تفسير سورة هود - 2 - من قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..)، الآية: 7

تفسير سورة هود، من قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..}، الآية: 7
للاستماع إلى الدرس

تفسير الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة هود، من قوله تعالى:

﷽

(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • جزاء أهل الفضل وأهوال اليوم الكبير:
    • تمام العدل الإلهي وعدم ظلم النفس مثقال حبة من خردل.
    • التحذير من أهوال اليوم الكبير وما يجري فيه.
  • حقيقة المرجعية المطلقة لله وبطلان المرجعيات الزائفة:
    • انتهاء المرجعيات الدنيوية وبقاء مرجع الخلائق لله وحده.
    • دلالة النشأة الأولى وعجائب التكوين على إمكان البعث.
  • أسباب استخفائهم وإحاطة العلم الإلهي:
    • فضح سلوك المنافقين في طي الصدور واستخفائهم.
  • حقيقة الرزق وكيد الشيطان فيه:
    • معنى المستقر والمستودع.
    • قصة وفد الأشعريين وقوة يقينهم بالرزق.
  • خلق السماوات والعرش وغاية الابتلاء:
    • عجائب رعاية الله للمخلوقات وشواهد أهل اليقين.

نص الدرس:

الحمدُ لله مُكرِمنا بالآيات البَيِّنات وبلاغِ خير البريّات، خاتَم الرِّسالات، سيدنا محمد، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم عليه أفضل الصَّلوات وأزكى التَّسليمات، وعلى آله وصحبه أهل الصِّدق والإخلاص والثَّبات، وعلى من تبِعهَم بإحسانٍ إلى يوم الميقات، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين الذين جَعلتَهم أرفَع الخَلق لديك درجات، وعلى آلهم وأصحابهم وتابِعيهم وملائكتك المُقرَّبين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،

 فإننا في تأمُّل كلام ربِّنا وخِطابه وتَعليمه وإرشاده وتبيينه لنا على لسان عبده ورسوله المصطفى محمد ﷺ، مرَرْنا على أوائل آيات سورة هود وسَمِعنا خطاب المَلِك المعبود جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وأمره بالاستغفار والتوبة، وما رتَّب على ذلك من المَتاع الحسن إلى الأجل المسمى.

 

تفسير قوله تعالى:(وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3))

ثم إنه: 

  • (يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ): 
    • (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. 
    • كما أن جميعَ ما ينتهي إليه الناس من القِسمة في الأزَل حاصِلةٌ لهم وواصلةٌ إليهم على كل حالٍ في شئونهم في الدنيا والبرزخ والآخرة. 
  • (يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ):
    • وأعظم الفضل ما كان من قُربِهِ ومن معرفته ومن حُبِّه ومن رضوانه. 
    • ويعطي ذلك أهل الحسنات والأعمال الصَّالحات؛ فقد خَلَقَنا لِيَبلُوَنا أيُّنا أحسنُ عملاً. 

وقال سبحانه وتعالى آمراً رسوله أن يُخاطِبنا، ويقول: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)، (إِنْ تَوَلَّوْا) أي: تتولَّوا وتُعرِضوا، (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ) بحُكم ما جعل الحقُّ في قلبي مِن الشَّفقة والرحمة، (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)، كبُرَ اليومُ؛ لكِبَرِ ما يحصل فيه، لكِبَرِ ما يجري فيه من الأهوال والشدائد والحساب، والبشائر لأهلها:

  • فيجري فيه جَمعٌ وحَشرٌ بعد النَّشر من القبور. 
  • ويجري فيه دُنوّ الشمس مِن رؤوس الناس. 
  • ويحصل فيه نَقلُهم بشفاعة المُصطفى محمد ﷺ إلى أرض الحساب بارتفاع الشمس عنهم. 
  • ويحصُل فيه تَطايُر الصُّحُف حتى يَستلمها كل مُكلَّف إما بيمينه وإما بشماله. 
  • ويحصُل فيه ظُهورُ الناس على حقائقهم وبُروزُ قبائح كل مَن لم يُرِد الحقُّ ستره في ذلك اليوم. 
  • ويحصُل أن (يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس:34-37]. 
  • ويحصُل خوفُهم مِن أن يُطالِب بعضهم بعضاً بشيء من المَظلُمات والتَّبعات. 
  • ويحصُل الوُقوف بين يديّ الله والعَرض على الله. 
  • ويحصُل في ذلك اليوم وضع الميزان والإتيان بالأعمال والنيَّات والمقاصِد والحركات والسَّكنات. 
    • وحركة الأعيُن والأيدي والأرجل والأصابع؛ لتُوضَع كلٌّ منها؛ إمّا في كفَّة الحسنات، وإما في كفَّة السيِّئات. 
  • ويحصُل وضعُ الصِّراط على متنِ جهنم والأمر بالمرور عليه؛ فصار اليوم كبيراً لكِبَر ما يجري ويدور فيه.

 (فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)؛ أشار الحقُّ إلى كِبَر ما يجري فيه بقوله: 

  • (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26]. 
  • وقال جلَّ جلاله: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر:47]. 
  • وقال: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل:17]. 
    • هولُهُ تشيب منه رؤوس الوِلدان الصِّغار، اللهم اجعلنا في أمنك في ذلك اليوم. 
  • (أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [فصلت:40]. 

اجعلنا ممن يأتي آمنًا يوم القيامة، يا حاكِم يوم القيامة، ويا ربَّ يوم القيامة.

 

تفسير قوله تعالى: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4))

يقول الحق في بيان الحقيقة التي لا يُمكن أن يتخلَّف عنها أحدٌ من خَلقِه: 

  • (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) كما كان مُبتَدؤكم منه، فالمَرجِع إليه، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
  • (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) أوَّلكم وآخركم، إنَّ مرجعيَّات بعضكم إلى بعض:
    • منها ما هو مشروعٌ بشرعي، وداخلٌ تحت أمري، ينفعكم وقت الرجوع إلي. 
    • ومنها ما تستَحدِثونَه بأهوائكم واستِحساناتكم واستِعباد بعضكم لبعض، ويرجِع بعضكم إلى بعض: 
      • والكل، هذا وهذا، مؤقتٌ بوقت مُحدَّدٌ بحدٍّ، مُنقَضٍ مُنتهٍ. 
      • والرَّاجع والمرجوع إليه من بعضكم البعض، راجعٌ إليّ وَحدي.
  • (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) تنتهي مرجعيَّات الخَلائق لبعضهم البعض؛ أفراداً وجماعات: 
    • حتى لا يبقى على ظهر الأرض إنسيٌّ ولا جِنِّيٌ ولا حيوان، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) [الزمر:68]. 
    • وكان اليوم الذي يُنادي فيه ربُّ السّماوات والأرض: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر:16]. 

فأين المَرجعيَّات؟ وأين مَن يرجع بعضهم إلى بعض في الدنيا؟ 

إنما يتراجعون القول في بعض مواقف القيامة بعد الأهوال الشديدة، وبعد وقوعهم في العذاب، يلعن بعضهم بعضًا ويسب بعضهم بعضًا، ومرجع الكل إلى واحد هو الخالق جلَّ جلاله (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة:28]، يقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115].

(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ) وكل عاقل -عنده أي مُسكة من العقل-  يرى تكوّنه هو بنفسه وشخصه في الحياة الدنيا، لا بنفسه ولا بقوّته ولا بتَدبيره ولا بحيلَته ولا بقُدرته ولا بقدرة أبويه اللذين تسبّبا تسبُّبَ الباذِر للبَذر في الأرض، ثم لا يستطيع إنباته ولا حِفظه إلا بما قال الحقُّ: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة:63-64]. 

ويرى هذا العالَم بعظيم ما فيه من حُسنِ تكوينٍ وإحكام صُنعٍ وتدفق هؤلاء الخلائق مِن غير شيء، ومن نُطَفٍ، تحول النطف إلى عظامٍ ولُحومٍ ودماء وعُروق وأعصاب وأجهزة غريبة بديعه، كل من يرى هذا وعنده عقل، لا يمكن أن يُمازِج عقله أو يُخالِط عقله شكٌّ في أن القدرة التي أوجدت هذا قادرة أن تعيد وأن تكرر الخَلق والإيجاد، وأن تُنشِئ الأطوار كما شاءت جلّ ذو القدرة. 

  • فكل من يُنكِر بعثٍا أو عودًا بعد الموت: 
    • فلضَعف عقله. 
    • ولِفساد تفكيره. 
    • ولقلّة إدراكه. 
  • أما أن كل ما بين يديك شاهدٌ على قدرة القادر: 
    • (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس:79].
    • (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ)، إذا حدَّثكم رسلي وأنبيائي عن البعث بعد الموت، استعجبتُم وارتبتُم فيه (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج:5]. 

 فما هذا الاستغراب للبَعث؟ وأين وجه الاستغراب؟ هذا أمام عينكم، من تراب خلقتكم ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم) -أنظروا أمام أعينكم- (خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [الحج:5] أما ترون؟! (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)، أيُّ يَدٍ دخلت إلى بطن الأم لتخرج هذا الطفل؟ 

  • من قال له تحرَّك هكذا؟ 
  • من قال له امشِ في هذا المضمار؟ 
  • لِم لا يتأبَّى ويرجع؟
  •  لِم لا يدق في موضعٍ آخر من جانب الأم؟

 (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس:20]، (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [غافر:67]، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [الحج:5]. 

وأمر آخر: أراضٍ أمامكم يابسة قاحلة، أنزلنا عليها الماء فتخضرّ وتحيا -لا إله إلا هو- (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ) [الحج:5-7].

 

تفسير قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5))

  • (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) يثنون صدورهم على ما يُكِنِّونه من كفر وتكذيب وجحود. 
  • (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) أي يظنّون أن الله لا يَعلَم ما يُكِنّون، ومنهم من يُظهِر بالقول؛ الإسلام والإيمان ويُكِنّ في قلبه النفاق. 
  • (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) جلَّ جلاله، وهو لا تخفى عليه خافية.. 
    • (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5] خالق صدرك، ومكَّنك من أن تتَّحدث فيه في نفسك، وأن تُكِنّ فيه ما لا تُظهِرُهُ، وأن تُظهِر مما أكنَنت فيه شيئًا وتخفي شيئًا آخر، هذا الذي خَلَق كل هذا لا يَعلَم؟!  فمن يَعلَم إذًا؟ هو الذي خَلَق كل هذا، كيف لا يَعلم به؟ 
    • (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، أوَ أنت اشتريت صدرك من عند هواك؟ أو أنت اشتريت صدرك من عند حكومتك ودولتك؟ من أين جئت به؟ هو الذي خَلَق صدرك ما يعلم به؟ وهو (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:13-14].

 يقول جلَّ جلاله: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ): 

  • وكان منهم أيضًا من يستغشي بثيابه عند إتيانه أهله أو عند دخوله الخلاء يقول: لئلّا يراه الله! 
  • وكان منهم من إذا رأى النبي ﷺ مُقبلًا في الطريق، ثنى صدره وغطَّى وجهه حتى لا يراه. 
  • وحتى لا يتوجّه عليه بحُكم الإنسانية والذّوق أن يتبعه أو يمشي أو أن يَحضُر معه..
    • فينكشف ما في باطنه؛ لأنه كان يُظهِر بلسانه شيء غير الذي في باطنه. 
  • ومنهم من يُثني صدره استكبارًا وكراهية للنبي محمد ﷺ. 

فعلى هذه المعاني: 

  • (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) من الإله الحق.
  • أو يَستَخفوا من النبي ﷺ حين يَمُر بهم.

(أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) قال: انظر أي حالة ترى أنك فيها مُستتِرًا بعيدًا عن الرؤية، قال: أنا في تلك الحالة مُطَّلِعٌ على ضميرك وسِرَّك وظاهرك وما تُخفِي وما تُعلِن، كما هو علمه الأزليّ الدائم، ولكن في هذه الحالة التي تَنتابُك أنت وتطرأ عليك، ترى نفسك فيها مستوراً، ليس يخفى عليّ منها شيئاً، فكيف ما قبلها أو ما بعدها أو ما دونها؟ (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): 

  • أعلم بي مِن نفسي: 
    • أعلم بأقوالي التي أقولها مِن نفسي أنا. 
    • أعلم بنيَّتي من نفسي، لا إله إلا هو. 
  • أعلم بحالاتي، وأعلم بما يطرأ لي وما يجري عليّ:
    • في مُستقبَل عمري. 
    • وعند موتي وفي آخرتي، وأنا لا أعلم. 

  

تفسير قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6))

فسبحان الذي أحاط بكل شيء عِلمًا، (أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، يقول الله: 

  • ينبغي أن لا تَخدَعكُم النفوس، ومِن وراء النفوس المُوَسوِسُون والمُلْقُون بالإرجافِ للأوهام والخيالات، و يدخلون عليكم من باب الرزق وتوفير الحاجات والطعام والغذاء. 
  • فإني لمَّا خَلَقتُكم على هذا الهيكل وهذا الشكل والصورة، أحسستم بحاجتكم إلى الطعام والشراب وأنواع المَتاع من مَلبَسٍ ومَسكَنٍ ومركب إلى غير ذلك. 
  • وعند إحساسكم بهذه الحاجة كانت الدوافع قوية من أنفسكم، لأن تُفكِّرُوا فيها، ولأن تَتَوصَّلوا إلى تَحصيلها بمختلف الوسائل. 

يقول الحق جلَّ جلاله: هذا المجرى الذي أجريتكم فيه لا يخرج عن قَبضة إرادتي وحِكمتي، وأنا الذي أُسيِّر الأرزاق لكم، وأُغنِي وأُفقِر، وأُوسِّع الرزق لمن أشاء وأقتِر، وأُضيّق على من أشاء وأُوسِّع لمن أشاء، (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل:71] جلَّ جلاله. 

يقول: لا تُخدَعوا فتظنُّوا أنكم لأجل الوصول إليها يجوز أن تتنكَّروا للقيَم أو للمبادئ أو للأديان، أو أنها حكرٌ على طائفة أو جماعة أو هيئة أو دولة، إن رحِمَتكم أعطتكم وإن لم ترحمكُم فلن تُرزَقوا. 

قال الله: 

  • أنا أختبر الخَلق بذلك، وأُوصِل إلى يدِ من شِئتُ ما شِئت وأمتحِنهُ: 
    • ومن أمسَكَ وبَخِل فعَلى نفسه، ومن أنفَق فعلى حسب قصدِه ونيَّته. 
    • وأنا الذي أُنفق وأنا الذي أرزُق وأنا الذي أمنع. 
  • ولا يمكن لدابّة -فضلاً عن بني آدم- أن تموت جوعًا إلا حينما تقتضي إرادتي إكمال ما لها من رزق لديّ: 
    • حتى لا يبقى لها ذرة يمكن أن تُوصِلها بنفسِها إلى نفسها، أو يمكن أن يُوصِلها إليها ملَكٌ أو إنسي أو جنِّي أو طائر أو غير ذلك، لا يمكن! فحينئذ تنتهي. 
    • وإلا فأمامكم العبرة في كثرة هذه الكائنات والمخلوقات صغاراً وكباراً، وأنا أتولّى رِزقها إلى أعمارها المُؤقَّتة. 

من يرزقها؟ ومن يُرتِّب رزقها؟ من نملٍ ومن نحلٍ ومن حيوانات في البَّرِّ وحيوانات في البحر؟

  • وأجعل بعضها رزقاً لبعضها الآخر إذا شئتُ بقدرتي، وليس لهم التَّحكُّم في ذلك، وإلا لَفَنِيَت الصغار أمام أكل الكبار من الحيوانات التي تتآكل. 
  • ولكن مع تآكُلِها تبقى هذه مستمرة وهذه مستمرة كلٌّ إلى أجل مُسمى. 

قولوا لي: 

  • أي هيئة على ظهر الأرض رتبت هذا؟ 
  • وبأي إرادة وقع الأمر كما تشاهدونه هكذا بأعينكم؟! 
  • أَتَقبَل عقولكم أن يكون صُدفة؟!
  • أَتَقبَل عقولكم أن يكون مِن غير تدبير؟! 
  • أَتَقبَل عقولكم أن يكون مِن غير موجد ومُصَور ومُقَدِر؟!

وأنتم في شؤونكم القليلة الخاصة: 

  • لا تقبل عقولكم أن خاتماً من خواتِمكم يتكوَّن صدفة؟ 
  • ما تقبل عقولكم أنّ خشبة -عوداً صغيراً- يرتفع من نفسه من دون رافع أو ينخفض من دون خافض! 

ما تقبل عقولكم هذا! فكيف تقبل عقولكم ما هو أكبر وأوسع مِن هذا في هذا الوجود؟ رفْع وخَفض، وحركة وسكون، وإطلاق وترتيب وتنسيق، من أين؟! كيف يكون هكذا صدفة؟ كيف يكون بالطبيعة؟ وأي طبيعة ومن طبَّعها؟ وكيف أُوجِدَت؟ الله الله، 

وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ

يقول الله عندئذٍ: 

  • ثقوا بي، واعلموا، وأنا أرزُق هذه الحيوانات كلها أمامكم، أني لن أنسى أحدكم ما دام له فُسحة منِّي في الأجل والعمر عن رزقٍ يكتفي به إلى أن يموت. 
  • ولن يستطيع سيدنا عزرائيل -وهو المأمور بأمر الله- أن يقبِض روح إنسان بقيَتْ له حبة من ذُرة أو من بُر أو شعير على ظهر الأرض لم يأكلها، لن يستطيع حتى يفنى ما قُدِّر الله له؛ من مشروب ومطعوم وملبوس، فيقبض روحه بأمر واحدٍ أحد. 
  • ولا يستطيع سيدنا عزرائيل بنفسه أن يُقدِّم ولا أن يُؤخِّر، ولكنها مكتوبةٌ له ومملوأة عليه من قِبل الحي القيوم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل:50]. 

(لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:27-28]، صلوات الله عليهم وعلى نبينا محمد وجميع الأنبياء والمرسلين.

 يقول الله: الألاعيب هذه المُنظَّمة المرتبة المُتكتكة من قِبل إبليس وجنده لفِتنتكُم من أَجل الخبز والطعام والأكل ومتاع الدنيا، أبعِدُوها وأميطوها عن طريقكم ولا يخدعونكم بها.. 

  • (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) إنسان، حيوان، مِن جميع حيوانات البرِّ والبحر، من كل ما يدبُّ على الأرض -ومنها الطير،- فإن له دبيباً على الأرض، في أوقات مَشيِه على الأرض. 
  • (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) رتّب لها سبحانه أرزاقها وقَدَّرها، ويسَّر لها السُّبُل وهداها لها لِتَصِل إليها بترتيبه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-. 

وبعد ذلك: 

  • مَن رتَّب أن قوت الحيوانات الفُلانية كذا وكذا، وقوت الحيوانات الفُلانية كذا وكذا، وقوت الحيوانات الفُلانية كذا وكذا؟ 
  • وهذه المواد هي الأنسَب لها، وهي تُهدَى إليها وتتوفَّر لها في أماكنها وتتوصَّل إليها بأساليب غريبة، من رتَّب ذلك؟ 

آياتُه أمام أعينكم، فلمَ هذا القلق؟ ولمَ هذا الجزع؟ ولذا كانوا يقولون: الشكُّ في الرزق شك في الرزاق جلَّ جلاله وتعالى في علاه، "وما قُدّر لماضِغَيك أن يمضَغاه فلا بدَّ أن يمضغاه".

      الذي لغيرك لا يصل إليك

والذي قُسِم لك حاصلٌ لديك *** فاشتغلْ  بربِّك  والذي عليك 

 في فرض الحقيقة والشَّرعِ المصون

يقول: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) تكفَّل -جلَّ جلاله- وتفضّل بأن يرزق كل دابّة رزقها المُحدَّد الذي حدَّده وعيَّنهُ لها، ويكرِّرُ ذلك على صُحُف الملائكة أو في اللوح المحفوظ، وعندما تتكوَّن النطفة ويُنفَخ الروح فيها بعد أن تصير إلى عظام مكسوّة لحماً، يُنفَخ فيها الرُّوح بأمرٍ للمَلَك ويُؤمَر بكتْب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيد. اللهم اجعلنا من المرزوقين السعداء. 

(إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا)..

  • (مُسْتَقَرَّهَا) في ليلها ونهارها. 

(وَمُسْتَوْدَعَهَا): أين تُستَودَع عند الموت.. 

  • هذا في البطن ذا، وهذا في الأرض الفُلانية، وهذا في القبر الفُلاني، وهذا في البحر يُرمَى ويأكله الحوت الفلاني. 
  • المستودع الذي تعود له  مُحدّد ومُبَيّن يعلمه الله.
  • (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا):
    • و(مُسْتَقَرَّهَا) في أصلاب الآباء. 
    • (وَمُسْتَوْدَعَهَا) في أرحام الأمهات
  • (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا): وَيَعْلَمُ (مُسْتَقَرَّهَا) في الأصلاب والأرحام ويجعل لها قراراً مكيناً وسط رحم الأم ثم يُخرجها منه بقدرته، ثم يستودعها هذه الأرض فترة من الفترات.

 (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) كتبه الله تعالى في أُمِّ الكتاب وفي اللَّوح المحفوظ، وكلُّه في علمه الأزليّ القديم الذي لا حدَّ له ولا غاية له، وهو قد أحاط بكل شيء علماً؛ (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6))

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

  • (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فمَن شاركهُ فيها؟ ومَن ساعده عليها؟ ومَن كان له فيها نصيب؟!
  • (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) بعد أن خلق الزمن والأيام والليالي على ظهر هذه الأرض. 

(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) لم يكن سماوات دون العرش.. 

  • خلق العرش قبل خلق السماوات، وقبل خلق الأرض. 
  • وخلق الماء أيضاً قبل خلق السماوات والأرض. 

فكان مِن أول المخلوقات في الوجود: عرش وماء، ما في غيرها؛ بل كما سأل الأشعريّون هؤلاء، رسول الله ﷺ عن أول الأمر قال لهم: " كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ غَيْرُهُ"، ثم خلق العرش، ثم خلق الماء سبحانه وتعالى. 

وهكذا، وقد وفد منهم جماعة من قوم سيدنا أبي موسى الأشعري، جماعة من الأشعريين وأرمل، ووصلوا إلى المدينة وهم جياع ما عندهم شيء، فأرسلوا أحدهم إلى رسول الله يَستَطعمونه، فذهب ووصل عند بيت النبي ﷺ فسمعه يقرأ: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) هذا مؤمن ويَعرف معنى الكلام المُسمّى، قال: الدَّواب كلها على الله رزقها، والأشعريون ليسوا أقل من بقية الدَّواب، فلم يُكلِّم النبي، ورجع إلى قومه ودخل عندهم قال: أبشروا فالغَوث آتٍ لكم، كلهم ظنُّوا أنه كَلَّم النبي وأنه وَعَدَهُ بإرسال الطعام لهم.

 بينما هم كذلك إذ حضَر رجلان ومعهما -كما روى الحكيم الترمذي- قال: حضر معهما إناء فيه خبزٌ ولحم كثير، فأكلوا منه وأخذوا يأكلون حتى شبِعُوا، وقالوا: إن هذا كثير وطيّب، نردُّه إلى رسول الله، قالوا للرجلين: رُدَّ هذا إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم- فإنا قد اكتفينا، فَحَمَلَهُ منهم وذهبوا، وصلوا إلى عند النبي في اليوم الثاني، يقولون: يا رسول الله، ما رأينا أكثر ولا أطيب من الطعام الذي أرسلت إلينا البارحة. 

قال رسول الله ﷺ: ما أرسلت إليكم شيء! قالوا: ها! إنا أرسلنا إليك فلاناً!! فسأله النبي، قال: جئت إلى عند باب بيتك فسمعتُك تقرأ هذه الآية: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، فقلتُ: الأشعريون ليسوا أقل من بقيّة الدَّواب، هو يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَم وَمُسْتَوْدَعَهَم، ويعرف بهم أنهم جِياع في المكان ذاك، وجاءوا في سبيل ربهم جلَّ جلاله، ولن يتركهم، فرجعت إليهم وقلت لهم: الغوثَ آت وإنه واصلٌ إليكم وآتِيكم، تبسم ﷺ قال: "ذاكُم رزقٌ رزقكم الله"، جاء به إليكم من حيث يريد، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وهكذا حتى وقع أمثالُ هذا في حياةِ الصّحابة عدَد وغرائِب مِن جُود الله جلَّ جلاله، وفي واقع الكون والحيوانات، حتى يُروى أن سيدنا موسى -عليه السلام- لمّا أمره الله بالذهاب إلى فرعون قال له: اضرِبْ تلك الحجَر، ضربها فانفلقت صخرة كبيرة عن صخرة وسطها، قال: اضْربها، فضربها فانفلقت عن صخرة أخرى أصغر منها، قال: اضْربها، فضربها فانفلقت عن صخرة أخرى فيها دُودة وفي فمها شيء غذاء  تأكله، الحق يقول له: أنا أرزق هذه وهي في صخرة وسط صخرة وما نسيتها، وسُقت إليها طعاماً، أفتَرانا أنسى أهلك ومن سِواهم؟ اذهب إلى فرعون، جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

وهكذا كان يقول ذو النُّون المصري، سألوه عن سبب توبتُه، قال: سبب إقبالي القويّ على الله، كنت ماشياً في سِيَاحتي، نزلت تحت شجرة ثم لفتُّ نظري وإذا بِقُنبرة -طائر من الطيور- لكن هذه القُنبرة عَمياء، فجعلتُ أتفكَّر: هذا الطائر الأعمى من أين يأكل؟! .. قال: بينما أنا جالس ما دريت إلا بطائر يسقُط على الأرض، وقع على الأرض فانفتحت الأرض أمامي بِسُكُرُجَتَينِ، إناءين في إحدهما؛ سمسم وفي الأخرى ماء، فأكلت القنبرة العمياء هذه، أكلت من الحب وشربت من الماء، ورجعتْ إلى الشجرة محلها، اختفت عني الأواني، وانطبقت الأرض كما كانت، قلت: حسبي، هذه آية أراني الله إياها -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- ولا ينسى أحداً، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).

كان الإمام الحداد يقول في اليقين: لو نادت السَّماء أن لا تُمطِر بقَطرة، والأرض أن لا تُنبِت حبَّة، وجميع أهل تريم عيال لي، لم أهتم بهم بعد قول ربي: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) جلَّ جلاله. 

فما بقي بعد ذلك إلا مُزاولة الأسباب عُبوديَّة لربِّ الأرباب، وكلٌّ يتسبَّب بما يستطيع مِن الحلال، وكل مَن ترك شيئاً من أجل الله عوَّضه الله خيراً منه، كل مَن ترك شُبهة وحراماً فهو مُعوَّض خير منه في الدنيا وفي الآخرة (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:2-3] جلَّ جلاله. 

رزقنا الإيمان واليقين يا خالق السماوات والأرض، ولا تخزنا يوم العرض، وزدنا من فضلك ما أنت أهله، وأصلح لنا وللأمة شأنها كله، واختم لنا أجمعين بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا. 

بسر الفاتحة

 إلى حضرة النبي محمد ﷺ

تاريخ النشر الهجري

02 ذو الحِجّة 1441

تاريخ النشر الميلادي

22 يوليو 2020

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام