(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)))
الحمد لله مُكرِمُنا بالقرآن والتنزيل، والبيان على لسَان رسوله الهادي والدليل، اللهم أدِم صلواتك على المصطفى محمد وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من تبعهم بإحسَان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات المُقرَّبين الأعيان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين وجميع عبادك الصالحين ذوي العرفان، وعلينا معهم وفيهم برحمتك ياأرحم الراحمين يا كريم يا منان.
أما بعدُ..
تفسير قوله تعالى: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))
فإنَّنا في تأمُّلنا لِكلام إلهنا الخالق -جّل جّلاله وتعالى في علاه- وما بيَّن لنا على لسَان خيرِ الخلائق وما هدانا وما أرشدنا وما وضَّح لنا وما أنبأنا وما أخبرنا وما علَّمنا -سبحانه وتعالى-، مرَرْنَا على قوله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))، كذلك كما أرسلنا إلى الأُمم من قبلك مرسلين (أَرْسَلْنَاكَ)، كذلك كما أننا نهدي من نشاء ونُضِلُّ من نشاء، فقد جعلنا أسباب الهداية؛ الإرسال والبيان على أيدي المرسلين والتعليم، فأرسلناك، (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ) نحن أمته ﷺ، اللهم اجعلنا من خيار أمته.
(كذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ)، خلَت: مضت وسارت وانتهت وانقضت، (مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ) ما أكثرهم من أُمَم، أُمَم كثيرون.. كثيرون، فيهم أصناف أهل الاتجاهات والأفكار والكلمات، وأنواع ما قابلوا به الأنبياء والمرسلين من زُخرفهم وخُرافاتهم وضلالهم وأهوائهم ومعانداتهم وغطرستهم (أُمَمٌ)؛ (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [الفرقان:38]، (وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) [الفرقان:30].
وما نحن إلا آخر الأُمَم، وآخر الأُمَم هذا، يدلنا على أن:
فالأكثر قد مضى من عمر الأرض وعمر البشر على ظهر الأرض وبقي القليل، فمئات السنين هذه التي بعد نبينا إلى أن تقوم الساعة؛ قليلة جدا بالنسبة لما مضى من مئات وألوف السنين الماضية في الأُمَم؛ من عهد آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا محمد ﷺ بارك عليه وعلى آدم.
تلكم الأُمَم فيها المُعاندون والكافرون والمُغترَّون والأقوياء والصُنَّاع والمُحترفون والمُفكِّرون، ووو..، لا يوجد اليوم في الأُمَّة في شرق أو في غرب؛ صاحب اتجاه وفكر إلا وله نظير وله مثيل في الأُمَم السابقة، قد مضى وكلهم انتهوا، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات:171-173].
مئات السنين التي بيننا وبين نبينا -عليه الصلاة والسلام- في هذه الأُمَم نفسها التي هي آخر الأُمَم، كم حصل فيها؟ من حركات واتجاهات وأفكار ومبادئ وتصورات:
كم طرأ مثل هذا؟
فإنما كان مجال الكافرين بكفرهم وعتوِّهم وطغيانهم والمُنحرفين من المسلمين، كذلك وقد وصِفوا في الأحاديث:
فجاء المنكرون للسنة وفيهم:
فكانوا هم علامة صدقه بإنكارهم هذا وتجرئهم هذا؛ علامة وشاهد ودليل وآية أنه صادق؛ فكل الذي يجري هذا وكل ما حدث، حدث كبير في العالم؛ وجدنا فيه كلام إشارة إليه، فكأن الوجود بما فيه آيات تدل على صدق حبيب الملك المعبود، فكل شيء يشهد له ﷺ وبارك عليه وعلى أهله وأصحابه.
ومع ذلك هذا في هذه الأمة، بل إذا أنصف العاقل وتأمل، ليس فقط في هذه الأمة، في عمره فقط إذا قد بلغ الخمسين أو الستين، تأمل كم مضت من طوائف واتجاهات وأفكار! وقامت على ذلك شدة وجد وحركات وحروب وكيف تلاشت واضمحلَّت، وخبر النبى قوي وقائم ومحبته تقوى وتنتشر، ما المعنى؟
الأفكار المختلفة يتبيَّن خطأها ويتبيَّن مجانبتها للفائدة وللصواب للواقع ويسب أصحابها وأتباعها من قبلهم، لكن النبى وما بُعث به يتجدد التصديق به والتعظيم له ﷺ:
ما هذا النجاح هذا الذي هو فيه؟ ماهذه القوة التي آتاه الله؟ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف:9].
هذا في عمر الواحد -القصير- منّا، يشاهد هذه الأشياء عجائب آيات، فكيف بالأمم من قبلها أمم؟!
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) فالمهمَّة الكبرى لسيدنا رسول الله واختيار الله له واصطفائه وختمه به الأنبياء والرسالة؛ أن يتلو علينا آيات الله؛ فسعادتنا الكبرى وخيرنا الأكبر وفوزنا الأعظم، أن نُصغِي لهذه الآيات ونتأمَّلها ونعمل بمُقتضاها.
(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) والحال أنهم مع هذه النعمة التي آتيناهم والخير الذي هيأنا لهم، لا يزال فيهم معرضون ومُدبِرون:
(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ) في هذه المعمعات التي يعيش فيها المشركون ومن شابههم من الناس:
(هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، فيُستعبَد أنواع الكفار والظالمين لأنفسهم من المسلمين لغير الله تعالى؛ ولكن المبدأ يُحرِّر من هذا الانحدار والانحطاط:
(قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))؛ مرجعي، فأنا في الدنيا:
ومرجعي كُلي إليه بالخروج من هذه الحياة الدنيا ووقوفي بين يديه، ولا يكون فيَّ ولا فيكم إلا حُكمهُ وحده، هذا من معاني قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [يوسف:40] جلَّ جلاله.
فكل من تَوقع شريكاً في الحُكم فهو في وَهم، ولأنّ مرجِع الأولين والآخرين إلى جَبّار يَحكُم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، والكل يخضع لحُكمه؛ مؤسسات، هيئات، حكومات، شعوب، دول، صغار، كبار، ملوك، مملوكين؛ من أولها إلى آخرها؛ حُكم واحد فوق الكل، ولا أحد يقدر يرفع رأسه، ولا أحد يقدر يُخالف هذا الحُكم (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه ..(41)) جلّ جلاله، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12]؛ الحُكم حُكمك والأمر أمرك، كنا نكذب على نفسنا ونكذب على الناس، تبنا، إرجعنا للدنيا، اختبرنا مرة ثانية، ما في رجعة، فات الاوان، (هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))، ومرجِع الكُل إليه.
تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31))
يقول تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا)، شيئًا من الكلام المُنزل من السماء (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ)، هُدمت ونُحيت وأُبعِدت (أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ)، قطع، قطع لتكون مزارع وبساتين، (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ):
لو جعلنا هذا لشيء من الكتب المُنزلة، فما كان الذين كفروا ليؤمنوا، لو حصل كُل هذا، فماذا يقول لك أهل مكة: يا محمد أنت تدَّعي أنك رسول الله، وقبلك أعطى الأنبياء معجزات -وأنت الآن-، نريد نحن هذه الجبال تبتعد من مكة؛ لكي تتسع لنا أماكننا -توسِّعها لنا-، وتقطّع لنا الأرض قطع قطع مسافة أميال طويلة عريضة، لكي نعمل فيها مزارع وبساتين، وتُبعث علينا أباءنا من قبل: قصي وفلان وكِلاب -كانوا حكماء- يأتون إلى عندنا يقولون: إنك أنت صادق، -نُكلِّم الموتى-.
يقول الحق تعالى: هذا لو فعلناه بهم ما آمنوا؛ (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الأنعام :111]، ثم خَيَّر الله نبيه قال:
قال: لا يا رب اتركهم، نحن تبع أهواءهم هذه، فهم يقطعون على أنفسهم الرحمة من أصلها؟! قال: "اتركهم يا رب يُؤمن من يُؤمن، ويُسلم من يُسلم، أتركهم في غيّهم هذا؛ إذا ما كفتهم الآيات الواضحة أمامهم". ويقول بعض أهل التفسير: يعني لو أن شيئا من الكتب المُنزلة قبلك فعلنا بها؛ لكان القرآن أولى بها. ولكن إذًا المعنى في الآية؛ لو فعلنا كل هذا بأولئك القوم ما آمنوا .
(بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا)، يقدر على ما شاء لكن لا يُجري شؤون تصريفه للكون بأهواء الغافلين والكفار والفاسقين، بل يجريها بحكمة تليق بعلمه -جلّ جلاله-، ويُرتِّبها هو من عنده، وليس كل من جاء قال: هاتوا لي آية! قل له: هل لعبة هي؟! إذا ما كفتك هذه الآيات، النار أمامك، هل ربك مسخرة؟! يُلغي حكمتهُ من أجل هواك وتصوُّرك؟!! قد أتاك ما يكفيك.
قال: (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ..(31)) أفلم يتبيَّن الذين آمنوا أن الله لو أراد هداية الكل لاهتدوا؟! أفلم يعلم و يوقِن الذين آمنوا: (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)، وفي لغة هوازن وبني مالك يستعملون كلمة (يَيْأَسِ) بمعنى: يعلم عِلمًا قطعيًا.
(أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) أفلم يوقنوا ويعلموا: (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)، ولكن الهداية لمن سبقت له السعادة "اللهمَّ اهدِنا فيمَن هدَيت"..
لكن ليس كل أحد يهتدي بالحق، وهكذا يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، اللهم اهدنا بِهداك.
يقول: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)، والحال أيضًا عندكم في الدنيا، هل من كفر وكذَّب الرسل استقرت له الأحوال والأوضاع؟ واستقر كما قد يوحون إليكم أحيانا كذبًا: أنّ عندهم طمأنينة وأمن وسكينة واستقرار، هل عندهم هذا في الواقع؟! فإذاً لماذا تاريخ هؤلاء الكفار الذين يعيشون معنا على ظهر الأرض، في السابق هم قادة الحروب، وهم الذين يحتلُّون الأراضي، فلو كانوا بمناهجهم في استقرار وأمن، لقعدوا في أماكنهم وكفوا الناس شرهم واكتفوا، وتركوا الناس كُلٌ في حاله. ولكن تدخَّلوا في سياسة الناس وفي اجتماعيات الناس وفي قوانين الناس وفي أديان الناس، وكانوا قادة الحروب على مدى قرون.
وفي الفترة الأخيرة اختفوا من وراء السِتار وحاولوا أن يُبعدوا كثيرًا من ظاهر الحروب بينهم، وإن كان الأمر لاتزال قلوبهم شتَّى؛ (تحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ) [الحشر:14]، ولكن حاولوا إبعاد ذلك في ظاهر الأمر واختفوا وراء الستارة؛ ليثيروا الحروب بين طوائف وشعوب، يُعدُّونها في نظرهم أنها ضعيفة أمامهم ومُستَعبَدة لهم ويضربون الناس بعضهم ببعض.
فأين إذاً الاستقرار عندهم؟ لو كانوا مُستقرِّين ما حاجتهم لهذا؟!
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) داهية بعد داهية، مُعضلة بعد معضلة، مشكلة بعد مشكلة، بليَّة بعد بليَّة، كل مرة يجيء لهم شيء.
قال تعالى: (أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ)، حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ الله:
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31))، على ذِكْر ما قالوا من جبال مكة وتسييرها -الفاكهي في أخبار مكة- أورد حديثين:
وجاء التخريب، وشُقَّتْ الأنفاق وسط الجبال، كم الأنفاق الآن في مكة؟ هذا يتكلم قبل كم؟
يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)) ينصر من يشاء ويعذب من يشاء، وتأتي الحسابات معكوسة على من يشاء في شؤونهم، ينبّه هذا بذا وهذا بذا، ويميت الكل ثم يجمع الكل للحساب، و(اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، و(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة:25].
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ)، قل للذين يستهزئون بالنبوة والرسالة والأولياء والصالحين والعلماء في الدين، هل أنتم أول من يستهزئ؟ مئات، ألوف، قرون من قبلكم استهزأوا وخسروا وهلكوا، وهم يُعذَّبون الآن في الآخرة، أنتم! ماذا معكم؟ ماذا سوف تعملون؟ ماذا تفعلون؟ هل تريدون طريقتهم هذه؟
هاتوا خبر عنهم، أين قوم النبي هود؟ أين قوم عاد؟ أين الذين قالوا من أشد مِنَّا قوَّة؟ ما خبرهم؟ ما الذي حصل لهم؟ أين قوم صالح؟ أين قوم نوح؟ ماذا حصل؟ أين فرعون وجماعته وهامان وقارون؟ (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا) [الفرقان:38].
(ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ)، قال سبحانه وتعالى: (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) [غافر:5]، كل أمَّة همّت بقتل رسولها، ماذا قال الله؟
يا ويل من لم يؤمن بالحق والهدى والبرهان الواضح البيِّن، فيما أرسل الله به الرسل وختمهم بمحمد ﷺ.
قال تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))، في هذه الأمة قد استهزئ برسول الله ﷺ، قد استهزئ بالصحابة، قد استهزئ بالتابعين، قد استهزئ بالعلماء، قد استهزئ بالأولياء، فإن أحد اليوم سوف يستهزئ بولي أو بعالم، قل له:
في الأزمنة الماضية وفي زماننا أين سيذهبون؟
وهي سُنة واحدة يمشي فيها الناس، فالله يوقظ القلوب والعقول.
يقول تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))، انظروا عقابي كيف كان؟ إلى ماذا انتهى؟ وإلى أين وصلوا؟ وما غايتهم؟
تفسير قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))
(فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، يقول الله: في عظمتي وعُلوِّي وحكمتي في خلق هذا الوجود بهذه الصورة؛ أأترك النفوس هذه التي أعطيتها العقل وأعطيتها الأسماع والأبصار، تلعب كما شاءت وتذهب؟
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، أين الرقيب فوق هذه النفوس كلها، صغيرها وكبيرها؟ يقول الحق -جلَّ جلاله- الذي خلق: و(هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) والمرجع إليه، هو أحق أن يُعبد أم غيره؟ هو أحق أن يُخاف أم غيره؟
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ)، ما اسماء الشركاء هؤلاء الذين مع الله؟ هذا الله خالق كل شيء اسمه الله، ما اسم الشركاء معه؟ بماذا سيُجيب؟ سوف يُجيء بإسم مخلوق! قل هذا لا يستحق العبادة، يقول لك شمس! يقول لك قمر! يقول لك لات! يقول لك عُزَّى! يقول لك نار! ماذا تقول؟ ما هو هذا؟ بماذا يستحق العبادة هذا؟ من أين جاء؟ (قُلْ سَمُّوهُمْ)، اذكروا ليَّ أسمائهم، من هم هؤلاء؟ علامة القهر عليهم والقصور فيهم واضحة أمام أعينكم، هل هم هؤلاء آلهة؟ هل هؤلاء يصْلِحون أن يكونوا آلهة؟ الناس يقولون علم! ماذا تقصد بالعلم؟! علم إنسان مخلوق مثلك، هل هذا علم؟ يقول لك: هذا علم! أنت متناقض؛ في يوم تقول كذا، ويوم آخر تقول كذا. يا أخي سمِّ لي إله؟ هات لي الإله! قُل لي من؟ هات لي شريك مع الله؟ سمِّه لي، هات لي اسم؟ هيا تكلّم كلام منطقي! ليس له شريك، ليس له شريك جلَّ جلاله، ليس أحد له، هو الله لا إله غيره.
(قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ مْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ)، يقولون: نحن اكتشفنا شركاء معك، أنت لا تعلمهم ! هل ممكن هذا؟! (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ) -سبحانه وتعالى- (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ)، أم فقط هي عنجهية وظاهر من القول؟! مثل واحد يسمّي البول عطر؟! يا أخي تكلَّم كلام منطقي! يقول لك: هذا عطر! هو بول .. بول له رائحة كريهة، يقول: أقْبَل هذا الكلام؛ أن اسمه عطر! هذه الكلمة دعوى في غير محلها، الواقع ينفح بغير ما تقول ياهذا، وهم هكذا يقولون، فقط سمِّها هكذا!! يا ابن العقل، يا بن آدم تعال نتفاهم بالمنطق، بالعقل، بالحجة، بالحلم، بالفهم (قُلْ سَمُّوهُمْ)، (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) والأمر كذلك.
(بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))، ربِّ إن الهدى هُداك وآياتك نور تهدي بها من تشاء، فبعبدك الذي خاطبته بقولك: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى:52-53]؛ اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وإليه يرجع الأمر كله، فلا يُخزى فينا أحد يوم القيامة، ولا يُسْود مِنَّا وجه أحد يوم القيامة، ولا يُفضح مِنَّا أحد يوم القيامة ولا يدخل مِنَّا أحد النار يوم القيامة، ياالله؛ فإنه لا هادي إلا من هديت، "اللهمَّ اهدِنا فيمَن هدَيت، وعافِنا فيمَن عافيت"، وزدنا من فضلك ما أنت أهله ظاهرا وباطنا، في خير ولطف وعافية برحمتك يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
14 ربيع الأول 1443