الأربعين في أصول الدين - 48 | إشارات في علوم الآخرة وجواهر القرآن

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثامن والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي. القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: إشارات في علوم الآخرة وجواهر القرآن

 في مسجد الحسين بن طلال، عمّان، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن

مساء الأحد 4 جمادى الأولى 1447هـ

بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة.. يبيّن الحبيب عمر بن حفيظ في الدرس سر العلوم التي لا يقبل عليها إلا من تطهّر قلبه، والفرق بين من يطلب المعارف للترقي إلى الله، ومن يتخذ العلم شبكةً للحطام، وأن العلم الذي لا يزكي القلب ولا يرفع الروح إنما هو حجاب؛ رسالةٌ للمؤمن أن العلم الحق هو ما يقرِّب إلى الله، لا ما يزيد الغفلة أو العصبية أو طلب الجاه..

 

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل للإمام حجّة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:

 

"فاقنعِ الآنَ بهذا القَدْرِ؛ فإنَّ هٰذا الكلامَ يكادُ يُجاوِزُ حدَّ مثلِ هٰذا الكتابِ، ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ، ولاكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم؛ قالَ الله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِۚ..) [النجم:29-30].

فلنَقتصِرْ على هذا، ولنختِمْ بهِ (الأصولَ الأربعينَ) لنختِمَ بهِ كتابَ (جواهرِ القرآنِ)، ومَنْ طلبَ مزيداً علىٰ هذا.. فليطلبْهُ مِنْ (كتابٍ ذكرِ الموتِ ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ).

 

فالغرضُ الأظهرُ مِنْ هٰذا الكتابِ: التَّلويحاتُ معَ التَّشويقِ إلى الاستقصاءِ المذكورِ في ذلكَ الكتابِ؛ ففيهِ تَنكشِفُ أسرارُ علومٍ الدِّينِ، ولا يَفِرُّ عن طلبِهِ إلَّا مشغوفٌ بالدُّنيا، لا يطلبُ مِنَ العلومِ إلَّا ما يَتَّخذُهُ شبكةً للحطامِ ، وآلةً لكسبِ الحرامِ، فلا تناسبُهُ علومُ ذلكَ الكتابِ ولا يناسبُها أصلاً".

 

جعلنا الله ممن أراده، والدار الآخرة، وأصلح شؤوننا الباطنة والظاهرة.

قال سيدنا الإمام بعدما بيّنا هذه البيانات كلها في كتاب الأربعين، قال: "فَاقنَعِ بهذا القَدْرِ"، فإنه كافٍ لأن تنتبه، لأن تتوجَّه، ولأن تصدُق، ولأن تُلازِم الباب؛ ومن لزِمَ الباب فَتح له البوّاب، ومن دقَّ بابَ كريمٍ فَتح وعظيمَ خيراتِه له مَنَح. "فإنَّ هٰذا الكلامَ يكادُ يُجاوِزُ حدَّ مثلِ هٰذا الكتابِ، ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ".

وقال سيدنا الإمام علي بن أبي طالب: "والجاهلون لأهل العلم أعداء"، وجاء في الخبر: "المرء عدوّ ما جَهِل"، وشاهد ذلك في قول الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس:39]؛ ولو علِموه ما كذَّبوا به، ولكن: (كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ).

قال: "ولا بدَّ وأن يُحرِّكَ سلسلةَ الحمقىٰ والجاهلينَ، ولكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم"؛ ما خلقنا الله لنلتفِتَ إلى كلام المُتكلِّمين، وكان يقول شاعرهم: 

ولو كلُّ كلبٍ عوى ألقيته حجرًا *** لأصبح الصَّخرُ مثقالاً بدينار

بعد ذلك ما عاد نُحصِّل حجر، لأن كل كلب يَعوِي تُعطيه حجر، فتُكمِّل الحجر كله وتَغلى الحجر علينا، ولكن: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [النجم:29].

وإنما هناك وجه فقط إذا كان أخيار أهل محلَّتِك، أهل منطِقتك يقولون عنك شيء ينبغي أن تهتمَّ به؛ لأنَّهم ألسِنة الحقّ -جلَّ وعلا- في التَّنبيه، وأمَّا عامَّةُ الخَلق فدَعها. 

وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ *** فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ

فإن النَّاقص يذمُّ الكامِل، فإذا جاءت المَذمَّة من ناقص؛ فهي الشَّهادة بكمالِه: (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات:52-53]؛ هذه الأجيال تُوصي بعضها بعضًا، إذا جاءكم أهل الحق والعقل قولوا: سَاحِرٌ، قولوا: مَجْنُونٌ. 

  • (أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ) [الذاريات:53-54].
  • (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام:33].
  • (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76].

ويقول: "ولكنَّهُم أخسُّ مِنْ أن يُلتفَتَ إليهِم؛ قالَ الله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِۚ..) [النجم:29-30]"؛ محصُورون في دُنياهم، محصورون في حِسِّيَّاتهم ما جاوَزُوها، ما جاوزوا المُتخيَّلات، وما لا المُتخَّيلات إلى الأوهام، ولا جاوزوا الأوهام إلى حدِّ الإنسانية، فَبَقوا؛ (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) [الفرقان:44].

"فلنَقتصِرْ على هذا، ولنختِمْ بهِ (الأصولَ الأربعينَ) لنختِمَ بهِ كتابَ (جواهرِ القرآنِ)"؛ لأنَّ أصل هذا الكتاب: كتاب جواهِر القُرآن، وهو كتابٌ نفيس للإمام الغزالي -عليه رحمة الله- بيّن فيه واجب المؤمن نحو القرآن واستفادتِه منه، واتِّصالِه بسرِّه وحقائق معانيه، وما ينبغي له أن يكون فيه، فكان من جملة مواضعه هذا الكتاب، وأَذِنَ أن يُفرَد باسم مُستقِلّ ويُكتَب مُستقِلًا: "الأربعين في أصول الدين"؛ وهو من جُملة أجزاء كتاب جواهِر القرآن الذي ذكر فيه مَقاصِد تنزيلِ القرآن، وأن الأصل فيه دعوةُ الخَلق إلى الحقِّ -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه-، ثم فصَّل ما يُستفاد من هذا القرآن تفصيلًا حسنًا، فما أنفع كتابه للمؤمنين عامّة، وخصوصًا لمن يحفظ القرآن أو يتعلَّق بعلوم القرآن، ينبغي أن يقرأ جواهر القرآن، وكما أنّ له كلامًا نفيسًا أيضًا من جُملة كتب إحياء علوم الدين؛ كتاب: "أسرار تِلاوةُ القرآن". 

قال: "ومَنْ طلبَ مزيداً" في أخبار الآخرة هذه: "فليطلبْهُ مِنْ (كتابٍ ذكرِ الموتِ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ)"؛ -إحياء علوم الدين-، وهو أيضًا من آخر كتاب في إحياء علوم الدين.

قال: "فالغرضُ الأظهرُ مِنْ هٰذا الكتابِ: التَّلويحاتُ معَ التَّشويقِ إلى الاستقصاءِ"؛ الذي يمكن أن يُذكَر ويُنتفَع به في كتابٍ كالكتاب المذكور في كتاب "إحياء علوم الدين".

  • وإن أردتَ الهداية فاعمل بما في "البداية".
  • وإن أردتَ النهاية فهي بـ "الإحياء" حَرِيَّة.

 قال الإمام الحداد: 

  • يكفي المُبتَدِئ من كتب الإمام الغزالي في السَّير إلى الله تعالى، يكفيه كتاب: "بداية الهداية". 
  • ويكفي المُتوسِّط كتاب "منهاج العابدين". 
  • ويكفي المُنتهي كتاب "إحياء علوم الدين"
  • وما وراء ذلك إلا علوم لَدُنِّيَّة ومواهِب ربَّانية يُفيضُها الله على قلوبِ المُتحقِّقين بحقائق الصِّدق معه من أهل اليقين، ألحقنا الله بهم.

قال: "ففيهِ تَنكشِفُ أسرارُ علومٍ الدِّينِ، ولا يَفِرُّ عن طلبِهِ إلَّا مشغوفٌ بالدُّنيا" الذي قَصْدُه "مِنَ العلومِ إلَّا ما يَتَّخذُهُ شبكةً للحطامِ" والفانِيَات، "وآلةً لكسبِ الحرامِ"، قال: مَنْ كان كذلك لا تُناسِبه هذه العلوم، لهذا كان يقول الكثير من العارفين والصَّالحين: إنّ من علامة علماء الدُّنيا كراهَتَهم لكُتب الإمام الغزالي، وعلامة علماء الآخرة محبَّتهم لكُتب الإمام الغزالي؛ لأنها لا تُناسِب الذي قَصْده الدنيا ولايريد الآخرة، وقد يحصل تضادّ، عنده أجزاء يتألَّم منها؛ لأنها تفضَحه وتكشِف له خفايا عُيوبه، وما يُعِيبه فهو لا يُحبّها، ولكن مَنْ يُريد وجه الله ويريد أن يَتطهّر: تُعجِبه هذه الكتب ويتأثَّر بها؛ لأنها تطهِّرُه وتُزَكِّيه وتُقرِّبه إلى بارِئِه سبحانه وتعالى.

قال: "فلا تناسبُهُ علومُ ذلكَ الكتابِ ولا يناسبُها أصلاً"؛ وكلٌّ مُيسَّر لما خُلِقَ له، نفعنا الله بالصَّالحين وعلوم الصَّالحين وجعلَنا في الهُداة المُهتَدِين.

زادنا الله وإياكم من فضله، وعظيمِ جُودِه وإحسانِه وواسِع امتِنانِه، ما به نرقى مراقي الذُّرى مع خِيَار الوَرى، ونحوزُ به معرفةً بالرحمن، ونحوزُ به قُربًا منه يزداد في كلِّ آن، ونحوزُ به منه رِضوانًا ومحبَّة تزداد على الدَّوام، مع رابطة بخير الأنام نَرقَى بها إلى أعلى مقام، ويُصلِح اللهُ بها كُلَّ شأن، ونكون مع أهالينا وأولادنا وذريَّاتنا وذوينا وأهلِ دِيَارنا وأهل منازلنا، وأهل بُلدانِنا وأهلِ زماننا والأمَّة المُحمَّديَّة، انظُر إليهم يا رب نظرة تكشِف البلاء عنا وعنهم، تدفع السُّوء عنا وعنهم، وتلهِمَنا بها الرُّشد في كل حركة وسُكون، وتثبِّتنا في ديوان من يَهدُون بالحقِّ وبه يعدِلون.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ 

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

الحمدلله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله.

تاريخ النشر الهجري

23 جمادى الأول 1447

تاريخ النشر الميلادي

14 نوفمبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام