كشف الغمة 383- كتاب الحج والعمرة (30) دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلاته فيها وشربه من زمزم

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 383- كتاب الحج والعمرة (30) دخوله صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلاته فيها وشربه من زمزم

صباح الأربعاء 12 جمادى الثانية 1447هـ  

فوائد مكتوبة من الدرس

يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:

  •  خوف النبي من تشريع دخول الكعبة
  •  وصف دخول النبي للكعبة
  •  حكم الصلاة داخل الكعبة وأين يتجه
  •  ما هي السقاية؟
  •  قصة ماء زمزم
  •  ماء زمزم لما شُرب له
  •  موقف السيدة هاجر وسقيا إسماعيل
  •  نيات شرب زمزم وأسماءها
  •  إخفاء بئر زمزم ثم حفره
  •  قصة نذر عبدالمطلب بذبح أحد أولاده
  •  المنافق لا يتضلع من زمزم
  •  جواز نقل ماء زمزم للبلدان
  •  سنن الشرب من ماء زمزم

نص الدرس المكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

"قالت عائشة -رضي الله عنها-: "ولما دخل رسول الله ﷺ مكة دخل وهو قرير العين طيب النفس، فدخل الكعبة ثم خرج حزينًا، فقال: يا عائشة وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي"، قال أنس -رضي الله عنه-: ولما دخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه ركعتين جلس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل على القبلة وهو على الباب فقال: هذه القبلة هذه القبلة هذه القبلة ثلاث مرات، ثم نزل فوجد أصحابه قد استلموا من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم إلى البيت وهم يبكون ويتضرعون، ثم أتى ﷺ السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها، فقال ﷺ: اسقني، فقال العباس: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني فشرب، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال ﷺ: لولا أن تغلبوا على سقايتكم لنزلت حتى أضع الحبل يعني على عاتقي وأشار إلى عاتقه، ثم ناولوه دلوًا فشرب منه ثم قال: ماء زمزم لما شرب له إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله وهي هزمة جبريل -عليه السلام- وسقيا الله إسماعيل".

وكان ﷺ يقول: "ابن السبيل أول شارب يعني من زمزم"، وكان ﷺ يقول: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم" ، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول إذا شرب ماء زمزم: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء. وكان عبد الله بن المبارك -رضي الله عنه- يقول إذا شرب من زمزم: اللهم إن نبيك محمدًا ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وها أنا قد شربته لعطش يوم القيامة ثم يشرب. وكانت عائشة -رضي الله عنها- تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله مُكرِمِنا بشريعَته وبيانِها على لسان عبده وصفوَته خير بريّته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه، وعلى آله وصحابتِه وأهل ولايتِه ومتابعتِه، وعلى آبائِه وإخوانِه من الأنبياء والمُرسلين أهل المَراتب العُلى، وعلى آلهِم وصحبِهم خيَار المَلأ، وعلى ملائكةِ الله المُقرَّبين، وعلى جميع عبَاد الله الصَّالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنَّه أكرمُ الأكرَمين وأرحمُ الرَّاحمين.

 

ويواصل الشيخ -عليه رحمة الله- الكلام عمّا يتعلقُ بأعمالِ الحج والدخول للكعبة المُشرفة والصلاة فيها. يقول: " قالت عائشة -رضي الله عنها-: "ولما دخل رسول الله ﷺ مكة دخل وهو قرير العين طيب النفس، فدخل الكعبة ثم خرج حزينًا.." يخاف أن يكون بدخوله تشريعًا لأمته بالدخول فيضيق الأمر عليهم، لكثرة أمته ولانحصار سعة البيت، وإلى غير ذلك مما يكتنفه من الأمور، وكان شديد الرحمة بأمته والشفقة عليهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقول: "وددت أني لم أكن فعلت إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي"، يا رب صَلِّ عليه واجزه عنَّا خير الجزاء وارزقنا حسن متابعته.

 

"قال أنس -رضي الله عنه-: ولما دخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه ركعتين جلس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وكبّر وهلَّل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه ثم هلَّل وكبّر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج فأقبل على القبلة وهو على الباب فقال: هذه القبلة هذه القبلة هذه القبلة" -الحمد لله الذي أكرمنا به وبالكعبة المشرفة وجعلها قبلتنا وقبلة كل مؤمن- "ثم نزل فوجد أصحابه قد استلموا من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم إلى البيت وهم يبكون ويتضرعون" -عليهم رضوان الله- تربية رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ، ربط قلوبهم بإلههم وخالِقهم فعظَّموا أمره -سبحانه وتعالى- وأكثروا ذكره، وساروا في مسار شكره -سبحانه وتعالى- مُتذلِّلين خاضِعين.

 

فكان الدخول إلى الكعبة المشرفة أيضًا لمن تيسَّر له مُستحبٌّ، والصلاة فيها كذلك جائزة. 

  • قال الشافعية والحنفية: لا فرق بين فرض أو نفل، يجوز صلاة الفرض والنفل فيها. 
  • وقال المالكية والحنابلة: إنما يُصلّى فيها النفل دون الفرض، ولا يُصلّى الفرض وسط الكعبة.

قال الشافعية: لا فرق بين الفرض والنفل يُصلّى وسط الكعبة وكذلك الحنفية، فالصلاة في جوف الكعبة جائزة نفلًا وفرضًا. عند المالكية والحنابلة نفلاً لا فرضاً. 

 

ومن المعلوم إنه ﷺ إنّما صلَّى النافلة، هذا أمر معلوم؛ وقد صلَّى ﷺ في الكعبة المشرفة بين الساريتين اللتين على يساره عندما يدخل من الباب، ثم خرج فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين، هكذا كما جاء في صحيح البخاري.

 

وكذلك اشترطوا للمصلي وسط الكعبة: 

أن يستقبل شيئًا من جدارها أو من بابها مردودًا، أو عتبة الباب إذا ارتفعت مقدار ثُلُثَيْ ذراع فأكثر، أو أي شيء مغروز وسط الكعبة من سواريها وتوجَّه إليه فصحَّت الصلاة. 

فوسط الكعبة لأي جهةٍ يتوجَّه يصحّ أن يصلِّي إذا قابلَ شيئًا من جدارها أو من أعمدتها أو من بابها أو أي شيءٍ مغروز فيها. 

 

وخرج وقال: "هذه القبلة" مشيرًا إلى أنَّ الله اختارها للمؤمنين إلى يوم الدين.

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾[البقرة: 144].

 

وكما علمنا في تعليمهِ ﷺ سيدنا عمر ألَّا يزاحم الناس على تقبيل الحجر، فكذلك لم يكن دخول البيت بغير إيذاء ولا مزاحمة.

 

" ثم أتى ﷺ السقاية" أي: المحل الذي يجمعون فيه الماء من زمزم ويسقون النَّاس، وكان المتولِّي على ذلك سيدنا العباس بن عبد المطلب وأولاده ومن معه؛ عندهم السقاية عند بني هاشم؛ ينزحون الماء من زمزم ويجمعونه في الحوض فيسقون الحجَّاج والمعتمرين منه؛ ولأجل السقاية أذًِن له ألَّا يبيت بمنى أيام الحج، وكان حج معه حجة الوداع اذهبوا إلى مكة فاعملوا على السقاية هناك حتى يسقوا الحجيج.

 

" ثم أتى ﷺ السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها" -يعني: ماء جديد من البئر ما وُضِع في الحوض والسقاية، فإن الناس يشربون منه وتقع أيديهم فيه- فقال ﷺ: اسقني، فقال العباس: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني.." مما يضعون أيديهم فيه، هات لي منه" ﷺ، فأعطاه فشرب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكانت بئر زمزم حُفِرت على يد سيدنا جبريل عليه السلام، ضرب برجله الأرض فنبع زمزم، فجاءت سيدتنا هاجر وتحوِّطها بالطين وتقول: زُم زُم، زُم زُم خشية أن يذهب الماء وينقطع عليها. وكان ﷺ يقول: "لَوْلاَ أُمُّكُمْ هَاجَرُ حَوَّطَتْ عَلَيْهَا لَمَلأَتْ أَوْدِيَةَ مَكَّةَ" وفي لفظ: "لَكَانَ نَهْرًا جَارِيًا بِمَكَّةَ"، ولكنها زمَّتهُ وضمته فصار بئر، فصار محصوراً في محله.

فمرَّ عليهم ﷺ وهم ينزحون حتى يسقون الناس، قال: "اعملوا فإنكم على عمل صالح"، وهي خدمة الحجيج وتهيئة ماء زمزم لهم ونزحه لهم من البئر، ثم قال: "لولا أن تغلبوا على سقايتكم" -لن يتركوها لكم، كل واحد يأتي سينزح ولا عاد يبقى سُقَاة- "لنزلت -أي: من على جملي- حتى أضع الحبل يعني على عاتقي -هذه- وأشار إلى عاتقه" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "ثم ناولوه دلوًا فشرب ثم قال: ماء زمزم لما شرب له -أي: هو مفيد ونافع بأي نيَّة تنويها عند شربه- إن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله وهي هزمة جبريل -عليه السلام- -أي: دكَّته الأرض عليه السلام- وسقيا الله إسماعيل" لمَّا اشتد عليه العطش ولم تجد ماءً، فأخذت تتردد بين الصفا والمروة، إذا صعدت الجبل التفتت يمنة ويسرة، فإذا كانت وسط الوادي جرت حتى تسرع إلى المكان وتقول حتى سمعت صوتًا وقالت له: إن كان عندك ماء فأغث عندنا الولد يُشرف على الموت عطشان، فدقَّ بعد المرة السابعة من الأشواط، دقَّ سيدنا جبريل الأرض وإذا بالماء خرجت وزمّته وأقامته في ذاك المكان، فهو سقيا الله لإسماعيل على نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى هاجر وسارة وإبراهيم وإسحاق وجميع الأنبياء والمرسلين.

فهو إذًا محل النيَّات الصالحة، وقد شربه أقوام كثير على مدى القرون على نيات فحصل لهم ما نوواْ من شربهم لزمزم. ويقول فيه ﷺ: "إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وَهِيَ طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ" "إنه شفاء سقم وطعام طُعم"، "طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ".

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، اللهم صلِّ عليه وسلم.

وتُسمى أيضًا: 

  • بئر زمزم.
  • وطيبة.
  • وبرَّة.
  • ومضنونة.
  • وسُقيا الله إسماعيل.
  • وبركة.
  • وحُفَيْرَة عبد المطلب.

لأنه هو الذي اكتشفها بعد ما مضى عليها مئات من السنين، طمّوها -أي دفنوها- جُرْهُم لما جاءوا، وجعلوا فيها من جواهر الكعبة وذهبها وطمّوها، لم يعد الناسُ يعرفون أين هي؟ فصاروا يأتون وهي مطمومة مع الأرض مستوية، وهابوا أن يحفروا أي مكان لأن بينها وبين الكعبة نحو ستة أو ثمانية وثلاثين ذراعاً. ثم كان مما حصل لهم بعد ذلك أن جعلوا المكان هذا محل الذبح لأصنامهم فوق البئر؛ وهم ما يعرفون أين البئر، فلما جاء عبد المطلب، وكان رئيس الحرم وسيد قومه، نودي في المنام يقول: احفر برَّة، والعين برة. قال: أين المحل هذا؟ وأراه المحل؛ ثاني مرة، وثالث مرة: احفر زمزم، حتى تكررت عليه المرائي.؛ فعزم يحفر. ولم يكن له من الأولاد إلا الحارث -تلك الأيام لم يأتِ بعد بقية أولاده الإحدى عشر-، ما جاء إلا الحارث وهم اثنى عشر، جاء ليحفر قالوا: تحفر هذا المكان، محلّ ذبحنا للآلهة؟ ما تحفر هذا المكان!  فتصدَّى بالقوة وما معه إلا ولده، وقال: لو كان عندي أولاد يُساعدونني على مثل هذا! فنذر إن كملَ له عشرة من الأولاد ليذبحنَّ واحداً منهم. فقام معه ولده الحارث يذُبُّ عنه قريش وهو يحفر حتى وصل، وإذا بالبئر، وإذا بما فيها من كنوز الكعبة. فقالوا: هذا إنسان عظيم، الله دلّه عليها ألا وهو صاحب مكانه، فرجعوا عظموه بعد ذلك. 

 

فرامَ حفرها -فقام إلى الحفر- فمنعته *** قريشٌ مما رامه -نهَتْهُ-

فلم يبال بل تصدّى وحفر * * * واستخرج الذي بها من الدّرر

فعرَفت له قريش قدره‏ * * * وعظمت من بعد ذاك أمره‏

ولم يكن له من الأولاد *** سوى ابنه الحارث ذي العماد

كان قد نذر إن كمل له *** عشرة من الذكور الكَمَلة 

ليذبحنّ واحد منهم فما *** عَتَم إلا أتاه الكرماء

 

وصلوا، وآخر واحد وصل عبد الله والد النبي ﷺ؛ كمَّل العشرة. ولما بدأ يشب ويكبر قال: عندي نذر، أي نذر؟ قال: أذبح واحد من الأولاد. فصلّح القرعة وخرجت على عبد الله، وكان أحب أولاده إليه. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، أعادها ثاني مرة، وخرجت على عبد الله، وأعادها ثالث مرة وخرجت على عبد الله، فهمّ أن يمسكه ليذبحه، فتقدم له زعماء قريش، قالوا له: يا عبد المطلب إذا تصلح هذا، كلَّ حينٍ سينذر أحدُهم أن يذبح أحداً من أولاده، نظل نذبّح أولادنا؟! ما يصلح هذا! قال: فما نصنع، قالوا له: في واحدة راهبة عالمة في المحل الفلاني نذهب إليها واستفتِها فيهم. فجاءوا إليها واستفتاها، قالت له: اجعل عشرة من الإبل على جانب وابنك على جانب، وأقرع بينهم، فإن خرجت على الإبل فاذبح الإبل مكانه، وإن خرجت على الولد فأعد القرعة، أضف عشراً.. أضف عشراً فوقها، وهكذا ولا تزال تزد عشراً عشراً حتى يرضى ربك، فإذا رضي ربك خرجت القرعة على الإبل فاذبحها مكانه. فرجع وضع عشراً من الإبل وعبد الله، وإذا القرعة خرجت على عبد الله، وضع عشرين وخرجت على عبد الله، ثلاثين وخرجت على عبد الله، أربعين على عبدالله، خمسين خرجت على عبد الله، ستين خرجت على عبد الله، سبعين خرجت على عبد الله، ثمانين خرجت على عبد الله، تسعين خرجت على عبد الله، مائة خرجت على الإبل. قال: أعيدوها -أعادوها خرجت على الإبل-.. قال: أعيدوها -أعادوها خرجت على الإبل-، قال: لقد رضي ربنا.

فكانت سبحان الله هذه بعد ذلك في الشريعة أن الفدية للمقتول مائة من الإبل. 

ثم افتداه ففداه بمائة من إبل*** وذاك مقدار الدية

 

فذبح المائة ناقة وأطعم أهل مكة ومن ورد ومن وفد، ووزعوا اللحوم على الناس في ذاك اليوم. فكان يسمى الذبيح، كما سُمِّى جده إسماعيل الذبيح، فكان ﷺ يقال له: ابن الذبيحين؛ إسماعيل بن إبراهيم وعبد الله بن عبد المطلب تعرضا للذبح، فهو ابن الذبيحين، وجَدُّ الـصبيحين الحسن والحسين ﷺ. ولهذا كانت تسمى حفيرة عبد المطلب.

وقال ﷺ: "إنها طعامُ طُعمٍ وشفاءُ سُقم"، وكان ﷺ يقول: "ابن السبيل أول شارب يعني من زمزم"، يعني: أولى أن يعطى قبل أهل البلد أهل مكة؛ إذا جاء الغريب فيقدمونه في الشرب من زمزم. "وكان  يقول: آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم"، المنافقون ما يقدرون يتضلعون -يعني: يكثروا- من شرب زمزم، المؤمن يستلذ بشرب زمزم، أما المنافق تقوم نفسهم من زمزم وما يقدر يشرب كثيراً منه. "أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم" المنافقون لا يتضلعون. وكما جاء في الصحيح: "ولا يتضلع منها منافق".

وكان في طعمها بعض المرارة، لأنه الآن يخلطونها بمياه فوقها ويصبونها كثيراً، وإلا لها ميزة، ولا يخرج منها أثر في الأواني قط إذا بقيت فيما بقيت، وتحليلها تختلف عن مياه الدنيا كلها، وفيها من المواد والفوائد ما لا يحصل في بقية المياه كلها على ظهر الأرض -سبحان الله-.

يقول: جاء في دعاء "ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول إذا شرب ماء زمزم: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء"، وكان من أعلم الأمة. 

"وكان عبد الله بن المبارك -رضي الله عنه- يقول إذا شرب من زمزم: اللهم إن نبيك محمدًا ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وها أنا قد شربته لعطش يوم القيامة ثم يشرب"؛ حتى لا يعطش في يوم القيامة.

"وكانت عائشة -رضي الله عنها- تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله"، فيجوز نقل ماء زمزم إلى غيرها من البلدان والأماكن، فإنه ﷺ أيام كان بالمدينة بعث أن يبعثوا إليه بقربتين من ماء زمزم، فبعثوا إليه بقربتين إلى المدينة المنورة، فكان يشرب منه، وإذا جاء إليه مريض أخرج له منه فقرأ عليه وأعطاه إياه، صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله -هذا بعض الناس يشوفونه شغل صوفية- هذا هديه ﷺ، هذا مسلكه ﷺ، وهذا منهجه صلوات ربي وسلامه عليه. فبعث؛ فأُرسلت إليه القربتان من زمزم فوضعها عنده في البيت، كان يشرب منها من وقت لآخر، وإذا جاء المريض أخرج له من ماء زمزم فقرأ عليه وأعطاه إياه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ورزقنا حسن متابعته.

سنن الشرب من ماء زمزم:

  • فيستحب للحاج والمعتمر ومن وفد مكة أن يشرب من ماء زمزم، لحثِّ النبي ﷺ، وقال: "إنها مباركةٌ إنها طعامُ طُعمٍ" كما جاء في صحيح مسلم، وعند أبي داود الطيالسي "وشفاءُ سُقمٍ".
  • ويسن للمؤمن يتضلع من ماء زمزم، ويُقيم الفرق بينه وبين المنافق، يعني: يكثر من شربه حتى يمتلئ ويروى منه، يرتوي منه حتى يشبع ريّا "آيةُ ما بيننا وبين المنافقينَ أنَّهم لا يتضلَّعونَ من زمزمَ"، هكذا في سنن ابن ماجه -الطبعة عندكم أسقط (لا) غيرت المعنى- "لا يتضلَّعونَ" ليس "يتضلعون".
  • ويسن شربه في سائر الأحوال، لا عقِب الطواف خاصة، ينبغي أن يتضلع منه المؤمن. 
  • وكذلك يقول ابن عباس كان إذا جاء رجل قال: من أين جئت؟ قال: من زمزم. وقال: شربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف؟ قال: إذا شربت منها استقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثاً وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله تعالى.
  • قال: ومن السنة أن ينظر إلى البيت في كل مرّة يتنفس من زمزم.
  • وينضح من ماء زمزم على رأسه ووجهه وصدره.
  • ويكثر من الدعاء عند شربه، هكذا لأي مطلوب من مطالب الدنيا والآخرة، "ماء زمزم لما شُرب له"، فيقول: "وأنا أشربه لكذا فافعل ذلك بفضلك يا الله". 
  • وقالوا: بل ولا يكون أيضاً المطلوب خاص بالشارب بنفسه، بل يشربه لأي أحد من أي مكان ليحصل أي مطلب أو فرج لأي أحد، وكذا فبنيته.
  • وقال بعضهم: إنه كغيره من المياه يُشرب جالساً وقاعداً. وقال الشعبي وابن عباس: "سقيت رسول الله ﷺ من زمزم وهو قائم"،
  •  فحمله بعضهم على أنه فعله لبيان الجواز.
  •  وحمله بعضهم على أنه تشريع منه لشرب زمزم من قيام. ولكن جاء في الروايات أنه كان راكباً، وعلى ذلك كان جالساً، إذا كان هو راكب يكون جالساً عليه، فمع قول أنه شرب وهو راكب، وشرب لما مر عليهم عند محل النزح وقال: لولا أن تناولوه؛ فما شرب وهو قائم ﷺ.

أيضاً يستحب:

  •  التزود من ماء زمزم وحمله إلى البلاد.

جاء عنه ﷺ أنه كان يحمله وكان يصبه على المرضى ويسقيهم صلوات ربي وسلامه عليه، وأنه حنَّكَ به الحسن والحسين -رضي الله عنهما-، واستهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم ﷺ واستعجل سهيلاً في إرسال ذلك إليه، وبعث إليه براويتين -أي: قربتين- وفيه خيرات كثيرة.

 

جعلنا الله وإياكم من المبارك لهم في جميع ما آتاهم وأعطاهم في لطف وعافية، وأصلح شؤوننا والمسلمين، وحفظ الحرم المصون والحرمين الشريفين، وخلّص بيت المقدس، واحفظ بلاد اليمن والشام وبلاد المسلمين من الشرور وكل محذور في البطون وفي الظهور، وأرانا فيهم ما تقرُّ به عين النبي بدر البدور، ودفع البلايا عن أمة محمد، وكشف الرزايا في الغيب والمشهد.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

 إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

14 جمادى الآخر 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 ديسمبر 2025

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام