(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34))
الحمد لله، مُكرِمنا بأنوار تَنزيله، على قلب رسوله، خاتم أنبيائه، خير مُعربٍ عن أحكامِه وأنبائه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم على من يَسَّرتَ بِلسانه القُرآن، وأكرمتنا على يده بالتوضيحِ والبيان، وعلى آله المُطَهرين عن الأدران، وأصحابه الغُرِّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسان، وعلى آبائِه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رَفَعتَ لهم القدرَ والمنزِلةَ والشأن، وعلى آلهم وصَحبِهم وأتباعهم والمَلائِكة المُقَرَّبين، وجَميعِ عِبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31))
فإنَّنا في نِعمَة تَأمُّلنا لِكَلام ربنا -جلّ جلاله- وتَدبُّرنا لتعاليمه وإرشاداته وخِطاباته وتَوجيهاته وبَياناته وأوامرِه ونواهيه، مررنا على قوله جلّ جلاله وتعالى في علاه: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)).
يُبيِّن الحق- تبارك وتعالى- لنا:
وبذلك إنّما يأتي مُخالفةُ أمر العادةِ الكونيةِ بأمر المُكوِّن جلّ جلاله:
فَخوارق العادات لاتتجاوز هذه الأنواع:
لا شيء غير ذلك في هذه الخوارق. وخَوارقُ العادات أعظمها ما كان للأنبياء إثباتاً لِنبوتِهم وصِدقهم واصطفاء الحقِ لَهم، بإرسالهم ليؤمنَ قَومهم أو لِتَقومَ الحُجةُ على أقوامِهم وأُمَمِهم، فيجعلُ الله لهم معجزاتٍ تَدل على صِدقهم.
ومن جُملَةِ ذلك ما حَصَلَ لِبعضِ الأنبياء من:
عَلِمنا ذلك، يَقولُ الحق -تبارك وتعالى- لو جَعلنا في سُنَتِنا أن ما نُنزِلُ من القُرآن أي الكُتُب المُنزَلة من عِندنا والوحي على الأنبياء تَنخَرِق به العادات بهذا الشكل، لكان القرآن الذي نَزل على خاتَمِهم وسَيدِهم أولى بذلك:
ولكن كان بُروزُ أمثالِ هذه المُعجزات على أيدي الأنبياء بأمر الله لا بِسُنَته، في أن الوحي الذي نَزَلَ عليهم يفعل هذه الأشياء، ويَحملُ أيضاً معنى آخر؛ لأن الجوابَ أُبهِمَ في الآية: (وَلَوْ أَنَّ) ما الذي يَحصل؟ وأين الجواب؟
إذاً فالإيمانُ مِنَّةٌ ونِعمةٌ ومِنحةٌ ورَحمةٌ وفَضلٌ وإحسانٌ من الله يَمنُّ به على من يَشاء -اللهم اهدنا للإيمان وزِدنا من الإيمان يا أرحم الراحمين-، مع أنه فيما آتى الله خَلقَهُ المُكَلَّفين من سَمعٍ وبَصرٍ، وجَعَل الآيات في الأكوان والمُعجزات على أيدي المُرسَلين؛ كافٍ لأن يَهدي الجميع به، لأن يَهتدي به الجميع، وأن يُرسل للجَميع ولكن لا يُؤمنُ الجَميع ولا يَهتَدي الجميع، و(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]؛ فأعلى النِعم نِعمة الإيمان.
اللهم حَقِقنا بها وزِدنا منها، اللهم كما أنعمتَ علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعَمتَ علينا بالإيمان فَزِدنا منه، و كما أنعمتَ علينا بالعافية فزدنا منها ،وكما أنعمتَ علينا بالعمرِ فبارك لنا فيه يا الله.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا..(31)) وكان أيضاً من أسبابِ نُزولِ الآية؛ ما جاءَ أن بعضَ مُشركي قريش دَعوا النبي ﷺ وجاء إليهم وهم في الحِجر، وقالوا إن كنت تُريدنا أن نؤمن بك:
فأنزل الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ)؛ لكان هذا القُرآنُ أولى بذلك، ولكن ليس هذا مُقتَضى حِكمة الله تعالى في إنزالِ المعجزاتِ وأعطيناكَ من المُعجزاتِ ما يَكفي، ولو كان مثل ذلك لم يُؤمن هؤلاء الذين سَبَقت عليهم الشقاوة -والعياذ بالله تعالى-، فالآياتُ بارزةٌ وواضحةٌ وظاهرةٌ في الوجودِ، لأن يُؤمن كل عاقل على ظَهر الأرض، ويَكفيه ما يُقيمه مَقامَ التصديق الجازم بصدقِ الأنبياء والمُرسَلين وخاتمهم محمد ﷺ، وأن لا إلٰه إلا الله.
ولكن انظر إلى أحوال الناس:
الأرض ملآنة بأمثال هؤلاء، ومع ذلك كلها وما بينها وبين السماء حُجَجٌ على صِدق مُحمد ﷺ وما جاء به عن الله -جلّ جلاله- ولكن (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، "ومن يَهدِ الله فلا مُضلَ له ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ".
الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان. اللهم زدنا منهما وثبتنا عليهما يا ارحم الراحمين، وارفعنا إلى مراتب الإحسان وارزقنا المعرفة الخاصة والمحبة الخالِصة، يا واسع الامتنان يا قديم الإحسان، يا كريم يا منان يا رحيم يا رحمٰن، يا الله.
والكُتبُ المُنَزَّلة أيضاً قد تُسمَّى قُرآناً وإن كان انطَلقَ في الاصطلاح على الوحي المُنزل على سيدنا محمد، وكلُ كتابٍ أُنزِلَ على الأنبياء السابقين يُسمَّى قُرآناً..
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ..(31)) يَهدي من يَشاء ويُضل من يشاء:
فَيُحدث غَرائب على أيدي الكافرين، كما يُحدِث على يَد الدجال:
وحتى ما يُبهِرُ بعض العقول عندنا من غَرائِب المصنوعات في عُصورنا وأزمِنتنا:
ويكون من الاستدراج أيضاً:
وهذا الذي يَحصل على أيدي كذلك بعض الكُفار، قد يكون استدراجًا لمن بَطَرَ منهم بذلك، ولمن تمادى في كُفره بسبب ذلك.
ولكن من أنصفَ منهم أو من غيرهم عَلِم بحدوثِ هذه الأشياء عَظَمة المُلهم والمُعَلِّم والمُرشد الذي أَخرَجَنا من بطون أُمهاتِنا لا نعلم شيئاً وجَعَل لنا السمع والأبصار، سَخَّرَ لنا هذا الكَونَ وما فيه، تَسخيرا -جلَّ جلاله-، فَحَدَثَت هذه الأشياء بإلهامٍ مِنهُ، وبما خَلَقَ لنا من قُدرة وما خَلَقَ لنا من مادة، ولَيسَ أحدٌ صغير ولا كبير يُحدِثُ شَيئاً، يخلق شيئاً من دون القُدرة التي أمَده الله، ومن دون المادة التي خَلقها الله؛ هذا مستحيل، كيف يكون؟!.
ولو فَرضنا جَدلًا وقُلنا سنكتفي بما أعطانا من سَمع وبَصر وقُدرة وحَرَكَة وفِكِر، وهو كُلَّه مَخلوق لله، لكن سننسب هذا لك وسننسى نسبته الى الله، وسنقول لك بهذا الذي عندك: اصنع شيئاً من دون أن تَمَس المَواد التي خَلَقها هو- الثانية الأخرى- هيا! .. هيا اصنع! ماذا يعمل؟ ماذا يعمل؟ سيبحث عن خلق ربه ويضع هذا عند هذا، والكُل من واحد، الكل من فوق، من واحد، فماذا عملوا؟! وماذا صنعوا؟! -لا إلٰه إلا الله-..
ما هي إلا استعمالٌ لما خَلَقَ الله؛ من عَقلٍ ومن فِكرٍ ومن بَصَرٍ ومن مادةٍ، بخصائص الله رتَّبها في تلك المواد وأبرزها وأوجدها على يد هذا وعلى يد هذا -فسبحان الله العلي العظيم، جلّ جلاله-..
قال سبحانه وتعالى: (بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) -يَعلموا ويوقِنوا- (أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) من غير شَك؛ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [يونس:100]؛ إذاً فاشكُرهُ أن هَداكَ للإيمان؛ (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
أيها المؤمن؛ عندك كَنزٌ يَفوقُ صِناعَةَ الصانِعين واختراع المُخترعين وطلوعَ الطالِعينَ إلى قمرٍ أو مَريخ، وهو إيمانٌ بِخالق القَمر والمَريخ وخالقِ السماوات والأرض، يَنفَعك في البَرزخ ويوم العَرض وإلى الأبد، فَوَعِزَّةَ الذي خَلَقَ عِندكَ أعز مما عِندَهُم وأَشرَف وأَكبَر.
أيها المؤمن؛ عَظِّم كَنزَ الإيمان، فإنه لا نَظيرَ له؛ سواء في طائرات ولا في زِراعات ولا في طَبقات الأرض ولا في طَبقات الجو، لا نَظيرَ له، وإنه (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) [التكوير:1-12]، ينفع هذا الإيمان دون بَقية الأشياء هذه كلها. فعندك الأعظم وعندك الأكبر من كل ما عند أهل الحضارات فحافِظ عليه وزِد إيمانا، فهذا أغلى مَوهوبات الله لك في الحياة.
أغلى ما تَكسِبهُ في حياتك:
هذا أسنى ما تَكسبهُ في الحياة وأجَل وأجمل وأفضل وأغلى وأدوم وأبقى ما تتحصَّل عليه في الحياة الدنيا هذه؛ الإيمان والمعرفة والمحبة والقُرب من الحق -جلّ جلاله- اللهم أكرمنا بالحظ الوافر والنصيب الكامِل من هذه الخيرات وزدنا منها.
(لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)، ولكن يَهدي من يَشاء ويُضلُّ من يَشاء، وأحوالُ الناسِ على ظَهر الأرض، كيف يَحيون وكيف يَعيشون؟ (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)):
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) ساعة تأتي لهم القَوارع على أيدي قواتهم ومُخابراتهم، مشكلة مع الدولة الفلانية والدولة الفلانية؛ سيعملون كذا وكذا، يَصِل على يد أتباعهم قارعة تأتي لرأسه هذا قائدهم الكبير، ماذا تقولون؟ حصل هكذا؟! مرحبا سأفكر، قارعة، كل ساعة قارعة..
لكن الكُفار ماذا يستفيدون من هذا؟ لا يستفيدون إلا خيبة وقَلَقَ في الدنيا وتَنغيص لِعَيشِهم قبل العذاب الأشد المُقبِل عليهم.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ)، في عالَم الدنيا بِنَصرِأهلِ الحق والهُدى، ووَعدُ الله بموتِ أحدِهم أو بمجيء الساعة لجميعهم أو نُزول عذاب عامٍ عليهم، (حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) وهكذا.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ)؛ أخرجوا النبي ﷺ من مكة المكرمة، فمن حين ما أخرجوه ﷺ، كم تَوالت عَليهم قَوارع:
وبعد ذلك جاءَ فَتح مكة؛ واحد من مواعيد الله تعالى -جلّ جلاله- وانتهوا؛ (حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ).
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ…(31))، كان من أوآخر القَوارع؛ لما خانوا العَهد وقاموا مع بَني بَكر على خُزاعة، في عَهدِ النبي ﷺ، خُزاعة وهؤلاء بنوبكرٍ في حِلف قُريش وساعدوهم سِرّاً في الليل، وقَتَّلوا جماعة من خُزاعة المؤمنين، ثم فَزعوا أن يَصل الخبر للنبي محمد، صارت قارِعة عليهم، فأرسلوا أباسفيان، يقول له: يا محمد، إننا نُحِب أن نَزيدَ في المُدة ونُجَدد العَهد، حتى إذا بَلغهُ الخَبر، وقد جَدد بَعده ماتَمَكن عليهم، وما قدر منهم أَن يُفاجأهم بشيء ولا أن يُقاتلهم؛ لأنه جاء تَجديد بعد وقوع الحادثة، فَمهما عَلِم بها بَعد، لا يقدر، ويَعلمون أنه لا يَخونهم، لايخون العهد ولا يَنقُض، إن هم إلا ناقِضين العُهود.
بعد ذلك، قال هل من حَدَث؟ قال:لا لا لا، فقط نُحب تَجديِد العُهود، قال إننا على عَهدنا ومُدتنا، نَحنُ على العَهد والمُدة هذه لا نُحب نُزَيّد مُدة، ولا نُجَدد عَهد ولا شيء..
قال له: أنت سيد قُريش إذهب أَجِر بين الناس، قُل: إني أَجرتُ بين الناس، قال تَراه يُغني عَني؟!، قال: ما أَراه يُغني عَنك ولكن ما معك غير هذا،لا أجد لك غير هذا، قال: أيها الناس إني أَجرتُ بين الناس.
ورَجع إلى مكة وهؤلاء في قارعة، قريش في قارعة، هاه ما الخبر وَراءك ؟ هل جَددت العهد معهم؟ قال كَلمته قال لي: كذا، ورَجَعت إلى أبو بكر قال :كذا، وإلى عمر قال لي: كذا، وجِئتُ إلى أشد القوم علينا، وجِئت إلى علي، بعد ما أَجَرت هذا، قالوا: هل أجازَ محمد إجارتك هذه؟ قال: لا، قالوا: ما زاد ابن أبي طالب على أن لعب بك، ماذا تنفعنا إجارَتُك هذه؟! أنت أَجرت الناس، هل محمد قَبِل هذا منك؟ قال: لا، قالوا: انتهى ماعاد إلا لعب عليك -سيدنا علي-.
قالوا: لعب عليك، ما جِئتَ لنا بفائدة. فصاروا في قارعة، إلى أن وَصَلَ النبي بالجَيش، ورَأوا نيران؛ عَشرةَ ألف نار موقدة، ويَنظُرون!ما هذا؟! إنه جَيشٌ كالليل يَسيلُ كالسيل، ما هذه إلا نيران عَرَفة، أنه موسم حج، هذا الناس اجتمعوا يعني من كَثرَتِهم، قال: ودَخَل سيدنا محمد ﷺ إلى مكة في اليوم الثاني ﷺ.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)):
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))
قال الله لسيدنا: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ) ونَنتَظِر، والحَقُ الذي لا نَشُكُ فيه مَعَنا، وعلى بَينَةٍ من رَبِنا فيما خَلَّفَ لنا رَسوله!، هل يَضُرُنا أن أُناسًا يَستَخِفون أويَستَهزِئون أويُكذِبون أويُعاندون؟!، هل نَنتَظِر أن لا يكون ذلك، وقد استُهزئ بالرُسل من قَبل؟! لما قيل لبعض الأولياء والصالحين، يقولون عنك أنك ساحر،سَجَدت شُكر لله، قال له: ماذا بك؟! قال: إنه يُشَبهني بأحد أنبياءه، أنا أسجد شُكر لله، وكان الناس يَقولون للأنبياء كذلك، وأنا الآن قالوا لي مِثلما قالوا للأنبياء -الحمد لله-هذا مَسلَك الأنبياء؛ سَجَد شُكراً لله تعالى.
من نَنتَظر؟! ونحن عَلِمنا أن: (لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ..(31))، وَلكنها سَوابق يَهدي هذا ويُضل هذا، هذا مُرادهُ في الوجود ولا يكون غير ما أراد، فَنَحمَده على ما هدانا من الإسلام والإيمان، و نَسأله الثبات على ذلك، وأن نَلقاه عليه وأن يَجعَل مآلنا الجنة، وهو الذي يُسَيِّرنا ويُسَيِّر هؤلاء كلهم، وما في مُلك غيره، على الحقيقة -جلّ جلاله وتعالى في علاه-
قال: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ..(32))، (فَأَمْلَيْتُ)، أعطيتهم فُسحة ومدة، كم استَهزأوا بنوح؟ وتَرَكتهم ليلة، لَيلَتين، ثَلاثةَ، أربعةَ، خَمس، مِئة ليلة، مِئتين ليلة، سنة، سنتين، ثَلاثةَ، أربعةَ، خَمسة، عَشرَ سِنين، عِشرين سنة، ثلاثين، مِئةَ سَنة، مِئَتين سَنة؛ (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)، وهل يَنفَعهُم هذا الإملاء؟ جَلسوا سِنين يَستَهزِئون بالنبي نوح ويَضرِبونه ويَتَكلمون عليه، وهل نفَعهُم؟.
والمُستَهزِئين الآن بالدين أو بالصالحين في زَمانِنا، هل يَنفَعهُم هذا الإستِهزاء؟ يُملى لهم سنة ،سنتين، ثلاثة، أربعة، قال: أكثر، ثم ماذا؟ والله لن تَكون العاقِبة إلا عِزةُ المُؤمنين والصادِقين، وذِلَة الكافرين والفاسِقين، وتسعمائة وخَمسين سَنة سيدنا نوح صابرا على قومه ويَستَهزئون به، ثم ماذا بعد ذلك؟ (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26]؛ وانتهوا، (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ).
يقول الله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))، كيفَ كانَ عِقابي لهم، ومُجازاتي إياهم؟ أُنظر ماذا فعلنا بمن قَبلكم؟ انظروا!! وهذه سُنَتنا، والذين في زَمانكم كذلك، هل هناك شيء آخر؟! هل هناك سُنة أخرى ستأتي؟ هذه سُنة واحدة لله الواحد الخالِق.
تفسير قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))
(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، خَلَق كُل نَفس وهو أعلم بها ومُحيط بها، أهذا يُشرَك به؟! أيُكفَر به؟ يُتَخَذ آلهة من دونه؟
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يُجحَد به؟! يُكَذَّب؟ يُتَخَذ إلٰه دونه؟! -أعوذ بالله-.
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ)، كيف يكون له شَريك؟! لم يَخلُق ولم يَرزُق ولم يُحط علماً بالأشياء! كيف؟! (لَا شَرِيكَ لَهُ) [الأنعام:163]:
(قُلْ سَمُّوهُمْ) ما يُسمونه؟! ما هو هذا؟ تَدَّعون له الألوهية! ما هو هذا؟ اختراعاتكم يُناقِض بَعضها بعضًا من وقت إلى وقت، هل هذه آلهة هذه؟! هي خالقة شيء هذه؟ هل هي مالِكة نَواصي الدواب هذه؟ من مالك نَواصي الدواب؟ من الذي خَلق كُل نَفس وأحاط بها؟ لا أحد غَيره هذا الإله.
(قُلْ سَمُّوهُمْ)، يعني لا يستحقون أن يُذكَروا، ليس لهم أسماء، وإن سَميت ما سَميت ماذا يَنفَع؟ سمِّه؛ ولو كان هذا الأبيض سمّيته أصفر سمّيتهُ أسود سميتهُ أزرق سَمه، هو أبيض أبيض إسمك لا ينفع. قولوا: آلهة؛ ما غَيرتُم شيء، مَخلوقات وكائِنات، فوقها مُقَدر مُدَبر خالق كل شيء، لا شيء يَتَغير في الوجود؛ فالحق- لا إلٰه إلا الله-، هذا هو الحقُ الصريح الصِّرف الواضح -لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله-.
(قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ…(33))، أو أنتم ستخبرونه عن آلهه هو ما عَلِمها، سُبحانه الخالق الذي خَلق مُحيط بكل شيء، هو لا يدري؟!! أنتم ستعلمونه، ستقولون له: اذهب ابحث هل في إلٰه غَيرَك؟! أيُعقَل هذا؟
(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) مُجَرد كَلام فقط، ما له حقيقة، ما له واقع، ماذا يفيد؟ ماذا يفيد؟
القول: (بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ)، ما ينفع شيء، كأكثر ما يَدور بينهم الآن: (بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ)، لا يُغَيِّر من الحقيقة شيء. الحقيقة هي الحقيقة، الحقيقة: لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله؛ هذه الحقيقة يَنطِق بها كُل كائِن بِمعناه وإن جَحد بظاهره الإنس والجن، غير الإنس والجن، لا أحد جاحد غير الكفار من الإنس والجن، لا أحد جاحد، الشجر الحجر السماء الأرض؛ كلها ناطقة بتوحيد ربها وشاهِدة بِعَظمته جلّ جلاله:
يقول: (قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ)، مَكرُهم بأنفُسهم ومَكرُهم على من سِواهم، فهم يَمكُرون، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ) [الأنعام:123]:
فقامت سياساتُهم على المَكر، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ)؛ ولذا تَقوم كَثير من أنظِمَتهُم وسِياساتهم على المَكر، ويَفرَحون ويَظنون أنَفسهم أنهم نَجَحوا أو رَبِحوا؛ وما نَجَحوا ولا رَبِحوا:
يقول الله لنبيه صلى الله وسلم عليه وعلى آله؛ فيما يُحاول المُشرِكون من حوله أن يُنزِلوه به، أو أن يُوصِلوه إليه، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ) -لا إلٰه إلا الله-، هم يَضُرون أنفسهم يقول-جل جلاله وتعالى في علاه- (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113]، ونحن أتباعه هذا، أتباعه فتسري لنا عِنايةُ الله بالمَتبوع. فثبِّتنا اللهم على اتباعهِ وعلى دربه واجعلنا من أنصاره حَقيقة.
ومن كان كذلك:
ارزقنا حُسنَ اتِّباعه يا رب.
(وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، في قِرآءة وفي قِرآءة: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، (وَصُدُّوا)؛ والكُل واقع بهم، هُم صُدوا عن السبيل -والعياذ بالله تعالى- بِتَغليبِهم أهواءهُم وشَهواتهم على الحق الصريح، وَصَدَّوا غيرهم بِكَذبهم وافترائهم ودعوتهم إلى الفساد.
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))، رب إِنَّ الهُدى هُدَاكُ وَآيَاتُكَ نُورٌ تَهَدِي بِهَا مَن تَشَاءُ. اللَّهُمَّ اهدِنا فِي مَنَ هَدَيْتٍ. يقول ربنا في الحديث القدسي "يا عبادي؛ كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة:6-7].
تفسير قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34))
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))؛ الخُلاصة لأحوال وشؤون الكُفار على ظهر الأرض في أي زمن كانوا؛ زَمننا وقبل زمننا وبعد زمننا:
(لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))؛ لا أحد يَقيهم ولا يَحرُسهم من الله تعالى، (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ ) [الأنبياء:42] من؟
يقول الحق- جلّ جلاله- هل لهم آلهة تَمنَعهم من دون الله؟! الله أكبر! لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم) -يَحميكُم ويَحرُسكم- (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) ، (وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ)، ما نَصحَبهُم بِلُطف ولا بِتَأييد ولا بِحِفظ ولا بِوِقاية؛ (بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الأنبياء:42-44]؛ (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة:21]، (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:56].
فيجب على أهل الصدق في شَرقِ الأرض وغربها أن:
وإذا طَلبوه من الله:
ويقول آخر من يَقتُلهم الدجال -الفِتنة الكبيرة- أكبر الفِتن بين بِعثة نَبينا إلى أن تقومَ الساعة، فِتنة الدجال ومع ذلك تَتَلاشى فِتنَتهُ، وآخر من يقتلهم الدجال، هو من أكبر الشُهداء عند الله تبارك وتعالى، ويقول قبل أن يَقتله: "أثبتوا فإنه لن يُسَلَّط على أحدٍ بَعدي"، ويَشقه نِصفين ويَمشي بنصفيه ويَرُده ويُحييه الله تعالى استدراجاً له، عَلمت أني أَمَتَّك؟! وعلمت أني رَبُك؟! أنت الأعور الخَبيث الدجال الذي حَدَثنا عنك رسول الله، والله ما ازددتُ فيك إلا بَصيرة -إيماني زاد- الله أكبر!.
أرأيت هذا الثابت؟! فَيُريد أن يَقتُله فلا يُسَلَّط عليه -لا يقدر- الأمر لواحد، وهذا اشارة وعلامة له أن أيامه انتهت، أيام لعبك انتهت.
ويقول: أنا ربكم، يُنَزِل مطر وينبت شجر، ويقول لأهل القبور: قوموا؛ يقوم جن؛ جن من أتباعه يظهرون للناس على صور الموتى، حتى يظن أن هذا خاله، هذا عمه، هذا جده وهو لا خاله ولا عمه ولا جده، ويقولون لهم: نعم هذا هو ربكم هذا إلهكم، وكل هذا انتهى و يتضاءل كما يذوب الملح في الماء ويقتله، وانتهى الدجال.
أيها المؤمنون لا غاية لمن لم يَصدُق مع الله، لا تَغُرُّكم آلاته، لا تَغُركم قُواته، لا تغركم قُدراته، لا يغرُّكم إملاء الحق له سنين، لا تغتروا بشيء من هذا؛ القوي واحد هو الله، إلتجئوا إليه واصدقوا معه، وستنكشف الحقيقة لجميع:
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]، (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))؛ لا أحد يَقيهم.
ثم ذَكَر لنا مَثَلُ الجنة -جَعلنا الله من أهلها- وَرَزَقَنا حُسنَ المُتابعة لأول من يَدخُلها، وأدخَلنا في زُمرته مع أوائل الداخِلين، اللهم آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
خوَّفوهم بمن دونك ويخوفونهم بأشياء وأنت المُرتجى والمَلجأ إليك والثقة بك والإعتماد عليك، نسألك أن تَكفينا البلايا والرزايا في الظواهر والخفايا وأن تُحَول أحوالنا والمسلمين إلى أحسن الأحوال، يا محول الأحوال، وأن تكفينا شر أهل الضلال وفعل الجهال وترزقنا الاقتداء بنبيك محمد في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
06 ربيع الثاني 1443