كشف الغمة -70- باب سنن الوضوء: مسح الأذنين

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: باب سنن الوضوء: مسح الأذنين

 صباح الأربعاء: 28 صفر 1445هـ

يتضمن الدرس نقاط مهمة، منها:

  • قول بوجوب مسح الأذنين ودليله
  •  هل مسح الأذنين مع الوجه أم الرأس؟
  •  تجديد الماء للأذنين عند المالكية
  •  كيف يكون مسح الأذنين 15 مرة في الوضوء؟
  •  الحكمة من اختلاف اجتهادات الأئمة
  •  كيف مسح رسول الله ﷺ داخل وخارج أذنيه
  •  مسح ثقب الأذنين بالخنصر
  •  مسح الرقبة بعد الأذنين

نص الدرس مكتوب:

"الخامسة مسح الأذنين: قالت الربيع بنت معوذ: رأيت النبي يتوضأ فأدخل أصبعه في جحري أذنيه، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يأخذ الماء بأصبعهِ لأذنيه، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأذنان من الرأس"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: ليستا من الرأس ولا من الوجه، فلو كانتا من الرأس لكان ينبغي أن يحلق ما عليهما من الشعر، ولو كانتا من الوجه لكان ينبغي أن يغسل ظهورهما وبطونهما مع الوجه. 

وكان ﷺ يقول: "خذوا للرأس ماء جديداً"، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: الأذنان من الرأس، وكان يغسلهما مع الوجه ظهراً وبطناً إلا الصماخ مرة أو مرتين ثم يدخل أصبعه الماء بعد ما يمسح رأسه ثم يدخلها في الصماخ مرة". 

اللهم صلِّ أفضل صلواتك على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون. 

 

الحمد لله مُكرِمنا بالشريعة العظيمة وبيانها على لسان عبده المصطفى محمد ذي المراتب الفخيمة صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه؛ ومن سار على دربه في المناهج القويمة؛ وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المخصوصين من الرحمن بأعلى المنن والنفحات والمزايا الجسيمة؛ وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين؛ وعلى جميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. 

 وبعد، 

يذكر لنا الشيخ عليه رحمة الله تعالى: الأحاديث المتعلقة بالوضوء ويذكر في هذه الفقرة ما يتعلق بمسح الأذنين، ونَقَل عن "الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: رأيت النبيﷺ  يتوضوء فأدخل اصبعه في جُحْرَيْ أذنيه" تعني: الصماخين وهو: ثَقْبُ الأذن، والمراد بذلك الأصبع: السبابة، "وكان ابن عمر رضي الله عنهما يأخذ الماء بأصبعه لأذنيه" أي: لكل أذن أصبع؛ وذلك بأن: يَبُلَّ السبابة والإبهام ويغسل باطن الأذنين بالسَّبّابتيْن وظاهرهما بالإبهامين، "وكان أبو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول اللهﷺ يقول: "الأذنان من الرأس" وهذا دليل الحنابلة في وجوب مسح الأذنين؛ وقال: "الأذنان من الرأس" ، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "ليستا من الرأس ولا من الوجه، فلو كانتا من الرأس لكان ينبغي أن يحلق ما عليهما من الشعر، ولو كانتا من الوجه لكان ينبغي أن يغسل ظهورهما وبطونهما مع الوجه". 

وكان يقولﷺ: "خذوا للرأس ماءً جديدًا" هكذا جاء في روايات وبه أخذ الإمام الشافعي وكذلك عند مالك، "وكان ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس وكان يغسلهما مع الوجه ظاهرًا وبطنًا إلا الصماخ مرة أو مرتين ثم يدخل أصبعه الماء بعدما يمسح رأسه ثم يدخلهما في الصماخ مرة"، وبذلك تعددت المسحات للأذنين:

  • وجاء القول أنهما من الوجه؛ فمن قال ذلك جعل لهما أغسالًا ثلاثة: عند غسل الوجه.
  • ومن قائل: أنهما من الرأس وقائل ذلك يقول يُمْسحَانِ مع الرأس؛ أي: ثلاثًا.
  • ومن قال: أنهما مستقلين، الأذنان عضوين مستقلين؛ ليستا من الوجه وليستا من الرأس؛ فبعد مسح الرأس يغسلهما ثلاثًا وثلاثًا؛ ثلاثًا بالإبهام السبابة؛ وثلاثًا بالراحتين، وقيل أيضًا: زيادة ثلاث بإصبع الخنصر وإدخاله في ثَقْب الأذن. 

 وبذلك جاء اجتهاد الأئمة فيما جاء من روايات فيما يتعلق بمسح الأذنين؛ فقال الأئمة الثلاثة: أن ذلك من سنن الوضوء الحنفية والمالكية والشافعية؛ وقالوا: أن مسح الأذنين من سنن الوضوء ظاهرهما وباطنهما؛ وقالوا: أن ظاهرهما ما يلي الرأس؛ وباطنهما ما يلي الوجه؛ لأن الأذنين في تكوين الخلق معطوفتين؛ فما يلي الوجه مُغطى وما يلي الرأس ظاهر؛ فإذا خرج من بطن أمة انفتحت الأذن فصار الباطن ظاهرًا؛ فصار أظاهر الأذنين من من جهة الرأس -الله لا إله إلا الله-. فإذًا ظاهر الأذنين ما يلي الرأس وباطنهما ما كان مواجهًا. وبعد ذلك؛ قال الحنابلة وبعض من المالكية: أن مسح الأذنين ظاهر وباطن واجب في الوضوء؛ يجب أن يمسح الأذنين، قال الحنابلة: لأنهما من الرأس وعندهم استيعاب مسح الرأس، وقال ﷺ: "الأذنان من الرأس". 

وفي رواية أبي داود وأبي أمامة جاءتنا الروايات منها: هذه رواية عبد الرزاق "الأذنان من الرأس" وابن أبي شيبة والدارقطني كذلك رواية عبد الرزاق "أن ابن عمر كان يغسل ظهور أذنيه وبطونهما؛ إلا الصماخ مع الوجه مرة أو مرتين ويدخل بأصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء يدخلهما؛ ثم يدخلهما في الصماخ مرة، فرأيته وهو يموت يتوضأ ثم أدخل أصبعيه في الماء فجعل يريد أن يدخلهما في صماخه فلا يهتديان ولا ينتهي، حتى أدخلت أنا أصبعي في الماء فأدخلتهما في صماخه" ؛ حرصًا على السنة عند الوفاة؛ وأن يموت وهو متوضئ ولا يغفل عن شيء من سنن الوضوء.

 وبعد ذلك.. يقول المالكية والشافعية والحنابلة: أن الماء الذي تمسح به الأذنان يكون غير الذي مُسح به الرأس؛ فيُسن تجديد الماء للأذنين. وبذلك قال المالكية السنن التي تتعلق بالأذنين ثلاثة: 

  • مسح ظاهرهما وباطنهما 
  • ومسح الصماخين 
  • وتجديد الماء لهما.

فمن مسح من بقية بلل الرأس فقد أتى بسنة وفاتته سنة تجديد الماء، فعندهم سنة ليتجدد الماء، وسنة أن يمسح الأذنين وأن يُخص الصماخين أيضًا بمسح، فصارت ثلاث سنن عندهم متعلقة بالرأس.

قال الشافعية: ينبغي أن يغسل الأذنين مع الوجه ثلاثًا خروجًا من خلاف من قال: إنهما من الوجه، ثم يمسحهما مع الرأس ثلاثًا خروجًا من خلاف من قال إنهما من الرأس، فصارت ست مسحات، ثم يمسحهما مستقلتين بالأصبعين السبابة والإبهام؛ الإبهام للظاهر الأذنين والسبابة للصماخين ومعاطف الأذنين باطن الأذنين ثلاثًا فصارت تسع؛ ثم بالراحتين يضع الراحتين في ماء ويمسح الأذنين ثلاثًا فصارت إثنا عشر. وقيل أيضًا: عندهم يضع إصبعه الخنصر في الماء ويضعهما في الصماخين ثلاثًا فتصير خمسة عشر مسحة في الوضوء للأذنين، وقالوا: يأتي بماء جديد. 

لكن قال الحنفية: نفس ماء الرأس؛ إلا أنه عندهم أيضًا روايتين أنه أن الأفضل لا يأتي بماء جديد؛ وفي قول عندهم -كما في نور الإيضاح عندهم- يقول: لو أخذ ماءً جديدًا بل كان حسنًا؛ كان حسنًا، والأصل عندهم أنه نفس مسح الرأس، إلا أنهم أيضا يجعلون الكيفية في مسح الرأس أنه إذا بلَّلَ يديه بالماء مسح بالثلاثة الأصابع مقدمة الرأس يمر بها قفاه ثم يمر الكفين إلى الأمام ويبقى السبابة والإبهام للأذنين، يمسح بهما الأذنين ثم يمر بكفه أيضا عليهما، فعندهم تلك مسحة واحدة، وهي عند الشافعية ثلاث مسحات للرأس وثلاث للأذنين كذلك.

إذًا يقول أيضا الحنابلة والمالكية: أنه يجب مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، ويُسنّ مسحهما بماء جديد بعد مسح الرأس، كما جاء في روايات. وكُلٌّ أخذ ببعض الروايات التي وردت عنه ﷺ. وكما قال بعض أهل العلم لمَّا سُئل عن حكمة اختلاف اجتهادات الأئمة وأخذ كلٍّ بشيء مما ورد من الروايات؛ قال: (لأن الله يُحِبُّ أن يرى جميع سنن حبيبه في أمته) فمنهم من أخذ بهذا ومنهم من أخذ بهذا؛ حتى تكون السنن كلها موجودة في الأمة (إن الله يحب أن يرى جميع سنن حبيبه في أمته) ﷺ.

 وجاء في الرواية: "..فأخذ لأذنه ماء خلاف الماء الذي مسح به رأسه" ﷺ. قال: أمَّا البياض الذي فوق الأذنين -تحت الشعر- فهو من الرأس على الصحيح. ويُدخِل سبابتيه في صِمَاخيّ الأذنين ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، كما جاء في الرواية عند ابن ماجه وابن حبان يقول: "النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه".

 وعلمنا ما قال الحنفية: من أنه يكفي مسح جميع الرأس والأذنين بماء واحد، وأيضا أخذوا رواية الأذنان من الرأس، فعندهم إذا بلَّل كفّيه فالأفضل أن يضع كفّيه وأصابعه الثلاثة على مُقَدَّم رأسه يمدهما إلى قفاه، ثم يُبقي البلل الذي في السبابة والإبهام يمسح بهما الأذنين، فيكون هذا الماء غير مستعمل، ولكن لو مسح المتوضئ أذنيه بالبَلَّة الباقية من مسح الرأس كفى عند الحنفية وكان مقيما للسنة. ولكن كما نقلنا عن بعض كتبهم في الفروع يقولون أن لو مسحهما بماء جديد كان أولى أو كان حسنا. كما ذكروا أيضا ندب إدخال خنصره المبلولة في صماخ أذنيه عند مسحهما، وهذا الذي يسميه أيضا الشافعية بالاستقلال ومذكور في بعض كتب الشافعية -كالعمدة لابن النقيب- أنه بعد أن يمسح الأذنين بالسبابة والإبهام ثم بالراحة فيمسحهما بالخنصر لثقبي الأذنين.

وكذلك من السنة عند الحنفية: مسح الرقبة، وهي عند بعض الشافعية -منهم الإمام الغزالي والإمام البغوي وجماعة- قالوا بسُنِّيَّة مسح الرقبة بعد مسح الأذنين، يمسح رقبته بكفيه، وهذا الثابت عند الحنفية وفي قول بعض الشافعية، ويُروى فيه: "مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة".

  رزقنا الله الاستقامة، ومتابعة المُظَلَّل بالغمامة، في جميع الشؤون في الظهور وفي البطون، وجعلنا ممن بهديه يهتدون، وممن يهدون بالحق وبه يعدلون، ودفع َالبلايا والآفات والرزايا والعاهات عنَّا وعن أمة حبيبه محمد ﷺ أجمعين، ولطف بنا وبالمسلمين فيما تجري به المقادير، وكان لنا عونًا ونصيرًا في كل ما إليه نصير، وألهمنا رشدنا وتمَّم سعدنا وبلَّغ قصدنا في عافية.. 

 

بسرّ الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

28 صفَر 1445

تاريخ النشر الميلادي

13 سبتمبر 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام