الأربعين في أصول الدين - 43 | ذكر الموت (3) بوابة الحياة الحقيقية، وفهم عذاب القبر
الدرس الثالث والأربعون للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الأربعين في أصول الدين، للإمام الغزالي . القسم الرابع: الأخلاق المحمودة: تكملة شرح الأصل العاشر: ذكر الموت (3)
في مسجد النبي شعيب عليه السلام، ضمن دروس الدورة العلمية في موسم شهداء مؤتة الأبرار، الأردن
مساء الجمعة 2 جمادى الأولى 1447هـ
هل الموت نهاية أم عبور يفتح بصيرة القلب؟ يقدّم الحبيب عمر بن حفيظ في الدرس: معاني الانتقال من الدنيا إلى البرزخ وما بعده، يُبين أن الموتَ ليس عدماً بل انتقال إلى حياةٍ أوسع إدراكًا تُكشَفُ فيها الحقائق، وبأن البرزخ مرآةُ الأعمال، فما نحمله اليوم سنراه غدًا رأيَ العين!
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الأربعين في أصول الدين) إلى أن قال:
فَصَل
في كونِ الموتِ بوابةَ الحياةِ الحقيقيةِ
"لعلَّكَ تقولُ: المشهورُ عندَ أهلِ العلمِ: أنَّ الإنسانَ يُعدَمُ بالموتِ ثمَّ يُعادُ، وأنَّ عذابَ القبرِ يكونُ بنيرانٍ وعقاربَ وحيَّاتٍ، وما ذكرتَهُ بخلافِ ذلكَ.
فاعلمْ: أنَّ مَنْ قالَ: إنَّ الموتَ معناهُ العدمُ .. فهوَ محجوبٌ عن حضيضِ التَّقليدِ، ويَفاعِ الاستبصارِ جميعاً.
أمَّا حِرمانُهُ عن ذُروةِ الاستبصارِ: فلا يُدرِكُهُ ما لم يَستبصِرْ، وأمَّا حِرمانُهُ عنِ التَّقليدِ: فتَعرِفُهُ بتلاوةِ الآياتِ والأخبارِ؛ قالَ اللهُ تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)[آل عمران:169-170]، هٰذا في السُّعداءِ.
وأمَّا في الأشقياء.. فقد ناداهُم رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ لمَّا قُتِلُوا؛ فكانَ يقولُ: "يَا فُلَانَ بِنَ فُلَانٍ" يذكرُ واحداً واحداً مِنْ صناديدِهِم "قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً؟" فقيلَ: يا رسولَ اللهِ؛ أتناديهِم وهم أمواتٌ؟! فقالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِكَلَامِي مِنْهُمْ، لَـٰكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَابِ".
وقالَ ﷺ: "الْمَوْتُ ٱلْقِيامَةُ، مَنْ مَاتَ.. فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُه"، وأرادَ بهذا القيامةَ الصُّغرى، والقيامةُ الكبرى تكونُ بعدَها.
وشرحُ القيامةِ الصُّغرىٰ إن أردتَهُ.. فاطلبْهُ مِنْ (كتابِ الصَّبرِ) مِنْ كُتُبِ (الإحياءِ) .
والأخبارُ في الدَّلالةِ علىٰ بقاءِ أرواحِ الموتىٰ، وشعورِهِم بما يجري في هٰذا العالَمِ أيضاً.. كثيرةٌ".
سبحانه.
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أيُّنا أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور، المحيي المميت، الحي القيوم الذي لا يموت، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، بعث إلينا وأرسل عبده أعظم من أحياه، وأجلِّ من حَيِّاه، فصلى الله وسلم وبارك وكرم على أعظم الخلائق حياة في عالم الأرواح، وفي أيام كان في الدنيا، وفي البرزخ، وفي يوم القيامة، وفي الدرجات العُلا في الجنة؛ فهو أحيا حيٍّ من جميع الخلائق، صلوات ربي وسلامه عليه، له من أسرار إحياء الله تعالى وإفاضته الحياة ما ليس لغيره ممن أحياهم، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
فصلِّ اللهم على سيد الأحياء في الخلائق، حبيبك محمد الكريم الصادق، وعلى آله وصحبه الشموس الشوارق، وعلى من تبعهم بإحسان بكل إنابة وخشية إليك وإقبال عليك، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أرباب المراتب العُلا، وآلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين.
ونتمِّم شرح ما ذكر الإمام حجة الإسلام الغزالي -رضي الله تعالى عنه- في كتابه (الأربعين في أصول الدين)، وهو يذكر في هذا أخبار الآخرة وأخبار الموت، وسبق ذكر معنى الموت ومعنى هذا الانتقال وخروج الروح من الجسد وما يحصل بعد ذلك.
وقال: الحقيقة أن الحياة الأهم تبدأ عند الموت للإنسان؛ لأن حياة البرزخ، ثم حياة يوم القيامة، ثم الحياة الأبدية، كلٌ منها أكمل من هذه الحياة التي يحياها الإنسان، محبوسةً روحه في قفص جسده في هذه الدنيا، مشُوبةً بأنواع المُكدِّرات والمنغّصات والمشوشات، وأنواع الغفلات، وأنواع ما يصادف الإنسان من المصائب في هذه الدنيا، فهي أقل الحيوات بالنسبة لحياة البرزخ، وبالنسبة لحياة القيامة، ثم لحياة الأبد.
فهذه الحياة الأقل التي نحياها أيام نحن في هذه الدنيا، ونحن فيها على مراتب مختلفة، فمنَّا حيٌّ بجسده حيٌّ قلبه، وهؤلاء الأشرف من الخلق، والذين لهم من شرف حياة البرزخ ثم شرف حياة القيامة ما يختصون به عن بقية من في البرزخ وفي القيامة، وإن كانوا أحياء ولكن ليست الحياة كالحياة.
- وقد قرأنا في كلام ربنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال:24].
- وقرأنا قوله تعالى: (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا)[يس:70].
- وقرأنا قوله تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)[الأنعام:122].
وهكذا نقرأ أيضًا كلام ربنا عن حياة البرزخ وما يكون فيها، مثل ما تلا علينا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، إذًا فليس معنى الموت الذي يتعرض له هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا العدم المحض قطًّ.. قطًّ.. قطًّ! وإنما انتقالٌ من عالم إلى عالم، ومن نوع من الحياة إلى نوع آخر هو أهم وأخطر من هذا النوع من الحياة في الدنيا، فلهذا سواءً للسعداء أو للأشقياء، هم ينازلون من المدارك ومن الأحاسيس ما لم يكن في قدرتهم ولا تحت استطاعتهم أيام كانوا في الدنيا، فهو فوق إمكانياتهم، لهم من المدارك والأحاسيس فوق إمكانياتهم؛ هؤلاء بالنعيم وهؤلاء بالعذاب:
- فيُدرك هؤلاء من النعيم ما لم يكن يُدرَك في الدنيا ولا في الحياة، ولا يمكن لأقصى ما يكون في الحياة الدنيا أن يُبلَغ إلى إدراك هذا النعيم وهذا اللذة التي تحصل من نعم الله تعالى في البرزخ، وما بعد ذلك أكبر، إلى أن تنتهي الغايات إلى النظر إلى وجه الله الكريم جل جلاله وتعالى في علاه.
- وأولئك الذين هم في الشقاء أيضًا، هم في البرزخ في حياة يدركون بها ويبصرون ما لم يكونوا يدركون ويبصرون أيام كانوا في الحياة الدنيا، ويحسون من العذاب ما لم يمكن أن يُحَسَّ به في عالم الدنيا، ولو عُذِّب الإنسان ما عُذِّب، ولو قُطِّع قطعة قطعة، وعُذِّب بالكهرباء وغيرها، لا يمكن أن يحس من العذاب شيئًا مثل الذي يحس به في البرزخ وفي الآخرة، ذاك أشد وذاك أشق وذاك أعظم.
إذًا فأين العدم؟! ما هناك عدم، كتب لنا الإيجاد -سبحانه وتعالى- وكتب لأرواحنا هذه البقاء، إلا أنها تتنقل، فمن حين كوّن أرواحنا -سبحانه وتعالى- كتب لها البقاء؛
- وكتب في هذا البقاء أن تتنقل أولًا في عالم الأرواح وعالم الذر، ومن الأصلاب إلى الأرحام.
- ثم كتب أن تنتقل إلى عالم الدنيا بنفخ الروح في الجسد وخروج الإنسان من بطن أمه إلى وقت الوفاة.
- ثم كتب أن تنتقل هذه الروح من هذا الحكم إلى حكم حياة البرزخ.
- ثم كتب أن تنتقل بعد مرور الصعقة بين النفختين وهو المرقد الذي يقول عنه الكفار في القيامة: (مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا)[يس:52].
- ويأتي انتقال إلى حياة أخرى وهي حياة القيامة.
فهم هناك أسمَع وأبصَر، (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) يعني: ما أشد سمعهم وأبصارهم، يسمعون ما لم يقدروا على سماعه أيام كانوا في الدنيا، ويبصرون ما لا يقدرون على إبصاره أيام كانوا في الدنيا، (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[مريم:38]، وهم الذين يتوهمون العدم بالموت، وما الموت إلا انتقال.
- ثم حَكَم بانتقال الأرواح من عالم القيامة إلى الاستقرار إما في الجنة وإما في النار، وذلك مؤبَّد.
قال: فالذين يتخيلون ويتوهمون أن الموت معناه العدم المحض؛ محجوبون حتى عن "حضيض التقليد"، فضلًا عن مرتبة "الاستبصار" والشهود، فهم لم يدركوا علم اليقين ولا عين اليقين، ومع ذلك ما أتقنوا رتبة الاقتداء، رتبة التقليد لمن أدرك الحقيقة، فما قلدوهم.
قال: فهؤلاء حُرموا عن "ذروة الاستبصار"، فما يدركون إلا ما تدركه الحواس الخمس، وليس وراء ذلك شيء، (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ)[النجم:30]، وهذا محصور جدًا بالنسبة لما وراء مدارك الحواس الخمس، ثم بعد ذلك ما قلدوا الأنبياء ولا قلدوا الوحي الذي نزل عليهم. وذكر لنا:
- آية في السعداء: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[آل عمران:169].
- وكذلك أورد لنا الحديث فيما خاطب ﷺ زعماء قريش الذين قُتلوا يوم بدر فأُلقوا في القليب، فوقف على القليب ويناديهم بأسمائهم: "يَا فُلَانَ بِنَ فُلَانٍ"، فقالوا له: كيف تخاطب أجسادًا لا أرواح فيها أو أجساد قد جيفَت؟ قال ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِكَلَامِي مِنْهُمْ، لَٰكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَابِ"، أي: الجواب الذي يصل إلى أسماع أهل الدنيا بحكم العادة التي جعلها الخالق -سبحانه وتعالى- فما يسمعون، وإن كان يسمعهم من يسمعهم.
كما جاءنا في الأحاديث عن سماعه ﷺ لكثير مما يجري في القبور وفي البرزخ؛ وقال: "لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَسَأَلْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ"، ولكن ما عاد بيدفن بعضكم بعض بعد هذا، كلٌّ بيَفِرّ، وبتتركون موتاكم هكذا، فسبحان الستار الذي ستر الأشياء لحِكَم. إذًا؛ فليست المسألة عدم، نعم ليست الحياة كالحياة؛
- حياة الأنبياء أعظم الحياة.
- وبعدهم حياة الصديقين، ومنهم متميزون من أهل الصديقية الكبرى ومن أهل العلوم والأذواق والمعارف.
- ثم حياة الشهداء.
هذه مميزة عن بقية الحياة، وإن كان الكل أحياء؛ لهذا أمر الله بالتأدب مع هذه الحياة، ونهى عن التسمية باسم الموت لمن قُتل في سبيل الله، وقال في آية في سورة البقرة: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ)[البقرة:154] وقال في سورة آل عمران: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[آل عمران:169]، قال: فأقل شيء يُقلِّد ويعلم أنها حياة وليست بعدم، فتوهُّمُه أنها عدم؛ سقوط حتى عن "حضيض التقليد"، فضلًا عن"ذروة الاستبصار" وإدراك الحقيقة كأنه يراها.
يقول سيدنا الصحابي الجليل حارثة: أصبحتُ كأني أرى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر أهل الجنة يتنعمون فيها، وأسمع أهل النار يتعاوون فيها، فأورَثَتهُ الحال الذي أشار إليه بقوله: عَزفََت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها! هؤلاء أهل الاستبصار، قال له ﷺ: "عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَه، عرفتَ فالزمْ"، اللهم نوّر قلوبنا كما نورت قلب حارثة، وكما نورت قلوب الصحابة وآل البيت الطاهر والمقربين من عبادك أهل محبتك وودادك يا أكرم الأكرمين.
وإذا علمنا ذلك؛ فحياة الأنبياء فوق حياة الشهداء، وأعظم وأجل وأكبر، فلا يساويهم الأحياء أيام كانوا في الدنيا، ولا أيام كانوا في عالم الأرواح، ولا أيام كانوا في البرزخ، ثم في القيامة هم أعظمنا حياة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم الصدّيقون؛ فإذًا الحياة مراتب ودرجات.
أما الحياة الحقيقية الأصيلة الذاتية فليست إلا لواحد، (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)[غافر:65]، وهي الحياة التي لا تقبل الانقطاع ولا بداية لها، لا بداية لها ولا نهاية، وهي الحياة الذاتية، هذه حياة الله، فهو الحي بالمعنى الأعلى الأجل سبحانه وتعالى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)[البقرة:255] -جل جلاله-، ولكن وَهْبَه للحياة للمخلوقات، فهي بنسب ومراتب:
- أعلاها حياة الملائكة والإنس والجن. وأعلى ذلك:
- حياة الأنبياء.
- ثم حياة الصديقين.
- ثم حياة الشهداء.
قال عليه الرضوان: قالَ ﷺ: "الْمَوْتُ ٱلْقِيامَةُ، مَنْ مَاتَ.. فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُه"، يعني: "القيامة الصغرى" للإنسان التي تترجِمُ انقطاعه عن هذه الدنيا وانكشاف الحُجُب عن حقائق في الآخرة، كما أنه بالقيامة العامة الكبرى الكل يخرج من عالم الدنيا ومن الحياة الدنيا، فكذلك بالنسبة للفرد، أيش عليه من القيامة؟ القيامة بتجيء بعده بكم؟ هو إذا مات قامت قيامته، ما عليه من القيامة هذيك؟ القيامة للذين هم موجودون أيامها في الدنيا من بني آدم، أما أنت أيش لك في القيامة؟ متى ما قُبِضَت روحك قامت قيامتك، انتهى عملك في الدنيا وانتهى، وانقطعت عن هذه الحياة، ودخلت إلى استبصار في عالم آخر كبير، أنت بالنسبة لك قيامتك لحظة خروج روحك من الجسد، بل لحظة وصول الروح إلى الغلصمة، وعند الغرغرة انتهت…قيامتك قامت.
وأما القيامة بالنسبة للموجودين في أيامها على ظهر الأرض، فهم الذين يموتون بقيام الساعة ومجيء تلك القيامة، ثم "القيامة الكبرى" التي تجمع الأولين والآخرين بالنفخة الثانية في الصور، (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ)[الزمر:68]، كما قال الله سبحانه وتعالى.
قال: "ووردت والأخبارُ -الكثيرة- في الدَّلالةِ علىٰ بقاءِ أرواحِ الموتىٰ"، جعلنا الله وإياكم ممن روَّح أرواحهم بنسيم قربه، فأحياها بحياة المعرفة الخالصة والمحبة الخالصة، آمين يا أكرم الأكرمين.
فصلٌ
في فهمِ حقيقةِ عذابِ القبرِ
"أمَّا قولُكَ: إنَّ المشهورَ مِنْ عذابِ القبرِ: التَّألُّمُ بالنِّيرانِ والعقاربِ والحيَّاتِ.. فهذا صحيحٌ، وهوَ كذلكَ، ولكنّي أراكَ عاجزاً عن فهمِهِ، ودَرَكِ سِرِّهِ وحقيقتِهِ، إلَّا أنِّي أُنبِّهُكَ على أُنموذَجٍ منهُ؟ تشويقاً لكَ إلى معرفةِ الحقائقِ، والتَّشمُّرِ للاستعدادِ لأمرِ الآخرةِ؛ فإنَّهُ نبأٌ عظيمٌ أنتُم عنهُ مُعرِضونَ .
فقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: "ٱلْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ، هَلْ تَدْرُونَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه:124]"؟، قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: "عَذَابِ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً، هَلْ تَذْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةِ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْحَسُونَهُ وَيَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ".
فانظر إلىٰ هذا الحديثِ، واعلمْ: أنَّ هٰذا حقٌّ علىٰ هذا الوجهِ الذي شاهدَهُ أهلُ البصائرِ ببصيرةٍ أوضحَ مِنَ البصرِ الظَّاهرِ، والجاهلُ يُنكِرُهُ؛ إذ يقولُ: إنِّي أنظرُ في قبرِهِ فلا أرىٰ ذلكَ أصلاً !!
فليَعلَمِ الجاهلُ: أنَّ هذا التِّنِينَ ليسَ خارجاً عن ذاتِ الميِّتِ؛ أعني: ذاتَ روحِهِ، لا ذاتَ جسدِهِ؛ فإنّ الرُّوحَ هيَ التي تَتألّمُ أو تَتنعَّمُ، بل كانَ معَهُ قبلَ موتِهِ مُتمكِناً مِنْ باطنِهِ. لكنَّهُ لم يكنْ يُحِسُّ بلدغِهِ لخَدَرِ كانَ فيهِ بغلبةِ الشَّهَواتِ، فأحسَّ بلدغِهِ بعدَ الموتِ.
وليَتحقَّقْ: أنَّ هٰذا التِّنِّينَ مُركَّبٌ مِنْ صفاتِهِ، وعددُ رؤوسِهِ بقَدْرٍ عددِ أخلاقِهِ الذَّميمةِ وشهَواتِهِ لمتاع الدُّنيا.
وأصلُ هٰذا التِّنِينِ: حبُّ الدُّنيا، وتَتشعَّبُ عنهُ رؤوسٌ بعددِ ما يَتشعَّبُ عن حبِّ الدُّنيا؛ مِنَ الحسدِ والحقدِ، والرِّياءِ والكِبْرِ، والثَّروةِ والمكرِ، والخداعِ وحبِّ الجاهِ والمالِ، والعداوةِ والبغضاءِ، وأصلُ ذلكَ معلومٌ بالبصيرةِ، ولذلكَ كثرَتْ رؤوسُهُ اللَّدَّاغةُ.
وأمَّا انحصارُ عددِها في تسعةٍ وتسعينَ.. فيُوقَفُ عليهِ بنورِ التُّبوَّةِ فقطْ، فهذا التِّنِينُ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِ الكافرِ، لا بمُجرَّدٍ جهلِهِ بالكفرِ، بل لِمَا يدعو إليهِ الكفرُ؛ كما قالَ اللهُ تعالىٰ: ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)[النحل:107]، وقالَ الله تعالىٰ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)[الأحقاف:20] الآيةَ".
نعوذ بالله من غضب الله ونسأله الرضا عنا، وأن يعافينا ويعفو عنا وأن يُنعِّمنا سبحانه بقربه ومعرفته ومحبته في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة.
قال: "أمَّا قولُكَ: إنَّ المشهورَ" أمر من الحسِّيَّات هذه المتعلقة بالأجسام أنه "عذابِ القبرِ: التَّألُّمُ بالنِّيرانِ والعقاربِ والحيَّاتِ.. فهذا صحيحٌ، وهوَ كذلكَ"، لكن ماذا تتصور أنت عن معنى الحيات والعقارب؟ وعن معنى عذاب النار؟ ما عندك قياس إلا على المحسوسات التي تحس بها في الدنيا فقط!
هذه المحسوسات التي تحس بها في الدنيا من الحيَّات الجسمانية هذه التي تُخلَق فيها سُم، وتُعرِّض حياتك الحسية للهلاك؛ هذا مثال خَلَقَهُ الله لتعتبر أن هناك معنى لهلاكك الباطني ولحصول الألم المعنوي فيك؛ الذي يتسبب في إيصاله إليك حية وتنين ليست مثل هذه، ولكن تعمل مثل عملها وأشد، وهذه تعمل فيك هذا العمل في الحِس من أجل أن تقيس عليها المعنى، من أجل أن تقيس عليها الأمر الباطن؛ فأبرز الله لنا في هذه الدنيا في الحسيات ما نستطيع أن نتوصل به إلى اليقين إلى المعنويات التي لا نشاهدها ولا نحسها.
فهكذا يقول الإمام -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: إذا عجزت عن فهم هذا وإدراك سِرّه وحقيقته، أنا أنبِّهك على نموذج تشويقًا لك من أجل تتشمّر وتستعد، وتعمل على تحصيل هذه المدارك التي خُصّ بها المقرّبون في عالم الدنيا، فلا أقل من وقوفك عليها وتصديقك بها، ولكن مهما قدرت في فرصة الحياة -وليس لك فرصة غيرها- أن ترتقي إلى مرتبة الإدراك والذوق، فهذا خير لك وهذا أحسن، ولكن لا أقل من أن يكون عندك من التصديق والإيمان والقياس ما يرفعك عن الإنكار للحقائق التي سترد عليها وستراها فيما بعد، ولهذا يقول:
- أورد حديث ابن حبان في صحيحه -رضي الله عنه-، يقول: "ٱلْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ" ويقول: "وَيُرْحَبُ لَهُ" يعني: يُوَسَّعُ له "قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً".
- وفي الحديث الآخر: "القبرُ إمّا روضةٌ من رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ من حُفَرِ النّارِ".
يقول سيدنا الغزالي: هذه الأشياء ليس المراد بها الحسية بذات بقعة الأرض وتربة القبر، قال: ما هو هكذا، هو بالنسبة لروحك، كما أنك في عالم الحس ترى التوسعة من حواليك سببً لانتعاشك وسبب لفرحك وبهجتك؛ فكذلك هناك توسعة معنوية بها تنتعش الأرواح والقلوب، وبها تنال نصيبها من الرَّوح والريحان، فبهذا يكون بالنسبة للقبر الحسي؛ قبر كما هو محدود، ولكن ما فيه من الحقائق شيء عظيم؛
- "إمّا روضةٌ من رِياضِ الجنَّةِ".
- "أو حُفرةٌ من حُفَرِ النّارِ".
- "وَيُرْحَبُ لَهُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعاً".
- "وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ".
وأنت تجيء تشوف إذا ما عندك بصيرة، تشوف بعين البصر القبور سواء، أين الضياء الذي في هذا؟!
ومثال هذا في عالم الحس، في عالم الدنيا: إذا كان واحد عندك نائم وقال: رأيت نور عظيم، أنت قلت له: كذاب… لماذا كذاب؟ تقول له: أنا جنبك جالس ما رأيت.. هو في عالم آخر وعنده مدارك غير مداركك أنت! هو رأى بمداركه في نومه هذا الأمر، من أين كذاب؟! ما هو كذاب هو صادق لكن أنت عقلك مجمَّد؛ ما تدرك القياس على الأشياء، وما تدرك المعاني من وراء الحسيات، أنت مجمد العقل!..
كذلك شأن البرزخ والآخرة: أمور معنويات عظيمة كبيرة، هي بالنسبة لمدارك البصائر والأرواح مثل مدارك الأبصار للحسيات، بل وأقوى وأشد..بل وأقوى وأشد. ولكن الإنسان ما دام في هذه الدنيا، فكما ذكر سيدنا الإمام الغزالي؛ قد يكون مخدر.. كيف مخدر؟
قال: بالشهوات، قال: الشهوات واتباعها تعمل في الأرواح وحسِّ الروح المعنوي؛ تعمل فيه ما تعمله المسكرات هذه والمخدرات في عالم الحس والجسد، تُذهِب عقله، تخلّيه ما عاد يعقل شيء، إذا تناوَل مخدرات ما عاد يعقل شيء ولا يدرك ما حواليه، والسَّكرى بالشهوات والغفلة عن الله أرواحهم؛ الحقائق قدامهم ما يعرفونها، ما يدركونها، سكرى! (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)[الحجر:72] يقول الله، وهل كان عندهم مخدرات؟ ما كان عندهم، كان عندهم شهوات، قوم لوط كان عندهم شهوات، وهم في السَّكرة هذه؛ ما عاد رضوا يؤمنون بالنبي لوط ولا بما جاء به عن الله، سكارى وراء شهواتهم -والعياذ بالله تعالى-؛ فتخدَّرَت بواطنهم وما أدركت الحقيقة.
يقول: "سَبْعِينَ ذِرَاعاً، وَيُضِيءُ حَتَّىٰ يَكُونَ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ ٱلْبَدْرِ، هَلْ تَدْرُونَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[طه:124]"، يعني: يتصل بالتعب في الحياة الدنيا، أول ما يناله صاحب الإعراض عن ذكر الله من الذي قد تعب في الدنيا بغفلته وحجابه، ينازله في القبر هذه المنازلة -والعياذ بالله تعالى-، "عَذَابِ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً، هَلْ تَذْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً، لِكُلِّ حَيَّةِ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْحَسُونَهُ وَيَنْفُخُونَ فِي جِسْمِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ"، -والعياذ بالله تعالى- فهذا عذابه في القبر.
قال: "هٰذا حقٌّ علىٰ هذا الوجهِ الذي شاهدَهُ أهلُ البصائرِ ببصيرةٍ أوضحَ مِنَ البصرِ الظَّاهرِ".
وَإِذَا كُنْتَ بِالْمَدَارِكِ غِرًّا *** ثُمَّ أَبْصَرْتَ حَاذِقًا لَا تُمَارِي
وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهِلَالَ فَسَلِّمْ *** لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالْأَبْصَارِ
وما أخبرنا النَّبيون وهم الأُمناء على أسرار وحي الله تعالى؛ فهو الحق والصدق. ويجب علينا من خلال مداركنا الحسية أن نستفيد من هذه المدارك الحسية قياسات، أن الله خلقها لنا لنعلم أن مثلها ومقابلها في عالم الروح وفي عالم الباطن وفي عالم المعنى مثلها بل وأشد، (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
يقول: أحدثك "أصلُ هٰذا التِّنِينِ" الذي يلسع الميت في قبره، تعرفه؟ قال حُبّه لكل القاطعات عن الله تعالى؛ حُبه للدُّنيا، "حبُّ الدُّنيا"، قال: هو ذا التنين بنفسه، لا شيء غيره، لكن هذا تنين معنوي. قال: كان معه وكان ينهشه في الدُّنيا لكن ما يحس؛ مخدر؛ الرجّال مخدر بحب الشَّهوات.. لمَّا انقطع عن الشَّهوات وخرجت روحه من جسده؛ أحسَّ.. (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]. ويقول: أيش هذا الألم؟ الألم هذا كان فيك طول حياتك وأنت في غفلة عن الله، كان هذا التنين ينهشك لكن أنت سكران؛ ما حسيت. لمَّا راح السُّكْر بالدُّنيا الآن؛ أفقت.. هذا عملك، وهذا حالك، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
قال: وبعدين "تَتشعَّبُ عنهُ رؤوسٌ" في كل واحد منها تسع رؤوس، وهي تسعة وتسعين، وتتشعب رؤوس كما يتشعب من حب الدُّنيا رؤوس، "مِنَ الحسدِ والحقدِ، والرِّياءِ والكِبْرِ، والثَّروةِ والمكرِ، والخداعِ وحبِّ الجاهِ والمالِ، والعداوةِ والبغضاءِ .." كلّها رؤوس للتنين هذا؛ تنين محبة القواطع عن الله، وما يحجبك عن مولاك -سبحانه وتعالى- هذا هو التنين. ولهذا أرباب البصائر يبكون على النَّاس بكاءً من قلوبهم، يشوفون أنهم ما يحسون بما هم فيه!
وهكذا أيام ظهر بعض الذين اغتروا بكلام الشيوعية عندنا وكلام الإلحاد، كان يمشي واحد مع أحد شيوخنا في الطريق، وإذا هو يغطي رأسه، فيقول له رفيقه: عسى ما عندك شيء صداع؟ قال: لا، رأيت نار تلهب فوق هذا الرجل وهو يمشي في الطريق، وهو ما يزال في الدُّنيا وما يحس بها، ما يحس بها في الدُّنيا.
وهكذا قال ﷺ: إنه إذا نطق الإنسان بالكذبة، تنحّى عنه الملكان مسيرة ميل من نتن ما يخرج من فيه. ويقول الحق تعالى يذكر لنا في هذه الحقيقة: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [النساء:10]. والظاهر: أين النَّار؟ النار هذه مخبوءة في التجرؤ على مال اليتيم من غير حق، أنت ما تحس بها ذا الحين، لكن بتحس بها، بتجيك وبتحس بها لما تفوق من سُكرك بتحس بها، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وهكذا، حتى كانوا يذكرون عن بعض العارفين أنهم كانوا قديمًا لمَّا يركبون في تلك السفن في البحار، ويجلسون لأشهر في البحار، انطفأت عليهم النَّار في بعض السفن وهم في وسط البحر، وما عندهم من الطعام ما يمكن أكله إلا بالطبخ، وبينهم وبين البر مدة طويلة. فلجأوا إلى بعض أهل الصلاح فيهم أن يسألوا الله. فقالوا: ما نعمل لهم؟ قالوا: ادعوا الله. فلمَّا ألحّوا على بعض العارفين، قال: هل عندكم أحد متولّي مال أيتام؟ قالوا: نعم، قال: هاتوه، جاء.. قال: أنت مع تولّيك مال اليتيم، لا بُد فيه من تقصير بعض الشيء.. قال: أستغفر الله!.. فقال له: القصد الآن (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) ونحن في السفينة محتاجين قليل من النَّار هذه لأننا الآن في عالم الحس لكي نقضي به حاجاتنا.. قال: أنا من لحم ودم مثلك وبطني كما بطنك، وما هناك شيء! قال: لا، لا، صدق الله، فقال: نعم صدق الله لكن… قال: هذا معنوي، بنسأل الله الآن يظهره لنا بنأخذ قبس فقط وخلِّ النار لك! هاتوا شيء من القُشاش الذي يلهب بسرعة، قرِّبوه، فأمره ينفخ فيه، نفخ.. خرجت نار، فاشتعل.. قال: خذوا ناركم، وذاك الرجَّال انبَهَت!!.. قال: انتبه لنفسك من حق اليتيم، لا تقرب ماله، وإلا في القيامة بيظهر لك مثل هذا، (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) نص صريح في القرآن.
ناس يتكلمون على كلام الأولياء ويقول لك: معقول، غير معقول… والقرآن أيش يقول؟ كلام ربك يجيء عندك، عاده غير معقول؟! (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) والنَّبي ﷺ قال: الذي يأكل في صحاف الذهب والفضة، إنّما يُجرجر في بطنه نار جهنم. صدق رسول الله، قال الذي يأكل ويشرب في صحاف الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم.
فبيننا وبين هذه الحقائق فقط؛ رفع الستار، رفع الستار يذهب به السُّكر، السُّكر في هذه الحياة يذهب، كلٌّ يفيق.. كلٌّ يفيق؛ الملحد والمنكر والمبغض والمجوسي والبوذي واليهودي؛ كل يفيق.
اعلم أن الحق ما قال به الأنبياء. حتى إذا قاموا من المرقد بين النفختين قالوا: (يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) تقول لهم الملائكة: (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]؛ هذا هو الكلام الذي كان يحدثكم عنه الأنبياء، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49]. أجارنا الله من النَّار، وعذاب النَّار، وأفعال أهل النَّار، وأوصاف أهل النَّار، وجعلنا من أهل جنته، وعاملنا بفضله ومِنّته، آمين آمين آمين.
قال: أما العدد "تسعةٍ وتسعينَ" فهذا ورد في الحديث، وانحصارها في هذا العدد وترتيبها "بنورِ النُّبوَّةِ" يُظهِره الله لرسوله ﷺ وهو أعرف منا بهذه الحقائق؛ فهو كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام، قد لا نصل نحن إلى إدراك هذا العدد كيف تم؟ وكيف بالترتيب؟ فالأمر كما قال ﷺ، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4] صلوات ربي وسلامه عليه.
قال: "فهذا التِّنِينُ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِ الكافرِ، لا بمُجرَّدٍ جهلِهِ بالكفرِ، بل لِمَا يدعو إليهِ الكفرُ؛ كما قالَ اللهُ تعالىٰ: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [النحل:10]، وقالَ الله تعالىٰ: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ). [الأحقاف:20] الآيةَ".
"وهٰذا التِّنِّينُ لو كانَ كما تظنُّهُ خارجاً مِنْ ذاتِ الميِّتِ.. لكانَ أهونَ؛ إذ ربَّما يُتصوَّرُ أن يَنحرِفَ عنهُ التِّنِّينُ، أو ينحرفَ هوَ عنهُ، لا بل هوَ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِهِ، يَلدغُهُ لدغاً أعظمَ ممَّا تفهمُهُ مِنْ لدغ التِّنِينِ، وهوَ بعينِهِ صفاتُهُ التي كانَتْ معَهُ في حياتِهِ، كما أنَّ التِّنِينَ الذي يَلدغُ قلبَ العاشقِ إذا باعَ جاريتَهُ هوَ بعينِهِ العشقُ الذي كانَ مُستكنّاً في قلبِهِ استكنانَ النَّارِ في الحجرِ، وهوَ غافلٌ عنهُ، فقدِ انقلبَ ما كانَ سببَ لذَّتِهِ سببَ ألمِهِ.
وهٰذا سِرُّ قولِهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ"، وقولِهِ تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30]
بل سِرُّ قولِهِ تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر:5-6]؛ أي: إنَّ الجحيمَ في باطنِكُم، فاطلبوها بعلمِ اليقينِ؛ لِترَوها قبلَ أن تدركوها بعينِ اليقينِ.
بل هوَ سرُّ قولِهِ تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ]العنكبوت:54]، ولم يقلْ: إنَّها ستحيطُ، بل قالَ: هيَ محيطةٌ ، وقولِهِ تعالىٰ: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاۚ) [الكهف:29] ولم يقلْ: يحيطُ بهِم. وهوَ معنىٰ قولِ مَنْ قالَ: إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ، وقد أنطقَ اللهُ لسانَهُ بالحقِّ، ولعلَّهُ لمَّا يُطلَعْ على سِرّ ما يقولُهُ.
فإن لم تفهمْ بعضَ معاني القرآنِ كذلكَ.. فليسَ لكَ نصيبٌ مِنَ القرآنِ إلَّا في قُشورِهِ؛ كما ليسَ للبهيمةِ نصيبٌ مِنَ البُرِّ إلَّا في قِشرِهِ الذي هوَ التِّبنُ.
والقرآنُ غذاءُ الخَلْقِ كلِّهِم على اختلافِ أصنافِهِم، ولكنَّ اغتذاءَهُم بهِ على قَدْرِ درجاتِهِم، وفي كلِّ غذاءٍ مخٌّ ونُخالةٌ وتِبنٌ، وحرصُ الحمارِ على التِّبنِ أشدُّ منهُ على الخبزِ المُتَّخَذِ مِنَ اللُّبِّ، وأنتَ شديدُ الحرصِ على ألَّا تفارقَ درجةَ البهيمةِ، ولا تَترقَّىٰ إلىٰ رتبةِ الإنسانيَّةِ، بل إلى الملكيَّةِ، فدونَكَ والانسراحَ في رياضِ القرآنِ، ففيهِ متاعٌ لكُم ولأنعامِكُم".
لا إله إلا الله.
يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: وجود هذه الحقائق في بواطن النَّاس ثم ظهورها إلى عالم الحس في الجنَّة وفي النَّار، بل وقبل ذلك في القبور، يصيرون يُحسُّون بها ويشاهدونها مشاهدة، قال: لو كانت خارجة عنهم لكان الأمر يسير، لكن المشكلة هي في ذواتهم؛ وبهذا يقول لأهل النار: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)[المؤمنون:108]؛ انتهت الفرصة لكم التي تستبدلون بها الشأن من شأن إلى شأن، والحالة من حالة إلى حالة، فبعد خروج الروح من الجسد، فإنما يُبعث على ما مات عليه؛ كما أنه غالبًا يموت على ما عاش عليه، نعم.. ولكن قد يكون عائشًا على شأن ثم يُختم له بشأن آخر، وهذا يكون على سبيل النُّدور بالنسبة؛ لأن أكثر الخلق يموتون على ما عاشوا عليه، ثم يُبعثون على ما ماتوا عليه، ثم تُترجم لهم المعاني الباطنة فيهم، ويعلمون معنى قول سيدنا علي بن أبي طالب:
حِجَابُكَ مِنكَ وما تشعرُ *** وداؤكَ فيكَ وما تبصرُ
فالأمر فيك؛ حجابك فيك، ونارك فيك، وجنَّتك فيك، ولهذا يقول ﷺ في الوالدين؛ للذي يبرّهم أو يعقهم: "هُما جنَّتُكَ ونارُكَ" هم نفسهم، ثم يقول: "الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكُمْ مِن شِراكِ نَعْلِهِ، والنّارُ مِثْلُ ذلكَ". الله ينَعِّمنا بقربه ومعرفته ومحبته، ولا يعرِّضنا للعذاب في الدُّنيا ولا في الآخرة، يا أكرم الأكرمين.
قال: "بل هوَ مُتمكِّنٌ مِنْ صميمِ فؤادِهِ، يَلدغُهُ لدغاً أعظمَ ممَّا تفهمُهُ مِنْ لدغ التِّنِينِ، وهوَ بعينِهِ صفاتُهُ التي كانَتْ معَهُ في حياتِهِ" الدُّنيا، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[التحريم:7]، كما قال الحق سبحانه وتعالى.
ولهذا يُقال للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله: (يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ..) لا شيء آخر، إلا هو هذا، به كنتم تُحرَقون لكن أنتم ما تحسون، الآن حسُّوا!.. كنتم محروقين في الدُّنيا لكن ما تحسون؛ سكرانين، الآن انتهى السُّكر، أحِسّوا (..هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ)[التوبة:35].
وهكذا يقول: مثل إنسان كان قلبه مولّع مثلًا بجارية عنده، وتعيش معه، فجاء له خاطر وباعها، راحت مع واحد ثاني، ما راحت مع الثاني إلا وأحسَّ في قلبه حُرقة وشدة، ما عاد يريد؛ يقول: برَجِّع له حقه.. هاتوا حقي. قال: هذا هو نفسه كان موجود أيام كانت الجارية عنده، لكن كان مستكن ومستتر، لمَّا حِيل بينه وبينها؛ ظهر المخفي الذي كان عنده، وكان مُسَكَّن بسبب قربها منه ووجودها جنبه؛ فهنا ما تجددت نار بعد ما باعها، ما تجدد شيء، إنما هي النَّار كانت موجودة من أول، لكن الآن تجدد سبب الإحساس، لمَّا أحس أنه حِيلَ بينه وبينها وانقطع عنها؛ ثار عليه ما كان يجده أول من تعلُّق قلبه بها ومحبته لها، هذا هو.. هو نفسه، هذا هو؛ نَّار كان، لكن لمَّا كانت هي موجودة؛ كان ساكن ما يحس به، فلمَّا فارقها صار يصيح الآن…تصيح أو لا تصيح!...ما فيك إلا الذي فيك من أول، هو نفسه. فإذا كان هذا كله في عالم الحسّيات؛ فكذلك المعنويات، ولذا قال تعالى: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل:90].
قال: وهذه أسرار في هذه الآيات الشريفة والأحاديث المُنيفة:
- مثل قوله ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ تُرَدُّ عَلَيْكُمْ".
- وفي الحديث القدسي: "يا عِبادِي، إنَّما هي أَعْمالُكُمْ أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيّاها، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ".
- ويقول : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا) بلذاته وهناه وروحانيته وحلاوته (وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ) أيضًا محضرًا بشدته وحرقته وألمه، ولكن (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30]، يا رؤوف، ارأف بنا، ولا تعرِّضنا لنارك، ولا تعرِّضنا لعذابك يا حي يا قيوم.
يقول: "(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر:5-6]؛ أي: إنَّ الجحيمَ في باطنِكُم، فاطلبوها بعلمِ اليقينِ" ترون الجحيم؛ حتى لا تقعوا فيها؛ في النَّار بعد ذلك، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم:6]، وقال: "(إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) [العنكبوت:54] ولم يقلْ: إنَّها ستحيطُ، بل قالَ: هيَ محيطةٌ" من الآن قدها محيطة، لكن الآن ما يحسون، بمجرد ما يموت الواحد منهم تنكشف الحقيقة، وماذا قال خير الخليقة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وهو العروة الوثيقة.
- ولهذا يقول: "حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ"؛ يقول للصحابي، ما قال: سيدخلك، قال: "أدْخَلَكَ"، هو في الجنَّة الآن، حُبّك لسورة الإخلاص "حُبُّكَ إيّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ".
- وأيضًا يقول: "دَخلتُ الجنةَ البارِحةَ".... رأيت بلال. البارحة ليس بعدين في القيامة!.. في القيامة لا بلال ولا غير بلال، ما أحد يتقدم قدَّامه، كلهم وراء، لكن "البارِحةَ" يقول: "البارِحةَ" يعني: روح بلال منعمّة في الجنَّة، هي من البارح، "دَخلتُ الجنَّة البارحة" فسمعت دفَّ بلال يرتع في الجنَّة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، فقوله ﷺ: "البارحة"، ما قال بعدين في القيامة؛ في القيامة النَّاس وراءه كلّهم صلّى الله وسلَّم عليه وعلى آله، رزقنا الله حُسن متابعته.
وهكذا فيما يقول: "إنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتانِ… فإن لم تفهمْ بعضَ معاني القرآنِ كذلكَ.. فليسَ لكَ نصيبٌ مِنَ القرآنِ إلَّا في قُشورِهِ" مثل البهيمة؛ ما لها من البُرِّ وما فيه من الفوائد التي يجدها الإنسان في جسده، قال: هذه القشور والتبن يعطونه الحيوان، وأما اللب فيروح لبني آدم؛ وكذلك لبُّ المعاني والحقائق يروح لأهله، والباقين يدورون حوله؛ يقرؤون القرآن، ويقرؤون الأحاديث لكنهم في القشور محلّهم؛ لأنهم ما صفَّوا بواطنهم، ولا صدقوا مع مولاهم -جل جلاله- اللهم وفّر حظنا من القرآن.
قال: "والقرآنُ غذاءُ الخَلْقِ كلِّهِم" ولكن على درجات في هذا الغذاء، "وفي كلِّ غذاءٍ مخٌّ ونُخالةٌ وتِبنٌ، وحرصُ الحمارِ على التِّبنِ أشدُّ منهُ على الخبزِ المُتَّخَذِ مِنَ اللُّبِّ"؛ لأنه يرى أن هذا أنسب له، مثل ما يحرص الطفل على اللعبة، وعلى الشوكليت والنعنع -الحلوى- أحسن مما يحرص على جوهرة؛ بل لو عرضت له جوهرة وأعطيته لعبة، بيرمي الجوهرة وبيأخذ اللعبة لأن هذا مقدار ما عنده، ما يشوف إلا هذا، ما يدري أن الجوهرة ذي بتجيب آلاف اللُّعب كما حقّه هذه، وبتجيب له أشياء كثيرة، ما يعرف، يحس الذي قدامه فقط؛ فهو غافل عن هذا، وكذلك الغفلة عن الله -تبارك وتعالى- خلَّصنا الله منها، خلَّصنا الله منها، خلَّصنا الله منها، وطهّرنا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
فصلٌ
في بيانِ حقيقةِ التنينِ المتمثِّلِ في القبرِ
"فإن قلتَ: فهل يَتمثَّلُ هذا التِّنِّينُ لهُ تمثُّلاً يشاهدُهُ مشاهدةً تضاهي إدراكَ البصرِ، أم هوَ تألُّمٌ محضٌ في ذاتِهِ؛ كتأتُّم العاشقِ إذا حيلَ بينَهُ وبينَ معشوقِهِ؟
فأقولُ: لا، بل يَتمثَّلُ لهُ حتَّىٰ يشاهدَهُ، لكنْ تمثُّلاً رُوحانيّاً، لا علىٰ وجهٍ يُدرِكُهُ مَنْ هوَ بَعْدُ في عالَمِ الشَّهادةِ إذا نظرَ في قبرِهِ؛ فإنّ ذلكَ مِنْ عالَمِ الملكوتِ.
نعم؛ العاشقُ أيضاً قد ينامُ فيَتمثَّلُ لهُ حالُهُ في المَنامِ، فربَّما يرىٰ حيَّةً تَلدغُ صميمَ فؤادِهِ؛ لأنَّهُ بَعُدَ بالنَّومِ مِنْ عالَمِ الشَّهادةِ قليلاً، فتَتمثَّلُ لهُ حقائقُ الأشياءِ تمثُّلاً محاكياً للحقيقةِ، منكشفاً لهُ مِنْ عالَمِ الملكوتِ.
والموتُ أبلغُ في الكشفِ مِنَ النَّومِ؛ لأنَّهُ أقمعُ لنوازعِ الحِسِ والخيالِ، وأبلغُ في تجريدِ جوهرِ الرُّوحِ عن غِشاوةِ هذا العالَمِ؛ فلذلكَ يكونُ ذلكَ التَّمثُّلُ تامّاً مُحقَّقاً دائماً لا يزولُ؛ فإنَّهُ نومٌ لا يَنتبِهُ منهُ إلَّا يومَ القيامةِ، ويُقالُ لهُ: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]
واعلمْ: أنَّ المُتيقِّظَ بجنبِ النَّائمِ إن كانَ لا يشاهدُ الحيَّةَ التي تلدغُ النَّائمَ.. فذلكَ غيرُ مانعٍ مِنْ وجودِ الحيَّةِ في حقِّهِ، وحصولِ الألمِ بهِ؛ كذلكَ حالُ الميِّتِ في القبرِ".
وهكذا يقول: هذه الحقائق لمَّا نتحدث عنها، كثير من العقليات قد ما تستوعب؛ كيف؟ كيف وجود حقيقة النَّار والجنَّة فينا؟ وحقيقة النَّعيم والعذاب فينا؟ وبعدين يظهر لنا في الآخرة، وهل يظهر بمجرد إحساس فينا فقط أو هو مُمَثَّل؟ قال: لا..لا، مُمَثَّل ومشاهَد أشد من مشاهدة البصر للأشياء الحسية، ولكن استبعاد العقل له كمثل: واحد من العوام أرسل ولده يتعلم في بعض المدارس، وبعدين في حصة من الحصص التي يعلمونهم مواد الجسد ومن ماذا مكوَّن، ومن جملته علموهم ذاك اليوم عن نوع من الخضرة الخضراء يقال لها عندنا الضدح، وأن فيها حديد؛ يعني: مادة تتحول في جسد الإنسان إلى حديد، ولمَّا رجع يقول له أبوه: ماذا علّموك اليوم في المدرسة؟ قال: علمونا أن الضدح فيها حديد، قال: ماذا؟! خضرة فيها حديد؟! أي مدرسة هذه؟ وأي معلمين هؤلاء؟! لا تروح عندهم، هؤلاء يجننون عقلك. هم يعلمونه، لكن الرجل قال: ضدح!.. خضرة نحن نأكلها ولا شيء حديد، أين الحديد؟! فأنكر هذا.. كذلك عقلية النَّاس أمام هذه الحقائق التي نذكرها للناس يستغربونها وهي واقع، وعند انكشاف الغطاء؛ كلٌّ يشاهد بعد ذلك.
ولهذا يقول: ليس مجرد إحساس بل هي في عالم الروح تُمثَّل تمثيلًا تامًا ويشاهدها، ولكن تَمثُّل روحاني من كان في عالم الشهادة بعد؛ لا يدركه ولا يرقى إليه. يقول: نعم، تحصل للإنسان كثير من الحقائق أحيانًا تبدو له في النوم، لماذا؟ لأنه بالنوم ينقطع بعض الانقطاع عن هيمنة الحس، عن هيمنة المحسوسات والدُّنيا والماديات، فلمَّا تضعف صلة روحه بالماديات هذه؛ ينكشف لها شيء من الحقيقة فيشاهدها في النوم، قال: لكن بالموت المشاهدة أوضح وأفصح وأفسح؛ إذا قد متّ، أما في النوم، في خِفّة يسيرة في العلاقة بين الروح والعالم الحسي، لكن عند الموت أمر أكبر، فبهذا تشاهد الأمر تمامًا.. لا إله إلا الله.
قال: قد "يرىٰ -العاشق في النوم- حيَّةً تَلدغُ صميمَ فؤادِهِ" فيشاهدها لأنه بَعُد عن عالم الشهادة؛ فالحقيقة بدت تتمثل له، وعرف أنه ما خلق الله الحيات في الدُّنيا تنهش؛ إلا لأن هناك معاني تنهش الأرواح، يجب علينا أن نقيس هذا بهذا. كما قال في نار الدُّنيا للتذكرة بنار الآخرة: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً) [الواقعة:71-73]، تذكركم أن هناك نار، والنار تلك أشد، وإن كانت هي من باطنك لكنها أشد من هذه، هذه الظاهرة يمكنك أن تهرب منها أو تحترز منها، لكن التي من باطنك تشتعل، من أين تروح؟ أين تروح؟ -لا إله إلا الله- (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26] جل جلاله وتعالى في علاه.
قال: "والموتُ أبلغُ في الكشفِ مِنَ النَّومِ؛ لأنَّهُ أقمعُ لنوازعِ الحِسِ والخيالِ، وأبلغُ في تجريدِ جوهرِ الرُّوحِ عن غِشاوةِ هذا العالَمِ؛ فلذلكَ يكونُ ذلكَ التَّمثُّلُ تامّاً مُحقَّقاً دائماً لا يزولُ؛ فإنَّهُ نومٌ لا يَنتبِهُ منهُ إلَّا يومَ القيامةِ، ويُقالُ لهُ: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق:22]"، قال: وعدم إدراك المستيقظ جنب النائم، وعدم مشاهدته للحية، ويقول: ما جاءت حية ولا شيء، وذاك قام يصيح من النوم يقول: حية جاءت تلسعنا في صميم قلبي، قال: أنت مجنون؟ أنا قاعد عندك ولا شيء حية. نقول له: المجنون هو ولا أنت؟!… هذا في عالم نومه يحس ما لا تحس، ويبصر ما لا تبصر، فهو صادق فيما قال وفيما انكشفت له من حقيقة، وعدم رؤيتك لها ما يدل على غيبتها؛ وكذلك أهل الحس، عدم رؤيتهم لما يجري في القبور ما يدل على العدم، موجود في القبور نعيم وعذاب لكن هؤلاء ما يدركونه لأنهم في عالم الحس وفي عالم الشهادة وفي عالم المادة.
رزقنا الله كمال الإيمان، ورقّانا في علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، إلى الذُّرى مع خيار الورى، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرَّاحمين.
الله ينظر إلينا ويقرّبنا إليه أجمعين، ويجعلنا في الهداة المهتدين، ويبارك سبحانه وتعالى في هذا المقام، وفي القائمين في هذا المسجد والمترددين إليه، ويجعل لهم رقيًّا في مراقي العُلا مع خيار الملأ، ويطيل لنا ولهم الأعمار في طاعته تعالى، ويرفعنا أعلى مراتب علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ويجعلنا ممن ترعاهم عين عنايته في كل شأن وحال وحين، خذ بأيدينا إليك أخذ أهل الفضل والكرم عليك، قوّمنا إذا اعوججنا، وأعنّا إذا استقمنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، ثبتنا على الحق فيما نقول، وثبتنا على الحق فيما نفعل، وثبتنا على الحق فيما نعتقد. واعصمنا من الشرك، واغفر لنا ما دون ذلك بأوسع المغفرة، واجعلنا من أهل الإنابة إليك، والخشية منك، والمعرفة بك، والصدق معك، والرجاء فيك، واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدًا غيرك، واقطع خوفنا عمن سواك حتى لا نخاف أحدًا غيرك، وثبتنا على الحق في جميع الشؤون، وتولّانا في الظهور والبطون، واجعلنا ممن يهدون بالحق وبه يعدلون، في خير ولطف وعافية، مع صلاح شؤوننا الظاهرة والخافية، لنا وللمسلمين أجمعين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَة
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
20 جمادى الأول 1447