(639)
(489)
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى:
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34))
ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية
الحمد لله وَحدَهُ للعبادة اسْتَحَق، وقد خَلَق ورَزَق، ووهب وأَعْطَى ما جَلَّ وما دَقَّ، مِّمَّا لا يُحِيِطُ به غَيْرهُ -سبحانه وتعالى- فما أعظم نِعْمَتَهُ على مَن خَلَق، أرسل إلينا عبده المُجتبى الذي هو في البرية الأصدق والأسبق؛ فَجَعَلنا به خير أُمَّة، كَتَبَ لها السَبقَ على الأمم فَلم تُسْبَق. اللهم لك الحمد على بَعْثِك فينا خير خَلقك، وإخراجنا به من الظلمات إلى النور، فثبتنا على دَرْبِه واجعلنا في حِزْبِه وحَقِّقْنا بحقائق محبتك وحُبِّه، واسقنا اللهم من شُرْبِه.
أما بعد،،
فإننا لا نزال نسأل الرحمن أن يديم الصلوات والتسليمات على هادينا إليه وداعينا إليه، المصطفى محمد وعلى آله وأصحابه وأهل المحبة لهُ والاقتداء به وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسلين المُبَشِّرين بجنابه، وعلى آلهم وأصحابهم وأتباعهم، وعلى الملائكة المُقَرَّبِين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فإننا في تأملنا لكلام ربنا وتعليماته وتوجيهاته، وتَذكيراته وتَنْبِيهَاتِه ومواصلاته وبَلاَغَاتِه وأخباره وما بَعث به مختاره ﷺ؛ وصلنا في أواخر سورة سيدنا إبراهيم إلى قولُ العلي العظيم: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)):
ولكن:
فلا شيء ألذ ولا أطيب مِن معرفة الله، ولا شيء أَعْظَم وأَنْفَعْ للإنسان مِن معرفة الله، ومَن عَرَف جمادات ونباتات وحيوانات أو شيء من الأرض أو من السماوات:
وقد خَصَّنَا الله بما نَفَخَ فينا من الروح بِقُدْرَةٍ وإمكانيةٍ على منزلةٍ رفيعةٍ في المعرفة الخاصة به، لا تتسنى لبقية الكائنات والمخلوقات -فالله لا يَحْرِمَنَا خَيِر ما عِنْدَه، ويَرْزقَنَا معرفته وخشيته، ومحبته ورجاءه ظاهراً وباطناً.
تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32))
يقول جلَّ جلاله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، من غير شريك له في خَلْقِ شيء منهما:
فابتدأ بهذا الظرف ليبني عليه أيضاً بقية الآيات والدلائل التي ذكرها في هذه الآيات، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
خَلْقُ السموات والأرض، أَمْرٌ كبير عظيم جليل؛ لا كمثل كمبيوتر، ولا كتكنولوجيا، ولا سلاح نووي؛ خَلِق سماوات وأرض!، خَلِق سماوات وأرض!، ليست مثل شريحة وذاكرة، خَلِق سماوات وأرض! مَن خلقها؟ وهل لهم شرك في السماوات؟ أم لهم شرك في الأرض؟ لا إله إلا الله.
نعيش على ظهر الأرض وتحت السماء، ونَغفل عن خالق الأرض والسماء!! وننسى خالق الأرض والسماء!! بل نعصي خالق الأرض والسماء، -والعياذُ بالله تبارك وتعالى- هذا هو الشؤم، هذا هو اللؤم، هذا هو البلاء.
يا خالق السماوات والأرض وفقنا لما يرضيك حتى لا نندم يوم العَرض.
يقول جلَّ جلاله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [فاطر:40]، هل لهم شِركٌ في السماوات؟ وهذه الأرض التي لم يَخلُقوها، يخَتلقون ويُحْدِثُونَ صراعات على حدودها وكُلّهَا خَلْقَهُ هو، ويُقيمون لذلك حُرُوبًا، مع أنه ما أحد منهم خَلَق منها شيء، تقتِل أخاك، مِن أجل ماذا؟ وبلايا ومشاكل في الدنيا، أما الشرك، لا يوجد شرك،: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)؟ ما وجدوا شرْك في الأرض، ومع ذلك لمّا خَلَقَهُمْ فيها ليختبرهم؛ تَعدّوا الحقوق، قالوا هذا ملكي، وهذا ملكي، ولا تدخل هنا ولا تجي كذا، وهذا البلد تبعي، وهذا البلد تبعك أنت، مع أنهم ما خلقوا شيء منها، و اختلقوا مشاكل.
أما السماوات، ولا لهم شرْك فيها ولا يقدرون على أن يملكوا شيئًا فيها، وأنتم بدل الحدود بين الدولة الفلانية والدولة الفلانية و تقيمون عليها حرب، اذهب ابحث لك عن مكان في السماء، مكان في السماء!، كيف مكان في السماء؟! من أين يأتي به؟ إنه ليس قادرا عليه؟ عنده طغيان وكفر، لو كان قادر سيقول حقي، لا إله إلا الله!
قليل زلزلة، وراحت القنابل والتكنولوجيا وانتهت، -الله الله الله الله- هي وصانعها تجدهم تحت الأرض في ثواني، الله الله الله الله!
ما هذا الغرور الذي عند الناس؟ ما هذا النسيان لِقوة القوي؟.
يقولُ:
الذي فَكَّر في أن يَستبدَّ بالمُلْك في الأرض والسَلطَنَة وصنع القرار، والذي فَكَر في أن يعادي محمد المختار، من أيامه ودينه وشريعته وسنته وآل بيته وصحابته وأُمّته ومنهاجه، كثير كثير كثير كثير، في القرن الذي مضى، وفي القرن الذي قبله، وفي القرن الذي قبل قبله، من أيامه ﷺ إلى اليوم، ماذا عمل الله بهم؟ وهل يوجد لأهل زماننا سُنّة غير هذه السُنَّة؟ من أين جاء بهم؟
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، وَحدَه، فيجب أن نعبده وَحدَه، وأن نخافه وَحدَه، وأن نرجوه وَحدَه، وأن نقصده وَحدَه، -جلَّ جلاله- ولا نُحكِّم غَيْرَهُ في أنفسنا، ولا في أخلاقنا، ولا في معاملاتنا، ولا في شؤوننا، هو الخالق الذي يستحق أن يُحَكَّم ويُخْضَع لأمره، لا من سواه.
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ)، (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، (مِنَ السَّمَاءِ) أي السحاب المُسَخَر بين السماء والأرض، فالمراد بالسماء هو ما علا -ما ارتفع- سُمِّي السحاب سماء، (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) -السحاب- (فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) [النور:43-44]؛ كُلّهَا آيات تدل على عَظَمته، وأنه الإله الواحد الحق، وبعد ذلك ممتلئين بالخربطة، هذا تبع هذا وهذا تبع هذا، ومعَطِّل شرع الله.
يا جماعة، يا مؤمنين، يا عُقّال، يا بني آدم، يا ناس، كيف تمشون على ظهر الأرض؟ ما لكم لا تَعْقِلُون؟
والأرض وما عليها تَشْهَد بِعَظَمَتِه، وهو الذي خَلَقَهَا لك، وخَلقَك مِنْهَا، وفِيهَا يُعِيدُك، ومِنْهَا يُخْرِجَك تَارَةً أُخْرَى، -سبحانه عز وجلّ- يَقولُ:
فإذا انقطعوا، وأصرَّ من على ظهر الأرض على التمادي في الكفر أنهاها -جلَّ جلاله-، وتحوَّلت، (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) [أبراهيم:48-49].
يقولُ: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) لم يذكر هنا البحار، بعدما ذكر جريان الفلك في البحر، تكلم عن الأنهار؛ لأنها المناسبة للثمرات، ولأن بها تُسْقى، تسقى أيضا نبات الأرض وينبت بها، لا بالبحر، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ)، (الْفُلْكَ): السفن؛ (لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) جلَّ جلاله:
وتقول نحن نصنع السفينة، أنت تصنع السفينة؟!
ولما أراد أن يغترَّ مَن يغتر في تَارِيخَكُمْ القريب، بإحداث سفينة بغاية التجهيز بالتكنولوجيا الحديثة، وقالوا إنها أعظم سفينة في الأرض لا تغرق أبدا، ولكنها في أول رحلة غرقت -الله-، من الذي يُسَخِر؟ ولا المكائن التي فيها، ولا التكنولوجيا، كلها ذهبت -الله-، سبحان القوي، سبحان القادر-، وكم عدد الذين على خشبات ضعيفة نجوا على مدى تاريخ البشر، وأصحاب السفينة القوية غرقوا، الله!
وسفينة نوح ما هي التكنولوجيا التي كانت فيها؟ ومدة كم في البحر؟
تفسير قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33))
قال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ)، في مختلف مِن البلدان:
(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) [القصص:71-72] ورتَّبَ على ظهر الأرض:
فمن يُغَيّير؟ ويقول: هؤلاء مساكين لهم مدة، الشمس تبطئ عليهم؛ دعْها تطلع عند هذا!!
أنت يا صانع القرار تحرَّك قليل، قل لها: نريد المساواة التي تتكلم عليها، العدل من أجل أن تَعْدِل تماما بين الناس، قال: تطلع عليكم اثنا عشر ساعة، اثنا عشر ساعة، بس بالضبط، ما بِيَدهم شيء، غرور غرور، فقط، هم عبيد، تحت القوي مغترين، وبعد ذلك تقع أَخْذة واحدة، وانتهى كل شيء.
ياالله بحسن الأدب، نعقل عن الرب، وندرك اتِّباع الحبيب الأطيب، ونتأَدَب، كان يقول بعض العارفين في الأمة: إذا شئت تبغى السلامة تأدب تأدب تأدب، جئت من نطفة وآخرك جيفة وتحمل العذرة، والحساب أمامك!! تأدب أحسن -لا إله إلا الله- (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [الروم:6].
تفسير قوله تعالى: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34))
(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوه)، أنواع المسائل؛ يؤتيكم مما تسألون -جلَّ جلاله-، وما سألتموه بلسان أحوالكم، يعني كل ما تحتاجون إليه، وأنتم لا تدركونه أعطاكم إياه كُلُهْ، ما يحتاجه سمعك، ما يحتاجه بصرك، ما يحتاجه أعضائك، مايحتاجه أعصابك، ماتحتاجه أعطاك إياه، حتى أنت ما سألت الشمس، ولا سألت القمر، وأعطاك..
هذا الذي خَلَق وكوّن وقدّر، وعاملكم هذه المعاملة، يليق بكم أن تجحدوه؟!! ،أن تنكروه! أن تكفروه! أن تعصوه؟! جلَّ جلاله.
(وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)، من حين جلستَ في هذا الجلسة كم مرة تنفَّستَ؟ ولك في كل نفس كم نِعَم؟ ولا يقوم إلا بالتركيبة المنتظمة هذه التي عندك، فبأعصابها والقصبة الهوائية وتحويل الهواء إلى مناسب للرئة، يعبر في تكييف:
مِن أجل أن يصل الى الرئة بحرارة معتدلة -الله- يمر على المكيفات، يدخل الى الداخل.
كم مرات وأنت في الجلسة هذه وحدها، وهو نفسه هذا التنفس، ما تقدر أن تعدَّ الذي فيه من النِّعَم، وعاد معك سمع، وعاد معك بصر، وعاد معك -الله الله الله الله-، وكم؟
يذكر وهب بن منبه -عابد من عُباد بني إسرائيل ـ أوحى الله إلى النبي، يقول له: إن الله غفر لك، قال: وما غفر لي! أنا لم أعصهِ، أنا في العبادة، فتحرّك عِرِق في رقبته، ما قدر أن يتحرك ولا يصلي ولا يقوم ولا يعبده، و لما ارتفع عنه، قام يصلي، فأوحى الله إلى النبي يقول له: عبادتك في خلال السنين لا تساوي سكون ذاك العِرق، العِرق الذي جعلناه ساكن طول هذه السنين، وقدرت أن تُصلي، عندما حركناه فيك، ما قدرت تعمل أي شيء، وتقول: ماذا يغفر لي؟!.
لا إله إلا الله له الحمد، وله المنّة وله الفضل، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادك (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا):
(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ)، يَشْكُر غير من أنعم عليه، (كَفَّارٌ)، يجحد من أنعم عليه، (إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) كم يكفر بالنعم:
ومن يقدر يقوم بحق النعم؟ لكن الله رضي منا بالقليل، ورضي منا باليسير، وخصوصا أمة محمد، مِنْ خَلْقِه كلهم؛ رضي باليسير وهو منهم، ولكن أمة محمد على وجه أخص، قليل يرفعهم به، قليل يثيبهم عليه كثير، لا إله إلا هو، يقول لسيدنا موسى في وصف أمة محمد: أرضى منهم بالقليل من العمل، لا إله إلا هو.
يقول جلَّ جلاله: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)، اللهم ماأمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك، واجعلنا يا رب من الحَمَّادِين، الذين يدخلون الجنة في الأوائل بغير حساب.
أول مَن يَدخل الجنة هذه الأمة قبل الأمم كلها، وأول مَن يَدخل من هذه الأمة، الحَمَّادُون الذين امتلأوا باستشعار منّة الله وفضله عليهم، يحمدونه من صميم قلوبهم -لا إله إلا هو-، يحمدون الله على كل شِدةٍ ورخاء.
وكم من نعمة علينا أن أوصلنا إلى خواتيم شعبان، ويُبَلِّغنا إن شاء الله رمضان، و يوفقنا فيه للصيام الصحيح المقبول، والقيام الصحيح المقبول، واجعلنا ممن يصومُه إيمانًا واحتسابًا، ويقومُه إيمانًا واحتسابًا، كم طَيَّ هذا من نِعَمْ؟.
يا رب بارك لنا في رمضان المُقبل، واجعله من أبرك الرمضانات علينا وعلى أمة حبيبك في المشارق وفي المغارب، فرج كروب المسلمين، وادفع البلاء عن المؤمنين، نظراً من نظرك وعنايةً من عناياتك، نرقى بها إلى أعلى مراتب قُربك برحمتك يا أرحم الراحمين، سلمنا لرمضان، سَلِّم رمضان لنا وسَلِّم رمضان مِنّا، وتَسَلمه منا متقبلا يا ذا الجلال والإكرام
ولا تجعل في ديارنا ولا في منازلنا محرومًا ولا مطرودًا ولا مأثومًا ولا ممنوعًا من الرحمة، ولا ممنوعًا من المغفرة، ولا ممنوعاً من واسع الإفضال يا متفضل يا وَال، يا جزيل النوال، يا من بيده أَمْرُ الحاضر والمآل، أصلح حاضرنا ومآلنا، وأصلح لنا بالفضل أحوالنا، وبلغنا آمَالَنَا وفوق آمَالِنَا مما أنت أَهْلُه يا مولانا يا أكرم الأكرمين يا أول الأولين، وياآخر الآخرين ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، وياأرحم الراحمين، اجعلنا من أوفى عبادك و أوفرهم حظا ونصيبا من كل مِنَّة، وصونًا وحفظاً، وحِرَاسَةً من كل فتنة، ورُقِياً إلى أعلى مراتب النفوس المطمئنة الراضية المرضية الكاملة يا أكرم الأكرمين، واجعل رمضان هذا الذي أقبل علينا من أبرك رمضانات أمة حبيبك محمد عليهم ظاهراً وباطناً حِساً ومعناً، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطوْل والإنعام يا الله.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
28 شَعبان 1443