تفسير سورة الحج -14- من قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ..} الآية 52 إلى 59
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الحج:
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) }
الإثنين 3 ذو القعدة 1447هـ
من أبرز ما جاء في الدرس:
- توضيح أن الله ينسخ وساوس الشيطان ويُحكم آياته في قلوب أهل الإيمان.
- أن وساوس الشيطان تكون فتنةً لأصحاب القلوب المريضة والقاسية.
- أثر العلم والإيمان في خضوع القلب للحق وانقياده للوحي.
- تحذير من بقاء الكافرين في الشك حتى تفجأهم الساعة أو العذاب.
- فضل الهجرة في سبيل الله، وأن من مات أو قُتل في سبيله فله رزق حسن ومدخل يرضاه.
نص الدرس:
الحمدُ لله، مُكرِمنا بِشَرف الوحي والتنزيل، وبيانه على لسانِ خير هادٍ وخير دليل، سيدنا محمدٍ صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه خير جيل، وعلى من والاهم واتبّعهم بإحسانٍ في النّية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآل كلٍّ منهم وأصحابهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلى الملائكة المقربّين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم؛ إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أمَّا بعدُ؛
فإننا في نعمةِ تلقّينا لمعاني كلام ربنا -جلَّ جلاله- وتعليماته وتنبيهاته، والبيانات التي بعَث بها خير بريّاته ﷺ، وصلنا في سورة الحج إلى قوله جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52))؛ وفي هذا يُبيِّن لنا الرحمن -جلَّ جلاله- فيمن أرسل قبل نبينا محمد من الأنبياء والمرسلين؛ من رسولٍ ونبي، وكلُّ رسولٍ فهو نبي، وليس كل نبي برسول على القول الأرجح الأصح بين العلماء؛
- والنبي؛ مَن نُبِّئ بوحيٍ من الله تعالى ليُجدِّد به شريعة مَن قبله، من دون أن يُلقى إليه كتاب ولا أن ينسخ شيئًا من أحكام مَن قبله، فهذا نبيٌ ليس برسول.
- ومن كان أُنزِل إليه وحيٌ من الله ينسخ شيئًا مما تقدم من نبي قبْله، أو أُنزِل عليه كتاب مخصوص فهذا رسول.
وجاء في حديثٍ أن النبيين مئة ألف وأربعة وعشرين ألف، وأن الرسل خمسة عشر وثلاثمائة من بين هؤلاء الأنبياء، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) وإنما يُرسَلون لهداية الخَلق، وتعليمهم شرع الله وحُكمه، وإنقاذهم من النار إلى الجنة، من الضلال إلى الهدى، من الباطل إلى الحق.
(إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ) وتَمَنِّي كل نبي وكل رسول؛ أن يؤمن جميع قومه، وأن يهتدي جميع قومه، وأن يخرج من الضلال جميع قومه إلى الهدى، وأن يُنقَذ جميع قومه من النار إلى الجنة؛ هذه أُمنِيَة كل نبي وكل رسول.
(إِذَا تَمَنَّىٰ) وقام بِحَق البلاغ والرسالة يهدي أمته بهمَّته وحُسُن بيانه.
(أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) يأتي يوسوس لقومه وأتباعه يقول: لا تُصدِّقوه، هذا بشر مثلكم، هذا يَصدُّكم عمّا كان يعبد آباؤكم، هذا يريد الفخر بينكم والتميُّز من عندكم، هذا وهذا..
(أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) فما يتمنّاه من هداية هذه القلوب، يُلقي الشيطان إلى القلوب وسوسة؛ لا تُصدِّقوه، هذا بشر مثلكم، (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) [المؤمنون:34]، (مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ) هذا يكْذب على الله تعالى، فلا يزال الشيطان يلقي وسوسته في قلوب أتباع هؤلاء الأنبياء، في قلوب أُمَم هؤلاء الأنبياء ليَصُدّهم عن الإيمان بأنبيائهم.
(إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) ولكنّ الله يهدي من يشاء، فمهما وسوَس لمن أراد له هداية، ينسخ الله كل وسوسة إبليس، يقول: ألا ترى إلى صِدقه؟ إلى أمانته؟ لأنه من خيارنا وما كَذَب فينا قبل ذلك، وإلى معجزته التي جاء بها (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ).
(مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) في قلوب الأمم من تكذيب الأنبياء بالنسبة لمن سبقت له السعادة والهداية، (يَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) فلا يستجيبون له، ولا يصدقون وسوسته وما يُطرح عليهم، ويَتبَعون الرسل ويوقنون أنهم جاءوا من عند الله بالحق والهدى.
(فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) في قلوب هؤلاء المؤمنين، فيتنوَّرون بنور الوحي ويهتدون بدلالة الرب -جلَّ جلاله-، ويقتدون بهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فيتهيّأون لجنّة الله التي قال عنها سبحانه وتعالى في كتابه: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) [الحديد:21]، جعلنا الله من خواصّهم آمين.
(فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) في قلوب هؤلاء الموفّقين من المؤمنين.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) سبحانه وتعالى أحاط عِلمه بكل شيء، ومنه وسوسة إبليس وما يدور في بالِ وأذهان وقلوب الأمم.
(حَكِيمٌ (52)) -سبحانه وتعالى- في هدايته من يشاء.
(لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ (53)) من هذه الوساوس والتكذيب بالرسل؛ يقولون: (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [ابراهيم:10]، ويقولون لسيدنا موسى وهارون: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) [يونس:78]، وذلك لكي تكونوا مميزين ومعظّمين من بيننا؟! وهكذا من طبيعة ابن آدم أن يقيس الناس في المقاصد على مثل مقاصده مهما سقطت وخبثت، فيظن الناس كلهم مثله، فهؤلاء يحبون الظهور والشهرة فيظنون الأنبياء يحبون مثلهم، ويقولون لهم أنتم تريدون أن تظهروا، سبحان الله!
(لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) ولم يريدوا أن يتعالجوا من المرض.
(وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) الصلبة الشديدة المُتمسِّكة بالفسق والمُعانَدة والتكبّر.
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) الذين يُكَذِّبون بالأنبياء والرسل (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) يعاندون ويتكلّفون ويُريدون أن يَردُّوا على الأنبياء بما لا حُجّة لهم فيه ولا دليل لهم عليه، سوى مُجرّد الغطرسة والعناد والمعاندة والمضادّة، وهكذا.
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (54)) مِنَ الذين أشرقَ نور الإيمان في قلوبهم.
(أَنَّهُ)؛ يعني الوحي الذي يُنزل على الأنبياء صلوات الله عليهم (أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ).
ومن العجيب قوله: (مِن رَبِّكَ) يخاطب النبي ﷺ! وكان سياق الآية أن يقول: من ربهم؛ ولكن خصَّ بربوبيته له في إشارة إلى نورانيّته التي عمَّت الأمم كلها ﷺ.
(أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه، (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) تَخضَع وتَخشَع وتَنقَاد قلوبُهم، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) -اللهم اهدنا فيمن هديت- (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) -جلَّ جلاله-.
(وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) [محمد:17]، فبذلك نعلم المعنى الواضح للآية الكريمة، ونُدرِك هنا أنَّ ما تتابع عليه كثير من المُفسرّين؛ من ذِكر قصَّةٍ متناقضةٍ مع القرآن، ومع مكانة النبي ﷺ ومنزلته، تواردوا على نقلها: أنَّه كان يقرأ يومًا سورة النَّجم ولمّا وصل عند قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ) [النجم:19-20] أن أدخَلَ الشيطان عليه شيئًا سواءً على لسانه ﷺ أو بلسان الشيطان أسمَعَ بمن حواليه يقول: تلك الغرانيق العُلى وإن شفاعتها لترتجى.. مِنَ الكلام الفارغ! لم يحصل مثل هذا، ولن يحصل مثل هذا؛
- هذا مُناقض للعصمة.
- مُناقض لسرِّ البلاغ.
- مُناقض لأمانة الأنبياء.
- مُناقض لحفظ الله لهم، وعنايته بهم.
وهو القائل سبحانه: (فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) صفوف من الملائكة حتى لا يَقرُب أحد مِنَ الشياطين ينقِّص حرف أو يزيد حرف (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ) [الجن:26-28]، وهو القائل عن هذا المصطفى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]، وهو القائل أنَّه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) هل أتى بكلام من عنده غير ما نوحي إليه؟! (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) -نهلكُه- (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة:44-47].
فلا يمكن أن يحصل مثل ذلك أصلًا؛ بل هو الأمين على الوحي، وعلى البلاغ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44]، (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) الله يقول؛ عليَّ قرآنه؛ أيّ: أن تَقرأُه حتى تُبَلّغَهُ على وجهه لأُمّتك عليّ، يقول الله هذا عليّ: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة:17-19].
يقول الله: عليّ، ما كلَّفتُك به من التّبيين لمعاني الكتاب لأمتك؛ عليّ أن أقوم بِكُل ذلك ويتم، وتمَّ كله بأمر الله تعالى وعنايته بهذا الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم.
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ (52)) وأمنِية كل النبيين إيمان قومهم حتى لا يفلُت منهم واحد (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (52)) لا تُصدِّقوه، لا تَتَّبعونه، هذا يريد الفخر بينكم، (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) [المؤمنون:24] هذا الرجل يريد أن يتفضَّل عليكم -يقولُ على سيدنا نوح-، ويقولون: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [المؤمنون:33]، ما هذا الرجل (إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) [المؤمنون:38]، (أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ) أنت وهارون هذا أخوك! (وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) [يونس:78] -لا إله إلا الله- وهكذا استكبروا، فالشيطان يوسوس لهم حتى لا يُصدِّقوا الرسل.
قال جلَّ جلاله: (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) مِن قلوب من سبقت لهم السعادة -جعلنا الله وإيّاكم من خواصهم في عافية وأهالينا وأولادنا وقراباتنا اللهم آمين، وطلابنا وأحبابنا-.
قال: (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ (52)) في قلوب هؤلاء الصّالحين والُمتَّبِعين للأنبياء (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [العنكبوت:49].
(ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) يُثَبّتُها ويُقَوّيها ويُرَسِّخها ويُنيرُها.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَان) مِن هذه الوسوسة والتشويش (فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) من أهل الشّك وأهل العناد وأهل الغطرسة وأهل الكبرياء (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)) قال سبحانه وتعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة:137].
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (54)) مِن هؤلاء الذين سبقت لهم السعادة فآمنوا (أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ) تخضع وتخشع وتنقاد وتتذلّل (لَهُ قُلُوبُهُمْ (54))، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر:23].
(فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)) اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم، قال: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:213].
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ (55)) في شكٍّ؛ دلالات أمامهم واضحة، ولكن نفوسهم والشياطين يضحكون عليهم: لا، لا تصدّقون هذا.. (فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) يموت أحدهم فجأة (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)) تأتي القيامة، فكلُّهم بعد الموت يعلمون: أنّ الرُّسل هم الصادقون، وهم الأمناء، وهم أهلُ الحق؛ كل الذين يموتون يَعلمون ذلك؛ ولكن ما عاد ينفعهم الإيمان! (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر:84-85].
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ (56)) له المُلك يومئذ، وقَبل، ودائمًا له الملك نعم، ولكن يومئذ تنتهي توهُّماتنا للمُلك الصورية! هذا المُلك الصوري، في الدنيا أكثر الناس داخل في عقولهم وأذهانهم أوهامٌ أنَّ هناك مُلك موجود لغير الله تعالى! هؤلاء يملكون، هؤلاء يقررون، وهؤلاء يطَّلعون، وهؤلاء ينزّلون، وهم كلهم تحت قبضته (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:56]؛ لكن في القيامة لا أحد يتخيل هذا الخيال، لا أحد يتوهَّم هذا الوهم، ليس هناك مُلك حقيقي ولا صوري.. لا لقريب ولا لبعيد؛ الملك لواحد (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16].
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)، أي تبدو هذه الحقيقة؛ أن لا مَلِك في الحقيقة غيرُ الله، وكلّ ما نتخيّله من مُلك أو حتى امتلاك للأشياء إنّما هي مجازات بنِسَب معيّنات يُظهرها الله ليختبر بها عباده، وإلّا حقيقة المُلك والمِلك له وحده، هو الذي يملك كل شيء وبيده ملكوت كل شيء - جلَّ جلاله وتعالى في علاه -.
ولهذا يقول في شأن المُلك: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) [ال عمران:26]؛ فلا مَلِك على الحقيقة؛
- لا الذي أوتيه.
- ولا الذي نُزِع منه.
- ولا الذي يمكن أن يُنزع منه.
وكلهم يُنزع منه المُلك؛ إذا لم يُنزع بالثورات والانقلابات؛ يُنزع بالوفاة، يُنزع بالمرض، يُنزع بخروج الروح، ما عاد له مُلك، ما هذا المُلك؟ المُلك له، هو المَلِك على الحقيقة -جلَّ جلاله-، وهو المالك سبحانه وتعالى.
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) يقول الله أنا الملك الذي ليس لأحد شركة في المُلك معي، وأنا الذي أتولّى الحُكم بينكم ذاك اليوم (يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ).
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) يُظهِر حُكمه العظيم في ذلك اليوم -جلَّ جلاله-، وقد أشار إلى هذا الحُكم الأعظم الأخطر الذي لا يتعرَّض مُكلَّفٌ من إنسيّ ولا جنيّ أبدًا إلى أصدق ولا أخطر ولا أعظم من هذا الحُكم.
ما هو الحُكم؟ (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57))، هذا حُكْم الله ولا عاد يبقى لأحد معه حُكم، فيا فوز مَن آمن وصَدَق ورحمهُ الله في ذلك اليوم.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -اللّهمّ اجعلنا منهم- (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56)) أنواع النّعيم الذي لا يُحدُّ ولا يُحصَر ولا يُحاطُ به؛ في الجنّة موجود، فهي جنات النعيم؛ النعيم المؤبد، المُخلَّد، الواسع، الدّائم، المُتجدِّد، القويّ، الكبير، الهنيء، الطيّب الذي لا يُخالِطُه مرض ولا كدر ولا همّ ولا هرم ولا موت؛ نعيم نعيم نعيم! بمعنى (جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، فأعظم ما يُنعم الله به على عباده أن يُدخِلهم جَنّته، اللّهمّ أدخلنا جنّات النعيم مع المُقرَّبين، ونسألُك الدّرجات العُلى في الجنة.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا) سَتَروا الحقيقة، فِطَرهم تناديهم، وآيات الله تُناديهم، ورُسل الله يُنادونهم، وهم يَسترون هذا كلّه؛ بِغَلبة الهوى والشّهوة يُكذّبون ويَكفرون، (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ما أنزلنا على أنبيائنا ورُسلنا وما أجْرَيْنا على أيديهم من المُعجِزات، (فأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57)) غاية الإهانة، الذي سمَّاه في الآية الأخرى (عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام:93].
يقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف:20]؛ فهذا الكِبر والفسق يهين أصحابه الهون الأكبر في يوم القيامة -والعياذ بالله تعالى-، يقول سبحانه وتعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) [يونس:27]، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة:12]، (تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60].
يقول جلّ جلاله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ):
- فمِنها حَشْرُ المُتَكَبِّرِينَ عَلَى صُوَرِ النَّمِل، آدمي كالنمل يمشي هكذا على الأرجل ويُدَاس وَيَطَأَهُ النَّاس بِأَقْدَامِهِمْ.
- ومنه ظهور جميع قَبائحه ومخازيه وفضائحه، وتعدُّد صُوَره كما تعدّدت أفعاله في الدّنيا؛ هذا فلان بن فلان بالصورة هذه، والصورة هذه...
- ومنها شدّة الغَبَرَة والقَتَرَة على وجوههم.
- وشؤون شديدة في ذلك اليوم، (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الشمس:25-26]، (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر:47].
(فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) من أجل الله تعالى فارقوا أماكن وأوطان تميل إليها النّفوس بِحُكم الطبيعة، ولكن من أجل الله وإقامة أمر الله وظهور دين الله خرجوا من الأماكن التي لا يستطيعون فيها إقامة شعائر الله تعالى.
(هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) قُتِلوا في الجهاد أو أدركهم الموت من غير مقاتلة للكفّار، (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا (58)) وأنواع الرّزق في الحياة الدّنيا مُقدِّمة؛
- ولا رزق في الدّنيا أحسن من رزق الإيمان.
- ولا ينتج عن الإيمان رِزق أحسن من رِزق اليقين.
- ولا ينتج عن اليقين رِزق أحسن من رزق المعرفة الخاصّة والمحبّة الخالصة.
وهذا الرِّزق يترتب عليه جميع الرِّزق الحَسَن في القيامة، وفي البرزخ وفي الجنة.
(لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا) فمهما كان عندنا من رزق في الدنيا فبِالنّسبة للمؤمنين رِزقهم في البرزخ ورِزقهم في الجنة أحسن، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [ال عمران:169]، وقال تعالى بعد ذلك: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم:62].
ما هذا الرزق؟ رزق عظيم، إلّا أنّه يترتّب على الرّزق الأول؛
- إن رُزقت الإيمان هنا، وترقّيت إلى اليقين، وترقّيت إلى المعرفة الخاصّة والمحبّة الخالصة؛ فرِزقُك كبير عظيم في الآخرة؛ في البرزخ وفي القيامة وفي دار الكرامة.
- وإن حُرِمت هذا الرزق في الدنيا -والعياذ بالله تعالى- كُلْ كما تأكل الأنعام واذهب وتعال، وانظر (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12] -والعياذ بالله تعالى-.
قال: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)) فإذا رَزَق بقدرته وعظمته رزقًا فالرّزق واسع وكبير، يرزق من يشاء - جلَّ جلاله وتعالى في علاه -.
اللهم وسِّع نصيبنا وسَهمنا وحظّنا من أرزاقك الحسنة الطيبة المباركة يا أكرم الأكرمين، وفِّر حظنا من رزق الإيمان واليقين والمعرفة، وفِّر حظنا من رزق المحبة، وفِّر حظنا من رزق رضوانك الأكبر، يا كريم يا برّ يا أرحم الراحمين.
ثم قال: (لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ (59)) ونِعْمَ ما يُدخِلهم المُدخل الكريم -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-؛ كما قال سبحانه وتعالى في الآية الأخرى فيمن يجتنب الكبائر ويُقبل على الله بصدق، يقول سبحانه وتعالى في بيان هذا الفضل وهذه الحقيقة التي يتكرّم بها على أولئك، يقول: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) [النساء:31].
(لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ)، تأتي بعض معانيه مَعَنَا -إن شاء الله- فيما يأتي معنا -إن شاء الله تعالى- في تأمُّل هذا الخطاب الإلهي.
أَكْرِمْنَا بنور الخطاب وسرّ الخطاب ومعنى الخطاب وبركة الخطاب، والأدب معك يا ربّ الأرباب، يا مسبّب الأسباب، وفرِّج كروب أمتك أجمعين، واحْفظنا بما حَفِظت به الكتاب، وانْصرنا بما نَصَرت به المرسلين، يا قويّ يا قادر، يا ربّ الأرباب، يا مسَبِّب الأسباب.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي محمد ﷺ
الفاتحة
18 ذو القِعدة 1447