المكاتبات والمناجاة الإلهية - 19 | إلهي؛ من كانت مَحاسِنُه مساوي، فكيف لا تكون مَسَاوِيهِ مَسَاوِي؟!
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الإثنين 4 ربيع 1448 هجري.
إلهي؛ مَن كانت مَحَاسِنُهُ مَسَاوِيَ.. فكيف لا تَكُونُ مَسَاوِيهِ مَسَاوِيَ؟!
ومن كانت حَقَائِقُهُ دَعَاوِيَ.. فكيف لا تَكُونُ دَعَاوِيهِ دَعَاوِيَ؟!
إلهي حُكْمُكَ النَّافِذُ وَمَشِيئَتُكَ القَاهِرَة.. لم يَتْرُكَا لذي مَقَالٍ مَقَالاً، ولا لِذِي حَالٍ حَالاً
كم من طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا، وَحَالَةٍ شَيَّدْتُهَا، هَدَمَ اعْتِمَادِي عليها عَدْلُكَ، بل أَقَالَنِي منها فَضْلُكَ
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي؛ مَنْ كَانَتْ مَحَاسِنُهُ مَسَاوِي .. فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَسَاوِيهِ مَسَاوِي؟! وَمَنْ كَانَتْ حَقَائِقُهُ دَعَاوِي .. فَكَيْفَ لَا تَكُونُ دُعَاوِيهِ دَعَاوِيَ؟!
"إِلَـٰهِي" بمعنى الكامل الموصوف بصفات الكمال، والمنعوت بنعوت الجمال والجلال "مَنْ كَانَتْ مَحَاسِنُهُ مَسَاوِي.. فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَسَاوِيهِ مَسَاوِي؟! وَمَنْ كَانَتْ حَقَائِقُهُ دَعَاوِي.. فَكَيْفَ لَا تَكُونُ دُعَاوِيهِ دَعَاوِيَ؟!" إذا كانت المحاسن المنسوبة مساوي؛ لما قارنها من النقص في النشأة، وما يصحبها من القوادح الموجبة للبعد عليها إن لم يزكِّها الله، ويخلصها من ذميم الإرادات الدنيئة.. فكيف لا تكون المساوي الظاهرة منه مساوي؟!
والإنسان إذا لم يلاطفه الله ويتداركه بعصمته.. لا يخلو عن سيئةٍ يستوجب العقوبة إن لم يتجاوز عنه الله ويعف؟! وذلك لأنه انطوت في طي جبلته جميع الطبائع الحيوانية، والصفات البهيمية، والأخلاق الضارية السبعية، فكيف يتصور خلوه عن شيءٍ طبع في أصل خلقته، وانتقش في طيّ جبلته؟!
اللهم إلا أن يتفضَّل الله بفضله، فتحيط به العناية الأزلية، فتعلو فيه الصفات العلوية الصافية السماوية، فتقهر تلك الصفات الأرضية، وتتوالى عليه الواردات الإلهية، والأسرار الحقية، والأنوار الوصفية، فلا جَرَمَ حينئذٍ أن يكون عليه من الكمال الإلهي ما يرفعه عن حضيضه السافل، ويُلحِقه بذروة الأوج الكامل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، ولي في ذلك:
محاسن العبد إن ينظر إليه يرى *** فيها المساوي وكلٌّ فيه مندرجُ
كيف المساوي إذا حققت ذاك فما *** يخلو عن السوء فيما قيل والحرج
"وَمَنْ كَانَتْ حَقَائِقُهُ" فيما يزعم أن هناك للعبد حقائق.. فهي "دعَاوِي" لأن مسندها إلى العدم والعجز، "فَكَيْفَ لَا تَكُونُ دُعَاوِيهِ" الظاهرة التي لا يخلو عنها أيضاً كل إنسان... "دعَاوِي" إلا من حققه الله بالشهود والعيان؟!
فمن جملتها: شهود الغنى له في ذاتٍ أو صفةٍ أو فعلٍ، ونسيان الافتقار كذلك أبدًا، فهذا من الدعاوي، بل كل دعوى لم تصدر إلا فرعًا عن هذا المشهد، ولي في ذلك:
حقائق العبد في النسبةْ إليه سدىً *** فلا لها مستندْ في الأصل يعضدها
فكيف ما كان من دعوى بغير يدٍ *** بيان بطلانها أن ليس يشهدها
اللهُ أكبْر، ولله الحمد، لا إله إلا هو صاحبُ الفضلِ والإحسان والجودِ والامتنان، شرفنا ببعثةِ سيد الأكوان، من أنزل عليه القرآن، وبيّن لنا فأحسن البيان، وتركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها يترقى أهلُها بمرقاها إلى رفيع مغناها، فيجدون من عطايا الحضرةِ الإلهية وإنعامها والجود منها وإكرامها ما لا يوصف ولا يُكيَّف، متمسكين بعبوديتهم للإله وذلتهم له وشهودهم لألوهيتهِ وربوبيتهِ جل جلاله.
ومما يعرف المُؤمن الموفق أن حقيقة شؤونهِ ممزوجةٌ بعجزهِ وضعفهِ ونقصه، فلِهذا ما يُنسب إليهِ من محاسن، هي:
- بالنسبةِ إلى تفضُّلِ الله بها عليه محاسن خالصة كاملة.
- لكن بالنسبةِ لاتصافهِ بها وحلولها فيه إذا نُسبت إليه ففيها شائبةُ نقائِصه، شائبةُ عجزه، وشائبةُ ضعفه.
فهي من حيثُ هي من الله شؤونٌ رفيعةٌ بديعةٌ ربانيةٌ حسنةٌ كاملة، ولكن من حيثُ استلامهِ لها واتصافهِ بها وكونهُ جُعلَ موضعًا ومحطًّا وموطنًا لها، ففي ذلك شوائب من نقصهِ وضعفهِ وعجزه.
فإذًا؛ المحاسن التي أُوتيها فيها مساوئ من جهتهِ هو، بالنسبةِ إليه، لا بالنسبة إلى المحسن الذي أحسن بها إليه، "فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَسَاوِيهِ مَسَاوِي؟!"
قال: المحاسن التي عندي هي بالنسبة إليّ مساوي؛ لأنني ما أقوم بحقها كما ينبغي، ولا أعاملها كما هي أهل، وضعفي ونقصي يتصل بتلك المحاسن التي حلت فيَّ منك، فهي في كمالها من حيث أنها منك وجمالها، أنا ما أعرفُ قدرها كما ينبغي، ولا أقومُ بِحقها كما يجب، فهي من حيث نسبتها إليّ فيها شائبة المساوئ؛ فإذا كان هذا حالي في المحاسن، فكيف في مساويي الأخرى التي هي من أصلها مساوي! غفلة أو ذنب، أو معصية! كيف ما هي مساوي؟.. إذًا فأنا محل للأسواء، فنحنُ أهل للأسوأ! يقول الإمام أبو بكر العدني بن عبدالله العيدروس: وأنت أهل للإكرام، نحن أهل للأسواء وأنت أهل للإكرام.
الله أكبر! فما مع الإنسان في الحقيقة إلا فضل ربه وجود ربه، أما من جهتهُ هو، أصلهُ عدم، وبعد تكوينه وخلقه معجون به الضعف والعجز والنقص، والحبيب الأعظم يقول لربه في دعائه: "لا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى عجزٍ وضعفٍ ونقصٍ وعورة"، "لا تكلني إلى نفسي ولا لأحد من خلقك طَرْفَةَ عين. فالله يرزقنا حسن الاعتماد عليه والأدب معه.
ولهذا رأيت مثل الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر مع ما آتاه الله من محاسن كثيرة يقول:
يا رب ما معنا عمل *** وكسبنا كله زلل
وذي الركعات، وذي العبادات، وذي الأجزاء التي يقرأها، عشر أجزاء في الليل وعشر أجزاء في الضحى، وخمسة وعشرين ألف "لا إله إلا الله"، وخمسة وعشرين ألف يا اللهُ يا الله، وخمسة وعشرين ألف صلاة على النبي ﷺ كل يوم، ويقول ما معنا عمل! يعني: ما في هذه الأعمال من خير فهو منك وإليك وأنت تفضلت به، أما إذا نسبته إلى نفسي فأنا الذي ما قمت بحقه كما ينبغي ولا تعاملت معه كما يليق، ما معنا عمل، أما كسبنا؟ كل ما نُسب إلينا:
…………….. *** وكسبنا كله زلل
ومع ذلك..
لكن لنا فيك أمل ………….
أن تتم نعمتك علينا، وكما أحسنت تتم، كما يقول: أحسِن كما أحسنتَ؛ أحسِن في الموهبة، أحسِن في القبول، وأحسِن في إدامتها، وأحسِن في مضاعفتها، وأحسِن في إضافة غيرها إليها..
أحسِن كما أحسنتَ
وزِد كما قد زِدتَ، وجُد كما قد جُدتَ… وهذا حالهم مع الله، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وما معنا من الأعمال التي قاموا بها والمحاسن التي وهبهم الله إياها، لا عُشْر و لاعُشْر العُشْر! ومع ذلك رؤوس شامخة! يا آدمي، يا إنسان، يا مؤمن، اتقِ الله، أنت عدم لست أصل، وإن وُجد فيك شيء من المحاسن فضل من الرحمن خالص، لم تقم أنت بحقها؛ المحاسن التي فيك ما عرفت قدرها ولا قمت بحقها ولا شكرها مع الله تبارك وتعالى.
فلا تنسب لنفسك ما ليس لك، أنت محل العجز، أنت محل الضعف، أنت محل النقص، (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28]، أيش الذي تحول؟ من أين يتحول؟ لا شيء إلا ما يُعار له ويُمنح من قوة الله تبارك وتعالى لا من حيث هو، من حيث هو ولا شيء، لكن من حيث ما يمنح من قوة الله يقوى بربه، يغتني بربه جل جلاله، وإلا هو فقير، بل ولا يزداد غناه بالله إلا بازدياد فقره إلى الله، كلما ازداد افتقاره إلى الله زاد غناه بالله، أكرمه الله من سر الغنى بما أكرمه، فالغنى من حيث الوهاب له وموجِده عظيم كبير، لكن من حيث وجوده فيَّ أنا، يعني عُرضة لأن يُنزع عني، عُرضة لأن يُسلب علي، ما قمت بشكره كما ينبغي، فهو من حيث نسبته لي مساوي، لكن من حيث جوده به عليّ محاسن.
لا إله إلا الله، سَتَرَ قبائحي بإفضاله، وأظهر محاسنهُ -ليست محاسني أنا- محاسنهُ، أظهرها فيَّ وأظهرها مني، لكنها حقه هو، ليست حقي أنا؛ محاسنهُ هو، فما نسبتها إلى العبد إلا نسبة مجاز، وإلا محاسن الإحسان محاسن الرب جل جلاله، وفضائل الرب.
ما تجلت وبرزت من حضرة الرب في مخلوق ولا كائن كما تجلَّت في ذات محمد ﷺ، أما إذا غُصتَ إلى الحقيقة المحمدية فما يدهش عقول الملأ الأعلى من محاسن الرحمن الموهوبة له ﷺ، لهذا ما يعرفه أحد من الخلق إلا إلهه الخلاق جل جلاله وتعالى في عُلاه.
قال: "إِلَـٰهِي؛ مَنْ كَانَتْ مَحَاسِنُهُ مَسَاوِي .. فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَسَاوِيهِ مَسَاوِي؟!"، "إذا كانت المحاسن المنسوبة مساوي؛ لما قارنها من النقص في النشأة، وما يصحبها من القوادح الموجبة للبعد عليها إن لم يزكها الله"؛ ولهذا قال الله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا) تسمع؟.. (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) يُزَكِّي نفوسهم، يُزَكِّي أعمالهم، يُزَكِّي أوصافهم، يعطيهم ويزكيها لهم، فسبحانه؛ أما هم.. (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) [النور:21]. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
والأنبياء هكذا علّموا أتباعهم وأممهم. وإبليس يُعلّم أتباعه: أنا خيرٌ منه، أنا خيرٌ منه…. هذه مدرسة إبليس!
- أما مدرسة الأنبياء: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) هذا آدم يقول: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23].
- ولما جاء سيدهم وخاتمهم يقول: "أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي"، "أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ"؛ هذه مدرسة الأنبياء.
- مدرسة إبليس: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف:12]، (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) [الحجر:33].
فتروح مع واحدة من المدارس، إما مدرسة الأنبياء وإما مدرسة إبليس؟ فاحذر؛ وهو قد عبد أكثر من عبادتك إبليس؛ سبعة آلاف سنة التي في السماء قبل عبادته في الأرض، عَبد في الأرض أول، ورُفع إلى السماء وعبد سبعة آلاف سنة وكلها حُبطت بكِبره، وخبثت مدرسته ومسلكه هذا، فهو عَبد أكثر منك، وأنت لا تتبع طريقته، قد لُعن وطُرد بعد العبادة الكثيرة والعياذ بالله تعالى، قال: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ) [ص:77-78].
بل ويُروى أن سيدنا موسى قال له إبليس مرة: يا موسى اسأل ربك إذا بيقبل توبتي بتوب.. فلما خاطب ربه موسى نَسِي؛ فقال له: ما أرسلك أحد إليَّ من خلقي؟ قال: أوه نعم يا رب عبدك إبليس هذا! قال إنه بيتوب، وأنا فرحت أنه سيتوب، حتى لايغوي الناس، قال الله له: قل له إنما طردته لإِبائِهِ السجود لآدم، فليذهب إلى قبر آدم وليسجد له؛ قال سيدنا موسى: ما أسهل هذا! أمر هين، طيب.
فَرِح وجاء إبليس قال إبليس: ما قال لك الله في؟! قال موسى: الله قال لي: طردك لإِبائِك السجود لآدم فاسجُد له؛ قال: ما سجدتُ له حي، حتى أسجد له ميت! ما أنت تقول بتتوب! لكن.. (وإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ) [ص:78] والعياذ بالله تعالى؛ ما رضي بقي في كبره، والعياذ بالله تعالى.
قال: "والإنسان إذا لم يلاطفه الله ويتداركه بعصمته.. لا يخلو عن سيئةٍ يستوجب بها العقوبة إن لم يتجاوز عنه الله ويعف؟!". ولذلك يقول قائل:
يظن الناس بي خيرًا وإني *** لشر الناس إن لم تعفُ عني
قال: "فكيف يتصور خلوه عن شيءٍ طبع في أصل خلقته، وانتقش في طي جبلته؟!"، فيه جميع الطبائع الحيوانية والصفات البهيمية والأخلاق الضارية السبعية موجودة في طينة ابن آدم، "اللهم إلا أن يتفضَّل الله بفضله، فتحيط به العناية الأزلية، فتعلو فيه الصفات العلوية الصافية السماوية، فتقهر تلك الصفات الأرضية، وتتوالى عليه الواردات الإلهية"، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4] جلَّ جلاله؛ فيرتفع "عن حضيضه السافل، ويلحقه بذروة الأوج الكامل.
"وَمَنْ كَانَتْ حَقَائِقُهُ" فيما يزعم أن هناك للعبد حقائق.. فهي "دَعَاوِي" لأن مسندها إلى العدم والعجز، "فَكَيْفَ لَا تَكُونُ دُعَاوِيهِ دَعَاوِي".
قال: الحقائق التي أوتيتها وتفضلت بها عليّ هي من حيث أنا دعاوى؛ لأنها عارِّية؛ موهوبة من الحق سبحانه وتعالى، ما هي بأصلي: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78]، ولو كان عندي حقيقة علم، من أين هذه الحقيقة؟ هذه الحقيقة دعوى؛ بالنسبة لي دعوى.. لا أحطتُ بالعلم ولا قمتُ بحق ما آتاني من العلم.
- وهو من حيث أنه موهوب منه علم شريف رفيع عظيم مكرم يرفع درجات أهله كما يشاء، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255] جل جلاله.
- لكن من حيث نسبته لي أنا..
- أنا لا تأهلت لهذا العلم
- ولا استحقيته بنفسي
- وهو طارئ عليّ موهوب موضوع ما هو من أصلي
- ويمكن أن يسلبه عني أي وقت
- وأنا ما قمتُ بحق شكره عليه كما ينبغي
فهو من حيث أنا؛ دعوى، أدّعي العلم.. وأين العلم أين؟! أدعي العلم!.. ولكن من حيث وهبه، ومن حيث عطائه.. (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا)؛ ليس من الذين علموا من أنفسهم وإنما أوتوا، أُعطُو، (أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].
قال لي الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله تبارك وتعالى، لما سُئل: أيش من الكتب توصي به؟ قال: ما أنا بتوع كتب يا ولدي، لكن الله إذا وجد الإنسان مأمون، عبده مأمون على العلم يِدِّيله دِّيه ويِدِّيله دِّيه -يقولها بلهجته المصرية- يِدِّيله دِّيه ويِدِّيله دِّيه! (أُوتُوا).
والذي أُوتِيناه هذا كله، ما هو ما عندي وحدي؛ ولا ما عند علماء زماني والعلماء الذين قَبل وأهل السماء، (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)؛ بالنسبة لعلم الله هو عظيم ما أحد يحيط به، واحد ما يحيط به، إنما موزع عليهم، ولكن بالنسبة لعلم الله قليل؛ (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].
فالعلم للرحمن جل جلاله *** والعبد في جهلاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم وإنما *** نسعى لنسعى أننا لا نعلم
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]. اللهم علمنا ما ينفعنا ويرفعنا ونتحقق به بحقائق العبودية وشهودك الأسنى بمرآة حبيبك الأصفى، اللهم آمين.
فلو شهد "الغنى له في ذاتٍ أو صفةٍ أو فعل، ونسيان الافتقار كذلك أبدًا، فهذا من الدعاوي، بل كل دعوى لم تصدر إلا فرعًا عن هذا المشهد"؛ لهذا يقول:
إحساننا مساوي *** وصدقنا دعاوي
إحساننا مساوي،
- من حيث أنه منسوب لنا مساوي
- ومن حيث إنه من فضلك.. لك الحمد؛ شيء كبير أنعمتَ به علينا.
وصِدُقُنا دعاوي
- هو صدقٌ ولكن بالنسبة لنا إذا نُسب إلينا دعوى
- وإلا موهبة منك أنت أعطيتنا الصدق ومع ذلك نسبته إلينا وأثبتنا عليه وقلت: (هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة:119].
اللهم اجعلنا من الصادقين وألحقنا بهم، هبنا ذلك منك فضلًا وجودًا.
رضي الله عنكم، إلى أن قال:
"إِلَـٰهِي، حُكْمُكَ النَّافِذُ وَمَشِيئَتُكَ الْقَاهِرَةُ.. لَمْ يَتْرُكًا لِذِي مَقَالٍ مَقَالًا، وَلَا لِذِي حَالٍ حَالاً"
"إِلَـٰهِي"؛ بمعنى القاهر الحكيم "حُكْمُكَ النَّافِذُ وَمَشِيئَتُكَ الْقَاهِرَةُ.. لَمْ يَتْرُكًا لِذِي مَقَالٍ مَقَالاً، وَلَا لِذِي حَالٍ حَالاً" شهود نفوذ الحكم من غير مبالاة بالأسباب، وقهر المشيئة وغلبة الأمر.. هو الذي قطع قلوب الخائفين، وذلت له ألباب العارفين، فإن نظرت إلى ذي مقالة فصيحة، فغلبه الحكم، فسُلبت.. فانظر إلى بلعام بن باعوراء بعد أن كان -كما قيل- يكتب عنه العلم، فخرج من فيه كالحمام، أو كما قيل.
وإن نظرت إلى رفعة المحل وقوة الحال.. فلا أنزهَ من صفيح السماء؛ فإن إبليس غلب عليه سابق الحكم، وانبرم على شقائه سجل الأمر، أنزل كما ترى وطُرد -والعياذ بالله من سوء المقدور- مع ما كان عليه من قوة الحال، ورفعة المحل، كما كان يعبد الله أربعة آلاف عام، فكفى بذلك مخوفًا لذوي العقول السليمة ألا يسكنوا إلى شيء مما يبدو منهم من العلم أو العبادة، وأن يكونوا كلما ازدادوا علمًا.. ازدادوا خشية الله تعالى وخوفًا من أليم المكر وشدة سطوات القهر، ولي في ذلك:
نفوذ حكمك في الأشياء بلا سبب *** هو الذي حيَّر الألباب والمهجا
وللمشيئة قهرٌ لا يغالبه *** حال فكم فيه من علم قد اندرجا
ثم أخذ في بيان الأسباب التي يرجو بها العبد الفوز عند الله، فقال رضي الله عنه:
"كَمْ مِنْ طَاعَةٍ بَنَيْتُهَا، وَحَالَةٍ شَيَّدْتُهَا، هَدَمَ اعْتِمَادِي عَلَيْهَا عَدْلُكَ، بَلْ أَقَالَنِي مِنْهَا فَضْلُكَ."
لا إله إلا الله.
يقول -عليه رحمة الله-: "إِلَـٰهِي، حُكْمُكَ النَّافِذُ وَمَشِيئَتُكَ الْقَاهِرَةُ".
- (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [التكوير:29].
- "ماشاء اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ".
- (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
وإلا كم إرادات الخلق -منهم أغلب بني آدم الآن على الأرض- كثيرة في الأرض، ما هي متحققة ولا هي قائمة، ولا يكون إلا ما أراد الله جل جلاله وتعالى في علاه. كم جرت من إرادات، ما هم على واحد واثنين وعشر وعشرين ومائة ومئتين في القرون الماضية، أن لا يبقى إلى مثل هذا الزمان في هذه الأمة مثل هذه المجالس! هم أرادوا ذلك، لكن (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) [الصف:8]، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32].
فلا يكون إلا ما أراد الواحد، هم يريدون… لا يغرك دولة عظمى ولا دولة صغرى، كلهم لهم إرادات في أنفسهم، في جماعتهم، في وزاراتهم ما تتحقق، ما تتحقق.. يكون فيها ما أراده الله من فوق، ملايين الإرادات ما تكون، "ماشاء اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ"، وإلا كم قد أرادوا أهل الشرق وأهل الغرب؟ أرادوا كذا ووقع كذا، طلعوا إلى كذا وسقطوا من هنا، المملكة لواحد اسمه الله! اسمه الله! هو ملك الملوك، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ) [آل عمران:26] تؤتي وتنزع، ما شي بيدهم.. (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ)، قال يتداولونها أم نُدَاوِلُهَا؟.. (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران:140]؛ ليس هم يتداولونها بأنفسهم؛ (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، نطلع ذا وننزل ذا ونقرب ذا ونبعد ذا، ويا فوز من أطاعه واتقاه وخضع له واستقام، ويا خيبة من تكبر وفسد وطغى وبغى وخالف شريعته؛ يا ويله! والعاقبة للمتقين، اللهم اجعلنا من المتقين.
"حُكْمُكَ النَّافِذُ وَمَشِيئَتُكَ الْقَاهِرَةُ.. لَمْ يَتْرُكًا لِذِي مَقَالٍ مَقَالاً، وَلَا لِذِي حَالٍ حَالاً" شهود نفوذ الحكم من غير مبالاة بالأسباب، وقهر المشيئة وغلبة الأمر.. هو الذي قطع قلوب الخائفين، وذلت له ألباب العارفين، فإن نظرت إلى ذي مقالة فصيحة، فغلبه الحكم، فسُلبت" روّحت المقالة-.. "فانظر إلى بلعام بن باعوراء"، كان عالم وعنده الاسم الأعظم ويستجاب دعاءه، وأغروه ولا بد أن يعادي سيدنا موسى ويدعي على جيش سيدنا موسى وقومه وقبيلته بالمال، وقام يدعي، هَلَك ورُدَّ دعاؤه عليه وهَلَك، وأنزل الله فيه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) [الأعراف:175-176]، إن حملتَ عليه أو تركته يلهث يلهث الكلب، وهذا في الغي في الغي في الغي ما عاد يفيده شيء، ما عاد يرجع ولا عاد يتراجع بس على طول (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث).
فلا تغتر بعلم ولا تغتر بمقالة ولا تغتر بخطابة، وكان هذا خطيب مُصقع وكان له دعوات مستجابة تظهر أثرها في الناس، زاغ قلبه وجاء يعادي نبي من أنبياء الله تعالى -والعياذ بالله- فروَّح كله، كما إبليس روَّح كله، أبى يسجد لآدم، أمره الله بذلك، قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ) [الأعراف:12]، وطاح وراح والعياذ بالله تبارك وتعالى.
"وإن نظرت إلى رفعة المحل وقوة الحال"، فلا تنسَ إبليس هذا، طلع في السماء وعَبَد وعَبَد، ثم طُرد والعياذ بالله تعالى، "فكفى بذلك مخوِّفًا لذوي العقول السليمة ألا يسكنوا إلى شيء مما يبدو منهم من العلم أو العبادة"، ولا يعتمدوا إلا على الله وحده:
رَبِّ عَلَيْكَ اعْتِمَادِي *** كَمَا إِلَيْكَ اسْتِنَادِي
صِدْقًا وَأَقْصَى مُرَادِي *** رِضَاؤُكَ الدَّائِمُ الحَال
ربي جئتك بلا عدة ولا ماء ولا زاد، ما عندي شيء، عندي أنت؛ ترحمني وتجود عليّ… الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: وهؤلاء "كلما ازدادوا علمًا.. ازدادوا خشية الله تعالى وخوفًا" وتواضعاً؛ هذا العلم الصحيح هذه العبادة الصحيحة، يزداد أصحابها خوفًا وإشفاقًا وتواضعًا وخضوعًا وأدبًا، هذه عبادة صحيحة؛ أمَّا واحد يصلي ركعتين، أو يقرأ مقرئين، ويتعالى على أهل السماوات والأرض، ويتعالى على جيرانه وأصحابه، ويرى نفسه أحسن خلق الله، ما هذه عبادات، هذا لَعِب، هذا مَسْخَرَة، هذا تبعية للشيطان، يغتر بعبادة أو يغتر بعلم! إذا ما تواضعت وخضعت من لك؟ ومن يجيرك؟ ولهذا قال: (فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، لا أحد سيجيركم، لهذا قال أنا معتمد على واحد، يقول: (قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الملك:28-29].
يجب أن تأخذوا من الدورة سر هذا الاعتماد على ربكم، والاستناد الصادق إليه، أنتم مغطى عليكم استناداتكم على أنفسكم، واستناداتكم على عقولكم، واستناداتكم إلى أهوائكم، واستناداتكم إلى آرائكم، واستناداتكم إلى أموال أو قبائل أو غير ذلك، بطلوا فيها، واعتمدوا عليه وحده، استندوا إليه، واخضعوا له، وترقبوا مرضاته أين تكون واعملوا عليها والعاقبة للمتقين.
فيا رب ثبتنا على الحق والهدى، و يا رب اقبضنا على خير ملة.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
تاريخ النشر الهجري
17 ربيع الأول 1448
تاريخ النشر الميلادي
30 أغسطس 2026
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(43)
(170)
(637)
(6)
(384)
(32)
(535)
(56)
(71)
(20)
(27)
(6)
(13)
(1)
(368)
(8)
(26)
(12)
(379)
(15)
(86)
(48)
(32)
(5)
(10)
(6)
(484)