كشف الغمة 375- كتاب الحج والعمرة (22) فرع: في السعي وما يتعلق به
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 375- كتاب الحج والعمرة (22) فرع: في السعي وما يتعلق به
صباح السبت 1 جمادى الثانية 1447هـ
فوائد مكتوبة من الدرس
يتضمن الدرس نقاط مهمة منها:
- معنى السعي في اللغة والشرع
- حكم السعي ركن أو واجب؟
- سبب تحرّج الأنصار من السعي
- هل يصح أن تنقص أشواط السعي؟
- كيف سعى النبي وما يقول فيه
- تسارع السيدة هاجر في بطن الوادي
- حكم التحلل بعد سعي الحج
- بيان شرط السعي بعد طواف
- الركوب في السعي للقادر على المشي
- حكم الموالاة والنية والطهارة
- الصعود على الصفا والمروة والدعاء
- السعي بين الميلين الأخضرين
- العمرة في أيام الجاهلية
- هل تصلى ركعتين بعد السعي؟
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال :
فرع في السعي وما يتعلق به
"وكان ﷺ إذا خرج من باب الصفا للسعي بدأ بالصفا وقرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه)[البقرة:158] فابدءوا بما بدأ الله به يعني في الذكر فيرقى على الصفا حتى ينظر إلى البيت ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه فيحمد الله تعالى ويدعو بما شاء الله أن يدعو ويكبر ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثلاث مرات، ثم ينزل يسعى والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى ترى ركبتاه من شدة السعي ودار به إزاره حتى انصب قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا".
وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: ليس السعي في بطن الوادي بين الصفا والمروة سنة وإنما كان أهل الجاهلية يفعلونه ويقولون: لا يقطع الوادي إلا الأشداء فوافقهم النبي ﷺ تأليفاً لهم، وكان ﷺ ينهى عن التحلل بعد السعي إلا للمتمتع الذي لم يسق هدياً، وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: حججت مع النبي ﷺ حين ساق البدن معه وقد أهل الناس بالحج مفرداً فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً يحل لكم كل شيء حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم متعة فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سميا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم به ولكن لا يحلّ مني حرام حتى يبلغ الهدى محله"، وفي رواية: "لولا هديي لحللت فلما فعل الناس ذلك قام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد، فقال: رسول الله ﷺ: بل هي للأبد".
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم وصفر كذلك ويقولون: إذا أدبر الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم وضاقت به صدورهم فلما بلغه ذلك دخل على عائشة -رضي الله عنها- وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله تعالى؟ فقال: ومالِيَ لا أغضب وأنا آمر بالأمر ولا أتبع. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فلما كان يوم التروية أمر النبي ﷺ من قلد الهدي أن يهلّ بالحج عشية التروية، وإذ قد فرغوا من المناسك أن يجيئوا بطواف بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجهم وعليهم الهدى كما قال تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته، عبده وحبيبه وصفيه سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل قرب الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفرع ما يتعلق بالسعي بين الصفا والمروة.
والسعي في اللغة:
- يطلق على المشي، وعلى الجري.
- وعلى العمل يقال له: سعيٌ، وعلى القصد، يقول: سعى بمعنى قصد. (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ)[يس:20].
- والمشي في الأمر المهم والمهتم به، (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)[الجمعة:9]، وهكذا يقول المعنى في اللغة.
وهو في الشرع معناه: قطع المسافة ما بين جبل الصفا وجبل المروة سبع مرات ذهاباً وإياباً بعد طواف صحيح في حج أو عمرة.
هذا هو السعي الذي أصله في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)[البقرة:158].
وذلك أن جماعة من الأنصار كانت لهم هناك صنم يأتون عندها، فتحرجوا بعد الإسلام أن يأتوا إلى نفس المكان لأنه كان فيه صنم يَعبَدونه من دون الله، فسألوا النبي ﷺ فأنزل الله عليهم ذلك. قال سبحانه وتعالى:(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه) أي: من أعلام دينه (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)[البقرة:158].
وعلى هذا، أيضًا كان عند الجمهور أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج وركن من أركان العمرة.
- فهو هكذا على المعتمد عند المالكية والشافعية والحنابلة: أن السعي بين الصفا والمروة ركن في العمرة وركن في الحج، ما تصح العمرة إلا به ولا يصح الحج إلا به.
- وجاء عند أبي حنيفة: أنه واجب، وأن الواجب المتحتم منه أكثره وهو أربعة أشواط، وأنه من تركه فعليه دم، يُجبَر بدم وفي قول عند الحنابلة؛ لكن معتمدهم كمعتمد الشافعية والمالكية أنه ركن من أركان الحج وركن من أركان العمرة، السعي بين الصفا والمروة.
ولما فهم بعض الصحابة يقول: كيف (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ قال: معناه يجوز أو لا يجوز ألا تطوف. فلما سألوا السيدة عائشة قالت: لا، لو كان كذلك لقال: "فلا جناح عليه ألا يطَّوَّف بينهما"، وإنما قال: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) لأنه تحرَّج الأنصار من المجيء إلى المحل وقد كانت فيه أصنامهم، فأُنزلت الآية لبيان ذلك، أنه لا حرج في المجيء وإن كانت سابقاً فيه الأصنام، فإنه من شعائر الله، أي: من معالم دينه، (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج:32]، كما يقول -جل جلاله وتعالى في علاه-.
وجاء أيضًا في الحديث عند الدارقطني أنه ﷺ قال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" يعني: بين الصفا والمروة.
فقالوا: كَتْب بمعنى الفرض، كما قال الشافعية والمالكية والحنابلة، فهو بمعنى فرض عليكم.
كما أمر سيدنا أبا موسى بالسعي بين الصفا والمروة ورُتِّب حلُّه عليه من العمرة.
فعلمنا أنه ركن عند الجمهور، وواجب عند الحنفية يُجبر بالدم، والقدر الواجب عندهم الأكثر وهو أربعة أشواط، فهو أكثر السعي.
وقال الجمهور: لابد أن يسعى سبعة كاملة، حتى لو نقصت خطوة واحدة لم يحصل التحلل من الحج ولا من العمرة، ولابد من السعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة.
"وكان ﷺ إذا خرج من باب الصفا للسعي بدأ بالصفا وقرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّه)[البقرة:158] فابدءوا بما بدأ الله به يعني في الذكر" فالبداية بالصفا، فلو ابتدأ من عند المروة وسعى، لم يُعدّ شوطًا حتى يصل إلى الصفا، فإذا وصل إلى الصفا فعاد، ابتدأ العدّ، فهذا هو الأول. فلا يكون الابتداء إلا بما بدأ الله به.
"فيرقى على الصفا حتى ينظر إلى البيت ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه -كذلك ورد عنه ﷺ- فيحمد الله تعالى ويدعو بما شاء الله أن يدعو ويكبر ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثلاث مرات، ثم ينزل يسعى والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى ترى ركبتاه من شدة السعي"يدور الإحرام وهو يسعى في مكان السعي، في مكان السرعة، مع تقارب الخُطَا، وهذا أيضاً مخصوص بالرجال، "ودار به إزاره حتى انصب قدماه في بطن الوادي".
والأصل فيه أن السيدة هاجر -عليها رضوان الله تبارك وتعالى- لما كانت تطلب الماء لابنها إسماعيل، فكانت تصعد على جبل الصفا وتنظر يمنة ويسرة، ثم تخرج، فإذا صارت في بطن الوادي جرت لأنه ما تُرى الأماكن من بطن الوادي، فجرت في ذلك المكان، ثم تقرب من المروة تخفف مشيها، ثم تصعد على جبل المروة وتنظر يمنة ويسرة وتنادي: هل من مغيث؟ هل من ماء؟ فعلت ذلك سبعة أشواط، فلما وصلت في الشوط السابع عند المروة وإذا بِحسِّ شخص وهو سيدنا جبريل -عليه السلام-، تقول: أغث هل عندك شي ماء، قال: نعم، فضرب برجله الأرض فنبعت زمزم.
فخرجت إلى الماء تسقي ابنها وتَزُمُّه، تجعل له حجراً تمنعه من الانسياب وتقول: زم زم زم زم، فسُمِّيت لذلك زمزم. فكان بركة من البركات التي ظهرت على ظهر الأرض، "ماء زمزم طعام طُعْمٍ وشفاء سُقْمٍ" يقول ﷺ،ويقول: "ماء زمزم لما شُرب له".
فهذا هو الأصل. ثم ثبت سنة للرجال دون النساء.
وهذا خلاف ما يروى عن ابن عباس أن النبي وافق فيه قريشاً تأليفاً لهم، بل الأصل ذلك، أنه ثبت على ذلك حتى في حجة وداعه عليه الصلاة والسلام.
يقول: "ودار به إزاره حتى انصب قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا" من الارتفاع عليه واستقبال للقبلة، وما كان هناك أبنية فالكعبة تُرى، فيرى الكعبة ويرفع يديه ويدعو ويعود، وهكذا كلما صعد على الصفا والمروة استقبل الكعبة ورفع يديه.
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: ليس السعي في بطن الوادي بين الصفا والمروة سنة وإنما كان أهل الجاهلية يفعلونه ويقولون: لا يقطع الوادي إلا الأشداء فَوافقهم النبي ﷺ تأليفاً لهم، وكان ﷺ ينهى عن التحلل بعد السعي إلا للمتمتع الذي لم يسُق هدياً". يعني: من كان محرماً بالحج فيستمر إحرامه إلا المتمتع الذي يُحرِم بالعمرة فيَحِلُّ بعد السعي. وأما من كان حاجاً فلا يجوز له بعد السعي أن يقصَّ شيء من شعره، ولا تزال المحرمات حراماً عليه إلى أن يأتي عرفة ويكمل بعد ذلك التحلل بعد الرجوع من عرفة باثنين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف بالبيت العتيق. فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة حصل التحلل الأول، فإذا فعل الثالث حصل التحلل الثاني.
"وكان جابر -رضي الله عنه- يقول: حججت مع النبي ﷺ حين ساق البدن معه وقد أهل الناس بالحج مفرداً فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً يحل لكم كل شيء حتى إذا كان يوم التروية فأهلُّوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم متعة -يعني: عمرة قبل الحج- فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم به ولكن لا يحلّ مني حرام حتى يبلغ الهدى محله"، لأني سُقتُ الهدي، فكان أمر من ساق الهدي معه أن يظل على إحرامه ويبقى محرماً حتى يقضي الحج. ومن لم يكن معه هدي أمَره أن يجعلها عمرة وأن يطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلِق، فيكون قد تحلل من العمرة حتى يوم الثامن -يوم التروية- يحرم بالحج من نفس مكة ويخرج إلى منى، فيكون يوم التاسع في عرفة.
"وفي رواية: لولا هديي لحللت فلما فعل الناس ذلك قام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد، فقال: رسول الله ﷺ: بل هي للأبد"
يحل التمتع بالإحرام بالعمرة وقضائها ثم التحلل منها ثم الانتظار إلى وقت الحج والإحرام بالحج من مكة. قال تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ ) [البقرة:196].
شرط السعي أن يكون بعد طواف صحيح.
- قال الشافعية والحنابلة:
- إما بعد طواف القدوم بالنسبة للحج.
- أو بعد طواف العمرة بالنسبة للعمرة.
- أو بعد طواف الإفاضة بالنسبة لمن لم يسعَ بعد طواف القدوم.
- أو لم يطف طواف القدوم فيطوف بعد طواف الإفاضة بعد الرجعة من عرفات.
- ولا يجوز أن يتخلل بين طواف القدوم والسعي الوقوفُ بعرفة. فإذا طاف طواف القدوم ولم يسعَ وذهب فوقف بعرفة ثم عاد إلى مكة، فقال: أسعى أولاً ثم أطوف.. لا يصح؛ لماذا لا يصح، لأنه قد تخلل بين طواف القدوم وبين السعي الوقوفُ بعرفة؛ إذا تخلل الوقوف لا يجوز أن تسعى حتى تطوف طواف الإفاضة.
فالشرطٌ عندهم أن يكون السعي بعد طواف ركن أو قدوم ولا يخل الفصل بينهما، ولكن لا يتوسط بين السعي وطواف القدوم الوقوفُ بعرفة.
- قال الحنفية والمالكية: بعد أي طواف كان، ولو طواف نفل، فليطف وليسعَ. متى ما طاف فليسع، يسمونه الترتيب للسعي؛ فالسَّعي لا يصح إلا بتقدم طواف، أي طواف كان عند المالكية وعند الحنفية.
- قال الشافعية والحنابلة: بعد طواف قدوم أو ركن، -ركن حج أو ركن عمرة، أو طواف القدوم للوافد- يقول: فإذا سعى من غير تقدم طواف كان هذا السعي باطلاً لم يجزئه.
- وكذلك أيضًا في قول عند المالكية: إنه إذا كان بعد طواف تطوعًا فصحة السعي حاصلة ولكن عليه الدم إذا لم يكن بعد طواف واجب، هذا التفصيل عند المالكية.
وأطلق الحنفية صحة السعي بعد أي طَواف كان ولو نافلة. وقال المالكية: نعم يصح، ولكن إذا لم يكن الطواف واجباً أو لم يعتقد وجوبه فعليه دم.
وسمعت ما قال الشافعية والحنابلة: أن السعي يكون بعد طواف ركن أو طواف قدوم، ولكن لا يتخلل بين طواف القدوم والسعي الوقوفُ بعرفة، فإذا وقف بعرفة فلا يصح أن يسعى حتى يطوف أولاً طواف الإفاضة.
وكان ﷺ قدَّم السعي بعد طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة ثم بقي في إحرامه إلى أيام الحج صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ولابد من البدء بالصفا والختم بالمروة بالاتفاق بين الأئمة، لقوله: "ابدأوا بما بدأ الله به".
النية في السعي:
- وقال الحنابلة: ولابد من نية السعي، وفي خلاف عندهم.
- وقال بقية الأئمة: إن نية العمرة أو نية الحج يدخل فيها السعي فلا يحتاج تُجديد نية عند السعي.
المشي للقادر؟
- ويقول المالكية أيضاً والحنفية يقولون: أن المشي للقادر عليه واجب، كما هو في الطواف، القادر على المشي يجب عليه أن يمشي.
- قال الشافعية والحنابلة: هو سنة، سنة أن يكون ماشياً، ولو ركب لجاز له ولكن الأفضل أن يمشي.
فالمشِي في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة واجب عند الحنفية والمالكية.
قال الشافعية والحنابلة: هو سنة أن يكون ماشياً مهما كان قادراً على المشي.
فإذا سعى راكباً أو محمولاً من غير عذر:
فمن جهة صحة السعي عند الجميع يصح، ولكن يأثم عند الحنفية والمالكية ويقولون عليه دم لأنه ترك واجباً، فالمَشي على القادر في السعي واجب عندهم. فلو هذا القادر ركب أو حُمِل، صح السعي بالاتفاق، لكن عليه عند الحنفية والمالكية دم لأنه ترك واجباً، وأما عند الشافعية والحنابلة لا يلزمه شيء، صح السعي ولا شيء يلزمه.
وعلمنا كل الأشواط هذه السبعة هي ركن كذلك عند الجمهور -هي ركن كل الأشواط-؛ ولكن فهمت ما قال الحنفية أن الواجب منها الأكثر وهو أربعة، فإن طاف أربعة أشواط وترك الباقي فعليه صدقة عن كل شوط، هذا عند الحنفية. أما إن ترك السعي كله فعليه عند الحنفية دم.
إذًا علمنا أن:
الموالاة:
- بين أشواط السعي سنة، فإذا فصل بفاصل بينهم بغير عذر أساء، ويُسن له الإعادة، ولكن لو لم يُعِدْ فلا شيء عليه اتفاقاً.
- خلاف ما تقدم معنا في الطواف، إنه اشترط فيه من اشترطَ الموالاة من الحنفية والمالكية، اشترطوا الموالاة بين الأشواط السبعة في الطواف.
وكذلك النية:
وهي سنة للطواف عند الجمهور، وهي واجبة عند الحنفية. وسنة للسعي بين الصفا والمروة.
وبعد ركعتي الطواف، وقبل الذهاب إلى المسعى:
يسن له إن تيسر له استلام الحجر اتباعاً له ﷺ وإلا أشار إليه.
ويسعى على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر:
والطهارة في السعي سنة، بخلافها في الطواف فهي واجبة.
لما جاء عن النبي ﷺ قال للسيدة عائشة: "افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت" ما قال لا تسعي؛ فيتأكد عليه أن يكون متطهراً عن الحدث الأصغر والأكبر.
ويسن أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغهما:
بقدر قامة يصعد، فهو مستحب عند الشافعية والحنابلة، وخصص الحنابلة به الرجال، الصعود على الصفا وعلى المروة.
كذلك الدعاء عند الصعود على الصفا والمروة: من السنن والمستحبات.
والسعي بين الميلين الأخضرين هذا أيضاً من السنن كما تقدم معنا للرجال. إلا أن علمنا قول المالكية أن هذا السعي والخبب إنما هو في الذهاب من الصفا إلى المروة فقط، في الأشواط التي يرجع فيها من المروة إلى الصفا لا يسعى. عند غيرهم يسعى يعني: ويرمل. وهذا مخصوص بالرجال دون النساء.
وكذلك الموالاة هي أيضًا سنة عند الجمهور، الموالاة بين أشواط السعي، لكن في قول عند الحنابلة أن الموالاة بين أشواط السعي واجبة.
"قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكانوا يرون العمرة -يعني: الجاهلية- في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم وصفر كذلك" تابعاً لأشهر الحج، "يقولون: إذا أدبر الدَّبَر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر". وهذا كلام لا أصل له ولم يقرَّ الإسلام منه شيء.
"فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة -عمرة أيام الحج كانوا يعدون ذلك شديد- فتعاظم ذلك عندهم وضاقت به صدورهم فلما بلغه ذلك دخل على عائشة -رضي الله عنها- وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله تعالى؟ فقال: ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر ولا أتبع! قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فلما كان يوم التروية أمر النبي ﷺ من قلد الهدي أن يهل بالحج عشية التروية، وإذ قد فرغوا من المناسك أن يجيئوا بطواف بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجهم وعليهم الهدى كما قال تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:196]" هذه فدية المتمتع، من تمتع بالعمرة إلى الحج.
- واستحب الحنفية إذا فرغ من السعي أن يدخل المسجد يصلي ركعتين، يكون ختم السعي كختم الطواف بركْعتين.
- والجُويني من الشافعية يقول: حسنٌ وزيادة طاعة يعني: ركعتين بعد السعي.
- قال ابن الصلاح: هذا ابتداع شعيرة جديدة ما لها أصل.
- قال النووي: الذي قاله ابن الصلاح أظهر.
على كل حال، لا إشكال لمن تيسر له الأمر واستطاع أن يرجع إلى المسجد ويصلي، فلا إشكال في ذلك، وإلا فقد تم، وإنما المؤكد عليه سنة الطواف، إذا طاف فقبل أن يسعى يسن له أن يصلي ركعتي الطواف.
رزقنا الله صلاح الأحوال والقبول والإقبال، وتَولانا في كل حال، ونَظمنا في سلك أهل الصدق معه، ورفعنا فيمن رفعه، ورزقنا كمال التوفيق والتسليم والاستقامة على منهجه القويم والاتباع لحبيبه الكريم، ورحم موتانا وأحيانا برحمته الوَسيعة، ورفعنا في مراتب قربه الرفيعة، وأصْلح شؤوننا وَمآربنا الصالحين، في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
03 جمادى الآخر 1447