(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43))
الحمد لله مُكرِمُنا بتنزيله، وبيانه التام على عبده خير الأنام الذي قضى بتفضيله، خاتم أنبيائه عبده ورسوله، اللّهمّ أدم صلواتك على المُرسلِ رحمة للعالمين عبدك الأمين سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين وعلى أصحابه الغُر الميامين، وعلى مَن والاهم فيك واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من المرسلين والنبيّين وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين .
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40))
فإنَّنا في تأمُّل كلام ربّنا وخطابه وتعليمه وإرشاده، وما أوحاه إلى نبيّنا، ونزل به الروح الأمين على قلب هادينا ومُعلِّمنا صلى الله عليه وآله وسلّم، وصلنا إلى قوله تعالى في أواخر سورة الرعد: (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)):
بلاغ الأنبياء لا شيء آخر، لا فِكر المُفكِّرين من غيرهم، لا تجربة المُجربين ممن سواهم! لا اكْتشاف المُكتشفين ممن عداهم؛
هذا أعلى ما يوجد لدينا، وأكبر وأعظم ما يوجد في الآخرة؛ حساب ربِّ الأرباب، وهو سريع الحساب، لكل مُكَلَّفٍ ممّن مضى على ظهر هذه الأرض؛ فهذه غاية الغايات، وإليها مَرْجِع جميع المُكلَّفين من البريّات، وعلى ذاك الحساب يترتّب جميع السعادات والشّقاوات الأبديّات السّرمديّات؛ فاخْتُصِرت القضيّة في بيان أعظم الأشياء،(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)، يقول فحينئذٍ: مهما جرى من الأحوال والشؤون والظروف في الحياة الدنيا، لا يهمُّك ولا يَهُولك ولا يشغلك! مُهمَّتك بلاغ الرسالة، ومُهِمَّة مَن آمن بك أن يَتَفَقَّه فيها ويقوم بحقَّها ويُبلِّغُها، إذا أدَّوْا هذا، فلا ينقص من رُتبهم شيء من مجريات الأحداث ولا ما يكون في الكون، ولا إنجاز الموعود في الدنيا قبل الآخرة، من إهلاك الظّالمين، والفاجرين والكافرين، ومن نصر المرسلين؛ لا تعجيل ذلك ولا تأخيره، ينقص عليهم شيئًا من الدرجات ولا شيء من المَنزلة عند ربِّ الأرض والسماوات، ولا يُنزلهم عن الرُتب في السعادات التي حازوها، سعادات الأبد.
إذًا فالإنشغال مِنّا بما بلّغ نبيّنا عين الصوابِ، وحُكمُ العقلِ لمن عقل، ومقتضى الإيمان لمن آمن؛ أن نجعله شُغلنا الشاغل، ونجعل فيه اهْتمامنا، ونجعل به إليه انْتباهنا، ونجعل فيه تفكيرنا وتشَرُّفَ عقولنا بالاستنارة بأنوار دلالاته وإرشاده، هذا خير ما اشْتغلنا به، وأعظم ما أنْفقنا العمر فيه، ما بلّغ خاتم النبيين عن رب العالمين، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ).
أمّا المجريات والأحداث وما يجري في الكون:
وهو الحكيم في مجريات الأشياء، لكن الأمر لا يدور على هذه الأحداث بتغيِّراتها؛ لكن على سِر الاستقامة في الحياة والنجاة في يوم الحساب، الأمر يدور على ذلك ويرجع لذلك، وما سوى ذلك هَباء، فما تدور الدائرة إلَّا على هذا:
ومجريات الأحداث لحكمة من الحكيم لا تحيط بها العقول، فلا ينبغي الانشغال بها، وصار المسلمون في حالة، قَلَّ شُغلهم ببلاغ النبي، قَلَّ شغلهم بما أخبرهم وأنبأهم عن الإله -ربِّ كل شيء- وإذا شُغِلوا بأي شيءٍ بإشْغال كثير من الفجار والكفار اشْتغلوا به، شغلَ فكرهم، شغلَ عُمرهم، شغل عقلهم، شغل همَّهم؛ أيّ شيء يشغلونهم به ببث هذه الوسائل ونحوها فيشتغلون به، أمَا كان لك عقل تعرف أن شغلك بما أوحى ربك وبلَّغ نبيك أولى وأفضل، وأجمل وأعلى، وأحسن وأبين وأنور وأطهر، وأسعد لك، و أشرف لك، وأنعم لك؟!
فيجب أن نُعيد حساباتنا قبل يوم الحساب في اشْتغالاتنا في الحياة، كيف تكون؟ وبِمَ تكون؟ وبمن تكون؟ ولذا كان الأصفياء من صالحي الأمة، لا يدخلون في عمل حتى يُعْملون الفكر: كيف؟ ولماذا؟ ولِمَن؟
لماذا؟ .. وكيف؟ .. ولمن؟
وأمّا هذه الهَوْجات في الحياة الدنيا، شيء باسم الإسلام، وشيء باسم غيره، وحركات! لماذا؟ ما يعرف يجاوب تمام! .. كيف؟ يقول: تعليمات، أو كما الناس! هذا جواب هذا؟!
لِمَن؟ ولا يعلم لمن، حتى هو لا يعلم!، أو للحزب الفلاني، أو للرئيس الفلاني! والله أين ذهب؟! لِمَن؟ .. لِمَن تنطلقون.. لِمَن تتحركون.. لِمَن تنشغلون بهذه الأشغال؟.. للهوى؟! للشهوة؟! للفساد؟! .. لِمَن؟ .. لمن؟ .. لمن؟!
لماذا؟ .. وكيف؟ .. ولِمَن؟ وهذا بين أيديهم، فبذا القوم شُغْلهم يشتغلون به، وفيهم قال:
قَوْمٌ هُمُومُهم بِاللهِ قَدْ عَلِقَتْ *** فَمَا لَهُم هِمَمٌ تَسْمُو إِلى أَحَدِ
فَمَطْلبُ القَوم مَوْلاهُم وَسَيِّدهُم *** يَا حُسْنَ مَطْلَبِهم لِلواحِد الصَّمَدِ
يريدون وجهه، أولئك الذين أرادهم ربكم، واللهِ حقائق السعادة في الدارين لهم، وعُقبى الدارين لهم، والشرف في الدارين لهم -اللٌهم ألحقنا بهم-.
(وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)، ما وعدناك به؛ من فتْحٍ، ومن نصْرٍ، ومن ظهورٍ لدينك وما إلى ذلك، ومن ردٍّ لهؤلاء الكفار وهداية لمن شِئنا وإهلاكًا لمن شِئنا منهم، (إِمَّا نُرِيَنَّكَ) هذا ونحْدثه وأنت في قيد الحياة الدنيا، (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)، نَنْقلك إلينا وإلى الرفيق الأعلى، قبل أن يظهر كثير من هذه الأشياء؛ فذلك سواء، (وإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)
(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)؛ أنت مهمتك التي يجب أن تُحسن أداءها وتهتمّ بها:
الكل سيأتي خاضعًا ذليلًا عبدا، والحُكم لي! هذه الحقيقة التي يرجع إليها الناس: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95].
فإذا كانت المسألة كذلك، فاهتم بأمر البلاغ وقم بحقه، ولقد اهتمَّ ﷺ وأدَّى الواجب تمامًا:
وبحمد الله نرى هذه الفتن موجودة عندنا، ربما كثير من الأسر في اليمن وبعض الدول، أودت بهم إلى أن ينقص عليهم القوت الضروري، وبحمد الله فيهم ثابتون وصابرون، ينعمون بذكر الله تعالى ويصبرون على ما هم عليه ولا يُفتنون، لكن أيّام الدجال فتنة، يكفرون بالله ويؤمنون بالدّجال -والعياذ بالله تبارك وتعالى- فتنة شديدة!
هذه الفتنة الكبيرة؛ كلُّ رسولٍ بلَّغ قومه وحذَّرهم من الدجال، مع أن الله يعلم أنه لن يظهر في زمن أمة أحدٍ منهم، حتى يأتي الخاتم! وفي آخر أيام أمة الخاتم سيظهر؛ لكن -سبحانه وتعالى- إقامة الحجة والرحمة بالعباد، كلُّ نبيٍّ أنذر قومه من الدجال، وجاء نبينا وأنْذرنا، وأضاف على بقية الأنبياء؛ لأن بيانه أحسن..
بيّن لك إلى هذه الحدود، قال لك: أنا سأتهجّاها لك وهو أُمّيٌّ! (كاف، فاء، راء)؛ بهذه الهيئة مكتوبة بين عينيه -والعياذ بالله- ومع ذلك يتبعونه.
ما هذا؟!
وهو يعلم أنه كذب وخطأ، لكن مستعد! وهذا مكتوب بين عينيه "كافر"، ولكنه يقول؛ هو ربّنا!
هو ربكم كيف؟! انظروا، مكتوب بين عينيه "كافر"! قولوا له: يُصَلِّح عينه، واحدة عوراء! ما يقدر يصلِّحها، أي رب هذا؟! لكن ما دام... هو الرّب يكفي! مغالطة -أعوذ بالله-، مغالطة! يغالطون أنفسهم، مغالطة! دعوه، إن هذا سيُؤَكِّلنا! هو ذا هو وراءه -أعوذ بالله- ويخسرون الدنيا والآخرة.
فبيّن ﷺ أحسنَ البيان، وفي كل شيء؛ كمُل بيانه وفاق بيان الأنبياء، وكلّهم بيَّنوا وكلّهم بلَّغوا، وهم خِيرة الله من خلقه، ولكن هذا خَيْرهم، وهذا سيدهم وإمامهم صلى الله عليه وصحبه وسلم.
(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ)؛ وقد بلَّغَنا فاجْتِهادنا أن نُصغي إلى ما بلّغنا و نُحسن تطبيقه، هذه مهمّتنا الكبيرة في الحياة، فليكن هذا شُغلنا الشاغل.
(وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) -لا إله إلَّا الله- مرجِعهم إلينا، ونُحاسِبهم على الصغير والكبير:
تفسير قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41))
يقول: مَا لِقومك لا يُحسنون النظر والتفكر؟! (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، هذه الأرض التي هم يعيشون عليها الآن.. كم قد عاش عليها قبلهم من أقوام ماتوا، عبرة! فيهم أنبياء بُعِثوا قبلك؛ أوذوا وكُذِّبوا وصابروا، وكانت النهايات أنّ الذين آذَوْا وكذّبوا هُلِكوا وأُهُلِكوا ونُصِر الأنبياء.
ألا ينظرون ماذا نعمل في الأرض؟ (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، وكل نبي يُبقي بعده مَن يُبقي من فقهاء أتباعه وعلمائهم وأخْيارهم؛ فيكون أتباعه على بصيرة، يتناقصون، يتناقصون، بِنَقصهم ينقص الخير بين الأمة ويتغير الدين كله بعد ذلك، ونبْعث نبي جديد: (نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا).
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، قبلك قد بُعث أنبياء وعادوهم قومهم وحاربوهم بعد ذلك، وأخذوا الأرض التي هم عليها:
(نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، نُبْعد الكفار، نُقيم المسلمين والموحدين المؤمنين؛ الأنبياء وأتباعهم، هكذا عملنا وأنت رسولنا الآن، هل سنعمل شيء آخر معك؟
يقول وبعد ذلك يرون:
ولكن الله جعل في أمة نبيه -محمد- تجديدًا لهذا الدين على يد أتباع المصطفى من خواص ورثته كما كان يبعث الأنبياء يجددون أديان الرُسل في الأمم السابقة إلى آخر الزمان، فضلًا من الله.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)، كل الحكام الذين في زمانهم والذين مروا قبلهم من الخلِق تُعُقِّبت أحكامهم؛ وأُبْطلت وغُيّرت، بُدّلت زِيد فيها، نُقص منها، لكن واحد حاكم حُكمه، لا أحد يستطيع يزيده، ولا ينقصه، مَن هذا؟
هو الله! هو الله! في كل شيء يحكم، ثم له الحكم الظاهر الواضح الجليل البيِّن بين جميع العباد فيما كانوا فيه يختلفون في يوم القيامة، ولا يملك أحد أن يزيد فيه شيء ولا ينقص منه شيء ولا يبطله ولا يبدِّل فيه أدنى شيء؛ (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) الله أكبر! (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ).
لكن أيّ حاكم آخر، كم تُعُقِّبَت أحكامه؟ وأي حاكم؟ -سمعت- حتى هؤلاء الذين يقال لهم "ٱلْفِيتُوا" يحكم وتتعقّب أحكامه وتتبدَّل تتغيِّر.
لكن واحد حاكم ما يُعقَّب حُكمه! (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)، مَن؟ -الله-؛ ما أراده كان! وعندما يحكم في القيامة؛ هذا هو: الجنة بالدرجة الفلانية؛ لا أحد يستطيع أن يزيد ولا ينقص ولا يبدل، النار بِدركتها الفلانية، هذا هو حُكم ولا أحد يزيد، ولا ينقص، (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ).
(وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41))، يُحاسب الأولين والآخرين في وقت يسير ويشملهم الحساب، ويكلّم كل واحد منهم ويخاطب كل واحد منهم،؛ مَن أراد أن يكرمه كلّمه ومَن لا، فمن وراء الحجاب يُخذلهم ويُخزيهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى، لا إله إلَّا الله- (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42))
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، يعني طريقة المَكر الذي هم فيه:
التّفكير في إيقاع الضُّر والسوء والشر بالآخر من دون ما يشعر -مكر-!
كل هذا المكر قد اسْتعملوا مثله الذين من قبلهم (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، وكلهم أرادوا قتل أنبياءهم، وكلهم أرادوا استئصال أتْباع الأنبياء.
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، قال سبحانه وتعالى: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ)؛ كُلُّ أُمَّة همّت بِرَسُولِهِمْ ليقتلوا رسولهم!؛ ما تمكنوا، (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ) -قال الله- (فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [غافر:5]:
ما هذا الحُكم ؟ ما هذه السُّنّة الرّبّانية في الكون؟ يغفلون عنها.
كل فترة ووقت يظهر واحد بشيء من المظاهر وجماعة وهيئة بشيء من الغرائب والاكتشافات، وذهبوا واغترُّوا؛ ونسوا الأوّل والآخر، ونسوا الحقائق والغايات.
(وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، فَمَا الذي حصل؟
(فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)، إن كانوا هم يتحيّلون بما آتاهم الله من قدرة على إيصال شر إلى آخر باسْتغفاله واسْتغوائه واسْتدراجه؛ يقول الله: فَهُمْ وعملهم تحت علمي وقدرتي، وأنا إذا أردت إيصال الشّر لأحد، لا يقدر لا هو ولا أهل السماء والأرض أن يدفعوه عنه؛ فالمكْر لي وليس لهم، ما الذي يساوي مكْرهم؟ (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران:54] جلَّ جلاله.
(فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)، ماذا عندهم من مكر؟ مخلوقين وتحت القهر، وهو عالم بهم، وقادر عليهم، ولا يُسلِّطهم إلَّا بمقدار يعاقبهم عليه، وبعد ذلك المرجع إليه، أين المَكر الآن؟! ضحكوا على أنفسهم الناس وضرُّوا أنفسهم وضروا غيرهم، ولكن (لِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)، الله!؛ يعني صاحب القدرة والغلبة، والذي إذا أراد شيئًا لم يقدر أحد على ردّه من الأرض ولا السماء، هو الله، (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا).
(يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ)، هم ومَكرهم؛ ولهذا يقول له: (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) [يس:76]، نحن عالمين به، فما الذي تخاف منه؟ أيّ مكر هذا؟ والله هو العالم به -سبحانه وتعالى-، الله..الله ..الله.
ولا يزال الأرض ملآنة بالعجائب في هذه الأشياء؛ كثير من أهل الباطل، وأهل الشر، وأهل الكفر، وأهل الزيغ:
إن أصابه شيء فالذي فقدوه والذي لم يتيّسر لهم أكثر مما أصابوه، إذًا فمَن في الوجود يحْكُم؟ أرادوا فما وقع الذي أرادوا، -لا إله إلَّا الله-.
(يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42))، جنس الكافر، وفي القراءة الأخرى: (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)، قال العاقبة الحَسَنة في الدنيا والآخرة لمن؟ قال: سيعلمون!
يعني مهما غالطُوا أنفسهم وادَّعوا إدعاءات فإن الحقيقة ستظهر، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ):
هو هذا صاحب عاقبة الدنيا، أما الذي أحدث وطلّع ونزّل، وأحضر؛ وبعد ذلك، له سوء المآب وسوء المصير والعذاب من عند الغرغرة فما بعدها. ماذا وجد من الدنيا ذا المسكين؟! ما عاقبة الدنيا بالنسبة له؟ خسران والآخرة عذاب؛ وعقبى الدار الآخرة، النجاة من النار والعذاب، والدخول في الجنة والخلود فيها؛ هذه العقبى، سيعلمون لمن هذا!
وسيعلم الذين كفروا، (وَسَيَعْلَمُ الْكَافرُ) (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)؟ مَن الذي له العاقبة؟ مَن الذي له المآل الطيب؟ مَن الذي له المآل الحسن؟
تفسير قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43))
(وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا)؛ كلمات يطلقونها، يريدون أن ينكرون الأمر الواضح الجلي: أنت لست نبي! وبعد ذلك، كما يقول: هؤلاء ليسوا على حق، والكُفار والمبتدعين يقولون على الأنبياء، على الصالحين: ليسوا أولياء، ليسوا صالحين، ليسوا على حقّ، ليسوا سنّة! ليسوا هُداة! وهل هذا الكلام ينفع بشيء؟ تقول، لكن الواقع والدلائل غير ما تقول، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، في منتهى غيظهم وقوة شكِيمتهم، وحمقِهم، (لَسْتَ مُرْسَلًا)؛ ما أنت مرسل مثل المرسلين وإلّا سنتّبعك، ولكنك ما أنت برسول.
(قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)؛ الله الذي أرسلني ينصرني ويحفظني، ويُحدث لي الآيات حتى يشُق القمر ويؤتيني الكتاب، ما أحد يقدر يأتي بمثله! أليس هو الله شهيد؟! هذا الله يشهد بأني رسوله، ما معنى إنكارُكم؟ الله الذي أرسلني يشهد بما أتاني من الآيات، لو لم أكن رسوله لما أيّدني، وكما قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)؛ سنُهلكه، (فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:44-47]، لا أحد منكم سيحفظه ويحجُزه من دونِنا، لو كان يفتري علينا ويكذب علينا هل سنؤيدهُ! هل نشقّ له القمر؟! هل نعطيه نبع الماء من بين الأصابع؟! وهل نفتح لهم مكة؟ ما هذا الكلام!
(كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43))، مَن أنصف واعْترف بالحق من علماء الكتاب، من علماء الأمم السابقة، من أهل الإنجيل، من أهل التوراة؛ يشهدون أنه رسول الله، وأنه الهادي بالحق، ومنهم بعد ذلك إلْتحق بهؤلاء الذين عندهم علم الكتاب، أي بالشهادة بالحق؛ سيدنا عبد الله بن سلام عليه رضوان الله، قرأ وصْفه في التوراة فعلِمها وتيقّنها.
يُروى أنه ورد إلى مكة، فقال له ﷺ: "أنت عبد الله بن سلام. قال: نعم، قال: هل تجدني في التوراة موصوفًا عندك؟ قال: صِف لي ربك يا محمد. قال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:1-4]؛ قال: "آمنت بالله، أشهد أن لا إله إلّا الله وأنك رسول الله" وكَتَم إسلامه ورجع. والمشهور أنه إنما أسلم بعد هجرة النبي ﷺ، فلما جاء النبي وهَاجَرَ، سمِع بوَفَادة النبي وقدومه فتعجّل، كان على نخلة رمى بنفسه، تقول له أمه: يا عبد الله كأن موسى بن عمران جاءك! قال: لا والله قلبي أَسَر بالنبي محمد، من مجيء موسى بن عمران، وتوجّه، رآه أول ما رآه، "أيُّها الناسُ أفشوا السلامَ وأطعِموا الطعامَ ووصِلُوا الأرحامَ وصَلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ تدخلوا الجنةَ بسلامٍ"، قال: أوّل ما وقع نظري عليه علِمت؛ أنه وجه صادق، ليس بوجه كذّاب.
فلما أراد أن يُظهر إسلامه جاء للنبي قال: "استفتِ اليهود عني قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم قوم بُهت"، كذّابين، لكن اسْتخبرهم عني قبل أن يعلموا أني مسلم، فأمره أن يجلس في مكان مستور ودعا كبار اليهود، وقال لهم: "اتّقوا الله وآمنوا فإني رسول الله لكم، وتجدون وصفي عندكم في التوراة، قالوا: لا..لا وصفك، ولا أنت عندنا، قال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك عالِمُنا وابن عالمنا، حِبرنا وابن حِبرنا، خيرنا وابن خيرنا -ويمدحونه- قال: أرأيتم لو أسلم؟ قالوا: لا، لا حاشاه، ما يسلم. قال: أرأيتم إن أسلم، وجد وصفي كما هو في التوراة وأسلم، قالوا: لا، قال له: اخْرُج عليهم يا عبدالله، قال: وَيْحَكُم معشر اليهود والله إنكم لَتعلمون أنه الذي بشَّر به موسى، ووصفه عندنا في التوراة، وجهه ويديه ورجليه وحاله ومُهاجره عندنا في التوراة كله! قالوا: هذا شرّنا وابن شرنا وجاهلنا وابن جاهلنا، قال: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قومٌ بُهت".
وهذه طبيعة في ناس مكانها إلى الآن، تسترضيهم وتمشي على هواهم، أنت أحسن واحد! تخالف هواهم، انتهيت لا شيء؛ عبيد أهواء، عبيد شهوات، ما عندهم مبدأ، ما عندهم قيم، ما عندهم حقيقة -والعياذ بالله تعالى- هكذا عبيد الأهواء والشهوات، لكن المنصفين الصادقين، عباد الله! عباد الله! -جلَّ جلاله- منصفون وصادقون يتكلمون بالحق.
(قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43))، وجاء أيضًا في معنى (وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ):
(قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)..
"اللّهمّ إنا أمسينا نشهدك ونشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلَّا أنت وحدك لا شريك لك وأن سيدنا محمد عبدك ورسولك ﷺ" فثبّتنا على الشهادة، ثبّتنا على الشهادة، ورَقِّنا بها أعلى دُرى السّعادة، وتولّنا بها في الدنيا والآخرة، يا رب الدنيا والآخرة، واجْعلنا بها من أهل الوجوه النّاضرة التي إليك ناظرة، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
(قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43))، فلْنُصْدق مع الله ، ولنقع في الإيمان به، ولنستعد للقائه، ونترك ما يقول ذا وذاك فلن يُغنوا عنا من الله شيئا، وإننا على ظهر هذه الأرض وعندنا مواعيد من الله تعالى:
فنحن مقبلون عليها ونسأل الله أن يحقّقها لنا، (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران:194].
وعلى ظهر الأرض:
فما جعل من هذه الآيات في أعمارنا فله ذلك، وما أخَّره عنّا وأبرز في أوقات أولادنا، أو أحفادنا فله ذلك، وعلينا التّمسُك بهذا البلاغ وننتظر منه حُكمًا صالحًا حسنًا بالرحمة يوم الحساب وحُسن المآب.
اللّهمّ ثبّتنا على الحق فيما نقول، وثبّتنا على الحق فيما نفعل، وثبّتنا على الحق فيما نعتقد، ومنه ما سنراه، ومنه ما سيراه مَن بعدنا، وهذا عالم الدنيا بمُجرياته، ولكن الوعد الذي يهمّنا أن نلقاه وهو راضٍ عنّا وأن يُبشّر أرواحنا بـ:
وأن يعطينا كُتبنا بأيماننا، وأن يثبّتنا على الصراط، وأن ترجح موازين حسناتنا، وأن نرى نبيّنا ونُرافقه وأن نَرِد حوضه، وأن نستظلّ بظلّ لواء الحمد، هذا الوعد الأعظم الأكبر الذي يُهمّنا، ونسأل الله أن يحقّقه لنا.
ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تُخزنا يوم القيامة، فشمِّروا وجُدوا واصْدقوا وتأثّروا بِوَحْي ربّكم واشْتغلوا بمعانيه؛ يرقِّيكم الله في مراقِي القرب منه، والفهم عنه والرضوان الأكبر، اللّهمّ لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا فضلًا وإحسانا برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
11 جمادى الأول 1443