(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))
الحمدُ لله مكرمنا بأنوارِ وحيِهِ وهدايتهِ على لسانِ عبدهِ وصفوتهِ وخيرتهِ من بريّتهِ، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدكَ المصطفى الهادي إليكَ والدالِّ عليكَ؛ سيدنا محمد وعلى آلهِ المطهّرينَ، وأصحابهِ الغُرِّ الميامين ومَن والاهم فيك وسلك سبيلهمُ الأرشد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات كلّ مكرَّم وممجَّد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلَيْنا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا واحد ياأحد يا فرد يا صمد.
أمّا بعدُ،،،
فإنّنا في نعمةِ تأمُّل كلام ربّنا وتدبُّر آياته، وتفَهُّمِ ما أَوْحى إلى خير بريّاته وتَنوّرنا بذلك وتَطهُّرنا وتَنقّينا وتَرقّينا وحُسنَ تَلقّينا، مررنا على قوله جلَّ جلالهِ وتعالى في عُلاه في وصفِ أُولِي الألبابِ:
تفسير قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23))
ثم ذكر جزاءهم ومصيرهم في عُقْبى الدار، العاقبةُ الحسنة في دار البقاء: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ):
(وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ (23))، أليسَ مَن صلحَ سيدخلِ الجنّةَ أيضًا؟ فلماذا (مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ)؟!
أي بمراتبهم العُلا، ألحِقْ بهم مَن مات على الإيمان من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ فكان من فضل الله تبارك وتعالى؛ أنّ الزوجين -من كان أعلى منهما رِفعةً في الجنة؛ الزوج أو الزوجة- يُرفع الآخر إلى منزلته، بحكم ما جعل الله بينهما من الزوجية.
وهكذا فائدة الزوجية والقرابة من الأزواج والذرية والآباء فإن الله تعالى يُقِرّ أعين بعضهم ببعض، برفع درجة الأقل منهم إلى الأرفع، كما أشارت الآية: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأتْبَعْناهُم)، وفي قراءة: (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ)، و في قراءة: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) [الطور:21].
يقول سبحانه وتعالى: (وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23))، فقد جعل الله لهم القصور، وجعل لهم الأبواب، وجعل لهم في وسط القصور الغُرف والمنازل، وفيها يجلسون وعلى الأرائك يتّكِئون، وتمرُّ عليهم ساعات فى مقدار اليوم والليلة من أيام الدنيا، تمرُّ بهم شؤون كثيرة، ومن جملة ذلك؛ ما يكرمهم الله به من سلام الملائكة عليهم.
حتى جاءنا في الأخبار أنّ المؤمن يكون متكئا على أريكته وأمامه سِمَاطان من الخدم في الجنّة، ينتهي هذا السّماط وهذا السماط إلى باب مبوَّب على غرفته التي هو فيها، قال فيأتي ملك من الملائكة -يرسله الله تعالى- فيطرق الباب فيقوم أدناهم من الباب، من هذا السّماط من خُدَّام الجنّة، فإذا به ملك فيقول للذي يليه ملك يستأذن، فيقول للذي يليه ملك يستأذن حتى يبلغوا إلى عند المؤمن في أريكته، فيقول لهم: ائذنوا له، فيقول الذي يليه من الخُدام: ائذنوا له، ويقول الذي بعده: ائذنوا له، حتى ينتهي الإذن إلى أقربهم من الباب، فيقوم فيفتح له الباب؛ فيدخل الملَك فيسلِّم على هذا المؤمن ويبشّره ويخرج؛ فكان هذا من مجال تكرمةِ الله لهم وإعزازهم في ذلك العالم، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الانسان:20].
تفسير قوله تعالى: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24))
(وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ )، ويأتون لهم معهم بالتّيجانِ، ويأتون لهم معهم بالهدايا من الله -جلَّ جلاله- ويسلِّمون عليهم ويذكِّرونهم بما كان منهم، ويقول: إنك صبرت عن الأمر الفلاني في أيام كذا في الدنيا فهذا جزاءٌ لك على صبرك على كذا، وهذا بصبرك على كذا، وهذا بصبرك عن كذا؛ فكل ما جاء منهم مَلَك، جاء يبشره بأثرٍ من آثار الصبر، ويعطيه على ذلك جزاءً؛ (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ). فلا يذكرون من أوصافهم الحميدة الشريفة الطيّبة الكثيرة إلا الصبر ليَدلَّك على أنه ركن في أركان الخُلُق الحسن والصفات المحبوبة لله تعالى: الصبر؛ (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10].
يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ)؛ ما أعجب هذا الحال؛ قال ربي: (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24))، نعم العقبى والنهاية والمصير في دار البقاء؛ لهؤلاء:
فنعم العُقْبى عقباهم: (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24))..
وفي شهداء أُحد على وجه الخصوص، جاءنا في الخبر:
لِمَ يغترّ المؤمن بعد ذلك بما يُقال؟ المستقبل! المستقبل! فهذا المستقبل الأكبر، الأفخر، الأزليّ، كيف يغترّ المؤمن ويصدِّق هذه الأراجيف وهذه الأقاويل؟ يُقال:
أيّ مستقبل هذا يُضمن؟! أيّ مستقبل هذا يُعدّ له؟!
(فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24))؛ هذا مستقبل كلّ مؤمن إذا عَرف حقيقة المستقبل؛ فلا يجوز أن يُلعَب بفكره، ولا أن يرضى أن يلعب بفكره شرقيّ ولا غربيّ ولا إنسيّ ولا جنّيّ؛ إنه يعلم الحقائق، وما الحياة الدنيا في الآخرة؛ إلا متاع، كما قال الله :(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى) [النساء:77].
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25))
(فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24))، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، ومُقابل ذلك الذين يعيشون على ظهر الأرض بأي صورة كانوا وبأي مسمى؟!! لكن عندهم هذه الأوصاف الخبيثة: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة:27]، أخذ عليهم العهود:
ثم أرسل إليهم الرّسل:
ينقضون المواثيق، مالهم عهود (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) [التوبة:10].
(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)، أمرهم أن يواصلوا من عباده:
ما معنى حكم القرابة؟
حُكم اختيار المكوِّن الخالق أن جعلهم يَقْربونك في النسب بتقديره وحده ولا مقدِّر لذلك سواه؛ فإذًا أنت إنما تحترم الألوهية والربوبية التي جعلتْ؛ هذا عمك وهذا خالك وهذا ابن عمك وهذه أختك وهذا ابن أختك، الله رتّبهم في التكوين والخلق، الذي لا دخْل ليد غير يده فيه ولا أحد يشاركه فيه.
قال سيدنا عمر بن عبد العزيز لبعض أصحابه: "لا تجالس قاطع رحم فإنّي رأيت الله لعنهم في سورتين: في سورة الرعد و في سورة محمد، لعنهم:
ثم أمرٌ عام، بوصل الإنسان من حيث أنه إنسان؛ لا تعتدي على عرضه ولا على ماله ولا على نفسه بغير حق كائن من كان؛ إن كنت تمثِّل دولة أو شعب أو حزب أو هيئة، لا تعتدي على أحد، أمَرك الله أن توصله، إنسان مثلك.
قال سيدنا عمر لأميرهِ في مصر يقول: "اعْلم أنّهما أحد اثنين؛ إما أخوك في الدين وإما نَظِيرك في الخَلٔق"؛ خاَلقك وخَالقه واحد، كوّنه من جنس الآدميّ، لا تحفّ على أحد ولا تظلم أحد، كل الذين يجيئون ليتحاكموا عندك:
هذا وعي المؤمنين وهذا وعي أصحاب محمد الأمين، "واعلم أنّي جعلتك عليه، وأنا عليك، والله فَوْقنا أجمعين"، سنرجع إليه وسيحكم بعد ذلك بنفسه، إنتبه لنفسك، هكذا وصيّته لأميره، وهكذا إمارة الإسلام وهكذا دولة الإسلام على وجه الحقيقة.
قال: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)؛ فلا يجوز القطيعة لأحد من الناس بالإعتداء على ماله أو عرضه أو مال بغير حق، فما هذه القطيعة القائمة اليوم ومن يرعاها؟ الحضارةُ ترعاها!. قطيعة الحروب، قطيعة القتل، قطيعة السّفك للدماء، قطيعة الانتهاك للحرمات، قطيعة فتنة الناس بعضهم ببعض، فيكرهُ بعضهم بعض؛ قطيعة خبيثة أورثت شرًا على ظهر الأرض، يتولاها المفكرون صُنّاع القرار الحضاريون المتقدمون، ما هذا؟
(وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)، قد كفروا بالله، وما عظَّموا حُرمات الله، وجاءوا للناس وعملوا بهم هكذا!!
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ):
ما تلك المقدمات! وما هذه النتائج! تدَّعي أنك تحارب النتائج وتفرش لها المقدمات كاملة؟! كيف هذه المحاربة؟ لعب، وضحك، وهُزوء، وغرور.
(وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)؛ تفضَّل عندنا لك السلاح، حارب صاحبك واخوك وجارك؛ اضْربه -وأنا سوف أعطيك- ما هذه القطيعة الموجودة في ظهر الأرض؟!!
(وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ، فما الجزاء لأهل هذه الأوصاف؟
هؤلاء الذين غرُّوكم بالمستقبل، مستقبل أحدهم يُحشر كالذرَّة يطأُه الناس بأقدامهم فيصيح، ولكن ما أحد يرحمه، يُصلّى بنار الجحيم والعياذ بالله تعالى، يُفضح بكذا كذا صورة من القبائح بين الأوّلين والآخرين، هؤلاء هم صُنَّاع المُستقبل؟ أو هؤلاء الذين يحافظون للناس على مستقبلهم؟ والعياذ بالله تبارك وتعالى.
(أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)):
(أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) فانْظر مَن تختار؛ وأيّ الأوصاف فيك؟ أيّ الأوصاف في إخوانك؟ أيّ الأوصاف في أهلك؟ أيّ الأوصاف فيمَن تعرفهم هذه أو هذه؟
بيان واضح من الرّبّ ومحجّة بيضاء ليلها كنهارها. ليس فيها محاباة لأحد، ولا مداهنة، ولا كذب على أحد ولا غرور، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [النساء:123-124]، (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)، لكن وعد ووَعِيد من الخالق ربّ الأرباب الذي إليه المرجع والمآب جلَّ جلاله.
تفسير قوله تعالى: ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26))
ومن هؤلاء مَن يدور غروره على المال، وتحصيل المال، وكسب المال، وكأنّه كل شيء وكأنه الإله، قال الله: شؤون المال وإدارتها بين العباد لي حكمة، أنا أبسط الرزق لمن أشاء وأقدر على مَن أشاء؛ (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ):
فليس في هذا ميزان، ليس في هذا اعْتبار أصلًا، بل أنا الحكيم الذي بحكمتي أُغني وأُفقر، أبسط الرّزق وأقدر؛ أنا، (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [طه:131].
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)، قُل لهم:
إن كُنت تريد المال فأيضًا له واهب هو الذي يبسطه ويَقدره؛ يضيّقه هو الله، أرْجِعْ إليه وله حكمة بعد ذلك.
يقول تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النساء:134]، قال عندي كلها، ما لكم تضحكون على عقولكم وتلعبون على بعضكم البعض؟!! تظنّ إنّه سيعطيك؟ وفعلا يعطيك شيئا زهيدا، ويأخذ منك به وصفا حميدا؛ يُنزلك به من مقام رفيع إلى هون شديد، فماذا يفيدك هذا؟ لا إله إلا الله، تتحوّل إلى عبد المال؟! وما سُمّي مال إلا لأنّه يميل، فإن أردته فاطْلبه من حلّه ومن محلّه، من الرّزاق الذي يرزقه، جلَّ جلاله.
(ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ) -يُوَسِّع الرزق- (لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ) يُضَيِّق، لكن القوم (فَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فرحوا؛ لأنهم ما يعرفون إلا هي؛ ناقصي الفكر، ناقصي العقل، ناقصي الإدراك ما يعرفون إلا الدنيا، فرحوا بها:
(وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فرحوا بالحياة الدنيا اغْترارًا بمسمّيات وظائفهم وكراسي أمام عيونهم. كم قد تقلّبت، ولكن مازالوا مغرورين بها مخدوعين وينظرون إليها، انْظر إليها فقد لعبت بالذين من قبلك، قد سقَّطت واحد وطلَّعت واحد، ومع ذلك فرحوا بالحياة الدنيا، (ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ)، ثم قال جلَّ جلاله:
(اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، من أولها إلى آخرها في الآخرة؛ (إِلَّا مَتَاعٌ (26))، كمتاع أحدكم في سَفَره، يعطونه لِقم وخبز ويتمتع به من أجل أن يصل إلى البقعة التي يريدها وتذهب بسرعة..
قال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26))، (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) [التوبة:38].
تفسير قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27))
يقول: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، كم يقولون هذا! وكم من الآيات جاءت، ولكن عمل الإنسان هذا وتصاممهِ وتطاوله وجفاءه! هات آية! هات آية! لابدّ آية، لابدّ علامة، هات علامة!
ومع ذلك يريدون آية؟! أيّ آية تريدون؟
قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27))، الآيات قد وضّحت وبيّنت، ماهي بألاعيب لكم ولا تمنيّات. وهو (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) والمصير أمامكم، وأنا قد أنذرتكم وَدَعوتكم إلى ما يوجب سعادتكم.
يقولُ: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27))، كلّ مَن كفاه الحجّة الواضحة والبيّنة وأنصف واتّبع، فأناب إلى الرّبّ،؛ فيهديه إليه هداية فوق هداية، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت:69]، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)، فَبِالإنابة والرّجوع إلى الله تبارك وتعالى يهديه إليه تبارك وتعالى، (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)).
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)، اللّهمّ اجْعلنا منهم؛ هذه علامة الإنابة: (الَّذِينَ آمَنُوا)، أي أيْقنوا بما بُعث به محمد أنه الحق، أن الله ربهم وحده لا شريك له، خالق كل شيء بيده ملكوت كل شئ، إليه مرجع كل شيء ومحمد صادق، الله أكبر.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ):
ذكر .. ذكر .. ذكر حتى اطمأنت قلوبهم بذكر الله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، قال:
هذه الطمأنينة مخصوصة بأهل ذكر الله -اللّهمّ اجْعلنا منهم- (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، اجْعلنا ممّن تطمئنّ قلوبهم بذكرك يا الله، أعِنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا الله.
تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))
قال جلَّ جلاله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -اللّهمّ اجعلنا منهم- آمَنُوا، آمَنُوا، آمَنُوا؛ كرّر الإيمان؛ لأنه له مراتب ودرجات ويقين وعلم يقين وعين يقين وحق يقين.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)، بدايةً طمأنينة الإيمان، ثم طمأنينة الشهود والعيان:
الله، لا إله إلا الله؛ بشعاعِ البَصائر؛ يُعلم فقدهم. وفناءهم في ربهم وبأنوارها، يعلمون قيامهم به -جلَّ جلاله- ولكن بحقّ البصائر يشهدون وجوده، ولا يشهدون لهم معه أثرا ولا لغيرهم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
وهكذا جاء مرة بعض القسّيسين من النّصارى الى عند بعض العلماء المتأخرين قبل عشرات من السنين في أرض الشام في سوريا، ودخل إليه يقول: يا شيخ أنتم تقولون وتقولون؟ قال له: أنت ماذا تعتقد؟ اُكْتُب لي عقيدتك، كتب عقيدة التثليث وروح القدس والولد وغيرها، قال: أَتَعتقد هذا؟ أهذه عقيدتك؟ الله المستعان. أنا أطلب منك طلب واحد: اُتْرُك هذه العقيدة عندي مكتوبة، واُدْخُل خلوة واذكر اسم الله، قل: الله .. الله، ولا تشتغل بغيره ويأتي لك الضّروري من قُوتَك وأنت أصلا قسيس تعرف الرياضة، سوف نعطيك قدر قُوتَك.
أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم قال: أخرجوه. خرج من الخلوة، قال له: انظر هذه عقيدتك، قال: أستغفر الله.. أستغفر الله.. كيف أستغفر الله؟ هذا كلام غير معقول ليس مع الله إلهًا، قال آه تشهد؟ قال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله.. قال: انْظر الى العقيدة. قال: أستغفر الله، و مزَّق العقيدة وقال: هذا باطل، هذا ضلال..
فذهب الظلام كله، ذهب الكفر كله، وظهرت الحقيقة و(أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)؛ وهو كافر وانْتقل، أرأيتم سبحان الله! بكثرة الذكر لله جلَّ جلاله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:41-42]، الآن بيوت من بيوت المسلمين، وسط الدِيَار يمرّ عليها اليوم والليلة ما لهم صلاة جماعة، ولا لهم ذكر، وفي مسلسلات طويلة عريضة وبرامج خبيثة؛ يا جماعة ماذا سيبقى من الإيمان عندكم؟ ماذا سيبقى من الصّلة بالله عندكم؟ ماذا سيبقى من الحقيقة عندكم؟ ارْحموا أنفسكم، سلّمتم أنفسكم لعدوّكم؟ ربكم يقول: اذْكُرُوني ذكرا كثيرا؛ النبي يقول -صلى الله عليه و على آله و صحبه وسلم-: "أكْثِروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون" وهذا قال له: اذْكرونا وانْسوا ربّكم؛ ذهب وراءه. هذا بيوت مؤمنين!! ديار مسلمين هكذا بهذه الصورة! يا رب حوِّل أحوال المسلمين إلى أحسن حال.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)):
(طُوبَىٰ لَهُمْ)، قال: (وَحُسْنُ مَآبٍ)، رب الأرباب يقول: (وَحُسْنُ مَآبٍ)، وستصدق مَن يقول لك: تعال سأُريك مستقبلك، انْظر إلى ربك، (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)) ما العطاء هناك؟ وما الفضل هناك؟ الله الله الله الله الله…. يا عبادي أرضيتم؟ يا ربّنا كيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟
ما هذا العطاء؟! ماذا يقابله؟
وجاء في رواية الإمام أحمد: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يقول: يا رسولَ اللهِ ما طوبَى ؟ قال: شجرةٌ في الجنة. يسأله، أفي الجنة فاكهة؟ قال: نعم فاكهة كثيرة، وفيها شجرة طوبى، قال: ما طوبى؟ قال: لو أنّك ركِبتَ جملك، من صغره تدور على أصْلها، حتى يكبر الجمل هذا و يشِيخ ما أتيتَ على أصلها، قال: أيّ شيء يشبهها من شجرنا؟ قال: ليس في أرضك ما يشبهها. هل أتيت الشّام؟ قال: لا. قال: في الشام شجرة يقال لها الجوز، يقولون أصلها في الأرض ثم تنتشر، وأغصانها وفروعها، تشبهها من حيث الصورة، لا من حيث الحجم، ولا من حيث الذوق، ولا من حيثُ.. لكن (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [البقرة:25]، كما قال الله -جلَّ جلاله- وجاء في ذلك روايات وأحاديث كبيرة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)).
اللّهمّ اجْعلنا منهم، وألحقنا بهم ، يا حي قيوم، يا رب الأرباب، لا تعرضنا للاغْترار بالسّراب، ولا بتصديق كل أفّاك كذاب، من جميع الكفار والأشرار وإبليس وجُنده، ومَن دخل في أحزابه، شرّ الأحزاب.
اللّهمّ اجْعلنا في حزبك وحزب رسولك المنيب الأواب. اللّهمّ ارْزقنا كمال الإنابة مع مَن أناب، وهيئ لنا (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))، برحمتك ياأرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي
اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
21 صفَر 1443