كشف الغمة - 454 - كتاب البيع: 2- الحث على البكور في طلب الرزق وذكر السوق
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 454 - كتاب البيع: 2- الحث على البكور في طلب الرزق وذكر السوق
صباح الأحد 13 محرم 1448هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- استحباب البكور في طلب الرزق
- نزول البركة بالتبكير والرزق ومخالفة العادات المعاصرة
- أثر النوم بعد صلاة الفجر
- فضل ذكر الله بعد الفجر وتيسير الأرزاق الحسية والمعنوية
- قصة إيقاظ النبي للسيدة فاطمة بعد صلاة الفجر
- أحكام إيقاظ النائم
- النهي عن النوم قبل طلوع الشمس
- أسرار الذاكرين في الأسواق
- سبحة الحديث: ذكر الله في أثناء الكلام
- جحود النعمة وإظهار الشكوى (قصة النبي إبراهيم مع زوجتي إسماعيل)
- ما هي شر المجالس وخيرها؟
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان ﷺ يحث على البكور في طلب الرزق وغيره من حوائج الدنيا ويقول: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، وكان ﷺ يقول: "باكروا طلب الرزق فإن الغدو بركة ونجاح"، وكان ﷺ يقول: "إذا صليتم الصبح فلا تناموا عن طلب أرزاقكم فإن نوم الصبحة تمنع الرزق"، وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة -رضي الله عنها- بعد صلاة الصبح فوجدها مضطجعة، فحركها برجله، ثم قال لها: "يا بنية قومي فاشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"، وكان علي -رضي الله عنه- ينهى كل من رآه نائماً قبل طلوع الشمس.
وكان ﷺ يحث على كثرة ذكر الله تعالى في الأسواق، ويقول: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى الله له بيتاً في الجنة، وذاكِرُ الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "أحب العمل إلى الله -عزّ وجلّ- سبحة الحديث، وأبغض العمل إلى الله التحريف، فقال رجل: يا رسول الله وما سبحة الحديث؟ قال: "يكون القوم يتحدثون والرجل يسبِّح"، فقال: يا رسول الله وما التحريف؟ قال: القوم يكونون بخير فيسألهم الجار أو الصاحب، فيقولون: نحن بِشَرْ"، وكان ﷺ يقول: "شر المجالس الأسواق والطرق، وخير المجالس المساجد، فإن لم تجلس في المسجد فالزم بيتك".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بحسن البيان، على لسان من أنزل عليه القرآن، عبده المختار سيد الأكوان، محمد بن عبد الله صلّى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى آبائه وإخوانه من رسل الله وأنبيائه، وعلى من والاهم واتّبعهم وجميع آلهم وصحبهم، وعلى جميع الملائكة المقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويشير الشيخ -عليه رحمة الله- إلى ما ورد من المندوبات والمستحبات لمن يطلب الحلال والطيب من المال؛ لينفقه في مرضاة ذي الجلال، وأنه ينبغي له أن يبكّر في الأحوال والشؤون؛ فإن في التبكير والمبادرة بركة وخير كثير، لا يحَصِّله المتأني والمتأخر والذي لا يباشر القيام بالأمر من أول وقته.
ويقول ﷺ: "اللهم بارك لأمتي في بكورها". وأيضًا أورد الحديث الآخر: "باكروا طلب الرزق فإن الغدوِّ بركة ونجاح" أي: المُضِيّ في الغدوة وفي أول النهار، فيكون ذلك من الأوقات التي تحصل فيها من الله بركات وتيسير.
وبالبرمجة التي طرأت على المسلمين في الأوقات الأخيرة؛ عُدِموا البكور في أمور الخير وفي أمور طلب الرزق كذلك، فصارت لهم نومات في غير محلها، وسهر في غير محله؛ فيسهرون على غير الطاعة وغير الذكر في الليل، وينامون في أول النهار عن الخير وعن اكتساب الرزق، ويكونون متأخرين بعد ذلك، ومن المعلوم قلة البركة في كثير من مساعي الناس وكثير من أموالهم وأحوالهم.
فينبغي أن يُستنار بنور السنة الشريفة، وما بيّنه ﷺ ووضعه لأمته من:
- التبكير في طلب الرزق.
- والتبكير في طلب العلم.
- والتبكير في حضور مجالس العلم والخير.
- والتبكير في كل ما يطلبه الإنسان ويحتاجه من أمر دينه ودنياه؛ فإن في البُكرة بركة.
"يقول: "إذا صليتم الصبح فلا تناموا عن طلب أرزاقكم فإن نوم الصبحة تمنع الرزق"، "الصبحة": النوم بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس؛ "تمنع الرزق" أي: إما تمنع البركة في الرزق، أو تمنع الرزق الطّيب؛ فما رُزِق صاحب النوم في هذا الوقت:
- فإما رزق غير مبارك فيه.
- وإما رزق غير طيب وغير حلال.
وفي الآثار: أن الذي يقعد يذكر الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس؛ أسرع في تحصيل الرزق من الذي يجوب الآفاق، يعني: يسافر فيها لطلب الرزق؛ هذا الذي يعتكف بعد صلاة الصبح ويذكر الله إلى أن تطلع الشمس؛ مبارك له في أرزاقه وأحواله، وأجلب هذا للرزق المبارك له من أن يجوب -أي: يسافر- في طلب الرزق في البلاد، أي: يجوب الآفاق والبلدان والأماكن المختلفة.
وهكذا..
- في عمارة ما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس خاصية قوية في تيسير الأرزاق الحسية.
- وفي عمارة ما بعد العصر إلى غروب الشمس خاصية قوية في جلب الأرزاق المعنوية القلبية.
- وفي الحديث أيضًا: "لَأَنْ أقعُدَ مع قومٍ يذكرون اللهَ من صلاةِ الغَداةِ، حتى تَطْلُعَ الشمسُ: أَحَبُّ إليَّ من أن أَعتقَ أربعةً من وَلَدِ إسماعيلَ، ولَأَنْ أقعُدَ مع قومٍ يذكرونَ اللهَ من صلاةِ العصرِ إلى أن تَغْرُبَ الشمسُ: أَحَبُّ إليَّ من أن أَعتِقَ أربعةً"؛ إذًا ففي عمارة هذا الوقت خير كثير.
يقول: "وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة -رضي الله عنها- بعد صلاة الصبح فوجدها مضطجعة، فحركها برجله، ثم قال لها: "يا بنية قومي فاشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس" ﷺ.
بعض من أحكام إيقاظ النائم:
ومن هنا قالوا إنه:
- يجوز إيقاظ النائم في مثل هذا الوقت.
- وأنه مَن كان نائمًا فلا يجوز إزعاجه ولا إيقاظه إلا لطلب منه أو لحاجة؛ وإلا ما يمكن.
- إلا من نام على بطنه فيجوز إزعاجه ليتحول.
- ومن نام بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فيجوز إزعاجه من النوم، وغيرها.
- وإلا ما يمكن تزعج نائم ولو بقراءة ما يمكن ترفع صوتك بقراءة حتى تزعج النائم فتأثم.. اتركه.
- لكن إن كان بعد صلاة الصبح، وإلا نائم على بطنه فيجوز تزعجه حتى يعتدل، لما جاء في كراهة ذلك.
"وكان علي -رضي الله عنه- ينهى كل من رآه نائماً قبل طلوع الشمس" ولهذا كانوا لا يحبون النوم قبل صلاة العشاء ولا قبل طلوع الشمس بعد صلاة الصبح.
ويقول قائلهم: لو كان لك سِنة من النوم لا تنم في هذا الوقت.. هذا الوقت لا تنم فيه، ابتعد عن النوم فيما بين المغرب والعشاء، وما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
قال: "وكان ﷺ يحثّ على كثرة ذكر الله في الأسواق" لأنها محل الغفلة، وقد يحصل فيها غش وخداع وغير ذلك. فالذاكر لله فيها يتضاعف أجره.
- "ذاكِرُ اللهِ في الغافِلِينَ؛ بِمنزِلَةِ الصابِرِ في الفارِّينَ".
- "ذاكرُ اللَّهِ في الغافلينَ كشَجرةٍ خضراء بين أشجارٍ يابسةً".
- "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كالشجرةِ الخضراءِ في وسطِ الشجرِ الهشِيمِ".
- "مَثَلُ البيتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه ومَثَلُ البيتِ الذي لا يُذكَرُ اللهُ فيه كمَثَلِ الحيِّ والميِّتِ".
ففي الذكر في السوق خاصية.
ويقول: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، -ألف ألف يعني: مليون ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى الله له بيتاً في الجنة، وذاكِرُ الله في الغافلين بمنزلة الصابر -في الجهاد في سبيل الله- في الفارين"، الذين فروا من الزحف وتعرضوا لغضب الله، وهذا ثابت في مكانه-، فـ"ذاكِرُ الله في الغافلين بمنزلة الصابر". فحديث: "بنى الله له بيتًا في الجنة" هذا عند الإمام الترمذي، والحديث قبله عند ابن ماجه وكذلك إنه عند الحاكم وغيره، وجاء بسند حسن: ألف ألف حسنة، ومحو ألف ألف سيئة، ورفعة ألف ألف درجة، نعمة كبيرة من الله؛ ثلاثة ملايين تحصلها لما تدخل بين أهل السوق وتقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". تذكر الله في محل الغفلة وتحصل هذا الربح الكبير.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "أحب العمل إلى الله -عزّ وجلّ- سبحة الحديث"، يعني: الذكر لله تعالى في أثناء الكلام.
- كان سيدنا أبو بكر يخلط كلامه بـ "لا إله إلا الله"، كلما يتكلم مع أحد يقول: "لا إله إلا الله". يتكلم كلمات يقول: "لا إله إلا الله"، وهكذا.
- وكان كثيرًا ما يغلب على سيدنا عمر التكبير، كلما تكلمه تسمعه يقول: "الله أكبر".
- كان يغلب على سيدنا عثمان التسبيح، كلما تكلم في أثناء كلامه يقول: "سبحان الله".
- وكان يغلب على سيدنا علي الحمد، يحمد الله -تبارك وتعالى- في أثناء ما يتكلم يقول: "الحمد لله"، -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
وكذلك يقول: "وأبغض العمل إلى الله التحريف، فقال رجل: يا رسول الله وما سبحة الحديث؟ قال: "يكون القوم يتحدثون والرجل يسبِّح"، "سبحة الحديث": ما يسترسل في الكلام إلا بذكر الله -سبحانه وتعالى-. أما "التحريف" يقول: فـ"القوم يكونون بخير فيسألهم الجار أو الصاحب، فيقولون: نحن بِشَرْ" هذا أبغض عمل التحريف. يقولون: ما عندنا شيء، نحن تعبانين! والخير عندهم، ويجحدون نعمة الله. هذا من أبغض الأعمال إلى الله -سبحانه وتعالى-.
وفي الخبر أن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لما وفد مرة إلى مكة ولم يجد ابنه، سأل عن إسماعيل، فقالت له زوجته: إنه خرج في صيدٍ أو نحوه، فقال لها: كيف حالكم؟ قالت: بِشَرْ؛ وأنا في تعب، وشكت إليه. فقال: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه السلام وقولي له: غيّر عتبة بابك. فلما جاء إسماعيل، قالت له: وقف رجل شيبة له مهابة قال كذا وقال كذا. قال: ما وصفه؟ قالت: كذا كذا. قال: ذاك أبي، ماذا قال؟ قالت: سألني هكذا وقلت له كذا، فقال: قولي له يسلم عليك وغيّر عتبة بابك. قال: هذا أبي وقد أمرني بفراقك، الحقي بأهلك، روحي أنتِ زوجة غير صالحة لإسماعيل.
فمرّ مرة أخرى مع زوجة أخرى، فسأل عنه، فقالت له إنه خرج إلى الصيد أو نحوه. فقال: كيف حالكم؟ قالت: بخير بفضل الله ونعمة الله، وعندنا. قالت: تفضل نعطيك وانزل نكرمك بما عندنا. قال: ما قوتكم؟ قالت له: اللبن واللحم. فدعا بالبركة. قالوا: ولهذا اللبن واللحم في مكة أكثر بركة منه في غيرها، حتى كانوا يقولون: إن الجمع بين أكل اللحم في الليل والنهار مضر إلا في مكة المكرمة، من دعوة إبراهيم -عليه السلام- لمكة. قال: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه السلام وقولي له: ثبّت عتبة بابك. فلما جاء أخبرته، قال لها: ذاك أبي إبراهيم -خليل الله-، وقد أمرني ألا أفارقك. هكذا.
فهذا التحريف: "يكونون -الناس بخير فيسألهم الجار أو الصاحب، فيقولون: نحن بِشَرْ" إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان ﷺ يقول: "شر المجالس الأسواق والطرق، وخير المجالس المساجد، فإن لم تجلس في المسجد فالزم بيتك". وفي الخبر الآخر: "أحَبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها وأبغَضُ البلادِإلى اللهِ أسواقُها" لأنها محل الغفلة ومحل الغش ومحل الخداع وإلى غير ذلك من الذنوب. فقال: إذا ما جلست في المسجد، في بيتك أستر لك من أن تضيع وقتك في السوق بين لاهين وبين غافلين. فالشر الذي كان لا يوجد إلا في الأسواق صارت الناس الآن بواسطة الأجهزة إلى أي محل، يحصله في حقه الجوال، حيثما كان، يكون في شر الأماكن وحيثما كان حتى في بيته! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
بارك الله في الأوقات، وبارك الله في الأقوات، وبارك الله في الحركات، وبارك الله في السكنات، كشف الله الضر عنّا وعن المؤمنين والمؤمنات، وحوّل الأحوال إلى أحسنها.
وفرّج عن المنتقل إلى رحمة الله محمد البدر بن عبد الرحمن بن مهدي المحضار، جعل الله قبره روضة من رياض الجنة، وجعل له من عذابه وقاية وجنّة، ورفعه في الدرجات العلى مع خيار الملا، وتقبل جميع حسناته، وضاعف كل حسنة لما لا نهاية، وبدّل جميع سيئاته إلى حسنات تامّات، ورفع عنّا وعنه بواسع العفو والمغفرة، وأصلح شؤوننا أنا وأهلينا وذراياتنا وذوينا والأمة بما أصلح به شؤون الصالحين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
13 مُحرَّم 1448