المكاتبات والمناجاة الإلهية - 15 | إلهي: إن ظهَرت المحاسِن مِنِّي فَبِفَضْلِك
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الأربعاء 29 صفر 1448 هجري.
" إِلَـٰهِي؛ إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحَاسِنُ مِنِّي.. فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَسَاوِي مِنِّي.. فَبِعَدْلِكَ وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ"
"إلهي؛ كيفَ تَكِلُني وقَدْ تَوَكَّلْتَ لي؟! وكيفَ أُضامُ وأنتَ النَّاصِرُ لي؟! أم كيفَ أخِيبُ وأنتَ الحَفِيُّ بي؟!"
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبسندكم المتصل إلى هذين الإمامين نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، رضي الله عنكم إلى أن قال:
" إِلَـٰهِي؛ إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحَاسِنُ مِنِّي.. فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَسَاوِي مِنِّي.. فَبِعَدْلِكَ وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ"
"إِلَهِي" بمعنى المنَّان المتفضِّل بصنوف الفضل والإحسان "إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحَاسِنُ مِنِّي.. فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ، وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَسَاوِي مِنِّي.. فَبِعَدْلِكَ وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ" هذا من أحسن ما يناجي به الحبيب، ويتضرَّع به العبد الأديب؛ وهو الاعترافُ لله بما أولاه من الإحسان، وأفاضه عليه من النعم والامتنان، وإقامته النفس مقام الاعتذار؛ لأن المحاسن المشار إليها في كلام المؤلف.. هو ما يَظْهَرُ على العبد من صنوف الطاعات، وأفعال الموافقات.
وليس ذلك مقدورًا للعبد، بل هذا فضلٌ أبرزه عليه من عين منَّته، وأفاضه لديه من سابغ رحمته، وإلا.. فمن أنت حتى تقوم له بحق العبودية وأنت متلطِّخٌ بقاذورات البشرية، منغمسٌ في غمرات الشهوات؟! فأنى يكون منك عملٌ صالح؛ إن لم تخلص من رؤية الخلق وظهور النفس؟! وهذا لا يصلح أن يقابل به، أو يعرض بين أهل حضرته، وقد قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)[الزمر:3].
فإذا حصل العبد على شيء مما يصلح للعرض عليه من خالص عمل أو حالة حميدة.. فإنما ذاك بارز على العبد من عين مِنَّته، لا مقدرة للعبد على تخليصه وتزكيته.
وإن ظهرت المساوي ورذائل الأحوال وقبائح الأعمال.. فبعدلك، ولك الحجة علي؛ لأن نسبة الأفعال الملومة والأخلاق المشؤومة إليَّ نسبةٌ وإسناد، وإلى عَدلِكَ خلقٌ وإيجاد، وهذه حالة الأدباء؛ يشهدون المحاسن من الله، لا نسبةَ لهم فيها، ولا اقتدار لهم عليها، ويشهدون نسبة المساوي إليهم، فيندمون عليها مع ما هم يشاهدونه من سبق الإرادة بذلك، وحكم الاقتدار فيما هنالك، فهم معتذرون منها ظاهرًا، مستسلمون للحكم باطنًا، ولي في ذلك:
فرؤية الفضل والإحسان نسبتها *** إلى الإله فلا يأتي بها إلَّاهُ
وما يكون من الأسوا فتسبتها *** إلى العباد وحكم الله أنشاهُ"
فلا يأتي بها إلَّاهُ؛ إلا هو سبحانه وتعالى.
الحمد لله بديع الخلق، وبعيد الغور في حكم الإيجاد، عظيم الفضل، واسع التنوع في عجائب الإمداد؛ نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ربنا الكريم الجواد، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور عيوننا محمدًا عبده ورسوله، سيد أهل الشهود، وإمام الرُّكَّع السجود، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار في دربه من أحبابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى البدور هؤلاء، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،
يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- شأن العبد في الأوصاف إذا ظهرت منه المحاسن أو ظهرت منه المساوئ، وأن ظهور المحاسن بأصنافها من كل فعل جميل، من كل قول حسن، من كل خلق كريم، من كل وصف صالح، معدنها وأصلها مِنّة الله على هذا العبد الذي أصله عدم، وهو المتفضِّل بها، ثم يعدُّها شكرًا من عبده وهي منةٌ منه فوق مننه.
قال: "إِلَهِي" بمعنى المنَّان المتفضِّل بصنوف الفضل والإحسان "إِنْ ظَهَرَتِ الْمَحَاسِنُ مِنِّي.. فَبِفَضْلِكَ وَلَكَ الْمِنَّةُ عَلَيَّ". ولهذا يقول سيدنا زين العابدين: "كيف يُظَن بك أن تقيّد بأنكال الجحيم أقدامًا سعت إليك، وخرجت من منازلها لا حاجة لها إلا الطمع والرغبة فيما لديك، مَنًّا منك عليها، لا منًّا منها عليك"، ما لها المنة، المنة لك أنت الذي وفقتها لهذا، له الحمد وله المنة علينا؛ فلولا توفيقه ما حضرنا ولا جلسنا هذا المجلس ولا زرنا هذه الزيارة ولا تذاكرنا هذا التذاكر، لكن منه سبحانه وتعالى، "منًّا منك عليها يا سيدي لا منًّا منها عليك".
قال: "وَإِنْ ظَهَرَتِ الْمَسَاوِي مِنِّي.. فَبِعَدْلِكَ"؛ من حيث الخلق والإيجاد.
"وَلَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ"؛ من حيث أني ملوم ومقصِّر.
قال: "هذا من أحسن ما يناجي به الحبيب، ويتضرَّع به العبد الأديب؛ وهو الاعترافُ لله بما أولاه من الإحسان، وأفاضه عليه من النعم والامتنان". تذكَّرَ مرة سيدنا داود -عليه السلام- منة الله عليه، ذكر أنه ما تمر ساعة من الساعات في الليل أو النهار إلا وأحد في العبادة من أهله وأولاده وجماعته، فقال: يا ربي لا تمر ساعة في الليل والنهار إلا وأحد من آل داؤود لك راكع أو ساجد؛ فأوحى الله إليه: من أين لهم هذا؟ فقال: منك يارب، وخرَّ ساجدًا شاكرًا لله تعالى، قال: منك يا رب؛ فالمنة له والفضل له سبحانه وتعالى.
قال: "وهو الاعترافُ لله بما أولاه من الإحسان، وأفاضه عليه من النعم والامتنان، وإقامته النفس مقام الاعتذار؛ لأن المحاسن المشار إليها في كلام المؤلف.. هو ما يَظْهَرُ على العبد من صنوف الطاعات، وأفعال الموافقات.
وليس ذلك مقدورًا للعبد، بل هذا فضلٌ أبرزه عليه من عين منَّته، وأفاضه لديه من سابغ رحمته، وإلا.. فمن أنت حتى تقوم له بحق العبودية وأنت متلطِّخٌ بقاذورات البشرية، منغمسٌ في غمرات الشهوات؟! فأنى يكون منك عملٌ صالح؛ إن لم تُخلَّص من رؤية الخلق وظهور النفس؟! وهذا لا يصلح أن يقابل به، أو يعرض بين أهل حضرته، وقد قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)[الزمر:3]"، أما غير الخالص ما يصلح.
"فإذا حصل العبد على شيء مما يصلح للعرض عليه -سبحانه وتعالى- من خالص عمل أو حالة حميدة.. فإنما ذاك بارز على العبد من عين مِنَّته"؛ منة المعبود الإله الحق الموجود-، "لا مقدرة للعبد على تخليصه وتزكيته" سبحانه عز وجل، وإلا أنت ملطخ ببشريتك وإراداتك، فما يخلص لك عمل، وإذا خلص لك عمل فهذا من غاية المنة منه عليك سبحانه وتعالى.
"وإن ظهرت المساوي ورذائل الأحوال وقبائح الأعمال.. فبعدلك، ولك الحجة علي؛ لأن نسبة الأفعال الملومة والأخلاق المشؤومة إليَّ نسبةٌ وإسناد، وإلى عَدلِكَ خلقٌ وإيجاد"، نسبة كسب وإسناد إلى العبد، (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة:286].
"وهذه حالة الأدباء؛ يشهدون المحاسن من الله، لا نسبةَ لهم فيها، ولا اقتدار لهم عليها، ويشهدون نسبة المساوي إليهم، فيندمون عليها مع ما هم يشاهدونه من سبق الإرادة بذلك، وحكم الاقتدار فيما هنالك"؛ الله أكبر، اللهم تقبل جميع حسناتنا واحفظها وضاعفها عندك وخلِّصها من جميع الشوائب وضاعفها إلى ما لا نهاية، وتجاوز عن جميع سيئاتنا وذنوبنا ومخالفاتنا يا أكرم الأكرمين.
قال سيدنا زين العابدين أو ابنه محمد الباقر في تضرعه: "إلهي إني أخاف من عذابك أن تعذبني على أفضل أعمالي، فكيف بأسوأ أحوالي"؛ قال: حتى أفضل أعمالي ما تخلو من شوائب، أخاف أن تعذبني عليها، فكيف أسوأ أحوالي؛ لا إله إلا الله! هذا لقوة معرفتهم بالله جل جلاله.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"وهذا مما يقتضي سرعة الإجابة والإسعاف والظفر بالمطلوب؛ لأنه جاءه بوصفه، واعترف له بنعمته عليه وفضله، واعترف بتقصيره، فلم يكن التفات إلى غير فضله، ومع ذلك هو مشاهدٌ لتقديره وعدله، فجدير بنيل المطلوب.
فإذا كانت أسماؤه تقتضي ظهور آثارها.. أخذ في بيان تفاصيلها، وأسماء الجمال هي التي يحسن أن يتضرَّع بها، ويبتهل إليه بمضمونها؛ لأنها تضمنت للعباد دقائق اللطف والوداد؛ لذلك قال:
"إِلَهِي؛ كَيْفَ تَكِلُنِي وَقَدْ تَوَكَّلْتَ لي؟! وَكَيْفَ أَضَامُ وَأَنْتَ النَّاصِرُ لِي؟! أَمْ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ الْحَفِيُّ بِي؟!"
"إِلَهِي" بمعنى الوكيل الكافي الناصر الحفي؛ وهو اللطيف "كَيْفَ تَكِلُنِي وَقَدْ تَوَكَّلْتَ لي؟! وَكَيْفَ أَضَامُ وَأَنْتَ النَّاصِرُ لِي؟! أَمْ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ الْحَفِيُّ بِي؟!" كيف تكلني إلى نفسي وتهملني تائهًا في ظلمات حِسّي، وتحجبني عن مشاهدات أُنسي، وفسيح حضرات قدسي؛ وقد تسميت قبل بروزي بأنك الوكيل الحافظ الكفيل؟!
فظهور اسمك الوكيل يقتضي توكلي في سائر أموري، ولا تتركني موكولًا إلى عجزي وضعفي، وعدم علمي بما هو الأصلح لي، بل يقتضي تأثيره في أن تتوكَّل لي في جميع حركاتي وسكوني، وظهوري وبطوني، وسائر أموري، حتى تصرفني بحسن اختيارك لي فيما هو المطلوب مني، واللائق بمقام الشهود مني، فتقيمني بك لا بي، وتشهدني وجودك في الأكوان غائبًا عني فانيًا عن عالم كونيتي، باقيًا بك في ديمومية ملكك، فأحيا حياة الأبد بقيومية الواحد الأحد.
وكيف أضام بقهر الأنام وغلبة الأحكام وجور الحكام وأنت الناصر لي؟! لأنك صرت لي وكيلًا؛ وبسائر أموري كفيلًا، فلم يبق لي على سواك تعويل، فمن كنت له ناصرًا وكيلًا، ولأعدائه مقاومًا.. فلا يظهر عليه المتظاهرون، ولا يعبأ بعدد الجنود المتناصرين، قال ﷺ: "يرحم الله لوطًا؛ لقد أوى إلى الركن الشديد"، عند قوله: (أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ): [هود:80].
أم كيف أخيب من فضلك العظيم وكرمك العميم الذي نال أهل الجحود والضلال وأنت الحفي اللطيف بي؟! كما قلت: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) [الشورى:19]، وقلتَ في سبوغ رحمتك وتكليل مِنَّتك: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:143]، فكيف تخيب آمالي من عطائك؟! وكيف ترجع بخيبة من نصرتك وولائك؟! أم كيف تعود آيسة من روح مِنَّتك ورجائك؟! حاشا صفاتك العلية وتجلياتك الأزلية عن ذلك، ولي في ذلك:
أنت الوكيل وكل الكون مفتقر *** إليك يا كافي الذرات في الأزل
فلا تكِلْني إلى نفسي وأنت لها *** نِعم الوكيل ونِعم الناصر العدل
فلا يضام نزيل الله منتصرًا *** ولا يخيب الذي بالله متصل
ولطف الله بعبده لم يتخلف عنه في سائر أحواله وإن كانت مؤلمة له؛ فهو أعلم بدقائق الألطاف، فلا يفارق العباد لطفه، فما يحمله إلا هو.
جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول: علينا أن نحسن الأدب مع هذا الإله، وهو يتولانا بإفضاله وكريم أوصافه، ولكن غفلتنا عنه وإصرارنا على الغفلة والبعد عنه هو الذي يوقعنا في المصائب، وليقول: نِعْم الوكيل هو، هو الذي يقول: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3].
يقول: "إِلَهِي" بمعنى الوكيل الكافي الناصر الحفي؛ وهو اللطيف "كَيْفَ تَكِلُنِي"؛ يعني: تسلمني وتتركني وتهملني إلى غيرك، "وَقَدْ تَوَكَّلْتَ لي؟!"، قلتَ: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)؛ كافيه، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر:36] جل جلاله، ونِعم الكافي.
قال: فإذا أنا اعتمدت عليك لا يتأتى أن تكلني ولا تهملني، ولاترميني إلى غيرك! "كَيْفَ تَكِلُنِي وَقَدْ تَوَكَّلْتَ لي؟!" وقلت: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة:23]، (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس:84].
" وَكَيْفَ أَضَامُ"؛ يصلني الضيم والهون والذلة، "وَأَنْتَ النَّاصِرُ لِي؟! أَمْ كَيْفَ أَخِيبُ وَأَنْتَ الْحَفِيُّ بِي؟!" (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم:47]، كما قال سيدنا إبراهيم عليه السلام.
قال: "كيف تكلني إلى نفسي وتهملني تائهًا في ظلمات حِسّي، وتحجبني عن مشاهدات أُنسي، وفسيح حضرات قدسي؛ وقد تسميت قبل بروزي بأنك الوكيل الحافظ الكفيل؟!" (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) [النساء:81].
"فظهور اسمك الوكيل يقتضي توكلي في سائر أموري"، ولكن العباد هم الذين يقصِّرون في هذا، ويتوكلون على أنفسهم، يتوكلون على أعمالهم، يتوكلون على خلق مثلهم، يتوكلون على علمهم، يتوكلون على عقولهم، يتوكلون على حكوماتهم، يتوكلون على دوائرهم، يتوكلون على مؤسساتهم، فإذا نالهم الضيم والخيبة فهم السبب، لو اعتمدوا عليه ما بيكلهم، لأنه لا يكل من توكل عليه، جل جلاله.
قال: "ولا تتركني موكولًا إلى عجزي وضعفي"، قال ﷺ: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعجز ونقص وعورة".
قال: "وعدم علمي بما هو الأصلح لي، بل يقتضي تأثيره في أن تتوكَّل لي في جميع حركاتي وسكوني، وظهوري وبطوني، وسائر أموري، حتى تصرِّفني بحسن اختيارك لي فيما هو المطلوب مني"، كما يقول سيدنا شعيب أبو مدين: اللهم إن العلم عندك وهو محجوب عني، ولا أعلم أمرًا فأختاره لنفسي، وقد فوضت إليك أمري ورجوتك لفاقتي وفقري، فكن أنت المختار لي، فأرشدني إلى أحب الأمور إليك وأرضاها عندك وأحمدها عاقبة لديك.
"حتى تصرفني بحسن اختيارك لي فيما هو المطلوب مني، واللائق بمقام الشهود مني، فتقيمني بك لا بي"، فإنه لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، "وتشهدني وجودك في الأكوان" حالة كوني "غائبًا عني"، يعني ما أشهد لي شركة معك، الكون كونك والإيجاد إيجادك والخلق خلقك، "فانيًا عن عالم كونيتي، باقيًا بك في ديمومية ملكك"، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [الملك:1]، "فأحيا حياة الأبد بقيومية الواحد الأحد"، فهو قيوم جل جلاله، ما ترك شي مهمل، قائم على كل نفس بما كسبت، قائم على كل ذرة من ذرات الوجود في تصويرها وفي تدويرها وفي ترتيبها وفي إيجادها وفي زيادتها ونقصها وفي جميع الشؤون جل جلاله، سبحان الحي القيوم، (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58]، جل جلاله، وقال: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255]؛ سبحان الله.
قال: "وكيف أضام بقهر الأنام وغلبة الأحكام وجور الحكام وأنت الناصر لي؟! لأنك صرت لي وكيلًا؛ وبسائر أموري كفيلًا، فلم يبقَ لي على سواك تعويل، فمن كنتَ له ناصرًا وكيلًا، ولأعدائه مقاومًا.. فلا يظهر عليه المتظاهرون، ولا يعبأ بعدد الجنود المتناصرين"، قال سيدنا لوط عليه السلام لقومه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ)، قال سيدنا النبي محمد: لقد أوى لوط إلى ركن شديد، "قال ﷺ: "يرحم الله لوطًا؛ لقد أوى إلى الركن الشديد"، وهو إلى الله تعالى، التجأ إلى الله، فقالت له الملائكة: (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ) [هود:80-81].
قال: "أم كيف أخيب من فضلك العظيم وكرمك العميم الذي نال أهل الجحود والضلال وأنت الحفيّ اللطيف بي؟! كما قلت: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) [الشورى:19]، وقلت في سبوغ رحمتك وتكليل مِنَّتك: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:143]، فكيف تخيب آمالي من عطائك؟! وكيف ترجع بخيبة من نصرتك وولائك؟! أم كيف تعود آيسة من روح مِنَّتك ورجائك؟! حاشا صفاتك العلية وتجلياتك الأزلية"، فالله يرزقنا الاعتماد عليه والاستناد عليه، قال سيدنا الحداد:
رَبِّ عَلَيْكَ اعْتِمَادِي *** كَمَا إِلَيْكَ اسْتِنَادِي
صدْقًا وَأَقْصَى مُرَادِي *** رِضَاؤُكَ الدَّائِمُ الحَال
أكرمنا بالرضا يا ربنا، واجعل اعتمادنا عليك واستنادَنا إليك.
"أنت الوكيل وكل الكون مفتقرٌ *** إليك يا كافي الذرات في الأزل"
قال:
مَا فِي الوُجُودِ وَلَا فِي الكَوْنِ مِنْ أَحَدٍ *** إِلَّا فَقِيرٌ لِفَضْل الوَاحِدِ الأَحَدِ
مَعَوَّلُونَ عَلَى إِحْسَانِهِ فُقَرَا *** ……………………………..
الذي في السماء والذي في البرزخ، والذي في الدنيا، الأنبياء والأولياء والمقربين، وذرات الوجود والكون كلها مفتقرة إليه سبحانه وتعالى.
…………………..*** إِلَّا فَقِيرٌ لِفَضْل الوَاحِدِ الأَحَدِ
مَعَوَّلُونَ عَلَى إِحْسَانِهِ فُقَرَا *** لِفَيضِ إفْضَالِهِ يَا نِعْمَ مِنْ صَمَدِ
الله ينظر إلينا.
قال: "ولطف الله بعبده لم يتخلَّف عنه في سائر أحواله وإن كانت مؤلمة له؛ فهو أعلم بدقائق الألطاف، فلا يفارق العباد لطفه، فما يحمله إلا هو، وإذا علمت أن لا وسيلة للعبد أرجى من اعترافه بوصفه بين يدي سيده"، فالمؤلف يفتقر إلى الله تعالى. قال سيدنا الحداد:
فَدُعَائِي وَابْـتِـهَـالِـي *** شَاهِدٌ لِى بافْتِقَارِي
فَلِهَذَا السِّرِّ أَدْعُو *** في يَسَارِي وَعَسَاري
أَنَا عَبْدٌ صَارَ فَخْرِي *** ضمْنَ فَقْرِي وَاضْطِرَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي
الله ينظر إلينا وإليكم في هذا اليوم، ويدفع عنا كل شر أحاط به علمه، ويبارك لنا في خاتمة شهر الظفَر، ويُقْدِم الليلة القابلة علينا إن شاء الله في أول ليلة من ربيع الأول بصلاح أحوال المسلمين، وجَمَعَنا بسيد المرسلين.
يكرِمْنا بالمكرمين عليه، والمقربين لديه، ويجعلنا وإياكم مقبولين أجمعين، ويعيد علينا عوائد الخير، ويقبل شهر ربيع الأول بالصلاح والفلاح والنجاح والفرج للمسلمين، والغياث للأمة أجمعين، ولا يعود كل واحد منكم إلى بلده ولا إلى أهله إلا وهو منقطر بقاطرة الصدق مع الله، والخلافة عن رسول الله ﷺ في تبليغ شرع الله ودين الله على الوجه الذي يحبه تعالى ويرضاه، مُوفَّق مُسدَّد مُؤيَّد محاط بعناية وسور من الرعاية الربانية، ويقيه الله به شر النفس والهوى، وكيد الشياطين والدنيا، وكل قاطع يقطعه عن تمام الصدق مع ربه، ويسير بنا مسار محبوبيه والمقربين إليه.
ويعلي درجات سادتنا البدور هؤلا ويجمعنا بهم في دار الكرامة وسائر المتقدمين في زنبل والفريط وبكدر والوادي الميمون وأهل البقيع وأحد والحجون والشبيكة، وأولياء الله -سبحانه تعالى- في الشام وفي المغرب وفي مصر وفي الشرق وفي الغرب وفي جميع الأقطار، يغفر لهم ويرحمهم ويعلي درجاتهم ويجمعنا بهم ووالدينا وذوي الحقوق علينا خاصة، وموتى المسلمين وأحياهم إلى يوم الدين عامة.
وبالفرج العاجل واللطف الشامل، والختم بالحسنى وهو راضٍ عنا، وصلاح أحوال الأمة أجمعين حسًّا ومعنى، والعيادة في زيادة مع صلاح الغيب والشهادة، وسقيا رحمة القلوب ورحمة الجدب مع اللطف والهنا والسرور والأنس والحبور، وأن الله يتولانا بما تولى به محبوبيه والمقربين إليه، في خير ولطف وعافية، على هذه النية وكل نية صالحة ويجيب الدعوات، في خيرات وعوافي ومسرات دافعة لكل شر جالبة لكل خير.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
01 ربيع الأول 1448