كشف الغمة - 453 -  كتاب البيع: 1- بيان الأمر بالكسب للقادر

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 453 -  كتاب البيع: 1- بيان الأمر بالكسب للقادر

صباح السبت 12 محرم 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  • شمولية الشريعة المحمدية في تنظيم المعايش والاكتساب
  •  متى يكون الكسب واجباً أو مسنوناً؟
  • الأحكام الشرعية للبيوع
  •  الحكمة من التجارة وأن الذهب والفضة أثماناً للأشياء
  •  تعريف "البيع" لغةً واصطلاحاً عند المذاهب الفقهية
  •  تحذير من طلب الدنيا بالدين واستغلال العبادات
  •  فضل الأكل من عمل اليد ومكانة الحرفة
  • صنائع وحرف الأنبياء: من الحراثة إلى النجارة والرعي
  •  قصة الجوع الأول: كيف تعلم النبي آدم الزراعة وصناعة الخبز؟
  •  مهن الأنبياء: سيدنا إدريس ونوح وزكريا وهود وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق
  •  رعاية النبي محمد للأغنام في شبابه وحفظ الله له من مجالس اللهو
  •  رعي الأنبياء للغنم
  • مهن الأنبياء: سيدنا يوسف وأيوب وهارون وإلياس وداود ويونس ويحيى وعيسى
  •  أطيب الكسب عمل الرجل بيده
  •  كيف يكون السعي والاكتساب على المعالين جهاداً في سبيل الله؟

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

كتاب البيع

وفيه بيان الأمر بالكسب للقادر 

وغير ذلك مما يأتي

 

"كان أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "علم الله -عزّ وجلّ- آدم ألف حرفة من الحرف وقال له: قل لولدك ولذريتك إن لم تصبروا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين فإن الدين لي وحدي خالصاً، ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له"، -تقدم في باب التعفف عن السؤال مزيد أحاديث-، وكان المقدام بن معدي كرب -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده".

 

وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: كان عمل يد سليمان عليه السلام القفاف وعمل زكريا النجارة بالقدوم، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم ما أوضح الطريق استبقوا الخيرات ولا تكونوا كلا على المسلمين. وكان -رضي الله عنه- يقول: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: هل له حرفة فإذا قالوا: لا سقط من عيني.

 

وسئل ابن عباس -رضي الله عنهما- عن صنائع الأنبياء فقال: كان آدم حراثاً، وكان إدريس خياطاً، وكان نوح نجاراً وكذلك زكرياء، وكان هود تاجراً وكذلك صالح، وكان إبراهيم زراعاً، وكان إسماعيل قناصاً، كان إسحق راعياً وكذلك يعقوب وشعيب وموسى، كان يوسف ملكاً وكذلك سليمان، وكان أيوب غنياً مثرياً، وكان هارون وزيراً، وكان إلياس نساجاً، وكان داود زراداً، وكان يونس زاهداً وكذلك يحيى، وكان عيسى سياحاً، وكان محمد صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين مجاهداً في الله حق جهاده والله أعلم.

 

وكان ﷺ يقول: "أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل كسب مبرور"، وفي رواية: "وكل بيع مبرور"، وكان ﷺ يقول: "إن الله -عزّ وجلّ- يحب المؤمن المحترف"، وكان ﷺ يقول: "من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له"، وكان ﷺ يقول: "من خرج يسعى على أبويه الكبيرين الشيخين أو ولده الصغار فهو في سبيل الله".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة العظمى الغراء، وبيان أحكامها على لسان عبده وحبيبه خير الورى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأهل بيته الذين حُبُوا به طُهْراً، وعلى أصحابه الذين نالوا به قَدْرًا، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان وبمَجْراهُم مَجْرَاه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذُرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

وبعدُ،،

وقد ابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- يتكلم عما ورد فيما يتعلق بالبيع والاكتساب والحرفة في اليد للمؤمن، وافتتح هذا الكتاب بالآية الكريمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:2]، مشيرًا إلى أنه بُعث صلى الله عليه وسلم لصلاح المعاش والمعاد، وأنه جاء بالأحكام التي تتعلق بالحرف والبيع والشراء والأخذ والعطاء في هذا الدين الكامل والمنهج الشامل. ويقول: "كتاب البيع، وفيه بيان الأمر بالكسب للقادر وغير ذلك مما يأتي".

 

فالقادر على كسب المال من الحلال يتوجه إليه أن يكتسب بالنية الصالحة وعلى الوجه الذي شرعه الله تبارك وتعالى، وقد يكون ذلك:

  •  واجبًا: 
    • من أجل النفقة على من أوجب الله عليه أن ينفق عليهم من والدين أو زوجة أو أولاد وما تعلق بذلك. 
    • أو كان عليه دين يجب عليه أن يكتسب حتى يقضيَ دينه. 
  • وقد يكون سًنةً:

في حق نفسه إذا كان صابرًا محتسبًا قانعًا زاهدًا غير متشوفٍ لما في أيدي الناس. 

وقد يكون أيضًا مندوبًا ومسنونًا للسعي على الأرملة واليتيم، والذي يكتسب من مثل هذه القربات يكون كالمجاهد في سبيل الله -تبارك وتعالى-.

 

ابتدأ -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- بذكر البيع الذي جاء ذكره في القرآن الكريم والسنة الغراء، فهو:

  • مشروع على سبيل الجواز.
  • وقد يكون مندوبًا.
  • وقد يكون واجبًا.
  • وما خالف الشرع فهو حرام؛ كالبيع لمن وجبت عليه الجمعة وقت دخول الخطيب وصعوده على المنبر فهو حرام، كما قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:9]. 
  • وما عدا ذلك فالأصل فيه الحِل.
    • قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]. 
    • وسُئِل ﷺ: أيُّ الكَسْبِ أطيَبُ؟ قال: "عمَلُ الرجُلِ بيَدِه، وكلُّ بَيعٍ مَبْرورٍ"، كما جاء في مسند الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير: "عمَلُ الرجُلِ بيَدِه، وكلُّ بَيعٍ مَبْرورٍ"؛ وفيه أن من أحوال البيع ما ينال به درجة البر فيكون البيع مبرورًا، لا يختلط به شبهة ولا شك ولا مكروه، فيكون البيع مبرورًا.

 

فمن خير ما يكتسب المؤمن؛ "تِسْعَةُ أعشارِ الرزقِ في التجارةِ، والعُشْرُ في المَواشِي" يُروى هكذا، فإن الله تعالى يرزق بواسطة التجارة رزقاً كثيرًا لمن شاء من عباده -جل جلاله وتعالى في علاه-. 

فاقتضت الحكمة هذا الترتيب والتدبير الإلهي في احتياج الناس لأنواع من المواد في الحياة، واحتياج بعضهم لما ليس في يده وفي يد الآخر.

ثم جعل أيضًا بحكمته جوهرين من جملة الجواهر التي خلقها تكون أثمانًا للأشياء وهما الذهب والفضة؛ فيُعرف بها ويُحكم على قدر التساوي كم يساوي هذا وكم يساوي هذا من أنواع البضائع والمواد التي يحتاج إليها الإنسان في حياته مطعومًا ومشروبًا وملبوسًا ومسكنًا ومركوبًا وإلى غير ذلك.

ويقولون: البيع في تعريفه:

  • في اللغة: مقابلة شيء بشيء -البيع-.
  • وشرعًا يقولون البيع: عقد معاوضة مالية يفيد تملك عين أو منفعة على التأبيد. 

فهو في عموم اللغة: مبادلة مال بمال ومقابلة شيء بشيء أو دفع عوض وأخذ ما عُوِّض عنه، وقد يُطلق البيع على معنى الشراء. 

وفي اصطلاح الفقهاء يأتي تعريف والبيع المطلق:

  • فعرّفه الحنفية: بقيد التراضي، وقال بعضهم: بالاكتساب.
  • ويقول المالكية: عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، -أرادوا بالمنافع الإجارة، ومتعة اللذة النكاح- فأخرجوا الإجارة والنكاح بهذا التعريف عن البيع. 
  • ويقول الشافعية: عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد. ويزيد بعضهم: لا على وجه القربة، من أجل أن يخرج القرض فإنه أيضًا عقد معاوضة مالية تفيد ملك المنفعة لكنه قربة؛ أي: يُطلَب به الأجر. 
  • يقول الحنابلة عن البيع: إنه مبادلة ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد غير ربًا وقرض، أو مبادلة المال بالمال تمليكًا وتملكًا.

 

يذكر -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- "كان أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: علَّم الله -عز وجل- آدم -عليه السلام-" -حين أخرجه للأرض وقدّر فيها أقواته، وكتب أن يسكنها آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، وجعل طريقة الكسب للرزق بأنواع من الحِرَف- يقول: "علَّم الله -عز وجل- آدم ألف حرفة من الحرف، وقال: قل لولدك وذريتك: إن لم تصبروا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين". -لا تطلبوا شيئًا مما تحتاجون إليه من المتاع الدنيوي بالدينيقول: "فإن الدين لي وحدي خالصاً، ويلٌ لمن طلب الدنيا بالدين، ويلٌ له" كما جاء في رواية الديلمي في الفردوس.

 

إذًا فمن المعيب والعار على المؤمن أن يطلب الدنيا بالدين، وإنما الدين من طاعة وعبادة وعلم وجهاد وأنواع الفضائل التي شرعها الله؛ يُقصد بها وجه الله، يُقصد بها قربه وثوابه، يُقصد بها رضاه سبحانه وتعالى. لا يجوز أن يكون المقصود منها تحصيل منفعة مادية دنيوية فانية، فمن فعل ذلك فقد استخف بالعبادة وأوشك أن يستخف بالمعبود -جل جلاله وتعالى في علاه- بأن يطلب بعبادته غير وجه الله. 

  • قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) أي: يؤمن بلقاء الله (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]. فلا يصلي ولا يصوم ولا يذكر ولا يتخلق بأخلاق الفضل إلا طلبًا للقرب من الله وطلبًا لرضاه وحده سبحانه وتعالى. 
  • قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، -لأننا أيقنَّا بلقائه ونستعد لهذا اللقاء- ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا* فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان:8-11].

 

وكان المقدام بن معدي كرب -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أكل أحد طعاماً قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يديه"، هكذا جاء في صحيح البخاري وغيره؛ أن أطيب ما يأكل الإنسان وخيره ما كان من عمل يده، وأن النبي داوود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يديه، فكان يصنع لبوس الحرب: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِيُحْصِنَكُم) وفي قراءة ﴿لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾[الأنبياء:80] ، ويأكل مما يكتسب من عمل يده. وفي الحديث: "من أمسى ويده كَالةٌ من عمل يده بات مغفورًا له". 

 

"وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: كان عمل يد سليمان -عليه السلام- القفاف وعمل زكرياء النجارة بالقدوم"، هذا الذي من الحديد وطرفه يكون حادًا ويُقَطع به الخشب ويُساوى.

"وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم ما أوضح الطريق استبقوا الخيرات ولا تكونوا كلًّا على المسلمين." أي:ما يسر الله لكم من المال ونحوه فاستبقوه، أي: أحسنوا صرفه باقتصاد في المعيشة. "ولا تكونوا كلًّا على المسلمين. وكان -رضي الله عنه- يقول: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول: هل له حرفة فإذا قالوا: لا سقط من عيني." أي: خاف أن يكون متأكِّلًا بالدين، أو يكون متشوفًا لما في أيدي الناس.

 

ثم ذكر لنا ما جاء عن ابن عباس وقد سئل "عن صنائع الأنبياء فقال: كان آدم -عليه السلام- حراثاً" أي: أظهر ما اشتغل به من الكسب الحراثة؛ لأنه خرج من الجنة التي فيها أثمار دانية لأنواع ما يحتاج من الغذاء ومن الدواء ومن التفكه، ولكن الأرض ليس فيها ذلك، فعلَّمه كيف يبذر، وكيف يسقي، وكيف يكمل الحرث حتى ينبت الزرع، وكيف يحصده، وكيف يطحنه بعد ذلك، وكيف يعجنه، وكيف يخبزه، إلى غير ذلك.

 

ويُروى: أنه لما أحس بالجوع -لم يكن في الجنة يحس بجوع ولا بعطش، يُروى أنه شكا إلى ربه أني أريد الأكل -الجوع-، فأمر المَلَك أن يأتي له بطعام. فأراد أن يأكل، فقيل له: ابذره أولًا، بذره في الأرض، فأمر أن يسقيه، فسقاه، فبدأ يطلع الشجر، أراد أن يأكل، قال: لا، اصبر حتى تنضج ثمرته. ثم أراد أن يأكل، قال: لا، حتى تطحنه. نقّاه وخرجه من السنبل وطحنه. ثم أراد أن يأكله دقيقًا، قال: لا، حتى تعجنه. فعجن، فأراد أن يأكله عجينًا، قال له: لا، حتى تنجحه وتخبزه. فأوقد الله له النار، وما وصلت اللقمة إلى فمه إلا بعد كذا كذا عمل ومزاولة، وقد كان يأكل من دون شي، من دون كسب أمامه، ولكن هذا وضع الدنيا وذاك وضع الجنة.

لا إله إلا الله.

 

يقول: "وكان إدريس خياطاً" يخيط الثياب للناس، "وكان نوح نجاراً" أمره الله أن يصنع السفينة، "وكذلك زكريا، وكان هود تاجراً وكذلك صالح، وكان إبراهيم زراعًا، وكان إسماعيل قناصاً،" صيادًا يصيد "كان إسحق راعيًا وكذلك يعقوب وشعيب وموسى" رعوا الغنم. وكل نبي قد رعا الغنم، يقول: "ما من نبيٍ إلا قد رعى الغنمَ"، قالوا: "وأنت يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: نعم كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ". وذلك أنه رأى كثرة الأولاد في بيت عمه أبي طالب -وهو في ذلك البيت- ورأى عمه أبا طالب فقيرًا، فرتب أن يكتسب ليساعد عمه في النفقة على أهله وأولاده، فأجَّر نفسه على قراريط بمكة ليرعى الغنم، فكان يرعى الغنم -صلى الله عليه وصحبه وسلم- في أول مقتبل شبابه.

وكان رعاة الأغنام يتبادلون بينهم ليالي الغناء والطرب بمكة لمن كانت له مناسبة زواج أو غيره، فيذهب بعضهم ويتركون البعض ليرعى الغنم، فكان من يشاركه أو يكون بجانبه في الرعي يضعون أغنامهم عنده ويذهبون. حتى مرت مدة قالوا: أنت يا محمد ما قد ذهبت تحضر ليلة -اللهو مع الناس- قال: أنا ما أرغب في ذلك. قالوا له: المرة هذه فيه مناسبة عندهم زواج، أنت تذهب إلى مكة ونحن نرعى الغنم، خل غنمك عندنا اللي ترعى، فأبى فألحوا عليه، فترك لهم الغنم، فتوجه فلما قارب مكة أُلقِي عليه النوم، فجلس فنام، فاستيقظ عند طلوع الشمس، ورجع إليهم، فقالوا: حضرت اللهو؟ قال: قد نمت بدل ذلك.م فلم يحضر لهوًا من قبل النبوة -صلى الله عليه وعلى آلهم وصحبه وسلم-.

وكان يعقوب وشعيب وموسى كلهم تعرضوا لرعي الغنم. وسيدنا شعيب لما كبر وما عاد يقدر يخرج ويرعى الأغنام، فكان يستعمل بِنتيه، ما عنده ابن، فكانتا تسقيان، (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ* فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ) [القصص:23-24]، فقال: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) أي: لرعي الغنم (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) [القصص:27] فأتم العشر سيدنا موسى، (فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص:29] وجاءته النبوة والرسالة، صلوات الله على نبينا وعليه وعليهم أجمعين.

 

قال: "كان يوسف ملكاً" (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[يوسف:55].

"وكذلك سليمان، وكان أيوب غنياً مثرياً، وكان هارون وزيراً، وكان إلياس نساجاً" -ينسج أيضًا الثياب- "وكان داود زرادًا، وكان يونس زاهدًا وكذلك يحيى، وكان عيسى سياحًا، وكان محمد صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين مجاهداً في الله حق جهاده والله أعلم". وقد اشتغل في رعي الغنم واشتغل بالتجارة -صلى الله عليه وصحبه وسلم- في بعض أحواله.

 

ويقول: "أطيب الكسب عمل الرجل بيده وكل كسب مبرور" كما جاء عند الإمام أحمد وكذلك عند الحاكم في المستدرك. 

 ثم يقول: "إن الله -عزّ وجلّ- يحب المؤمن المحترف"، و"يقول: "من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له"" كما جاء عند الطبراني في الكبير والأوسط والصغير. 

وكان ﷺ يقول: "من خرج يسعى على أبويه الكبيرين الشيخين أو ولده الصغار فهو في سبيل الله". الحديث في الترمذي.

وجاء في رواية أنه -عليه الصلاة والسلام- كان في جماعة من أصحابه، فرأوا رجلًا شابًا جلدًا مر بهم يكتسب متوجهًا إلى كسبه، فقالوا: لو كانت هذه القوة وبذل هذا الشباب في سبيل الله! فقال لهم: "على رِسْلِكم، أما إنه كان خرج يعف نفسه عن المسألة فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن خرج يكف أهله وولده ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أرملة أو يتيم فهو في سبيل الله، وإن خرج مكاثرًا مكابرًا فهو في سبيل الشيطان. فبيّن اختلاف المقاصد واختلاف الحكم في الكسب والسعي باختلاف المقاصد.

 

رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، وأتحفنا بالمنن والمواهب والكرامة، ودفع الآفات عنا، وأصلح الحسّ لنا والمعنى، ونظمنا في سلك أهل الرضا، ولطف بنا وبالأمة فيما يجري به القضاء في خير ولطف وعافية، وفرج كروب الأمة أجمعين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

13 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

28 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام