الأربعين في أصول الدين - 50 | خاتمة الكتاب: مناظرة النفس وتزكيتها
الدرس الخمسون والأخير للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. مواصلة شرح: خاتمة في مناظرة النفس
في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن
مساء الإثنين 5 جمادى الأولى 1447هـ
يبيّن الحبيب عمر بن حفيظ في خاتمة الأربعين أن أخطر عدو للإنسان ليس إبليس ولا الخلق، بل نفسه التي بين جنبيه، يجب محاسبتها ومجادلتها، لأن من تركها هلك، ومن ناظرها وصدّها سَلِم..
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:
"وتقولُ: يا نفسُ؛ ما الذي تطلبينَ مِنَ الدُّنيا؟ إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ- فقد تكونُ في اليهودِ جماعةٌ أغنىٰ منكِ.
وإن طلبتِ الجاهَ ونلتِ -وهيهاتَ- فيكونُ في أجلافِ الأتراكِ وحمقى الأكرادِ مَنْ يستولي عليكِ، ويكونُ جاهُهُ أعظمَ مِنْ جاهِكِ.
فإن كنتِ لا تدركينَ آفةَ الدُّنيا، وشدَّةَ عذابِها في الآخرةِ وبلائِها.. أفلا تَترفَّعينَ عنها لخِسَّةِ شركائِها؟!
أمَا تعلمينَ أنَّكِ لو أعرضتِ عنِ الدُّنيا، وأقبلتٍ على الآخرةِ.. لكنتِ واحدةَ العصرِ، وفريدةَ الدَّهرِ، لا يُوجَدُ في الأقاليمِ نظيرُكِ؟
وإن طلبتِ الدُّنيا.. كانَ في اليهودِ والحمقى مَنْ سبقَكِ بها، فأُفّ لدنيا سبقَكِ بها حميرٌ، فتفكَّري يا نفسُ، وانظري لنفسِكِ؛ فلا ينظرُ لكِ أحدٌ غيرُكِ.
وكذلكَ لا تزالُ تناظرُ نفسَكَ حتَّىٰ تطاوعَكَ علىٰ سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ إلى اللهِ تعالىٰ".
الحمدلله مكرمنا بنور البيان وإشراق أنوار الإسلام والإيمان والإحسان وسطوع شموس العرفان؛ لكل مقلل عليه بالصدق تطهر عن الأدران والران، وصدق معه تعالى في السر والإعلان.
ونشهد أن لا إله غيره ولا رب سواه، وحده لا شريك له، أرسل إلينا عبده المختار. فنشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إليه والدال عليه والمبين السبيل الموصل إليه، والمحذِّر من كل ما يقطع عنه -سبحانه وتعالى- ويمنع القرب من حضرته العلية.
صلِّ اللهم وسلم وبارك على الهادي إليك والدال عليك عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله المطهرين وأصحابه الغر الميامين، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين، وآلهم وصحبهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد،،
فقد أقسم الله بمظاهر قدرته وإيجاده وخلقه في الكائنات أن هذه النفس (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)[الشمس:9-10].
فالفلاح منوط بتزكية هذه النفس، وطهارتها عن الرجس وعن جميع الدَّرَنِ، وعن جميع الغش والغل، وما لا يرضى الملك القدوس سبحانه وتعالى. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها يا أكرم الأكرمين.
والطريق إلى التزكية ما ذُكِرَ وأشار إليه، وما مضى في صفحات هذا الكتاب من العلم المقرون بالعمل والإخلاص والصدق، والأخذ عن أهل التزكية المسلسلة بالتزكية من المزكي صلى الله وسلم وبارك عليه وآله، الذي ائتمنه الله على تزكية عباده:
- في قوله: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [آل عمران:164]
- وفي قوله -سبحانه وتعالى-: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الجمعة:2].
- ويقول -سبحانه وتعالى-: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:151-152].
وجعل في خاتمة الكتاب مخاطبة النفس ومعاتبتها وإيقافها على الحقائق، والنهوض بها وتحريك همتها وسيرها ووجهتها، وتخليصها مما يطرأ عليها في خلال اليوم والليلة من درن الأغيار والالتفات إلى الكائنات. فبهذا التنبيه ودوام هذا التوجيه تدوم لها التصفية والتنقية، وإذا صفت وزكَت كانت محلًا لتجلي الملك القدوس بعطائه النفيس وجوده الأسنى سبحانه وتعالى.
يقول: "وتقولُ: يا نفسُ؛ ما الذي تطلبينَ مِنَ الدُّنيا؟" ماذا؟ مال أو جاه؟ "إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ-" بمعنى: لا تجدين منه إلا جزءًا وبعضًا يأتي بغُصَص وبأتعاب، ويأتي أيضًا وقد أخذ منك جهدًا ومشقة وعناءً. والمصيبة إن أخذَ منك دينًا وأخذَ منك نورًا واستبدلتيه بالظلمة في مقابل أخذ هذا المال، ولكن مهما حصَّلتِ من هذا المال، قال: "فقد تكونُ في اليهودِ جماعةٌ أغنىٰ منكِ"، وهم ممن غضب الله عليهم، وممن لعنهم والعياذ بالله تعالى؛ فلو كان في هذا خير وشرف وكرامة ما أعطاهم إيّاها، و"لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربةَ ماءٍ"؛ فضلًا عما يكون من تلك الوفرة؛ بمعنى: أنه يعالج الوهم الذي ينازل النفوس أن بالثروة والمال شرفٌ أو عزة، وما فيه إلا شهوة النفس ثم طريقة استعماله فيما يكون، ومن سلم من آفاته بأن:
- لم يأخذه إلا من حِلِّه.
- ولم ينفقه إلا في محلِّه.
- مع كونه لم يلهه عن ذكر الله.
فهذا وحده الذي يتقرب بالمال إلى الله.
فهو أيضًا لن يقدر أن يحصل مال الدنيا كله، ولكن يأخذ الجزء الذي قُسِم له وقُدِّر له، فإذا صدق في أخذه وإنفاقه، لأن كل قليل أو كثير منه يقابله في المرجع سؤالان: من أين اكتسبه؟ وفي ما أنفقه؟ قل أو كثر، لا بد من سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفي ما أنفقه؟
وهذا الوهم عالجه الحق -تبارك وتعالى- وقال: "وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً " يعني: بما جعلنا فيهم من هذه الطبيعة والتكوين على هذا الهوى والميل إلى المال، (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: يرجعون كلهم إلى الكفر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا) قال: ولو خصَّصْنا هذا بالكفار وأغدقناه عليهم لصار أكثر الناس كفارًا أو كلهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- يكون الناس أمة واحدة (وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف:33-35].
ولهذا يقول في منظومته أحد العلماء الأدباء في نصيحة النساء، ورفع همتهن إلى أن لا يتوهمن الفخر والشرف بالمال والكساء والمظاهر، يقول:
الفخر ليس بالحرير والذهب *** ولا بلبس سندسٍ ولا قصب
ففي نساء الفرس والنصارى *** من الحلي ما غلا مقدارا
وكله فانٍ وإن جاء الأجل *** أفضت إلى ما قدمت من العمل
فالاقتداء بالبتول الزهراء *** وأمهات المؤمنين أحرى
فالاقتداء بالبتول الزهراء *** وأمهات المؤمنين أحرى
وهذا الوهم يقوِّيه الشيطان وينمِّيه في أذهان كثير من الناس؛ حتى يظنون أن حقيقة من حقائق السعادة أو الفخر في المال. قال والله تعالى يعطيه من كفر ومن بعُدَ عنه، اعتبارًا لمن عقل أنه ليس فيه الكرامة.
وإن نلتِ منها ما لقارون لم تنلْ *** سوى لقمةٍ في فيكِ منها وخرقةِ
أتنفق هذا في هوى هذه التي *** أبى الله أن تسوى جناح بعوضةِ
ويقول الإمام الحداد في أبياته:
وَازْهَدْ بِقَلْبِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي فَتَنَتْ *** طَوَائِفًا……..
تعرف طوائف؟ طوائف.. طوائف.. ما هي طائفة واحدة ولا اثنين ولا ثلاثة! طوائف فتنتهم هذه الدنيا.
وَازْهَدْ بِقَلْبِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي فَتَنَتْ *** طَوَائِفًا فَرَأَوْهَا غَايَةَ الطَّلَبِ
تَنَافَسُوهَا وَأَعْطَوْهَا قَوَالِبَهُمْ *** مَعَ القُلُوبِ فَيَا لِلَّهِ مِنْ عَجَبٍ
وَهْيَ الَّتِي صَغُرَتْ قَدْرًا وَمَا وَزَنَتْ *** عِنْدَ الإِلَهِ جَنَاحًا فَالحَرِيصُ غَبِي
وتقولُ: "يا نفسُ؛.. إن طلبتِ المالَ ووجدتيهِ -وهيهاتَ-" كم تجدين منه!
"وإن طلبتِ الجاهَ ونلتِ -وهيهاتَ- فيكونُ في أجلافِ الأتراكِ -يقصد بهم: البادية- وحمقى الأكرادِ -يقصد بهم: البادية كذلك- مَنْ يستولي عليكِ، ويكونُ جاهُهُ أعظمَ مِنْ جاهِكِ"، و"إنَّ العبدَ ليُنشرُ لهُ مِنَ الثناءِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، وما يزنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ"، وماذا عسى أن تحصِّلي من هذا الجاه؟ ولو حصّلتِ أن أهل الدنيا كلهم احترموكِ ووقروكِ -هذا ما يحصل؛ هذا ما حصل ولا يحصل- لو فرضنا، ما هي إلا سنوات ولا أنتِ ولا هم، وما النتيجة؟ ما الغاية؟ إيش العاقبة؟ ما النهاية؟ ما الثمرة؟ وإذا قد صرتم بين يدي الحكيم القوي القادر يجازيكم على ما فعلتم، وانتهى الجاه وما عاد نفع، كيف وهو ما يستقيم حتى في المدينة الواحدة والقرية الواحدة لواحد؟ ولا بد من مُثْنٍ عليك وشامتٍ.
ليسَ يخلو المرُْ عنْ ضدٍّ وإنْ *** حاولَ العزلةَ في رأسِ جبلْ
معتزل وحده في رأس الجبل فوق! وليش ما معه أحد! فيه شيء عنده لابد، ما يطلع هناك إلا ما أدري ايش تحت رأسه؟ ويتكلمون عليه؛ وهو اعتزلهم وتركهم وجالس وحده في مكان بعيد؛ ولكن لا بد من شامتين ولا بد من معادين، سبحان الله! ولنا العبرة كبرى في ذلك أنبياء الله: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) [الأنعام:112].
يقول بعد ذلك: "فإن كنتِ لا تدركينَ آفةَ الدُّنيا، وشدَّةَ عذابِها في الآخرةِ -يعني: على حرامِها- وبلائِها.. أفلا تَترفَّعينَ عنها لخِسَّةِ شركائِها؟! أمَا تعلمينَ أنَّكِ لو أعرضتِ عنِ الدُّنيا، وأقبلتٍ على الآخرةِ.. لكنتِ واحدةَ العصرِ، وفريدةَ الدَّهرِ، لا يُوجَدُ في الأقاليمِ نظيرُكِ؟ -في المنزلة والشرف والكرامة الحقيقية وعند الله تبارك وتعالى- وإن طلبتِ الدُّنيا.. كانَ في اليهودِ والحمقى مَنْ سبقَكِ بها".
لذا يقول بعض العارفين: ما مددت يدي إلى شيء من الدنيا إلا وجدت فاجرًا قد سبقني إلى مثله.
يقول: "فأُفّ لدنيا سبقَكِ بها حميرٌ"، أُناسٌ أقل من الأنعام كما وصفهم ذو الجلال والإكرام -جل جلاله وتعالى- فعلًا يقول جل جلاله وتعالى: (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179]
يقول: "فتفكَّري يا نفسُ، وانظري لنفسِكِ؛ فلا ينظرُ لكِ أحدٌ غيرُكِ"، إذا لم يكن للإنسان واعظ من نفسه لم تنفعه المواعظ، من لم يكن له من نفسه واعظٌ لم تغنه المواعظ.
إذا لم يسُقْها سائقٌ من ضميرها *** وإلا فأعيَتْ سائقًا بعد سائقِ
قال: وما حكَّ جلدك مثل ظفرك.
ولهذا يقول: ما حد بينظر لك الخير، لا إبليس ولا أقران سوء، ولكن انظري لنفسك وانتبهي. "وكذلكَ لا تزالُ تناظرُ نفسَكَ حتَّىٰ تطاوعَكَ علىٰ سلوكِ الصِّراطِ المستقيمِ إلى اللهِ تعالىٰ" يقول:
والقبرُ إمَّا روضةٌ نعيمه *** نعم وإلا حفرةٌ جحيمه
فاعمل لنفسك لا تكن بهيمه *** تجري ولا تدري بعظم
الأخطار
فكذلك تُناظِرُ هذه النّفس وتوقفها على اليقين بأنّ مصلحتها طاعة ربّ العالمين، وأنّ خير الدّنيا والآخرة في تقوى الله وطاعته، وأنّ شرّ الدّنيا والآخرة في معصية الله ومُخالفته، حتى تُطاوعك على سلوك الصراط المستقيم إلى الله تبارك وتعالى؛ فإنّها إذا أُلِّفت الخير أَلِفَته؛ إذا اعتادت الخير ألِفَته، النّفس تألَف الخير بعد ذلك إذا ألِفَته وإن كان شاقًّا عليها في البداية، ثم تصير تستحليه، ما عوَّدْتَها تَعوَّدت.
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على *** حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم
فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ *** إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ
الهوى: هَوَى النّفس، إمّا يُصمِ يعني: يقتل، أو يَصِم: يوقعك في الوَصْم والعار.
إمّا يُصمِ: يقتل، أو يَصِم: يوقعك في الوصم وفي العار وفي الخِزْي والعياذ بالله تبارك وتعالى.
…….……. *** إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ
لا تتبع النفس في هَواها *** إن اتباع الهوى هوان
ولهذا يقولون عن الهوى: هو هَوَان سُرِقت نونه، نُونُه حُذفت، وإلا هو هَوَان.
- قال تعالى لنبيّ من أنبيائه: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص:26]
- ولِذَا يقولون: إنّ قُطرة من الهوى تُخمِّج بحرًا من العلم؛ لو كان بحرًا من العلم وجاءت قُطرة من الهوى يتخمّج البحر كلّه.
فكيف إذا صِرنا في زمن يحمل النّاس فيه بحرًا من الهوى وقُطرة من العلم؟ أيش القطرة عند هذا البحر؟ لو كان بحر من العلم ولكن قطرة من الهوى لأفسدته.
اعْلَمْ هُدِيْتَ وَخَيْرُ العِلْمِ أَنْفَعُهُ *** أنَّ اتبَاعَ الهَوى ضَرْبٌ مِنْ الخَبَلِ.
فَكَمْ وَكَمْ ضلَّ بالأَهْوَاءِ وَطَاعَتِهَا *** مِنْ عَاقِلٍ جَامِعٍ لِلْعِلْمِ وَالعَمَلِ.
عاقل وعنده علم وعنده عمل؛ جاءه الهوى! تركه إنسانًا ثانيًا ما عاد يعرف ولا يتراجع وهَوَى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
اللهم اجعل هوانا تبعًا لما جاء به نبيّك محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم، وهو القائل: "لا يُؤٔمِنُ أَحَدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جِئْت به". اللهم اجعل هوانا تبعًا لِمَا جاء به حبيبك المصطفى.
وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
"هٰذهِ المناظرةُ أهمُّ لكَ -إن كنتَ عاقلاً- مِنْ مناظرةِ الحنفيَّة والمعتزلةِ وغيرِهِم، فلِمَ تُعاديهِم وتُجادلُهُم ولا يَضرَّكَ خلافُهُم ولا خطؤُهُم ولا خطأَ غيرِهِم، ولا هم يقبلونَ منكَ، ولا أنتَ تقبلُ منهُمُ الصَّوابَ وإن صارَ أظهرَ مِنَ الشمَّسِ، وتتركُ أعدىٰ عدوّكَ بينَ جنبَيكَ، لا تنازعُهُ ولا تناظرُهُ، بل تساعدُهُ علىٰ ما يُطالِبُكَ بهِ مِنْ شهَواتِهِ الباطلةِ الباطنةِ، فتستنبطُ بالفكرِ الدَّقيقِ الحِيَلَ لقضاءِ شهَواتِهِ؟! هل هٰذا إلَّا عينُ الانعكاسِ والانتكاسِ علىٰ قِمَّةِ الرأسِ؟!
هل رأيتَ قطَّ رجلاً يشاهدُ تحتَ ثوبِهِ حيَّاتٍ وعقاربَ، أقبلَتْ عليهِ لتُهلِكَهُ، فأخذَ المِروحةَ ليدفعَ الذُّبابَ عن وجهِ غيرِهِ ؟! فهل يَستحِقُّ مَنْ يفعلُ ذلكَ إلَّا الخزيَ؟!
فاعلمْ: أنَّ هٰذا حالُكَ في اشتغالِكَ بمناظرةِ غيرِكَ، وإعراضِكَ عن مناظرةِ نفسِكَ، وفي هٰذا المَعرِضِ يَنكشِفُ لكَ رُوحُ عملِكَ يومَ تُبلى السَّرائرُ، كما نبَّهتُكَ على كيفيَّةِ مُكاشفاتِ الآخرةِ بأسرارِ الأعمالِ وأرواحِها، وما لم تناظرْ نفسَكَ مُدَّةً طويلةً.. فإنّها لا تُخلِّيكَ لمناجاةِ ربِّك وذِكرِهِ والإقبالِ عليهِ".
جل جلاله
إن شَغَلْتها وإلا شَغَلَتَك:
- إن شَغَلْتها بالخير وإلّا شَغَلَتَك بالشر.
- إن شَغَلْتها بالهدى وإلا شَغَلَتَك بالضلال.
- إن لم تشْغَلها بالنور شَغَلَتَك بالظلمة.
فالنفس قاعدة وجاهزة للشُّغل، إما تشغلها بخير وإلا تشغلك بشر.
وهكذا يقول، فالمُناظرة هذه للنفس خير، وعاب عما يتعلّق ببعض المسلمين يُناظرون بين المذاهب وهي مذاهب صحيحة ثابتة بالأدلّة واجتهادات أربابها، أو حتى بينهم وبين المخالفين للسنة الآخرين، قال: الشغل الكبير بهذه المناظرات مع الاسترسال في هوى النفس وتركها من دون مناظرة وهي أعدى الأعداء؛ هذا من الحمق ومن الغفلة وممّا يُسبب لك الهلاك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ فاشتغالك بهذه النّفس أولى.
وأمّا مُجادلات لا تقبَل فيها الحق ولا يقبَلُه منك المناظر لك ولو وَضَح لك وضوح الشمس؛ فهي مجادلات عقيمة نُهينا عنها.
- "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجَدَلَ".
- إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْعَمَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا فَتْحَ لَهُ بَابَ الْجَدَلِ، وَأَغْلَقَ عَنْهُ بَابَ الْعَمَلِ.
عملهم صفر؛ لا له قيام ولا له حضور مع الله، ولا له تدبر في التلاوة، والجدال مستعدّ ليل ونهار، بيُجادِل وبيُخاصِم؛ فاشتغاله بالعمل المُقرِّب لله خير له وأولى.
- (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت:46] يقول الله سبحانه وتعالى.
والجدال بغير الحسنى نوع من الفساد الذي يُؤدي إلى العذاب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وإلى إضاعة الحق كذلك.
فما ينبغي أن تساعد نفسك الأمّارة وتروح تجادل غيرك من الناس، قال: ويصير مَثَلَك مثل: واحد رأى حية وعقرب عند ثوبه فأعرض عنها وأخذ مروحة… مالَك؟ قال: بأُبْعِد الذباب عن وجه أخي… أولًا نقِّ نفسك من الحيّة تراها بتقتلك في سَمِّها، والعقرب بيلسعك لسعة شديدة، وبعدين احمل المروحة وذُبَّ الذباب عن وجوه الناس، لكن أول انتبه لنفسك.
أو واحد أقبل عليه سبع مفترس وأسد، وأقبلت بعوضة؛ قام اشتغل بيدافع البعوضة، قال: هذه تلسع وتجئ بالملاريا. طيب شوف الأسد بيأكلك كَُلّك! تخلص أولًا من الأسد، وخلّ البعوضة تلسع وشأنها فيما بعد؛ هذا الأمر الخطير الكبير يتركه الذي يؤديه إلى الهلكة، ويقوم يشتغل بشيء حقير ويسير يدّعي أن فيه نفعًا.
قال: "هٰذا حالُكَ في اشتغالِكَ بمناظرةِ غيرِكَ، وإعراضِكَ عن مناظرةِ نفسِكَ".
قال: "وفي هٰذا المَعرِضِ يَنكشِفُ لكَ رُوحُ عملِكَ يومَ تُبلى السَّرائرُ"، كما تقدّم انكشاف الحقائق للتّنين والعذاب في الآخرة، الذي يترتب على حرقة فراق المألوف والمرغوب فيه، وكذلك خجل ظهور الفضيحة والقبائح، ثم الحسرة على فوات المحبوب، (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم39-40]، وبئست النّدامة ندامة يوم القيامة. نعوذ بك اللّهمّ من الحسرة في يوم القيامة، ومن نَدامة يوم القيامة، وجنِّبنا ما يوجب النّدامة، ونعوذ بك من كلّ حركة أو سكون يعقِبها حسرة أو ندامة في الدّنيا ويوم القيامة، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
قال: "وما لم تناظرْ نفسَكَ -وتُهذِّبها وتُتابِعها- مُدَّةً طويلةً.. فإنّها لا تُخلِّيكَ لمناجاةِ ربِّك وذِكرِهِ والإقبالِ عليهِ" أبدًا، بل تشغلك وتجيب لك كذا كذا فكرة، وكذا كذا همّ، وكذا كذا غمّ، ولا تَصفُو لك المناجاة مع الله -سبحانه وتعالى- حتّى تَصفو نفسك وتتزكّى. اللّهمّ آتِ نُفُوسنا تقواها وزكّها أنت خير مَن زكّاها أنت وليُّها ومولاها.
"أَعْدَى عَدُوَّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ".
وقال المؤلف رحمه الله -ورضي الله عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين آمين:
"ثمَّ طريقُكَ معَ النَّفْسِ إذا خالفَتْكَ: أن تعاقبَها بما يَزجُرُها، وتعلمَ أنَّها كالكلبِ، لا يَتأدَّبُ إلَّا بالضَّربِ.
وإن أردتَ أن تَتعلَّمَ طريقَ مُناظرتِها ومُراقبتِها، ومُحاسبتِها ومُعاقبتِها.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ المحاسبةِ والمراقبةِ) مِنَ (الإحياء)، فإنَّ هٰذا الكتابَ لا يَحتمِلُهُ.
واللهُ تعالىٰ يُوفِّقُنا وإيَّاكَ لإقامةِ الخيراتِ واكتسابِ الطاعاتِ بفضلِهِ وسَعةِ جُودِهِ".
آمين آمين اللهم آمين.
قال: "ثمَّ طريقُكَ معَ النَّفْسِ إذا خالفَتْكَ -وعاندتك-: أن تعاقبَها"؛ لأنها ما ترجع إلا بذلك. العجيب أنّ خاطر الشّيطان وَمَن معه من الشّياطين ينصرف بذكره الرّحمن، إذا ذكر الرّحمن انصرف عنه؛ لكن مراد النّفس وهواها ما ينصرف؛ ما ينصرف بالذكر إلا إذا استغرق الذّكرُ القلبَ، أما دون الاستغراق؛ ما ينصرف خاطر النّفس بالذّكر.
وما يضعف إلا باستشعار الموت؛ إذا استشعر الموت والانتقال من الحياة؛ يبدأ خاطر النّفس هنا ينكسر ويضعف، وإلا من دون ذلك..لا، تقول لها: الدّنيا فانية، تقول لك: نعم، الدنيا فانية -لكن تحرص عليها-، تقول لها: لكن الآخرة باقية، تقول: نعم، الآخرة باقية لكن ما تلتفت إليها،... طيب قومي… خلّك عاد الحياة طويلة معك -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-، ما تنتهض إلا إذا استشعرت موت؛ فالشيء الذي يُؤلمها هو الذي تتذكّر عنده وترجع، ولهذا مَضَوا على مُعاقبة نفوسهم بما تكره.
وهكذا يقول بعض شيوخنا -وكان من الذّكّارين- قال: كنت في البداية إذا أردت أن آتي مثلًا: بألف من سورة الإخلاص، فإذا أحسستُ من نفسي بأدنى استثقال؛ خاطر يخطر عليّ، قلت: يا نفس تستثقلين؟ اقرئي ألفين، أزيد عليها. وهكذا كلما استثقلت أمرًا ضاعفته عليها؛ حتى اطمأنّت بذكر الله -تبارك وتعالى-، صار يذكر الله ليلًا ونهارًا، صار وِرده في اليوم والليلة سبعين ألفًا من قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. كان يأتي بهذه الصيغة في كل يوم سبعين ألف مرة، غير أوراده الأخرى الثانية، وسَهُل عليه الذكر، فكان يَنْدَرِج له ويتبَارك له الوقت.
حتى جاءه مرة بعض الأخيار والمحبين وقال له: سمعت أنّكم تتمكّنون من قراءة ألف من سورة الإخلاص في مدة ربع ساعة قال له: أنت عندك اعتراض؟ قال له: لا، ما عندي اعتراض إلا ما عندي؛ اضبط ساعتك وأحمل السبحة، عدّ وأنا بأذكر. ضبط الساعة وأخذ يسمع، بس ما يقدر يقرأ معه، لكن يسمعه حروف كاملة من أول السورة لآخرها، عدّ الألف، قال له: يا حبيب، سبع دقائق ونصف، قال له: قل لنفسك، أنتِ استثقلتِ على الله يَطويها لي في ربع ساعة؟ شوف في نصف ربع ساعة طواها -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. لكن ما جاء هذا في البداية، ولا جاء إلا بعد مجاهدة؛ بعد مجاهدة طويلة.
وهكذا ما سمعنا في جواب شيبان الراعي -عليه رحمة الله تعالى-، وكان من العوام الذين لا يؤبه لهم، وهو صاحب نور، وكان يزوره سيدنا الشافعي يأتي أيام كان في بغداد، كان يأتي من وقت إلى وقت إلى شيبان الرّاعي ويطلب منه الدعاء. وقالوا: كان الإمام الشافعي يجلس بين يديّ شيبان كما يجلس الطفل بين يدي المعلم.
ويومًا ذكره للإمام أحمد، قال له: أزوره معك؟ قال له: تفضل، وراحوا إلى المكان الذي يرعى فيه غنمه، وجدوه يصلي، لما أحس بهم خفف الصلاة وسلَّم، وقال الإمام أحمد: تأذن لي أسأله؟ قال: إن سألته تجد علمًا ما خطر على بالك، فسأله؛ قال: يا شيخ، هذه الركعات التي ركعتها لو شككتَ فيها ما تدري هي اثنتين أو واحدة، كيف تعمل؟ قال: على مذهبنا أو على مذهبكم، قال: فيها مذهبان؟! قال: نعم، قال: ما هي على مذهبنا؟ قال: على مذهبكم أنه يحتاط؛ ويبني على الأقل ويزيد ركعة ويسجد للسهو، قال: صح هذا… فما هي على مذهبكم؟ قال على مذهبنا: هذا قلب قليل أدب مع الله، ما يدري كم صلى بين يدي ربه! يحتاج له تأديب، هذه نفس بغت لها تأديب صوم سنة… صاح الإمام أحمد، قال له الشافعي: قلت لك! قال: باقي أسأله سؤال، قال: اسأل، قال: الغنم التي معك هذه كم زكاتها؟ قال: على مذهبكم أو على مذهبنا، قال: وأيضًا فيها مذهبان؟ قال: نعم، قال: ما هي على مذهبنا؟ قال على مذهبكم:
- في الأربعين؛ شاة.
- إذا وصلت مائة وواحد وعشرين؛ شاتان.
- إذا وصلت مائتين وواحدة؛ ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة.
قال: هذا الذي أعرفه من مذاهب العلماء كلهم… ما هي على مذهبكم؟ قال على مذهبنا: العبد وما مَلَك لسيّده. واحدة ايش هذا؟!.. أنا وغنمي كلها لله -سبحانه وتعالى-، إيش حقكم هذا؟ صاح الإمام أحمد وكاد يُغمى عليه لمّا سمع هذا الكلام؛ قال: مذهبنا العبد وما مَلَك لسيّده، ما نُحصي على ربنا شيء.
- ولهذا قال الحق -تبارك وتعالى- لما ذكر أهل البِرّ وذَكَر: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج: 24-25]؛ أي: محدود.
- لكن لمَّا ذكر المحسنين ما قال معلوم: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)؛ ما شيء معلوم، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، ما قال: معلوم؛ حق واسع كامل، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات: 16-19]، عليهم رضوان الله.
مثل سيدنا أبي بكر الصديق في مقام الإحسان، ينفق على مِسطَح، ومِسطَح تأثر بكلام المنافقين وقام يتكلم على السيدة عائشة أم المؤمنين -والعياذ بالله تعالى- وقع في مصيبة، واستمر سيدنا أبو بكر ينفق عليه طوال خمسين يومًا وهم يتكلمون، وقبل نزول الوحي وهو ينفق عليه؛ لما نزل الوحي ببراءة السيدة عائشة، حلف سيدنا أبو بكر ما ينفق عليه، كيف ينفق عليه طول السنين ويقوم يتكلم على بنته؟ فأنزل الله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ) [النور: 22]، فاستدعى أبو بكر؛ استدعاه رسول الله ﷺ جاء، قال: يقول الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ)، قال: يعني أنت صديق في مراتب الإحسان الأعلى، لا تنظر إلا للمحاسن، إيش تبغى من المساوئ إن أساء أليك في شيء لا تلتفت، أنت تُنفِق عليه من أجلي ولا من أجله؟… من أجلي أنا، فليش تنظر إلى ما صَدَرَ منه؟ انظر إلى ما أعطيته من المحاسن؛ مسكين فقير، مهاجر في سبيل الله، انظر المحاسن، خلِّ المساوئ، واستمِر في النفقة؛ لأنك تنفق من أجلي ما هو من أجله، أنا شيء قصُر من عندي؟! شيء تغير فيّ؟! أنا ربك…فليش تتغير أنت؟!... الله!. هذا مقام الصديقية وإلّا ما هو واجب النفقة أصلًا عليه، ولكن مقام الصديقية يقتضي هذا؛ فلما تلا الآية ﷺ على سيدنا أبي بكر، قال: "ألا تحب أن يغفر الله لك؟" قال: بلى، أحب أن يغفر الله لي، بلى أحب أن يغفر الله لي؛ وردَّ النفقة إلى مِسطَح كما كان.
فما قبل الحق منه هذا النزول عن الدرجة هذه، وهو غير واجب عليه في حكم الشرع، ولكنه من خواص المحسنين ومن أهل الصديقية الكبرى -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-.
الله أكبر ولا إله إلا الله.
قال: "تعاقبَها بما يَزجُرُها، وتعلمَ أنَّها كالكلبِ، لا يَتأدَّبُ إلَّا بالضَّربِ"، فإذا جاء فوقه ضرب تعلم وصار يمتثل الأمر، وإلا دون ذلك فهي مارقة وماردة.
وقال: "وإن أردتَ أن تَتعلَّمَ طريقَ مُناظرتِها ومُراقبتِها، ومُحاسبتِها ومُعاقبتِها.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ المحاسبةِ والمراقبةِ) مِنَ (الإحياء) -إحياء علوم الدين-، فإنَّ هٰذا الكتابَ -مختصر- لا يَحتمِلُ -هذا التطويل -"، فالله سبحانه يعيننا على نفوسنا ويزكيها لنا ويطهرها فهي تبدو:
- أمَّارة، ثم إذا جاهدها الإنسان وخالف هواها وحملها بالرجاء والخوف تتحول إلى:
- لوامة، واللوامة هي حال شرف أقسم الله بها في القرآن: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)[القيامة: 1-2]، وهي تلوم صاحبها، تُزَيِّن له الشر ثم تلومه عليه، تُزَيِّن له ترك الخير ثم تلومه عليه؛ تقول له: عيب عليك. فوجود هذا العتاب؛ هذه النفس اللوامة، فإذا تابع مجاهدتها وترقيتها صارت:
- ملهَمَة تلهم الخير: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) [الشمس: 8]، فإذا تابعت تزكيتها صارت:
- مطمئنة لا تأنس إلا بالخير، لا تأنس إلا بالحق والهدى، لا تأنس إلا بالنور، فإذا تابعها بالتزكية والوجهة الصادقة لله، صارت:
- راضية فوق الطمأنينة الرضا، وصارت بعد ذلك:
- مرضية من قِبَل الحق مرضِي عنها، ثم تصير:
- النفس الكاملة هذا الكمال الإنساني.
فهي سبع: من أمَّارة إلى لوامَّة إلى مُلهَمَة إلى مطمئنة إلى راضية إلى مرضية إلى كاملة، وأهل الصدِّيقية في أهل النفوس الكاملة الذي هو الكمال الإنساني؛ غاية ما يصل إليه الإنسان في هذه التزكية والتربية والتطهير، وأَنعِم بأهل النفوس المطمئنة الذين يُنادَون من قِبَل الحق: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27-30].
ولها غرائب في المخادعة والتلبيس والتدليس، وحتى من معاني قولهم: من عَرَف نفسه فقد عَرَف ربه؛ أنَّ مَن عَرَف غوائل النفس وتلبيسها وكذبها؛ أيقن أنه ما يستطيع أن يتخلص منها إلا بالله، فيُلِحّ على الله ويرجع بصدق؛ فينال المعرفة بذلك، لأنه هو وحده الذي يُخَلِّص سبحانه وتعالى.
علينا بذل الوسع والجهد والتضحية بما قدرنا، وهو الذي يُخَلِّص وهو الذي يُصَفِّي وهو الذي يتفضل سبحانه وتعالى.
والله يوفقنا وإياكم لإقامة الخيرات، واكتساب الطاعات بفضله وسعة جوده؛ فهذا الذي أوحى إلى الأنبياء: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: 73]، هذا المسلك من عهد آدم إلى اليوم، لا طريق إلى الوصول إلى الله إلا بهذا المسلك، إلا بهذا القيام.
وهذا غاية ما يمكن تحصيله في هذا العالم القصير والحياة الفانية:
- إقام الصلاة.
- وإيتاء الزكاة.
- وفعل الخيرات والمسابقة، (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 90] صلوات الله وسلامه عليهم.
والتوفيق بيد الله تعالى؛ قالوا: لم يُذكر لعزَّته في القرآن إلا في آية واحدة في قول سيدنا النبي شعيب: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) [هود: 88]، وأمَّا قوله: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) [النساء: 62]، وقوله: (يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) [النساء: 35]، فالمراد بالتوفيق في الآيتين هذه: التقريب بالإصلاح والتئام الشمل، ما هو التوفيق هذا الذي هو الإمداد بالقدرة على فعل الخير وترك الشر؛ التوفيق بهذا المعنى فقط في الآية التي قال فيها شعيب: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) [هود: 88].
اللهم يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه، وفقنا للخير وأعنا عليه، بمحض فضلك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
إني لمدَّاحٌ أُجِلُّ محمدًا ** وأراه في سِفْر العُلا عنوانا
أمحمدٌ والمجد بعض صفاته ** مَجَّدتَ في تعليمك الأديانَ
ونشرتَ ذكر الله في أميةٍ ** وثننيّة ونفحتها إيمانًا
إني لمدّّاح أُجِلُّ الحبيب محمدًا ** وأراه في سُفْر العُلا عنوانا
وأُطأطئ الرأس الرفيع لذكر من ** صاغ الحديث وعلَّم القرآن
إني أباهي بالرسول لأنه ** صَقَلَ النفوس وهَذَّبَ الوجدان
ولأنه داس الجهالة وامتطى ** سيف الجهاد فحطم الأوثان
****************
إذا ما الناس يوم الدين قاموا إلى الرحمن واجتمع الجميعُ
وجَلَّ الخَطبُ وانقطع الرجاءُ ونادى العالَمون من الشفيعُ؟
هناك يقوم أحمد في يديه لواء الحمد منعقد رفيعُ
فيسجد ثم يشفع بالبرايا ويمتاز المخالف والمطيعُ
**********
صلوا على هذا النبي العربي *** الهاشمي المطلبي
أحمد زكي النسبِ *** من وصفه في الكتبِ
صلوا عليه؛ اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله.
انفعنا اللهم بما أسمعتنا، انفعنا اللهم بما جمعتنا، انفعنا اللهم بما قرأنا في هذا الكتاب، وحَلِّنا بما فيه من الأخلاق والآداب، وارزقنا يا رب يا مولانا حُسنَ طَرْقِ الباب، وافتح لنا الباب، وأدخلنا مع الأحباب، واسقنا من أحلى شراب.
اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، إنا نستهديك فاهدنا، إنَّا نستهديك فاهدنا، إنا نستهديك فاهدنا، وإنا نستطعمك فأطعمنا، وإنا نستكسوك فاكسنا، اكسنا حُلل تقواك وحُلل رضاك، وأطعمنا اللهم مما أطعمت أنبياءك وأولياءك وأهل رضاك، وأذقنا اللهم ببرد عفوك وحلاوة رحمتك ولذة مناجاتك، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، يا فاتح الأبواب افتح لنا في الخير كل باب، وادفع عنا البلايا والرزايا في الظواهر والخفايا.
اللهم اجعلها ساعة من أبرك الساعات علينا وعلى أحبابنا هؤلاء ومن اتصل بنا وبهم، واجعل اللهم الجميع في دائرة الاقتداء بالحبيب الشفيع، وفي أهل الطاعة مع كل مطيع ممن تنظر إليهم بعين عنايتك؛ فتُقرِّب لهم كل بعيد وتهوِّن عليهم كل شديد، وتحوِّل كل شقي منهم إلى سعيد وترقّي السعيد إلى ذرى السعادة مع خواص أهل السعادة في الغيب والشهادة، يا من له الجود والكرم عادة، يا حي يا قيوم يا منان يا كريم.
ساحات قلوبنا أمطر عليها سحابَة وغادة، واجعلها اللهم للخير منقادة، واجعلها بنور معرفتك وقّادة، وتولنا بما توليت به أهل الصدق من خيار الخلق.
اللهم يا جامعنا على هذا التواصي بالحق والصبر، اجعل لنا يا مولانا من عنايتك ورعايتك ما تصلح لنا به السر والجهر، وما ترفعنا به إلى أعلى مراتب الصبر والشكر مع خواص الصابرين الشاكرين الذاكرين المذكورين المحبين المحبوبين الذين ترعاهم عين عنايتك في كل شأن وحال وحين، فلا يمنعهم من دخول حضرتك قبيح الأوزار، ولا يحجبهم عن مواهب فضلك سيئ الإصرار.
أدمنا في الشهود الكامل، وتولنا بما توليت به الكامل من هذه الأمة، واكشف عنا وعن الأمة كل غمة. وأعلِ درجات من ألف الكتاب سيدنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي وشيوخه وتلامذته ومن انتفع بهذا الكتاب ومشايخنا في الدين وذوي الحقوق علينا وأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، بسر الفاتحة إلى أرواحهم، وإلى أرواح من تقدم في هذا المسجد ومؤسسه وجميع القائمين بالخير فيه وذوي الحقوق علينا خاصة وأموات المسلمين وأحياءهم إلى يوم الدين عامةً.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
02 جمادى الآخر 1447