كشف الغمة 384- كتاب الحج والعمرة (31) طواف الوداع وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 384- كتاب الحج والعمرة (31) طواف الوداع وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
صباح السبت 15 جمادى الثانية 1447هـ
يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:
- هل يلزم طواف الوداع على المكي؟
- طواف الوداع على الحائض وطواف الإفاضة
- هل على من اعتمر طواف وداع؟
- حكم طواف الوداع مع الازدحام
- متى يدخل وقته؟
- حكم من اشتغل بغير أشياء السفر بعد الطواف
- حث النبي على زيارة القبور
- نهي الإمام مالك عن قول: قبر النبي
- رتبة حياة النبي ﷺ
- عرض السلام على النبي وعرض أعمال الأمة
- زيارة النبي من أعظم القربات
- إجماع الأمة على مشروعية الزيارة لسيدنا محمد
- قصة العتبي مع زيارة النبي
- سماع النبي السلام والصلاة عليه
- حكم زيارة النبي ومن شذ عنها
- قول ابن حجر في مشروعية الزيارة
- الحرص على زيارة الروضة الشريفة
- فضل المواظبة على الجماعة في المسجد النبوي
- من أدب الزيارة: عدم رفع الصوت، وكثرة الصلاة والسلام على النبي
- ما يقال عند الوصول للمدينة
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال :
"قال أنس -رضي الله عنه-: ولما فرغ الناس صاروا ينصرفون في كل وجه فقال رسول اللّه ﷺ: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، فأمر الناس بطواف الوداع ورخص في تركه للحائض إذا كانت قد طافت بالإفاضة .
وكان رسول الله ﷺ يحث أمته على زيارة قبره الشريف بعد مماته ويقول: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "من جاءني زائرًا لا تُعْمِلُه حاجة إلا زيارتي كان حقًا عليّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "من حج ولم يزرني فقد جفاني"، وكان رسول الله ﷺ يقول: "لا يسلم عليّ أحد من حر أو عبد أو أمة إلا سلمت عليه ولا يصلى عليّ أحد إلا صلى اللّه تعالى [وملائكته] عليه"، وكان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يعدون زيارة قبره ﷺ من أعظم القربات ويرون أن الحاج إنما يكسى الأخلاق الحسنة عند زيارته لرسول الله ﷺ".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان حبيبه وعبده ورسوله خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم في كل لمحة ونفس عليه وعلى آله الذين حُبوا به طهرًا، وأصحابه الذين رُفعوا به قدراً، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان سراً وجهراً، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقيين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،
يواصل الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-: ما ورد في بقية أعمال الحج، ووقفنا عند طواف الصَّدَر والذي يسمى طواف الوداع: وهو لمن أكمل مناسك حجه وعمرته فأراد أن يسافر ويرجع إلى بلده، فيلزمه أن يطوف طواف الوداع.
حكم طواف الوداع:
- وهو واجب عند الأئمة الثلاثة: الحنفية والشافعية والحنابلة.
- وقال: المالكية إنه سنة طواف الوداع.
- وقال الشافعية والحنابلة: إن طواف الوداع لا يختص بالحاج، ولكن كل من أراد أن يسافر من مكة -ولو كان مكياً- فيلزمه إذا أراد أن يخرج إلى مسافة قصر أن يجعل آخر عهده بالبيت الطواف، ثم لا يشتغل بشيء بعد الطواف إلا شؤون السفر، فإن اشتغل بشيء آخر وطال الفصل وجب عليه أن يعيد الطواف.
- وقال الحنفية: إذا قد طاف بنية الصَّدَر -بنية الوداع- فلا شيء عليه، ولو اشتغل بأي شيء بعد الطواف قبل خروجه من مكة.
طواف الوداع أو طواف الصَّدَر: هو واجب عند الأئمة الثلاثة، وسنة عند المالكية.
جاء عن ابن عباس يقول: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف على المرأة الحائض" كما جاء في الصحيحين.
وقال المالكية: لو كان واجباً ما رُخِّص للحائض في تركه من دون أن يكون عليها فدية ولا دم.
فإذا كان الحاج من أهل مكة:
فلا طواف وداع عليه؛ لأنه لا يصْدُر من مكة ويجلس في مكة، وإنما الذي يصْدُر ويسافر من مكة.
فإذا كان آفاقياً:
فهو الذي يلزمه الطواف عند الحنفية والحنابلة، ولا يجب على المكي وكذلك من كان من منطقة المواقيت.
- وقال المالكية والشافعية: إنما طواف الوداع لفي حق من أراد مفارقة مكة، سواء كان مكياً أو غير مكي، في أي وقت، حجاً أو غير حج وهكذا.
- وقال الحنفية: إذا اعتمر فلا طواف وداع عليه، ولكن إذا حج -سواء كان متمتعاً أو قارناً أو مفرداً- فعليه قبل أن يرجع أن يكمل أعمال الحج ثم يطوف طواف الوداع.
المرأة الحائض:
- إذا طهرت الحائض قبل أن تفارق بنيان مكة يلزمها طواف الوداع، ترجع وتطوف.
- فأما إذا جاوزت ديار مكة وخرجت ثم طهرت، فلا يلزمها أن ترجع وتطوف فقد سقط عنها. كما قال ﷺ: "ما شأن صفية؟" -بعد أن رجعوا من منى- فقالوا: إنها حائض، قال: "أحابستنا هي؟" -أي: إن لم تكن طافت طواف الإفاضة فننتظرها؟-، فقالوا: إنها قد طافت طواف الإفاضة باقي طواف الصَّدَر، قال: "فلا إذًا، فلتنفر معنا". فرخَّص للحائض أن تنفر مع رفقتها إذا أراد رفقتها السفر.
وإذا أراد رفقة أن يسافروا ومعهم حائض لم تطف طواف الإفاضة؟
وجب عليهم أن ينتظروها، ويحرُم عليهم أن يسافروا حتى تطهر وتطوف طواف الإفاضة وتمشي معهم بعد ذلك.
من دخل للعمرة واعتمر:
- وأراد الخروج مباشرة بعد العمرة من مكة، فلا طواف للوداع عليه أيضًا حتى عند الشافعية؛ لأنه كان آخر عهده بالبيت.
- وأما إذا جلس بعد العمرة بمكة ثم أراد أن يسافر، فليطف طواف الوداع، وهو عندما يتيسر في الأوقات، وإلا فيُحمل القول بسنيته عند الزحمات كما هو في هذه الأوقات في الغالب.
فكل خارج من مكة إن تيسر له طواف الوداع فذلك أفضل، وإلا فقد قيل بسنيته.
ويقول الحنفية: أن وقت طواف الوداع بعد طواف الزيارة، لو تأخر سفره، كل طواف يفعله الحاج عندهم بعد طواف الإفاضة هذا يقع عن طواف الصدر.
ولا يصح عند المالكية والشافعية والحنابلة أن يطوف طواف الوداع حتى يقضي أيام منى، ويقضي رمي الجمرات، ويقضي الحج كله. فإذا أكمل أعمال الحج دخل وقت طواف الوداع.
وقت طواف الوداع:
- أما الحنفية فقد قالوا: إذا قد طاف طواف الإفاضة هذا فقد دخل وقت طواف الوداع، فإذا طاف بعد ذلك بنية الوداع -ولو كان لم يزل بمنى ولم يكمل الرمي- فكفاه ذلك. كما تقدم أنه ولو اشتغل بشيء حتى في مكة المكرمة نفسها وقد طاف طواف الوداع بنية الوداع، فلا شيء عليه وليخرج.
- وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا يدخل وقت طواف الوداع إلا بعد إكمال جميع أعمال الحج. فإذا تم جميع أعمال الحج صح له طواف الوداع.
ولو فرضنا أنه أخَّرَ السعي؟
- ولم يسعَ بعد طواف القدوم، ثم طاف الإفاضة وأكمل ليالي المبيت بمنى والرمي، ولكن لم يسعَ بعد، فلم يدخل بعد وقت طواف الوداع حتى يكمل أعمال الحج ويسعى، فإذا سعى دخل الآن وقت طواف الوداع. فلا يغادر مكة حتى يطوف طواف الوداع مهما تيسر له ذلك.
وإذا تأخر بعد طواف الوداع:
- واشتغل بأمر غير أسباب السفر ولو كان انتظار السيارة أو انتظار الرفقة لا يضر، أو شيء من أسباب السفر.
- ولكن ذهب يزور ويعود مرضى ويشتري ويبيع ويقول: سنسافر! اذهب وطُفْ، فرجع وطاف، يقول: طفت وما خرجت؟ ما هو وداع! ما زلت في مكة عملت لك أشغال فيها، فارجع وطف حتى يكون آخر عهدك بالبيت.
نعم هذا فيما يتعلق بطواف الوداع.
"قال أنس -رضي الله عنه-: ولما فرغ الناس صاروا ينصرفون في كل وجه" أي: بعد اليوم الثالث من أيام التشريق بعد الرمي، "فقال رسول اللّه ﷺ: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، كما جاء في صحيح مسلم وسنن الترمذي "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت"، "فأمر الناس بطواف الوداع ورخص في تركه للحائض إذا كانت قد طافت بالإفاضة".
زيارة قبر الرسول ﷺ:
"وكان رسول الله ﷺ يحث أمته على زيارة قبره الشريف بعد مماته"، وإذا حثنا على زيارة قبور عموم المؤمنين هل يُخلي قبره هو؟! "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة"، فهل يسن زيارة قبور جميع المسلمين إلا هو؟! كيف يكون هذا؟ ما يتأتّى، هو أولى من يُزار ﷺ، فما في القبور قبرٌ أولى أن يُزار من قبر المصطفى المختار صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
وإنما لملاحظة مكانته الكبيرة في الحياة ومكانته عند الله قال الإمام مالك: لا تقل أزور قبر النبي، قل أزور النبي، أزور رسول الله، ما تقول أزور القبر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
فإن زيارته لها من الشأن بعد وفاته من زيارته في حياته ﷺ.
فهو في أعلى مراتب الحياة:
- في أيام عالم الذر والأرواح.
- ثم في أيام الحياة الدنيا.
- ثم في البرزخ، ثم في القيامة، ثم في الجنة،
أرفع مراتب الحياة هو فيها صلى الله عليه وصحبه وسلم.
- فما كان في عالم الأرواح حي كمثل حياته.
- ولا كان في عالم الدنيا حي كمثل حياته.
- وليس في البرازخ وعالم البرازخ حي كمثل حياته.
فحياته أعلى وأقوى وأجل وأكبر صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
- وليس في القيامة حي كمثل حياته.
- ولا في الجنة حي في مثل درجة حياته.
فحياته تفوق معاني الحياة لجميع الكائنات والموجودات، فليس فوقها إلا حياة الحي القيوم الذي يحييه سبحانه وتعالى، وهو الذي أحيا رسوله وأمده بهذه الحياة، وأمدّ من أحياه غيره برتب من الحياة دون رتبة عبده المصطفى محمد ﷺ.
فهو أحيا حيٍّ من جميع الأحياء في عالم الروح، وفي الدنيا، وفي البرزخ، وفي يوم القيامة، وفي دار الكرامة ﷺ حيّ، لم يمِدُّ الحي القيوم أحداً بالحياة كمثل ما أمده بسرّ الحياة وحقيقة الحياة، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله.
ولذا جاءنا وصح لنا في الحديث أنه من شؤون حياته البرزخية:
- أنه يرد السلام على كل من يسلم عليه. ونوقن أن الذين يسلمون عليه من الملائكة ومن الإنس ومن الجن في اللحظة الواحدة كم؟! وأي حياة هذه التي يرد بها على هؤلاء كلهم!
- وتُعرض عليه أعمال أمته، فقد جاءنا في الأخبار حياته البرزخية، فأي حياة هذه قوية كم أعمال الأمة! ولو نعرض عليك أعمال أهل دارك وحدهم في اليوم والليلة ستزهق ويذهب ذهنك، هذه أعمال الأمة كلهم تعرض عليه خيرها وشرها، ومع ذلك "ما وجدت من خير حمدت الله، وما رأيت غير ذلك استغفرت لكم". صلى الله وسلم وبارك عليه.
- ومع ذلك أيضا يرد السلام على كل من يسلم عليه صلى الله عليه وصحبه وسلم.
- ومع ذلك أيضا هو يصلي في قبره، كالأنبياء أحياء في قبورهم يصلون.
فأي حياة هذه جمعت هذه المعاني كلها! ما أكبرها وما أعلاها من حياة صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
ولذا أورد لنا حديثاً: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي"، أخرجه الطبراني في الأوسط، وهذا وغيره من الأحاديث التي وردت في زيارته اعتنى بتخريجها وفذلكة أسانيدها الإمام السُّبكي في شفاء السقام بزيَارة خير الأنام، صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.
"وكان رسول الله ﷺ يقول: "من جاءني زائرًا لا تُعْمِلُه حاجة -ما كان له قصد- إلا زيارتي كان حقًا عليّ أن أكون له شفيعًا يوم القيامة" أخرجه الطبراني في الأوسط وابن حجر في تلخيص الحبير وغيرهم، كما حرر أسانيد هذه الأحاديث الإمام السبكي كما ذكرنا.
ويقول: "وكان رسول الله ﷺ يقول: "من حج ولم يزرني فقد جفاني"، صلوات ربي وسلامه عليه، فهو الذي علمنا الحج، ولذا لما جاء بعضهم يستأذن للحج عند الفقيه المفتي حضرموت الإمام عبد الرحمن بن محمد المشهور، قال: إني أريد الحج -يستشيره ويستأذنه- قال: نعم، وقل أريد أزور رسول الله ﷺ؛ فإنك ما علمت الحج إلا برسول الله، ولا عرفت قواعد الحج إلا برسول الله ﷺ، قل أريد أزوره ﷺ وأحج بيت ربي، توكل على الله.
وذلك فهو أحق عليه الصلاة والسلام، فإننا ما عرفنا الحج ولا الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة إلا على يديه وبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"وكان رسول الله ﷺ يقول: "لا يسلم عليّ أحد من حر أو عبد أو أمة إلا سلمت عليه ولا يصلى عليّ أحد إلا صلى اللّه تعالى [وملائكته] عليه". صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وفي الرواية المشهورة: "ما من مسلِّم يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام".
وكذلك مما أوحى الله إليه: "أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحدٌ من أمتك إلا صليتُ عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحدٌ من أمتك إلا سلمتُ عليه".
فالمُسلِّم على رسول الله:
- ينال الرد من رسول الله.
- وينال الرد من رب العالمين -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
"ولا يسلم عليك أحدٌ من أمتك إلا سلمتُ عليه" يقول الحق -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
كما ذكر العارفون أنه من سلَّم على أحد من الأموات حُمِل السلام إليه على أيدي الملائكة، فخُصوصيته ﷺ العليا في ذلك قوله: "إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" ﷺ. وكذلك من سُلِّم عليه من الأنبياء ثم من الصالحين والأولياء فإن الملائكة تبلغهم أن فلاناً يُسلم عليكم ويقول كذا، قالوا: إلا صنفاً منهم مستغرقون بشهود الحق -جل جلاله- فما يلتفتون إلى شيء، فإذا أُهدي إليهم شيء من الطاعات والقربات جاء الملك ينبههم، يقول: أُهدي إليك من فلان كذا، أو من الجمع الفلاني كذا كذا، ويعود إلى غيبته. فإذا سلَّم المُسَلِّم عليهم تولى الرحمن رد السلام عنهم.
ولما سمع هذا الخبر بعض العارفين قال: فيا حبذا؛ أحسن لا يفيقوا -من غيبتهم-، ما دام سنحصل على الجواب من رب العرش نحبهم في غيبتهم واستغْراقهم، ونحس الجزاء أن رب العرش يرد السلام علينا، الحمد لله، لأنهم استغرقوا فيه وفي شهوده فيرد السلام على من سلم عليهم؛ فكيف بِعبده المصطفى محمد؟ من سلم عليه بلغ النبي وردَّ النبي، والرحمن رب العرش يرد عليه السلام كذلك إكراماً لنبيه محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
"وكان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يعدون زيارة قبره ﷺ من أعظم القربات ويرون أن الحاج إنما يكسى الأخلاق الحسنة عند زيارته لرسول الله ﷺ".
وكان السلف الصالح من عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعدون زيارته من أعظم القربات، ويرون أن الحاج إنما يُكسى الأخلاق الحسنة عند زيارته لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال سيدنا الإمام الحداد:
وَلَمَّا أَتَيْنَا بِالمَنَاسِكِ وَانْقَضَتْ *** وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ كَرِيمِ وَقَادِرِ
حَثَنْنَا المَطَايَا قَاصِدِينَ زِيَارَةَ الْ *** حَبِيبٍ رَسُولِ اللٰهِ شَمْسِ الظَّهَائِرِ
وَسِرْنَا بِهَا نَطْوِي الفَيَافِي مَحَبَّةً *** وَشَوْقًا إِلَى تِلْكَ القِبَابِ الزَّوَاهِرِ
فَلَمَّا بَلَغْنَا طَيْبَةً وَرُبُوعَهَا *** شَمَمْنَا شَذَىَ يُزْرِي بِعَرْفِ العَنَابِرِ
وَأَشْرَقَتِ الأَنْوَارُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *** وَلَاحَ السَّنَا مِنْ خَيْرِ كُلِّ المَقَابِرِ
مَعَ الفَجْرِ وَافَيْنَا المَدِينَةَ طَابَ مِنْ *** صَبَاحٍ عَلَيْنَا بِالسَّعَادَةِ سَافِرِ
إِلَى مَسْجَدِ المُخْتَارِ ثُمَّ لِرَوْضَةٍ *** بِهَا مِنْ جِنَانِ الخُلْدِ خَيْرِ المَصَائِرِ
إِلَى حُجْرَةِ الهَادِي البَشِيرِ وَقَبْرِهِ *** وَثَمَّ تَقَرُّ العَينُ مِنْ كُلِّ زَائِرِ
وَقَفْنَا وَسَلَّمْنَا عَلَى خَيْرِ مُرْسَلِ *** وَخَيْرِ نَبِيِّ مَا لَهُ مِنْ مُنَاظِرِ
فَرَدَّ عَلَيْنَا وَهْوَ حَيٌّ وَحَاضِرٌ *** فَشُرِّفَ مِنْ حَيِّ كَرِيمِ وَحَاضِرٍ
زِيَارَتُهُ فَوْزٌ وَنُجْحٌ وَمَغْنَمٌ *** لأَهْلِ القُلُوبِ المُخَلِصَاتِ الطَّوَامِرِ
بِهَا يَحْصُلُ المَطْلُوبُ فِي الدِّينِ وَالدُّنَا *** وَيَنْدَفِعُ المَرْهُوبُ مِنْ كُلِّ ضَائِرِ
بِهَا كُلُّ خَيْرٍ عَاجِل وَمُؤَجَّل *** يُنَالُ بِفَضْل اللهِ فَانْهَضْ وَبَادِرِ
وَإِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفُ وَالكَسَلَ الَّذِي *** بِهِ يُبْتَلَى كَمْ مِنْ غَبِيّ وَخَاسِرِ
فَإِنَّكَ لَا تَجْزِي نَبِيَّكَ يَا فَتَى *** وَلَوْ جِئْتَهُ قَصْدًا عَلَى العَيْنِ سَائِرِ
فَبُورِكَ مِنْ قَبْرِ حَوَى سَيِّدَ الوَرَى *** وَسَامِي الذُّرَى بَحْرَ البُحُورِ الزَّوَاخِر
نُبُوَّتُهُ كَانَتْ وَآدَمُ طِينَةٌ *** وَفِيهِ انْتَهَتْ غَايَاتُ تِلْكَ الدَّوَائِرِ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
وذكر من أوصافه ثم قال:
وَفِيهِ عَلَيْهِ اللهُ صَلَّى وَدَائِعٌ *** مِنَ السِّرِّ لَا تُرْوَى خَلَالَ الدَّفَاتِرِ
وَلَكِنَّهَا مَكْتُومَةٌ وَمُصَانَةٌ *** لَدَى الأَوْلِيَاءِ العَارِفِينَ الأَكَابِرِ
وَمَوْرُوثَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِضَنَائِنِ *** لِرَبَّكَ مِنْ أَهْل النَّقَى وَالسَّرَائِرِ
هُوَ القَائِمُ السَّجَّادُ فِي غَسَقِ الدُّجَى *** فَسَلْ وَرَمَ الأَقْدَامِ عَنْ خَيْرِ صَابِرِ
هُوَ الزَّاهِدُ المُلْقِي لِدُنْيَاهُ خَلْفَهُ *** هُوَ المُجْتَزِي مِنْهَا بِزَادِ المُسَافِرِ
وَبَاذِلُهَا جُودًا بِهَا وَسَمَاحَةً *** بِكَفِّ نَدَاهَا كَالسَّحَابِ المَوَاطِرِ
هُوَ السَّاسُ وَالرَّأْسُ لِلأَمْرِ كُلِّهِ *** بِأَوَّلِهِم يُدْعَى لِذَاكَ وَآخِرٍ
وَتَحْتَ لِوَاهُ الرُّسْلُ يَمْشُونَ فِي غَدٍ *** وَنَاهِيكَ مِنْ جَاهِ عَرِيضٍ وَبَاهِرِ
يا رب صلي عليه
فَحَمْدًا لِرَبِّ خَصَّنَا بِمُحَمَّدٍ *** وَأَخْرَجَنَا مِنْ ظُلْمَةٍ وَدَيَاجِرِ
ولهذا يقولوا:
- أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على مشروعية الزيارة لسيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله.
- وما بين قائل: أنها سنة مستحبة.
- ومن قائل: أنها سنة مؤكدة تقرب من درجة الواجبات كما يفتي به طوائف من الحنفية وغيرهم.
- وقال الفقيه المالكي أبو عمران موسى بن عيسى الفاسي: إنها واجبة على القادر.
قال الله لحبيبه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد كان أهل الصلاح والخير كلما زاروه في مرقده الشريف وحجرته الكريمة تلوا الآية: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).
وقد أورد الإمام النووي في المناسك، وكذلك الإمام ابن كثير في التفسير وغيرهم من المفسرين والمحدثين والمؤلفين في المناسك قصة العُتبي، والذي كان في الحجرة الشريفة عند القبر الشريف. فبينما هو جالس إذ أقبل أعرابي، جاء إلى المسجد والروضة، فأقبل على الحجرة فوقف يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ثم قال: يا رسول الله، إن الله يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)[النساء: 64]، وقد جئتك مستغفراً لذنبي، فاستغفر لي يا رسول الله، ثم انصرف. قال: فأخذتني عيني غفوت، فرأيت النبي ﷺ يقول: قم يا عتبي فالحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له.
وقد صح في الحديث أنه يستغفر في برزخه لما يعرض عليه من أعمال أمته، فكيف بمن حضر عنده، وجاء أيضًًا في حديث: "من سلم علي عند قبري سمعته -مباشرة- ومن سلم علي بعيداً بُلّغته"، "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وكذلك الصلاة عليه:
- إن كانت حوالي الحجرة الشريفة وعند القبر يسمعها مباشرة.
- وإن كانت في مكان آخر فتنقل إليه ويُقال: صلى عليك فلان، وقال كذا كذا.
حتى قال ابن مسعود: "إذا صليتم على نبيكم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يبلغه" صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وجاء في صحيح مسلم "مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره" ويقول: "فزوروا القبور فإنها تذكر الموت"، "ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي" جاء كذا في رواية الدارقطني، وقال: "من زارني بعد موتي زار قبري وجبت له شفاعتي" أيضاً.
فقالوا: بسنيتها واستحبابها.
وثم لم يشذ عن ذلك أحد إلا ما ذكر بعد القرن السادس من كلام ابن تيمية: أنه لا تُقصد زيارته إلا تبعاً لزيارة المسجد، وجاء بكلام لم يسبقه إليه أحد، ولم يقل به أحد. وما من عاقل من المسلمين يوقِن أن الذاهب إلى المدينة ويريد أن يصلي في المسجد أنه لا بد يريد أن يقصد أنه يزور النبي. والذي ذهب يريد يزور النبي لا بد سيصلي في المسجد، يدخل المسجد. ما في واحد من المسلمين إلا يقول: أنا سأذهب أُصلي ولا أزور النبي! هذا لا بد أنه منافق، ولا في واحد يقول: لا، سأذهب أزور النبي.. لن أدخل المسجد! ولا واحد يقول هذا وهذا الكلام الفارغ، فالكلام كله مركب على خياله وعلى ضلال وباطل.
زِيَارَتُهُ فَوْزٌ وَنُجْحٌ وَمَغْنَمٌ *** لأَهْلِ القُلُوبِ المُخَلِصَاتِ الطَّوَامِرِ
-صلى الله عليه وعلى آله-.
ولذا كان يقول الحافظ ابن حجر: إنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال، إن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع.
وهكذا يقول الإمام القسطلاني: اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات وأرجى الطاعات والسبيل إلى أعلى الدرجات. فينبغي أن يقصد مسجده الشريف كما سمعنا في كلام الإمام الحداد، ويحرص على الوصول إلى الروضة وهي ما بين منبره وبيته الكريم، قال ﷺ: "روضة من رياض الجنة-. حتى قال الفقهاء: لو أن إنساناً في الروضة حلف أنه في الجنة لم نستطع أن نحنِّثه؛ ما نحكم بحنثه والنص معه، معه النص والدليل. قال: أنا حلفت أني في الجنة، لا أحد يستطيع أن يقول لك حنثت بعد أن قال الرسول ﷺ: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.
زيارة المدينة المنورة، قال:
- وينبغي أن يغتسل لدخول المدينة.
- وزيارة المصطفى ﷺ
- ويلبس أنظف ثيابه.
- ويستشعر الشرف والكرامة.
- وينبغي أن يواظب على صلاة الجماعة في المسجد النبوي، "فإن صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" كما جاء في الصحيحين.
- وكذلك من صلى أربعين صلاة -أربعين فرضاً- في مسجده الشريف لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإمام، كتب الله له ثلاث براءات:
- براءة من النار.
- وبراءة من النفاق.
- وبراءة من العذاب.
فأربعين صلاة؛ ما هو أربعين يوماً؟ في غيره أربعين يوم، لكن في المسجد النبوي أربعين صلاة في ثمانية أيام، يدرك أربعين صلاة وإذا واظب على صلاة الجماعة ثمانية أيام في المسجد النبوي لا تفوته التكبيرة الأولى، فله عِتق من النار وعِتق من العذاب وعِتق من النفاق؛ ثلاث براءات يعطيه الله إياه، يبرئه من ناره ومن عذابه ومن النفاق.
- فإذا زاره ﷺ أتبع زيارته بزيارة صاحبيه سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر، ولما سأل بعضهم سيدنا جعفر الصادق قال: ما منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته؟ قال: كما هم الآن. أين هم الآن؟ قال: بجواره. قال: فقط؛ هكذا كانت منزلتهم عنده صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
وينبغي تجنب رفع الصوت:
مكتوب في المواجهة الشريفة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)[الحجرات:2] إلا المغلوب.
وينبغي أن يكثر الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.
فينبغي إذا أقبل على المدينة وعاين بساتينها أن يقرأ:
- اللهم هذا حرم نبيك فاجعله لي وقاية من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب.
- ودعاء المسجد كما هو في عموم المساجد.
- وتحية المسجد كذلك.
والحجرة الشريفة فيها قبره وقبر أبي بكر وعمر، ويقبر فيها سيدنا عيسى بن مريم على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
رزقنا الله الاستقامة ومحبة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الخير والكرامة، ورَقانا في مراقي المحبة مع الأحبة إلى أعلى رتبة، في لطف وعافية،
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
16 جمادى الآخر 1447