المكاتبات والمناجاة الإلهية - 6 | وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأربعاء 15 صفر 1448 هجري.

( وقُل رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ) ليكون نظري إلى حَوْلِك وقُوَّتِك إذا أدخلْتني، واسْتِسْلامِي وانقيادي إليك إذا أخرجتني.

(وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)؛ يَنْصُرُنِي وَيَنْصُرُ بِي، وَلَا تَنْصُرُ عَلَيَّ، يَنْصُرُنِي عَلَىٰ شُهُودِ نَفْسِي، وَيُفْنِينِي عَنْ دَائِرَةِ حِسِّي.

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبسندكم المتصل إلى هذين الإمامين نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، رضي الله عنكم إلى أن قال:

(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) لِيَكُونَ نَظَرِي إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِذَا أَدْخَلْتَنِي، وَاسْتِسْلَامِي وَانْقِيَادِي إِلَيْكَ إِذَا أَخْرَجْتَنِي.

"استشهد بهذه الآية الكريمة لما أسلفه من عبارته، فبالدخول: السلوك إلى الله، والترقِّي في مراتب الشهود، والتفاني عن الأغيار، والتخلُّص عن رؤية الآثار.

ومدخل الصدق: هو أن يكون في ذلك بالله، ناظرًا إلى حول الله في تخلُّصه عن كدورات الأغيار، وقوته في مواجهة الحقائق والأسرار، وورود المواهب والأنوار، ولطائف المعاني والاستبصار، عند تجلِّي أسرار الأقدار، المدهشة للقلوب والأسرار.

(وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) في رجوعي إلى التدلِّي في الأطوار، ودخولي في الآثار، فأكون مستسلمًا لك، ومنقادًا لمرادك، مُؤْثِرًا لإرشاد العباد على ما هو المحبوب لدي، وهو كوني طمسًا ومحوًا، لا انصراف لي إلى رؤية غير، ولا ألوي بنفعٍ ولا ضير.

ولكن الاستسلام يعطي إيثار مراد الله على مراد المريد؛ ليدخل في غمار العبيد، ويشهد القرب في القريب والبعيد، والبعد في البعيد والقريب، فيكون حائرًا بين هذه الزوايا، ومنتظرًا لرجوعه إلى خالص شهود محبوبه، وصافي شراب ينبوعه، ولي في ذلك:

كفُّ الضراعة مُدَّت نحو سيدها *** يدخلْنيَ الله مُدخَل صدقِ في الطلب

 وذاك أنْ يشهد السالكْ لقوَّته *** وحوله في الترقي في سما القُرَبِ

ومَخْرَجَ الصدقِ في الرُّجْعى لعالمه *** مُؤيدًا بجنود غير منقلب".

 

الحمدلله الذي يأخذ بيد المقبلين عليه، ويقبل بوجهه الكريم عليهم بمِنّته، ونشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جميع الوجود في قبضته، ونشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خاتم أهل نبوته، وسيد أهل رسالته، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى من تابعه وسار في طريقته، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله، خيرة الرحمن تبارك وتعالى وصفوته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وأهل حضرته.

يقول: "فيدخل في الأشياء بالله بعد أن خرج عنها به!"،  والذي رُقِّي إلى مقام يسمونه الفناء، ففني عن شهود الكائنات، يرجع بأمر الله -إذا أراد الله أن يهدي به ويعلّم به- إلى هذه الكائنات والتعامل معها، لكن بالله لا بنفسه. 

"وهذا والله معنى الآية التي استشهد بها المؤلف بهذا المعنى؛ كما قال: 

(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [الإسراء:80].

فقال: استشهد بهذه الآية؛ 

" لِيَكُونَ نَظَرِي إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِذَا أَدْخَلْتَنِي، وَاسْتِسْلَامِي وَانْقِيَادِي إِلَيْكَ إِذَا أَخْرَجْتَنِي".

فهم عباد خاضعون لجلال الله تبارك وتعالى، يستسلمون لحكمه ولقضائه ولما أراد بهم سبحانه وتعالى، وقد بذلوا وسعهم في طاعته بكل ما استطاعوا، وعلموا أن طاعتهم بتوفيقه إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

بِتَوْفِيقِهِ صَارَ المُطِيعُ يُطِيعُهُ *** وَخَالَفَ بالخِذْلانِ كُلُّ مُفَارِقِ

فَسَلْ رَبَّكَ التَّوْفِيقَ وَالعَفْوَ وَالرِّضَا *** وَكَوْنًا مَعَ أَهْلِ الهُدَى وَالطَّرَائِق

 اللهم وفقنا واعفُ عنا وارضَ عنا وأدخلنا مع أهل الهدى والحقائق، السالكين أشرف الطرائق، برحمتك يا أرحم الراحمين.

يقول: "استشهد بهذه الآية الكريمة لما أسلفه من عبارته. 

  • فبالدخول: السلوك إلى الله، والترقِّي في مراتب الشهود، والتفاني عن الأغيار، والتخلُّص عن رؤية الآثار"، هذا الدخول: (أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) [الإسراء:80].
  • ومدخل الصدق: هو أن يكون في ذلك بالله، ناظرًا إلى حول الله -سبحانه- في تخلُّصه عن كدورات الأغيار، وناظر إلى قوة الله وقوته في مواجهة الحقائق والأسرار، وورود المواهب والأنوار، ولطائف المعاني والاستبصار".

لأن الله قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ) [العنكبوت:69]، وكلما اجتهدنا في الوجهة إليه يبيّن لنا، يوضّح لنا، يُظهر لنا، يُبرز لنا، يدلنا، يُلهمنا، يُرشدنا؛ فهذه هي سنته سبحانه وتعالى: "يا عبادي كُلُّكُمْ ضالٌّ إلاَّ من هديتُهُ فاسْتَهدونِي أهْدِكُمْ"؛ اللهم اهدنا فيمن هديت.

نستهديه بطلب الهداية؛ كيف طلب الهداية؟ 

  • بالإصغاء والاستماع. 
  • و الاتباع والانقياد وامتثال الأمر وترك النهي. 

وبماذا؟ 

  • وبالسؤال والتضرع. 

نقتدي ونهتدي ونمتثل ونسأله الهداية، (وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا)، أنا في رَشَد ولكن عاد أقرب من هذا رشد ورشد ورشد مهما كنت راشد؛ (وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا) [الكهف:24]؛ اللهم اهدنا فيمن هديت يا أرحم الراحمين.

قال: "(وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ)؛ يعني: في رجوعي إلى التدلِّي في الأطوار، ودخولي في الآثار، فأكون مستسلمًا لك، ومنقادًا لمرادك، مُؤْثِرًا لإرشاد العباد على ما هو المحبوب لدي، وهو كوني طمسًا ومحوًا"، لا أشهد لنفسي شيئاً. قال: 

  • ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ ) [القصص:56]. 
  • (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [البقرة:272] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 فما يرجع مرشد لهم ومعلم على أنه هو، ماشي هو، أيش هو؟! بل على أن الله سبحانه يجري على يده ويهدي على يده من يشاء. 

قال: "وهو كوني طمسًا ومحوًا، لا انصراف لي إلى رؤية غير" ربي سبحانه وتعالى، "ولا ألوي" إلى غيره "بنفع ولا ضير"، فالأمر أمره والخير خيره، ولا ينفع ولا يضر إلا هو -جلّ جلاله-. 

قال تعالى: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ) -وفي قراءة: (يَضِرْكُمْ)، (كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120].

قال: "ولكن الاستسلام يعطي إيثار مراد الله على مراد المريد؛ ليدخل في غمار العبيد"، الذين يستسلمون لأمر السيد المجيد جل جلاله، "ويشهد القرب في القريب والبعيد، والبعد في البعيد والقريب"، فكل قريبٍ وبعيد الحق تعالى أقرب إليهم من حبل الوريد، وكل بعيد وقريب هم في الإحاطة بشيء من صفاته فضلًا عن ذاته من أبعد ما يكون. لا إله إلا الله! 

"ويشهد القرب في القريب والبعيد، والبُعد في البعيد والقريب، فيكون حائرًا بين هذه الزوايا"، حيرة علم ومعرفة وذوق: 

زِدْني بفَرْطِ الحُبّ فيك تَحَيّرا

"فيكون حائرًا بين هذه الزوايا، ومنتظرًا لرجوعه إلى خالص شهود محبوبه، وصافي شراب ينبوعه، ولي في ذلك:

كفُّ الضراعة مُدَّت نحو سيدها *** يدخلْنيَ الله مُدخَل صدقِ في الطلب

 وذاك أنْ يشهد السالكْ لقوَّته *** وحوله في الترقي في سما القُرَبِ

ومَخْرَجَ الصدقِ في الرُّجْعى لعالمه *** مُؤيدًا بجنود غير منقلب"

 

قال رضي الله عنكم: 

"فإذا عاد إلى الأكوان لله مستسلمًا، ولحكمه محتكمًا.. حقٌّ على الله أن ينصره وينصر به؛ كما قال: 

(وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)؛ يَنْصُرُنِي وَيَنْصُرُ بِي، وَلَا تَنْصُرُ عَلَيَّ، يَنْصُرُنِي عَلَىٰ شُهُودِ نَفْسِي، وَيُفْنِينِي عَنْ دَائِرَةِ حِسِّي

فالطالب حقيقٌ بنيل المطلوب، وحصول المرغوب، والتفضُّل بالموهوب، فالجعل: هو العطاء المخصوص، والامتنان على طوائف الخصوص، بعطاء غير منقوص، أي: اختصني بذلك.

والسلطان: هو الآمر الغالب الذي يغلب به كل غالب، ويتدارك به كل فائت من المطالب، فيكون به منصورًا نصرًا عزيزًا مؤزرًا، مجموع سرِّ الخطاب، وفتح أم الكتاب، تنصرني على شاهد نفسي، وتقهر به دائرة الحس المانعة عن التحقيق باستكمال مقام الفناء في الله.

وانصرني في إقبالي والأخذ في طريق بدايتي؛ ليتم لي مقام إرادتي، وتنقطع عني عوائقي في طريقتي، إلى نيل بغيتي ومنتهى رغبتي.

وانصرني في رجوعي إلى الأكوان، أهل صدق الرغبة من الإخوان؛ لأكون سببًا له في استخراج كيمياء سعادته، وعونًا له في طريق إرادته، لما ألبستنيه من حُلل القبول؛ ليحصل لمن اقتدى بي كل مأمول.

فالنصرة له أولًا في حال سلوكه وإرادته، والنصرة به في حال رجوعه إلى الأكوان بعد استكمال مقام نهايته؛ وهو السفر الثاني.

ولا تنصر عليَّ باستيلاء النفس عليَّ، وتحكُّم الهوى فيَّ، وهذا غاية الإضلال والبعد.

وقد جمع في دعائه بين جلب النفع ودفع المحذور، ودفع المحذور أجدر بالدعاء، وكمال الدعاء: أن يجمع الأمرين؛ لأنه يسأل كريمًا لا تبرمه كثرة الحاجات، ولا تتخطاه إلى غيره الآمال في جلب المصالح ودفع المهمات، والفناء عن دائرة الحس هي نهاية الفناء في المقامات، وثالث مقام في الفناءات، ولي في ذلك:

اجعل لي النصر في مبدا البدايات *** ليحصل الوصلُ إلى أعلى النهايات

وفي رجوعي إلى الأكوان فانصرني *** وكل طالبٍ من أهل البدايات

 ولا تسلط علَّيْ من كنتُ أحذره *** من سالف أيَّامِي أنِّي في مهمات 

ودائرةْ حِسِّيِ أخْرجها وكن عوضي *** عنها فهذا الذي أقصى إراداتي"

 

يقول عليه رضوان الله تبارك وتعالى: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا). 

  • وهؤلاء خصوصًا كما أن معاني أيضًا أحوالهم يتشمم إلى أول معناه وطرفه المقبلين على الله عمومًا.
  • وهؤلاء خصوصًا الذين فُنوا في الله تبارك وتعالى، ثم أُرجعوا إلى شؤون الخلق؛ ليرشدوا ويدلوا على الله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-. 

يقول في شأنهم: "فإذا عاد إلى الأكوان لله مستسلمًا" لحكم المكوِّن، "ولحكمه محتكمًا" جلَّ جلاله.. "حقٌّ على الله أن ينصره" على الحق والهدى، "وينصر به" الدين والحق والهدى، وينصر به شريعة المصطفى محمد ﷺ. 

(وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)

 في طرف من مظهر ذلك ما جاء أن خروجه ﷺ من مكة المكرمة، ودخوله للمدينة المنورة، ووجود الأنصار معه، جيء فيه:

  • (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ) المدينة المنورة
  • (وَأَخْرِجْنِي) من مكة (مُخْرَجَ صِدْقٍ). 
  • (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا): الأوس والخزرج؛ الأنصار الذين نصروه. 

هذا مظهر من مظاهر المعاني، والمعنى أوسع من ذلك. 

  • وكل مدخل يدخلونه في الدرجات العلى فيكون مدخل صدق بالله ولله، وفي الله.
  • وما يدخلون مدخل صدق إلا وخرجوا من الذي قبله في ارتقائهم واعتلائهم.

"(وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا): يَنْصُرُنِي وَيَنْصُرُ بِي، وَلَا تَنْصُرُ عَلَيَّ، يَنْصُرُنِي عَلَىٰ شُهُودِ نَفْسِي"

  • حتى لا أشهد إلا ربي سبحانه وتعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) [النساء:78]. 
  • (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21]، جلّ جلاله.

"يَنْصُرُنِي عَلَىٰ شُهُودِ نَفْسِي، وَيُفْنِينِي عَنْ دَائِرَةِ حِسِّي"، فاعلموا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال: "فالطالب حقيقٌ بنيل المطلوب، وحصول المرغوب، والتفضُّل بالموهوب، فالجعل: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) هو العطاء المخصوص، والامتنان على طوائف الخصوص، بعطاء غير منقوص" ولا منقطع، يعطي بغير حساب جلّ جلاله: (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص:39]؛ "أي: اختصني بذلك"؛ (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)؛ أي: اختصني بالسلطان.

قال: "والسلطان: هو الآمر الغالب الذي يغلب به كل غالب، ويتدارك به كل فائت من المطالب"، وهكذا السلطنة في معاني ودرجات القرب والمعرفة والإرشاد والهداية.

"فيكون به"، أي: يكون بالله تعالى "منصورًا نصرًا عزيزًا مؤزرًا"، قال الله لحبيبه: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) [الفتح:2-3].

"مجموع سرِّ الخطاب، وفتح أم الكتاب، تنصرني على شاهد نفسي"، فلا أشهد لنفسي معك استقلالًا بوجودٍ ولا بعمل، "وتقهر به دائرة الحس المانعة عن التحقيق باستكمال مقام الفناء في الله" جلّ جلاله، حتى لا أنقطع بشيء من الحسيات عما تدلُ عليه من المعنويات، فتتحول هذه الكائنات مثل الزجاجة ولا تحجُب ما وراءها، فإن الإنسان من الزجاجة ينظر إلى ما وراءها. 

وكل الكون زجاجة وراءها قدرةُ القادر، وتصريف المتصرف، وتقديم المقدم، وتأخير المؤخر، وتصوير المصور، وتكوين المكوِّن جلّ جلاله، وعظمته، وهذا وراء كل كائنة. فالكائنات زجاجة لذوي البصائر يرون ما وراءها من عظمة الله.

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ *** تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ

جلّ جلاله.

 

قال: "وانصرني في إقبالي والأخذ في طريق بدايتي؛ ليتم لي مقام إرادتي، وتنقطع عني عوائقي في طريقتي، إلى نيل بغيتي ومنتهى رغبتي"، من معرفتك وقربك ومحبتك ورضاك. 

"وانصرني في رجوعي إلى الأكوان، أهل صدق الرغبة من الإخوان؛ لأكون سببًا له في استخراج كيمياء سعادته، وعونًا له في طريق إرادته، لما ألبستنيه من حلل القبول؛ ليحصل لمن اقتدى بي كل مأمول".

"انصرني في رجوعي إلى الأكوان"؛ والذين يرجع إليهم أهل صدق الرغبة في الوجهة إلى الرحمن.

  • فيكون سبب لهم في استخراج كيمياء سعادتهم. 
  • وعون لهم في طريق سيرهم وإرادتهم بما آتاه الله من قبوله. 
  • ويحصل لكل من اقتدى به نيل المأمول. 

وهم أهل الصدق الذين قال الله عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] هؤلاء، فمن كان معهم قَرُبَ إلى الله، ووصل إلى الله، وأدخله الله تعالى فيهم، (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). وقال عنهم: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) [لقمان:15]؛ اللهم اسلك بنا في سبيلهم.

قال: 

  • "فالنصرة له أولًا في حال سلوكه وإرادته" حتى يصل
  • والنصرة به في حال رجوعه إلى الأكوان بعد استكمال مقام نهايته؛ وهو السفر الثاني.

ولا تنصر عليَّ باستيلاء النفس عليَّ، وتحكُّم الهوى فيَّ، وهذا غاية الإضلال والبعد.

وقد جمع في دعائه بين جلب النفع ودفع المحذور، ودفع المحذور أجدر بالدعاء، وكمال الدعاء: أن يجمع الأمرين":

  • جلب المنافع. 
  • ودفع المضار والآفات. 

"لأنه يسأل كريمًا لا تبرِمه كثرة الحاجات"، قال ﷺ: "اللهُ أكثرُ وأطيبُ"، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي) [البقرة:186].

 ندعوك يا رب أن تبارك لنا ولهم في هذه المجالس وهذه الدورة وأيامها وما بقي لنا من أيامها، وتجعل لنا ما بقي خيرًا مما مضى، وتجعل لنا كل يوم خيرًا من اليوم الذي قبله، حتى تنختم ونحن على خير حال معك ظاهرًا وباطنًا، في إقبال صادق وقبول كامل وبلوغٍ للمآمل، واجعل كل واحد منا مفتاحًا للفرج للمسلمين، مفتاحًا للخير بأنواعه، ومغلاقًا للشر بأصنافه وأنواعه، اللهم آمين. 

"لا تبرِمه كثرة الحاجات، ولا تتخطاه إلى غيره الآمال في جلب المصالح ودفع المهمات".

واجعل كل ذلك في عافية وعفو وسرور وأنس وانشراح وعطاء منك واسع متاح، وتروُّحًا للأرواح بفيضك وفتحك يا فتاح.

"والفناء عن دائرة الحس هي نهاية الفناء في المقامات، وثالث مقام في الفناءات، ولي في ذلك:

اجعل لي النصر في مبدا البدايات *** ليحصل الوصلُ إلى أعلى النهايات

وفي رجوعي إلى الأكوان فانصرني *** وكل طالبِ من أهل البدايات

 ولا تسلط علَّيْ من كنتُ أحذره *** من سالف أيَّامِي أنِّي في مهمات 

ودائرةْ حِسِّيِ أخْرجها وكن عوضي *** عنها فهذا الذي أقصى إراداتي"

 اللهم وفّر حظنا من جميع مننك ومواهبك وعطاياك يا أكرم الأكرمين.

 نسأله أنْ يزيدنا من منحه، ويفتح علينا بفتحه ، ويدخلنا في دوائر محبوبيه والمقربين إليه، ويصلح شؤؤننا بما أصلح به شؤون الصالحين، ويرعانا بعين عنايته في كل شأن وحال وحين، ويعلي درجات المنتقل علي بن عمر بن هارون و الشيخ شهاب الدين، أن الله يخلفه فينا وأهل البلدة والمسلمين بخلف صالح، ويتقبل جميع حسناته ويضاعف كل حسنة إلى ما لانهاية ويتجاوز عن جميع سيئاته ويبدل كل سيئة إلى حسنات تامات موصلات، ويتحمل عنه وعنَّا وعن الجميع التبعات، وأن الله يجعلها من أبرك الليالي عليه وأسعدها لديه، وأن الله يجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويجعل له من عذابه وقاية وجُنَّة، ويثبته بالقول الثابت، وأن الله يلحقه بالمقربين والصالحين والمتقين وسيد المرسلين والسلف الأكرمين، وأن الله سبحانه وتعالى يظله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ويظله بظل لوائه المعقود ويورده على الحوض في أوائل أهل الورود، ويبارك في أولاده  وأحفاده وأسباطه والمنتمين إليه وقراباته بركة تامة ويسير بهم مسار الأخيار من عباده أهل وداده، وأنْ يرحم موتانا وأحيانا برحمته الوسيعة، ويرفعنا مراتب قربه الرفيعة، ويقبلنا على ما فينا، ويقبل وبوجه الكريم علينا.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

16 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

29 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام