُ الله تبارك وتعالى، لمّا قدِم رِفاعةُ بن زيدٍ الجُذاميّ بكتاب النبيّ ﷺ إلى قومه استجابوا له، لم يلبث أن قدِم دِحيةُ بن خليفة هذا الكلبيّ من عند قيصرَ صاحبِ الروم، حين بعثه صلّى الله عليه وسلّم إليه، ومعه تجارةٌ له أيضًا، وكان قيصرُ قد أجازه بحُلّةٍ وكِساء.
لمّا كان بوادٍ من أوديتهم قال له شنار أغار على دِحيةَ الهُنَيدُ بن عوصٍ هذا، وابنُه عوصُ بن الهُنَيد الضُّلَعيّان، والضُّلَيع هذه بطن، يقال لها الضُّلَيِّع، بطنٌ من جُذام.
وأصابوا كلَّ شيءٍ كان مع سيّدنا دِحية، وأخذوه وقطعوا عليه الطريق، ولم يتركوا عليه إلّا شَمل ثوبٍ، بلغ ذلك قومًا من الضُّبَيب، رهطِ رِفاعةَ بن زيدٍ هذا ممّن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهُنَيد وابنه الذين قد قطعوا الطريق، وفيهم من بني الضُّبَيب بن نُعمان بنُ أبي جِعالٍ وغيره، حتّى لقوهم فاقتتلوا فاستنقذوا ما كان مع الهُنَيد وابنِه كلَّه ممّا أخذه على سيّدنا دِحية، وردّوه على دِحية، وخلصوا لدِحية متاعَه كلَّه، فرجع بيَسارٍ من المدينة.
وكان حسّانُ بن مِلّة الضُّبَيبيّ قد صحب دِحيةَ قبل ذلك، وعلّمه دِحيةُ أمَّ الكتاب — يعني الفاتحة — فبقيَ ذلك عنده يعرف له بفضله عليه.
فقدِم دِحيةُ رضي الله عنه على النبيّ ﷺ، فلم يدخل بيته حتّى انتهى إلى باب رسول الله ﷺ دقّه، قال له ﷺ: من هذا؟ قال: دِحيةُ الكلبيّ. قال: ادخل.. وكان قد أرسله بالكتاب إلى قيصر، فدخل فاستخبره ﷺ عن ما كان من هِرَقلَ حتّى أتى على آخر ذلك، ثمّ قال رسول الله: أقبلتُ من عنده حتّى إذا كنتُ بحِسمى أغار عليَّ قومٌ من جُذام، فأخبره الخبر، واستسقاه دمَ الهُنَيد وابنه.
فبعث سيّدنا ﷺ إلى هؤلاء قطّاع الطريق المحاربين منهم زيدَ بن حارثة في جيشٍ معه، فكان سيّدنا زيدٌ يسير الليل ويكمُن النهار حتّى لا يبلغهم الخبر، ومعه دليلٌ من بني عُذرة يريه أماكنهم والطريق ومكانَ هؤلاء الذين يقطعون الطريق ويؤذون المارّة وعدَوْا على سيّدنا دِحية عليه رضوانُ الله.
هجم الجيشُ مع الصبح على الهُنَيد وابنه ومن كان في محلّته، قتلوا الهُنَيد وابنه ورجلين من بني الأحنف ورجلًا من بني الخصيب، وأصابوا من النَّعَم ألفَ بعير، ومن الشاة خمسةَ آلاف، من الشاة، ومن السبي مئةً من النسوان والصبيان.
كان رِفاعةُ بن زيدٍ بكُراعٍ رَبّى بظهر الحَرّة بعيدًا لم يعلم بشيء، معه ناسٌ من بني الضُّبَيب، وسائرُ بني الضُّبَيب بوادي مَدانَ في أماكن ما دَرَوْا بشيءٍ الذي حصل هناك. فلمّا سمع بنو الضُّبَيب بالغارة ركب نفرٌ منهم إلى الجيش، فيهم حسّانُ بن مِلّة وهُنَيدُ بن مِلّة.
فلمّا وقفوا على زيد بن حارثة قال حسّان: إنّ قومًا مسلمون، قال لهم: فاقرؤوا أم الكتاب.. فقرأه حسّانُ الذي علّمه دِحيةُ آيةَ أمِّ الكتاب، قرأه، فقرأ حسّان، وكان زيدٌ إنّما يمتحن أحدَهم بأمّ الكتاب لا يزيده.
فقال سيّدنا زيدُ بن حارثة: نادوا في الجيش إنّ الله قد حرّم علينا ثُغرةَ القوم التي جاؤوا منها إلّا من خَتَرَ — يعني نقض العهد — إنّه قد حرّم علينا ما أخذناه منهم بقراءة أمّ الكتاب! انتهى، شفعت لهم الفاتحة، هؤلاء مسلمون وردّوا ما أخذتم من قومهم، وإن كان فيهم من يقاتل.
فأخبره بعضَ أصحابه عنهم بما أوجب أن يحتاط، قال: لا، هؤلاء البقية ليسوا مسلمين، وقاعدين يقطعون الطريق هنا ويعملون.. قال: هم في حكم الله، ونهى الجيش أن يهبطوا واديَهم، فتأخّر في تسليم السبايا حتّى ينظر الأمرَ فيهم.
وإذا بأخت حسّان بن مِلّة هذا، امرأةِ أبي وَبْرٍ، قال له زيد: خُذها، أُخذت بحَقْوَيها. قالت: أمُّ الفزر الضُّلَعيّة، أتنطلقون ببناتكم وتذرون أمّهاتكم؟ قال أحدُ بني الخصيب: إنّها بنو الضُّبَيب، وسِحرُ ألسنتهم سائرَ اليوم لهم. فسمعها بعضُ الجيش فأخبر بها زيدَ بن حارثة، فأمر بأخت حسّان فكُفّت يداها، وقال لها: اجلسي مع بنات عمّك حتّى يحكم اللهُ فيكنّ حكمه.
فرجعوا، ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاؤوا منه، قال: هذا وادٍ فيه مسلمين ولا تقربوهم، فأمسَوْا في أهليهم.
وركبوا بعد ذلك منهم جماعةٌ إلى رِفاعةَ بن زيدٍ الذي جاءهم بكتاب الأمان من عند النبيّ ﷺ حتّى وصلوا إليه، صبّحوا سيّدنا رِفاعة وهو في مكانٍ بعيدٍ بكراع ربة، على بئرٍ هنالك. قال له حسّانُ بن مِلّة: إيه، إنّك لجالسٌ تحلُب المَعزى ونساءُ جُذامٍ أسارى قد غرها كتابُك الذي جئت به، -بالأمانة من عند النبيّ ﷺ-.
قال: فدعى رِفاعة بن زيدٍ بجملٍ له، فجعل يشدّ عليه رحلَه وهو يقول: هل أنت حيٌّ أو تنادي حيًّا؟ ومضى حتّى وصل إلى عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقطع المسافة في ثلاثة أيّامٍ وهي بعيدة.
ووصلوا إلى النبيّ ﷺ، فلمّا دخلوا المدينة وانتهوا إلى المسجد رآهم ﷺ ورأى الناسَ، ألاح إليهم بيديه: تعالَوْا من وراء الناس، فلمّا استفتح رِفاعةُ بن زيدٍ المنطق قام رجلٌ من الناس قال: يا رسول الله، هؤلاء قومٌ هؤلاء قوم سحرة، فرددها مرتين، قال رِفاعةُ بن زيد: رحم اللهُ من لم يَحدنا في يومه هذا إلّا خيرًا.
ثمّ دفع رِفاعةُ بن زيدٍ كتابَه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي كان كتبه له، قال: دونك يا رسول الله قديمًا كتابَه حديثًا غدرَه. قال ﷺ: اقرأه يا غلام وأعلن، فلمّا قرأ كتابَه استخبره، فأخبروه الخبر، قالوا: حصل كذا وكذا، والآن زيدٌ أخذ وردّ على الناس هذا مالَهم لكن أخّر السبايا ويريد فيهم حُكم الله تبارك وتعالى.
فقال صلّى الله عليه وسلّم: كيف أصنع بالقتلى؟ ليش يستعجل زيدٌ ويقتل هؤلاء وفيهم من قومهم يعني مسلمين، ما هم قطّاع طريقٍ كانوا؟ قال له رِفاعة: أنت يا رسول الله أعلم، لا نُحرِّم عليك حلالًا ولا نُحلِّل لك حرامًا.
قال أبو زيد بن عمرٍو: أطلِق لنا يا رسول الله، من كان حيًّا، مَن قُتِل فهو تحت قدميّ هاتين.. قد قاتلهم أصحابك وكانوا كفّارًا لم يعلموا بعدُ بإسلام جماعةٍ من قومهم، فقال ﷺ: صدق أبو زيد.
قالوا: فابعث يا رسول الله رجلًا يُخلّي بيننا وبين حُرَمنا وأموالنا يفكّهم زيد، قال ﷺ: اركب معهم يا عليّ، قال سيّدنا عليّ: ربّما لا يطيعني زيدُ بن حارثة إذا جئت إليهم، قال: خذ سيفي هذا وقل له: هذا سيفُ رسول الله، يقول لك: رُدّ على الناس سبيَهم.
فأخذ السيفَ سيّدُنا عليّ، وكان ما عنده شيءٌ يركب عليه، قال بعض القوم: هذا جمل. ركبه سيّدنا عليّ ومشى وخرج معهم. فحمله رسول الله ﷺ على جملٍ — يقول الطبريّ: على جمل لثعلبة بن عمرٍو، يقال له: المكحال.
خرجوا حتّى لقوا رافعَ بن مَكيثٍ بشيرَ زيد بن حارثة على ناقةٍ من إبل القوم، فأنزلوه عنها، قالوا: هذه الناقة حقنا، جاء بها معه زيد.. فأنزلوه عنها، قالوا: انزل. فقال: يا عليّ ما شأني؟ ما هؤلاء يأخذون ناقتي؟ قال: مالهم، عرفوه، هذا مالَهم. عرفوه فأخذوه. رُدّها؛ رَدّها عليهم، رُدّ لهم جملهم فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمرنا أن نردّ لهم مالَهم وسباياهم.
فرجع رافعُ بن مكيثٍ مع عليٍّ عليه السلام رديفًا حتّى لقوا زيدَ بن حارثة، فلقيه، قال له فإن النبيّ ﷺ يأمرك، أن تردّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسيرٍ أو سبيٍّ أو مال. قال سيّدنا زيد: علامة من رسول الله؟ قال: خذ، رأى السيفَ عرفه هذا، سيفُ النبيّ محمّدٍ ﷺ.
فعرف زيدٌ السيف، نزل، صاح بالناس، اجتمعوا، قال: من كان بيده شيءٌ من سبيٍّ أو مالٍ فليردّه، فهذا رسولُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، جاءنا عليٌّ من عند النبيّ ومعه العَلَم ويأمرنا بهذا.
فردّوا الغنيمة كلَّها، فرُدَّ إلى الناس كلُّ ما أُخِذ منهم، حتّى لم يُبقِ شيءٌ إلّا وأرجعه إليهم، مع أنّه قد قسم بينهم، حتّى يقول مِحجنٌ الدَّيليّ قال: كنتُ في السريّة، صار لكلّ رجلٍ سبعةُ أبعرةٍ وسبعون شاةً، ويصير له من السبي المرأة والمرأتان، وردّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك كلَّه إلى أهله.
يقول:
وبعثه خامسة لحسمى إلى جُذام فأتاهم هجما
صُبحًا على القوم أصابوا العارضةَ وأبو هُنَيد المعارضة
في قومه لدِحيةَ الكلبيِّ فقطعوا طريقه بالقيِّ
وكان زيد معه خمسمئة فأخذوا الأنعامَ والسبي فئة
مئة النساء والصبيانَ فجاء زيد من جُذام كانَ
معه كتابُ المصطفى إذ أسلما له وللقومِ فسال المَغنما
أموالهم مع حريمهم فَرَد كُلًّا إليهم وافيًا بما عَهِد
فهذه السريّة كانت بعد الحديبية في شهر جمادى الآخرة من السنة السادسة من الهجرة، وانتشر الإسلامُ في قبيلة جُذامٍ؛ حتّى أنّ الرومَ قتلوا عاملَهم على جُذامٍ لمّا علموا بإسلامه.
كان رجلٌ من جُذامٍ يقال له فروةُ بن عمرٍو، بعث إلى رسول الله ﷺ بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء.
فروة كان عامل للروم -تبع دولة الروم، على ما يليهم من العرب- وكان منزله مُعان، معروفة في أرض الأردن وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم بإسلامه طلبوه، فجاء ما يظن بهم إلا خير، فحبسوه عندهم ثم أخرجوه ليضربوا عنقه، فقال:
أبلغ سراة المؤمنين بأنني ** سِلمٌ لربي أعظمي ومقامي
فضربوا عنقه وصلبوه.. لا إله إلا الله.
وكان سيدنا رفاعة هو الذي أهدى مِدعماً، غلاماً للنبي ﷺ، وجاء أنه خرج مع النبي ﷺ في غزوة خيبر بعد ذلك.
قال: انصرفنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى، ومعه غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، فبينا هو يضع رحل رسول الله مع مغيرب الشمس، أتاه سهمٌ غَرْبٌ -يعني من اليهود- فقتله، فقُلنا: هنيئًا له الجنّة! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كلّا، والذي نفسُ محمّدٍ، إنّ الشملة الآن لتحترق عليه في النار. قالوا: ما الشملة؟ قال: غلّها مِن فيء المسلمين يوم خيبر قبل القسمة.. وأخذ الشملة أعجبته، وأخذها قبل القسمة، فصار عُذِّب بسبب ذلك والعياذ بالله تبارك وتعالى.
فما أخطرَ أخذَ حقوق المسلمين وأموالهم! فجاء رجلٌ النبيَّ ﷺ فزِعًا حين سمع ذلك، قال: يا رسول الله، أصبتُ شِراكين لنعلين لي، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يُقَدُّ لك مثلُهما في النار! شِراكين من نار، تلبسهنّ في الآخرة بسبب أنّك أخذت شِراكين للنعل من الغنيمة قبل القسمة. فصاروا يخافون حتّى يردّ الرجلُ الخرزةَ وأيَّ شيءٍ من الغنيمة، ولا يمسّوا شيئًا حتّى يقسمها صلّى الله عليه وسلّم بينهم.
وبقيَ بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى توفّي بالشام عليه رضوانُ الله، كما يأتي بقيّةُ خبره. وهكذا شأنُ هذه الرسالة، ومعاناةُ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم لتبليغ هذا الدين، وبيانِ هذا الوحي الذي نزل عليه، وأداء هذه الأمانة التي كُلِّفها، حتّى نشر اللهُ الدينَ في الشرق والغرب، وكان من بركات ذلك بقاءُ هذا الإسلام إلى أن نجتمع في هذه الاجتماعات وفي هذه الدورات، من جُهد أولئك وصبر أولئك وتحمُّل أولئك عليهم رضوانُ الله تعالى في بلاغ هذا الدين.
واللهُ يرزقنا نصرتَه ونصرةَ رسوله ودينِ الحقّ، ويجعلنا من خواصّ أنصاره ظاهرًا وباطنًا، في لطفٍ وعافية، بسرّ الفاتحة إلى حضرة النبيّ محمّد ﷺ.
16 صفَر 1448