(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))
الحمدلله مُكْرِمِنَا بخير الدلالة، على لسان خاتم الرسالة، وبما أوحى إليه وأَنزل عليه، وبما بلَّغنا عنه تعالى في علاه، ونسأله أن يصليَ ويسلمَ على المصطفى خاتم أنبيائه وأصفى أصفيائه، وعلى آله وأصحابه وأهل محبته وولائه ومتابعته واقتِفائه، وعلى آبائه وإخوانه من رُسلِ الله وأنبيائه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27))
فإننا في تأمُّل كلام ربنا -جلّ جلاله- وتعالى في علاه، ونعمته علينا بتدبر آياته، وما أوحاه إلى خير بريَّاته، مررنا في سورة الرعد على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)).
يبين لنا سبحانه وتعالى:
والأمر أكبر من أن تكون آيات الله -تبارك وتعالى- تبعًا لتشهيات ولِأهواء ولتحجُّجات مِن ذا، أو من ذاك؛ فيكفي ما بيّن، ويكفي ما آتى رسوله من الحُجج والبراهين والعلامات، ومع ذلك يقولون: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، وهذا القرآن بين أيديهم من أعظم الآيات لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فلماذا يقولون: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ) [الأنعام:37]؟ والقمر انشق لهم، فكيف يقولون: (لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ) [طه:133]؟!
(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)؟
قُل لهم: ما أعجب قولكم! كيف تقولون هذا؟! والآيات بين أظهركم وأمام أعيُنكم واضحة بيِّنة، ولكن المسألة:
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)؛ فلا داعي لاقتراح الآيات ولا المعجزات:
ولكن:
وكانت معجزة نبينا الكبرى القرآن، وتحداهم أن يأتوا بمثلِ سورة منه فعجزوا، فلِم لم يؤمنوا؟!
كذلك مَن لم يصدُق في طلب الهداية، فإنه يتعلل ويتعذر ويقول: ما الآيات؟
تفسير قوله تعالى: (تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))
(وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)) وأعلى مظاهر الإنابة إلى الله؛ كثرة ذكره؛ ولذا أتْبعها بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة بذكرك وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك يا أرحم الراحمين.
(وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ)، يعني هؤلاء المنيبون؛ أعلى مظاهرهم وأوضح صفاتهم:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)، فنسأل الله أن يوفر حظنا من الإيمان ويزيدنا إيمانا في كل آن.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ) جلَّ جلاله؛ وهنا نعلم معاني الطمأنينة:
وهذا دائم لهم ومستمر إلى البرزخ، ثم إلى القيامة، ثم إلى الجنة، فما أعجب حال هذه الطمأنينة!.
هذه الطمأنينة الحقيقية العظيمة الصحيحة المليحة يقابلها: طُمأنينات فاسدات وهمِيات خياليات وهو:
وقد كانوا يقولون على الإمارة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، يعني فتركنُ إلى ماذا؟ وتطمئن إلى ماذا؟ إلَّا لمَّا إنها تفوت وتزول وتضمحل وتتلاشى وصلت أنت إليها، وإلّا لو كانت تدوم وتستقر، أنت لن تصل أصلًا، الذين قبلك متشبثين بها، لكن ترى أمام عينك! فلِم الركون؟! لِمَ الركون إلى الإمارة؟! لِمَ الركون إلى الحُكم؟! لِمَ الركون إلى السُلطة؟! لِم الركون إلى الدنيا بأصنافها؟!
لكن مرض الذين لم يدركوا الحقيقة فلم يؤمنوا بإلٰههم الذي خلق: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس:7-8] والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ أو (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعه:24].
إذًا..
وكلما أرادوا الطمأنينة؛ بالاعتماد على القوى المادية؛ اقتصادية، أوعسكرية، أوغيرها من الوسائل والأسباب، أو كما يجنح كثير من الناس، لا يعرف كيف يجد الطمأنينة، فيبحث عنها في أغاني ماجنة مثلًا، أحدٌ يبحث عنها في المسكرات والمخدرات، ما الذي يحصِّلونه هؤلاء من الطمأنينة؟!
إذًا الطمأنينة الحقيقية لا يظفر بها إلَّا المؤمنون الذين اطمأنت قلوبهم بذكر الله، اللهم اجعلنا منهم، وفي مظهرها يقول لنا الله عن وصف ساداتنا الصحابة -رعيلنا الأول- لمَّا أراد معسكر الكفرِ أن يوقع القلق بينهم والإرجاف ويُبث الخوف، فأرسل مَن يقول: إن أبا سفيان أعدَّ لكم من الجيش كذا، وعدَّته كذا ومعه القبائل كلها وسيأتونكم بأمر لا تقدرون عليه (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، انتبهوا إلى أنفسكم! خوف مُقبل عليكم خطر؛ (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) -عجيب- ما أثَّر فيهم هذا الإرجاف ولا هذا القلق.
واليوم أيضًا:
وكل ما يرجفون به، فإن أصحاب الطمأنينة الحق الكبرى العالية ما تعمل بهم أراجيف المُرِجفين من الفجار والكافرين، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، معنا مصدر لِأمننا وطمأنينتنا، قادر قوي لا يكون إلَّا ما أراد؛ (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ) [آل عمران:173-175] يخوِّفون الناس من الفقر، يخوفون الناس من المرض، يخوفون الناس من أسلحتهم الفتّاكة، يخوفون الناس من سياساتهم.
إذًا..
إذًا..
وهنا يأتي الالتباس بين أمر ما كان من شأن الطبع؛ الطبع الإنساني مجبولٌ على الخوف من أشياء كثيرة، ولكن في أثناء الخوف منها:
إذًا فلا إشكال في الجمع بين الآيتين:
لأن:
فالخوف من غير الله:
لكن الخوف من الله:
وهذا الخوف مرتبط بإدراك الحقيقة: وهو واجبٌ على كل عاقل ومُنْصف؛ لأنَّ وصْف هذا الإله؛ هي القدرة المطلقة، وأنه لا يضره شيء أصلا، ولا ينفعه شيء أصلا؛ وهو الذي يضرّ وينفع، يقدِّم ويؤخِّر.
مَن كان وصفه هذا، كيف لا يُخاف؟! فأي شيء يُخاف إن لم يُخاف هذا؟! ولا يصيب أحد شيء من كل ما يُخاف منه على وجه الحق، وعلى وجه الباطل إلَّا بأمر هذا وقدرة هذا وترتيب هذا؛ فمن أحقُّ أن يخاف إذًا؟!
فالذين خافوا الله:
وحتى النتائج في الدنيا تصيرالعواقب لهم، وإن قُتل منهم مَن قُتل، وأُوذي مَن أُوذي؛
ولكن نفس المسار الذي ساروا عليه؛ منصور في أولادهم، في أصحابهم، في جماعتهم، فيمن مشى في هذا الطريق والعاقبة لهم:
إذًا هنا خوفٌ شريفٌ كريمٌ يجب أن نسعى لتحصيله؛ لأن فيه أمننا وهو حصننا، وفيه عزُنا وبه نُكفى البلايا والأخواف المختلفة؛ أن نخاف الله..
ثم يقول لسيد الخائفين منه، المطمئنين به:
فوجب على كل مؤمن: أن يأخذ أمر الله القوي: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ) [آل عمران: 175]، يجب أن نخافه هو، وسيكفينا إياهم وغيرهم: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) [الزمر:36].
إذًا، فلنسلُك سبيل الإنابة وعنوانها ذكر الله، ولذا تجد المؤمنين في مختلف الأوقات على العموم وفي المخصوص على وجه الخصوص؛ إذا جاء رمضان قال: ذكر الله والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل والصلوات، وإذا جاءت الأشهر الحُرم وإذا جاء موسم الحج وإذا جاء ذكر مولد النبي ﷺ قالوا ذكر وصلاة على النبي محمد ﷺ وتهليل وتسبيح وذكر السيرة وذكر الآخرة، فهم يشتغلون بالذكر؛ هذا عنوان الإنابة، المُنيبون إلى الله تطمئن قلوبهم؛ لا يفرحون إلَّا بهذا، يفرحون إذا ذكروه وسبحوه وحمدوه وكبروه وهللوه وصلَّوا على نبيه ودعَوه وصلُّوا له وصاموا وتصدقوا لوجهه الكريم يفرحون.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ):
تطمئن به القلوب تلك الطمأنينة الشريفة المتصلة بالوجَل الطيب الذي يصلُح للمؤمن.
إن هذه الطمأنينة تجعل الإنسان في هذه الدنيا في مأمنٍ من أنواع ما يتَخطَّف الناس من المخاوف من دون الله، فيوصلْهم إلى تفكير سيء وإلى تعامل قبيح..
فهل يورِثُ هذا طمأنينة بسلطة، طمأنينة بمال، طمأنينة بجاه، طُمأنينة بشهرة، طمأنينة بأغاني؟ هل يورِث هذا؟ لا والله!
فأين الذين مَنَّوا أتباعهم بالأماني الكاذبة؟
وانتهوا وانتهى، مَن منَّوهُ بذلك، وهم اليوم بين يديهِ تحت القهر وتحت الحكم.
هُوِية وعنوان ولا مُطلق للحق -جلَّ جلاله- ما تغوي عنه الأفكار المتقلبة المتخبطة المضللة المتزاحمة، ومع ذلك كله قائم على صدق مع الحق؛ مظهر الصدق والخُلُق الحسن (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ومع ذلك تحصُّن حسن قوي منيع (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت:30-36] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، فالله يرزقنا هذه الطمأنينة الشريفة الرفيعة القوية.
ناس كثير مثلاً حتى في جانب كسب الرزق، اطمأنوا إلى الشهادات، ومنهم مَن أخذ ما كان يصْبو إليه، ثم لم يتيسر له كسب المال بها؛
ليدُلكم على أن:
هذه الأسباب ومسبَّباتها بحكمه، ومع ذلك كم تتخلف؟ كم تتخلف؟ لا يُركن إليها، لا يُطمئن عليها..الله أكبر!.
اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدًا غيرك، اللهم اقذف في قلوبنا خوفك واقطع خوفنا ممن سواك حتى لا نخاف أحدًا غيرك؛ هذا شرف الإنسانية وشرف المخلوق، ما يرجو إلَّا الخالق ما يخاف إلَّا الخالق؛ هذا رفيع، شريف القدر شريف المنزلة، فوق، يريدون يغونه لا يقدرون، يهددونه لا يقدرون، لا إبليس ولا جنده كلهم؛ يخاف من واحد، يرجو واحد..الله أكبر!
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -اللهم اجعلنا منهم- (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))، (طُوبَىٰ لَهُمْ):
(طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)، حسن ومرجع ومصير، أصحاب المستقبل الجميل هم، أصحاب المستقبل الطيب هم (طُوبَىٰ لَهُمْ).
مَن؟
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))
تفسير قوله تعالى: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))
(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ)، ليس هم أول مَن جاءوا (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وقد تلا علينا نبينا.
والله يُهيئ قلوبنا وأرواحنا للاستماع والإنصات، نادانا وعلَّمنا وارشدنا وهدانا، بل أصحابه الكرام رأوا أن نداءهُ الأول وتعليمه ووصول الخير على يده من ليلة مولده، قال له العباس، كما جاء في الحديث بالسند الحسن في آخر عُمر نبينا بعد رجوعه من غزوة تبوك، آخر غزوة له:
وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ ال *** أَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ ﷺ
فمن من المؤمنين ما يستوحي في باطنه إشراق النور وانتشاره إليه، من ميلاد المصطفى، من مولدِ محمد:
وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ ال *** أَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي ال *** نور وسبل الرشاد نخترق
صلى الله على سيدنا محمد
وقال الله عن أولي الألباب يقولون: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) [آل عمران:193]، فنعم المنادي محمد، قال: (أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وقد تلا علينا ما أوحى إليه ربه:
(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ)، وإن كان لهم مشكلة مع وصف وإسم الرحمن، لكن المراد الرحمن، هو الله تعالى، وهم مع اسم الرحمن، ما كان هذا الاسم مشتهرًا بينهم، ولا مستعملًا في ألسنتهم..
ولكن مع ذلك كله، ليس المراد هنا مجرد إنكارهم لوصف الرحمن، أنه يوصف به الله تعالى، المراد إنهم يكفرون بالله -جلَّ جلاله- يتخذون معه الشريك، أو ينكرون وجوده من الملاحدة، أو من الذين غيروا وحرفوا آياته وخالفوا الأنبياء من أهل الكتاب.
قال: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، هو ربنا لا إله إلَّا هو، نعم الرحمن ربنا، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) [الفرقان:60].
لكن..
رزقنا الله كمال الإيمان واليقين، اللهم رد عنا كيد أعدائك أعداء الدين ولا تبلغهم مرادًا فينا، ولا في أحد من المسلمين، يا ربِّ سرى إلى قلوب المؤمنين خوف من غيرك فبدله بالخوف منك، حتى ينعموا بالأمن في الدنيا والآخرة، ورُدَّ كيد أعدائك ولا تبلِّغهم مرادًا في أحد من المسلمين وهيء قلوبًا كثيرة في المشارق والمغارب تؤمن بك وتطمئن بذكرك يا الله، واجعلنا من أسباب ذلك، وارزقنا السلوك في أشرف المسالك للفوز بارتقاء أعلى درجات، ذلك المطلب الشريف، يا ملِك الممالك يا حي ياقيوم، أجرنا من جميع الزيغ والمهالك واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
06 ربيع الأول 1443