المكاتبات والمناجاة الإلهية - 12 | قُل للصِّدِّيقين من عبادي: بي فافرحوا، وبِذِكْري فتنعَّمُوا
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الأحد 26 صفر 1448 هجري.
شرح من قوله: "وَفِي أَخْبَارِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "قُلْ لِلصِّدِّيقِينَ مِنْ عِبَادِي: بِي فَافْرَحُوا، وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا.
وَاللهُ يَجْعَلُ فَرَحَنَا وَإِيَّاكَ بِه، وبِالرِّضَا مِنْهُ، وَأَلَّا يَجْعَلَنَا مِنَ الْغَافِلِين، وأَنْ يَسْلُكَ بِنَا مَسْلَكَ الْمُتَّقِينَ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِه."
المناجاة الإلهية
إلَهِي؛ أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ فَقِيرًا فِي فَقْرِي؟! إلهي؛ أَنَا الْجَاهِلُ فِي عِلْمِي، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ جَهُوًلا فِي جَهْلِي؟!
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين، إلى أن قال:
"وَفِي أَخْبَارِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "قُلْ لِلصِّدِّيقِينَ مِنْ عِبَادِي: بِي فَافْرَحُوا، وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا"
فلا يكون صدِّيقًا وله إلى الأغيار نظر وإقبال، ولا تتحقق المقامات إلا بشواهد الأحوال والعلامات؛ فعند ورود الأمر الواحد يتحقق المقرُّ من الجاحد، والمدبر من القاصد، وتتمايز بالأفعال المقاصد، فيظهر في مقامات الامتحان الخرز من المرجان، والفرحون بالله: هم أهل الروح والطرب، ويحق لهم حيث نالوا غاية المراد والأرب، ولي في ذلك:
ومن نظَرْ وجه من يهوى يحقُّ له *** أن يطرب الكونُ من ألحان مغناه
ويعتريه عظيم الوجد كيف به *** لو أسفرت من حجاب البعد عيناه
دار الوجود ودار الكأس واطربا *** مما يعاين من أنوار علياه
كادت على ذاك أرواحٌ تطير أسى *** إذا حدا حادي أو حنَّ بمغناه
ولما كان الفرح بالله من أجلّ المراتب وأقصى المطالب.. طلب المؤلف رحمه الله الوصول إلى ذلك، والتحلّي بما هنالك، فقال:
وَاللهُ يَجْعَلُ فَرَحَنَا وَإِيَّاكَ بِه، وبِالرِّضَا مِنْهُ، وَأَلَّا يَجْعَلَنَا مِنَ الْغَافِلِين، وأَنْ يَسْلُكَ بِنَا مَسْلَكَ الْمُتَّقِينَ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِه.
فالله يجعلنا كذلك وأحبابنا في الدين، ومن أحاطت عليه شفقة قلوبنا، ومن له علينا حق من المشايخ في الدين، والأولاد والوالدين، ومن أحبنا في الله أو أحببناه، ووالانا في الله وواليناه.
وألا يجعلَنا من الغافلين الفرحين بالأغيار، المطموس على أسرارهم بظُلَم الآثار، الذين سلكوا طريقَ الكفران، وانقادوا بأزِمَّة الأهواء لداعي الشيطان، ونسوا عبادة الرحمن، وانحجبوا بظواهر الأكوان.
وأن يسلك بنا مسالكَ المتقين الذين قدروه حقَّ قدره، وكانوا نصب نهيه وأمره، بمنِّه الفائض وكرمه العميم، آمين، بعد الصلاة والتسليم على خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه محمد الأمين، وآله الأكرمين، وصحبه المكرمين، نجوم الدين، وأعلام اليقين".
ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أيضًا ختم بهذا الشأن للمكاتبات التي كتبها لبعض إخوانه وسينتقل إلى المناجاة.
الحمد لله الذي له عجائب الإفضال، من كل ما لا يخطر على البال، يذيق من شاء من أحبابه لذة الوصال، فهم في عجائب الولع والوله بهذا الإله في كل حال، لا طيب لهم ولا سرور ولا انشراح بال؛ إلا من حيث ذلك الاتصال بذي الجلال والفضل والنوال -جل جلاله-، فلا سرور لهم ولا فرح إلا بالله، وانطوت الأسباب والكائنات لهم طيًّا؛ بل في شهودهم بحق يقينٍ وبعين صدقٍ وقوة وعي اضمحلّت الأكوان في شهودهم بالمُكوِّن -جل جلاله وتعالى في علاه-، اضمحلال الشهود لا اضمحلال الوجود، فوجودها بإيجاده قائم وبه، فهي قائمة به سبحانه وتعالى؛ لكن لا استقلال لها.
فحينما أدركوا الحقيقة لم يسمحوا لهذه الكائنات أن يأخذوا من بالهم وشهودهم وذوقهم نصيب، وجعلوه كله لمن يستحق الشهود، ولمن يستحق الحضور، ولمن يستحق الذكر، وهو: الله، وهو: الله، الله، تسمع هذا الاسم؟ عظيم، كبير، جليل، الله.. لا شيء أعظم من هذا الاسم، وما نطق أحد في الأرض والسماء أكبر من هذا الاسم، ولا أجمل من هذا الاسم، ولا أحسن من هذا الاسم: الله، الله جل جلاله.
ولذلك تجد أحدهم وقد جاء له الماء العذب الطيب وشربه، هو عُرضة في أحاسيسه ومشاعره العامة أنه فرح بالماء وببرده و بعذوبته؛ ولكن لما ارتقى هذا المرقى صار يستحي على نفسه أن يفرح بعين الماء ولا ببرودة الماء ولا بعذوبة الماء، لكن بمُنزل الماء، وخالق الماء، مبرّد الماء الذي عذَّب الماء وطيَّبه وجعله زُلالًا؛ فهو تجده مثلك يشرب، ولكن أنت فرحان بالشرب وهو فرحان بالرب! فما أقرب مكانكم الحسِّي ومحالُّكم، وما أبعد المسافة بينك وبينه في المكان المعنوي؛ أين هو وأين أنت؟ هو سماوي وأنت أرضي؛ لا إله إلا الله!..
وجدوا بعض أهل الصلاح ممن لا يُؤبَه له في بعض الصحاري، خرجوا أهل بلده يصلون الاستسقاء وقت قحط، مر به واحد يعرفه، قال: ما بال الناس؟ أيش معهم؟ قال الرجل: خرجوا يستسقون؛ أبطأ عليهم المطر وسيسألون الله السقيا؛ قال: بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية؟ قال الرجل: إن شاء الله بقلوب سماوية؛ قال: مادام بقلوب سماوية صلوا.
صلوا ودعوا وقام قال: كذابين! تقولون قلوب سماوية! راح توضأ وجاء وصلى ركعتين ورفع يدُّه، وأقبلت السحب وجاءت؛ قال: هذه بقلوب سماوية، تقولوا قلوب سماوية وأنتم..... لا إله إلا الله.
ولذا يقول:
كم شخص تنظره حاضرًا *** وروحه في العُلا تجول
هو جليس الله؛ يقول سيدنا الجنيد: لي عشرون سنة يظن الناس أني أتكلم معهم وإنما أنا أتكلم مع الله؛ يعني: ما أسلم على أحد ولا أرد عليه إلا وأنا حاضر مع الله -تعالى- بشريعته، أخاطبه بأمره، ولطلب القرب منه، ما حضرت معهم أصلًا ولا انقطعت عن الله، لا إله إلا الله!.
يقول: "وَفِي أَخْبَارِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: -كما روى أبو نعيم في الحلية أنه يقول:- "قُلْ لِلصِّدِّيقِينَ مِنْ عِبَادِي: بِي فَافْرَحُوا"؛ ما هو: فليفرحوا بي، "بِي فَافْرَحُوا": تقديم ما حقه التأجيل في اللغة يفيد الحصر، يفيد الحصر، "بِي فَافْرَحُوا" فقط، لا يفرحوا بشيء إلا بي فقط، "بِي فَافْرَحُوا".
- فليفرحوا بي: ممكن يضيف وبكذا وبكذا.
- لكن "بِي فَافْرَحُوا": لا شيء؛ بي وحدي فقط يفرحوا، لا شيء ثاني خلاص.
فإذا هم صدّيقون لا يقدرون يفرحون إلا به، أي شيء يسرّهم إلا من حيث رضاه هو، والقرب منه هو، هم يُسَرُّون به، ليس بذات الشيء أصلًا، حتى أحوالهم، حتى مكاشفاتهم، حتى أذواقهم، ما يفرحون بها إلا من حيث هي أصلًا، بالمعطِي لا بالعطاء، بالواهب لا بالوهب، بالمانح لا بالمِنَح، بالفتاح لا بالفتوح، يفرحون به، لماذا؟
لأنهم عرفوه، من عرفه معرفة خاصة ما يقدر يفرح بغيره، يستحي على نفسه عيب، أيش غيره هذا؟ أيش غيره الذي سيفرح به؟!
"قُلْ لِلصِّدِّيقِينَ مِنْ عِبَادِي: بِي فَافْرَحُوا، وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا"؛ سمعت؟ "بِذِكْرِي" أيضًا جاء بالحصر: "وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا"، ما يكون لكم تنعم بشيء آخر غير ذكري، ما شيء نعيم، ما شيء نعيم من غير ذكري، ذكري فيه النعيم؛ الله أكبر!، سمعت؟ "وَبِذِكْرِي فَتَنَعَّمُوا" يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
بذلك تفهم كلام الإمام الحداد -عليه رضوان الله تعالى- ولمَّا يخاطب يقول:
وَإِذَا مَا ذَكَرْتُكُمْ سُرَّ سِرِّي *** وَاسْتَرَاحَتْ رُوحِي بِأُنْسِ وَقُرْبِ
يقول:
أنتم أنتم أحبة قلبي *** ومُرادي من الوجود وحسبي
وإذا ما وجدتكم طاب عيشي *** وتولّى همِّي وغمِّي وكربي
ويرقُّ لي الزمان ويحـيـا *** كل مَيْتٍ منِّي ويسهُل صعبي
شرِّفوني بالقُرب منكم ووصلٍ *** يا دوائي من كل داءٍ وطِبِّي
يا سكونًا في مُهجتي وفؤادي *** لا بغَوْرٍ ولا بنجدٍ وكُثبِ
حُبُّكم وودادكم حشو قلبي *** من قديمٍ وقبل ماءٍ وتُربِ
قبل الماء والتراب وتكوين الجسد، روحي أحبتكم في عالم الأرواح من قبل.
وإذا ما ذكرتكم سُرَّ سِرِّي *** واستراحت روحي بأنسٍ وقُربِ
فارتضوني عبدًا لكم ونزيلًا *** ولزيمًا لكم فقيرًا مُلَبِّي
دَعْوَةَ الحَقِّ………..
سمعت؟ يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في بيان هذه الحقيقة اليقينية الربانية الرحمانية -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-:
وأحسنُ عَيْشٍ ليس فيه وجودكم *** وإن كان مُلكُ الأرض فهو ذَمِيمُ
سمعت؟ يقول:
هَوَاكُمْ بِقَلْبِي وَالفُؤَادِ مُقِيمُ *** ………………………..
خلونا نتعلم نحب ربنا، لن تجدوا أشرف منه، لا في دنياكم، ولا عند الغرغرة، ولا أن يصل أحدكم القبر والبرزخ، ولا في مواقف القيامة، ولا وسط الجنة؛ لا شيء أحسن من حبه ولا ألذ من حبه تعالى؛ قال:
هَوَاكُمْ بِقَلْبِي وَالفُؤَادِ مُقِيمُ *** وَشَوْقِي إِلَيْكُمْ مُقْعِدٌ وَمُقِيمُ
لذا قال بامخرمة: الذي يدَّعي المحبة ولا تقومه وتقعده قال:
ومن حبّ وأخفى المحبة *** وجافى الهوى بايكامي
كم؟ كم؟ كم عندك؟
تبريت يا ناس منه *** ………………
قال: بعِّده هذا خارج الدائرة
تبريت ياناس منه *** ولو كان شيخي وإمامي
ولو مر عندي وسلم *** فلا أرد عليه السلامِ
ولو بات ليله يصلي *** وشفته يطيل القيامِ
وليس له في الحب مشرب *** فما أعده إلا حرامي
عبد نفسه، وشهواته، ويتظاهر بالعبادة لله تعالى وهو مأخوذ بغير الله، وقاعد مع غير الله! لا إله إلا الله:
على ذا بنيت أمر ديني *** وطولت فيه الكلامِ
على العشقه الله براني *** وسقَّى بماها عظامي
وللحب ربي خلقني *** وفي الحب موت الكرامِ
****************
يقول:
………………… *** وشوقي إليكم مقعِدٌ ومُقِيمُ
وأنتم لروحي رَوْحها ونعيمها *** فيا حبَّذا رَوْحٌ لها ونعيم
إذا ما دنوتم فالحياة لذيذةٌ *** وفي العَيْش خيرٌ والزمان سليم
صاحب هذا الحال يعيش في قرن أول، في قرن ثاني، في قرن رابع، في قرن خامس عشر، الذي نحن فيه وغيره، في أي ظرف، في أيام رخاء، في أيام شدة، في أيام حرب، في أيام سلم، وهو في لذة الوصال بذي الجلال، في خير حال ومراقي عوال، وشرب من أحلى سلسال، واتصال بشريف الجناب، في دوائر الأحباب، وعطايا ما لها حساب يا الله!.. هذا حاله وهو في الدنيا، وعند اللقاء أطيب، فأيش مع أهل الدنيا هؤلاء؟
مساكين، مساكين، اغتروا بلعبهم ودنياهم وغرورهم وسلطتهم، وتعّبوا نفسهم وعرضوا أنفسهم لعقاب شديد وعذاب، ما عيش صافي هني إلا مع أهل القلوب المتصلين بالرب، هؤلاء عيشهم يا خير عيش.
إذا ما دنوتم فالحياة لذيذةٌ *** وفي العَيْش خيرٌ والزمان سليم
ومهما بعدتم سادتي وجفوتم *** فقلبي وجسمي والِهٌ وسقيم
وَأَحْسَنُ عَيْشِ ………… *** ……………………
في قياس الناس وحساباتهم الحسية الجسمانية من أول الدنيا إلى آخرها، أحسن عيش في مقياسهم هذا:
………….لَيْسَ فِيهِ وُجُودُكُمْ *** …………………
برضاكم ومحبتكم بقربكم:
……………… *** َوإِن كَانَ مُلْك الأرضِ فهُوَ ذمِيمُ
فهو ذميمُ! ما أريده، الذي يتنافسون عليه ويعدونه أحسن عيش أنتم غير موجودين فيه، ولستُ أنا قريب منكم؛ ما أريده هذا ذميم:
وَكل سُرُورٍ قَدْ خَلَا عَنْ وِصَالِكُمْ *** فَمَا هُوَ إِلَّا تَرْحَةٌ وَغُمُومُ
قال: إيش من سرور هذا؟ ظاهره سرور، هذا ما هو سرور، هذه كدور.. إذا خلا عن وصالكم
……………..*** فَمَا هُوَ إِلَّا تَرْحَةٌ وَغُمُومُ
فمُنُّوا وجُودوا باللقا وتعطّفوا *** وعُودوا فإني فاقدٌ وعَديمُ
لمن تدعوني؟
لمن تدعوني سادتي وأحبتي *** لكل لئيمٍ لا يزال يلوم
أما ترحموا ذلّي وضعفي وغربتي *** وأنتم كِرامٌ والكريم رحيم
ثم يتذكر أيام في الوصال والاتصال مع أهل الذوق العال:
رعى الله أيامًا خلت في ربوعكم *** بعيْشٍ هنيٍّ لم تشُبه هموم
وكنا وكنتم والزمان مساعدٌ *** وما ثمَّ إلا مؤنسٌ ونديم
فهل لليالي الماضيات بعودةٍ *** وإلا فإني لـلـحياة سؤوم
ما لي غرض في الحياة كلها إذا ما فيها هذا الوصل..
أأبقى كذا بين الأباعد ليس لي *** أنيسٌ حقـيـقيّ الوداد كتوم
أسامره فيكم بأخبار حـيِّـكم *** وفي بحر أسرار الوجود نعوم
ثم يتذكر من لقيهم من الشيوخ والأكابر وأهل السر في هذا الوادي، يقول:
وقد كان بالوادي وبالربع والحِمى *** رجالٌ مصـابيـح الوجوه نجوم
لهم من شراب القوم شِربٌ ومِن حديـــــــث نجدٍ حديثٌ طيّبٌ وقويم
وكنت بهم وافي الجناحين ساكن الـ *** ــــفؤاد وريحي إذ تهِبُّ نسيم
فأعدمني الدهر الخؤون وجودهم *** وما الدهر إلا خائنٌ وظلوم
وأصبحت من بعد الأحبة مفردًا *** وحيدًا ومحزونَ الفؤاد كـظـيم
فآهٍ وآهٍ كم دموعٍ أُسـيـلـهـا *** عـلـيـهـم ومـا إلا الإلـه يــدوم
فـأحمـَده سـبـحـانه جلَّ ذكـره *** عـلـيـمٌ وحـيٌّ قـادرٌ وقـديـم
وفي الله عوض عن كل هالك، وليس في شيء عوض عن الله، ليس في شيء عوض عن الله، وفي الله عوض عن كل هالك وعن كل شي؛ يا الله قربنا إليك، واجعل فرحنا بك.
أحبابنا هؤلاء جاءوا من بلاد شتى وأماكن شتى، يطلبون فضلك وقربك ورفدك، فافتح لهم باب من جودك وكرمك، حتى لا ينصرف الكثير منهم من الدورة إلا وفرحهم بك، ومن كان فرحه بك دامت أفراحه، وغابت أتراحه، وتروحت روحه، وقرب فتوحه، وعظم منوحه، وكان معك وكنت له ومعه في حياته وعند مماته وفي برزخه وفي آخرته، فلا تجعل فرحنا إلا بك يا ربنا.
قال: "فلا يكون صدِّيقًا وله إلى الأغيار نظر وإقبال"، كيف صدِّيق وهو يتلفّت لغير الرحمن؟ لا لا لا، لا لا، من أول الصدق يتعلم العكوف على باب الرحمن:
لم أزل بالباب واقـف *** فارحـمـن ربي وقوفـي
وبـوادي الفضـل عاكف *** فـأدِم ربـي عـكُـوفـي
وحسبي أَنَّنِي بِالَبَابِ حَانِي *** عَلَى الأَعْتَاب إلى يَوْمِ القيامة
ما أنصرف ولا ألتفت يمنة ولا يسرة، على بابه على بابه، وهو يرحم من وقف بالباب ويفتح، ويجود، ونعم الوهاب.
قال: "فلا يكون صدِّيقًا وله إلى الأغيار نظر وإقبال، ولا تتحقق المقامات إلا بشواهد الأحوال والعلامات؛ فعند ورود الأمر الواحد يتحقق المقرُّ من الجاحد، والمدبر من القاصد، وتتمايز بالأفعال المقاصد، فيظهر في مقامات الامتحان الخرز من المرجان"، هل من فرق بين المرجان والخرز؟!
الخرز حديد ما يساوي شيء، المرجان الوحدة منها قيمتها كم! وأحيانًا شكلها متقارب، ما الخرزة مثل المرجان أبدًا؛ ولا مثل اللؤلؤ مثل الخرز سواء سواء؟! لا إله إلا الله.
قال: "فيظهر في مقامات الامتحان الخرز من المرجان، والفرحون بالله: هم أهل الرَوْح والطرب، ويحق لهم حيث نالوا غاية المراد والأرب"، وقال في أبياته:
ومن نظَرْ وجه من يهوى يحقُّ له *** أن يطرب الكونُ من ألحان مغناه
ويعتريه عظيم الوجد كيف به *** لو أسفرت من حجاب البُعد عيناه
دار الوجود ودار الكأس واطربا *** مما يعاين من أنوار علياه
كادت على ذاك أرواحٌ تطير أسى *** إذا حدا حاديٌ أو حنَّ بمغناه
ولما كان الفرح بالله من أجلّ المراتب وأقصى المطالب.. طلب المؤلف"-من الله- "الوصول إلى ذلك"، ونحن نطلبه من الرب، "والتحلّي بما هنالك".
ونسأل خالقنا وخالقكم، ومُنشئنا ومُنشئكم، بارئ السماوات والأرض، أن لا يحرمنا هذا العطاء الوافي الكافي الشافي الرفيع القدر، اللهم لا انقضت دورتنا إلا وقد اصطفيت قلوبًا لا تفرح إلا بك، فرحها كله بك يا الله.
قال: "وَاللهُ يَجْعَلُ فَرَحَنَا وَإِيَّاكَ بِهِ، وَبِالرِّضَا مِنْهُ، وَأَلَّا يَجْعَلَنَا مِنَ الْغَافِلِينَ، وَأَنْ يَسْلُكَ بِنَا مَسْلَكَ الْمُتَّقِينَ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
فالله يجعلنا كذلك وأحبابنا في الدين، ومن أحاطت عليه شفقة قلوبنا" -وجُدرات بيوتنا-، "ومن له علينا حق من المشايخ في الدين، والأولاد والوالدين، ومن أحبنا في الله أو أحببناه، ووالانا في الله وواليناه.
وألا يجعلَنا من الغافلين الفرحين بالأغيار"، يفرح بما ينقطع عنه، يفرح بشيء ينقطع عنه، يفرح بشيء يتركه، يفرح بشيء يباعَد بينه وبينه، يفرح بشيء يفنى، يفرح بشيء ينقضي، يفرح بشيء يزول! هذا فرح زائل منقضي فاني، لكن افرح بما لا يزول، بما لا يفنى، بما لا ينقطع، الله أكبر! نِعم الفرح بالله.
قال: "وألا يجعلَنا من الغافلين الفرحين بالأغيار، المطموس على أسرارهم بظُلَم الآثار، الذين سلكوا طريقَ الكفران، وانقادوا بأزِمَّة الأهواء لداعي الشيطان، ونسوا عبادة الرحمن، وانحجبوا بظواهر الأكوان".
نسأله تعالى "أن يسلك بنا مسالكَ المتقين الذين قدروه حقَّ قدره، وكانوا نصب نهيه وأمره، بمَنِّه الفائض وكرمه العميم، آمين، بعد الصلاة والتسليم على خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه محمد الأمين، وآله الأكرمين، وصحبه المكرَّمين، نجوم الدين، وأعلام اليقين"؛ رضي الله عنهم.
ويبدأ في شرح بعض المناجاة لله تعالى:
المناجاة الإلهية
"وهنا أخذ في المناجاة لمَّا انتهى إلى مقام المُصافاة، وبه تمامُ الكتاب، فقال رضي الله عنه:
إلَهِي؛ أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ فَقِيرًا فِي فَقْرِي؟! إلهي؛ أَنَا الْجَاهِلُ فِي عِلْمِي، فَكَيْفَ لَا أَكُونُ جَهُوًلا فِي جَهْلِي؟!
لما كان اسم الألوهية له التكبُّر، وتَجلى في سائر المظاهر الملكوتية والملكية والجبروتية، الحسية والمعنوية، الشهادية والغيبية؛ وذلك لما اقتضت أعيان الوجود من التغاير والكثرة والاختلاف، وهو مع وحدته إلهٌ بكل معنىً، ويعمُّ سائر الأسماء الجلالية والجمالية التي سائر الأكوان موجودون عن تأثيرها، وظاهرون بمظهر منها، فيكون بهذا الاعتبار لذوي الاستبصار الإله بمعنى المعبود بحق، والمستغني بذاته، المفتقر إليه ما سواه، والموجود والمرجو والْمَخُوف، والمحبوب والمقصود والموصوف بكوامل الأوصاف، والمعروف بمحاسن الأفعال، وغير ذلك مِن سائر ما يظهر حِسًّا ومعنى؛ فالحق هو الإله، وبمعنى الحقِّ الظاهر وسائر الأسماء.
فلذلك كلما ظهر العبد في وصفٍ من صفاته.. شهد حقيقة تلك الصفة، فردَّها لمن هي له حقيقة، واتصف بما هو الأصل له دون إلهه.
ولمَّا تجلى الحق له في شاهد سره بسر الغنى المطلق الديمومي، وأثرُ ذلك الوصف الإلهي ظاهرٌ أثره على صفحات الوجود، وبادٍ مظهره على كل معاين موجود، بالقيام به في كل حركة وسكون.. ظهر -لا محالة- افتقارُ العالم بأجمعه علوِّه وسُفله إلى إقامة القيوم، الدائم به وله في سائر الأحوال والقوى.
وإذا كان الأمر كذلك.. فالعبودية أنْ تعرف وصفك وما هو نعتك؛ ليَمُدك من فائض فضله، لأن كل اسمٍ يظهر أثره يقتضي حقًّا من العبادة، ولا يكون عبادة حقيقة إلا ما كان صادرًا عن معرفة المعبود وكماله، ومعرفة العبد ونقصه واضطراره، وذِلته تحت قهر المعبود وجلاله.
واسم الألوهية من أخص ما يتوسل به المألوه؛ لأنه لا يخفى ما في دعائه بهذا الاسم من الاعتراف لله بكمال ألوهيته، وعظيم ربوبيته، وما العبد عليه من الاتضاع في أرض افتقاره وتراب ذِلَّته، فقال: "إلَهِي" فشهوده للألوهية أولًا.. دليل كمال معرفته؛ لأن لها الأصالة، فاقتضاء مقام العبودية لهذا الإله المعبود أن لا بد للعبد من إنِّيَّة، فقال: "أَنَا الْفَقِيرُ" وذلك مِن أحسن آداب العبيد؛ أنها لا تظهر إنِّيَّة إلا مقترنة بوصفها، ومتدرعة بنعتها، والفقر له وصفٌ في الذات والصفات والأفعال، بل في نفس وجودها مفتقر إلى موجده أولًا، وقائم في حال وجوده، وممد له مواد صفاته، ومجري له أسباب أفعاله، فكان فقيرًا لا محالة، والسؤال بهذا الوصف أقرب للإجابة، بل لا يقُرع باب الرب بمثل التملُّق إليه بهذا الحال".
الله أكبر ولا إله إلا هو. اللهم أذقنا لذة مناجاتك يا رحمن، إلهنا نحن الفقراء في غنانا، فكيف لا نكون فقراء في فقرنا؟ إلهنا نحن الجاهلون في علومنا، فكيف لا نكون جهولين في جهلنا؟ يا إلهنا.
يقول: "وهنا أخذ في المناجاة لمَّا انتهى إلى مقام المُصافاة، وبه تمامُ الكتاب، فقال رضي الله عنه:
"إلَهِي".
قال: "لما كان اسم الألوهية له التكبُّر"؛ يعني: مِن لازِم صفاته العلية اللائقة به تكبّره عن أن يحيط به شيء، وأن يدركه شيء، وأن يُحيط بوصف من أوصاف أي شيء غيره، فهو متكبِّر، وهذا لازم للألوهية.
قال: "لمّا كان اسم الألوهية له التكبُّر، وتَجلى في سائر المظاهر الملكوتية والمُلكية والجبروتية"، تجلى سر الألوهية في:
- المَظاهر الجبروتية؛ وهي: طور مِن عالم الغيب بين الملكوت واللاهوت؛ الجبروت.
- والملكوت: الغيبيات المعنويات ما لا يُدرك بالحواس الخمس.
- والمُلك -عالم المُلك- هذا الذي قال عالم الشهادة؛ لا يدرك بالحواس الخمس من الكائنات الحسيات.
فهذه الحسيات عالم المُلك، وسطها معاني ومعارف وأسرار هي ملكوت، قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ ليس مُلك السموات والأرض، كل واحد يشوفه هذا، (مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام:75]، صلوات الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
قال: "الملكوتية والملكية والجبروتية، الحسية والمعنوية، الشهادية والغيبية"، فالحسية أيضًا يقال لها مُلك، والمعنوية ملكوت، والشهادية مُلك، والغيبية ملكوت، ووراء الملكوت عالم الجبروت وفوقه عالم اللاهوت.
"وذلك لمّا اقتضت أعيان الوجود من التغاير والكثرة والاختلاف، وهو مع وحدته -سبحانه وتعالى- إله بكل معنىً"، ولا إله إلا هو، فألوهيته سارية في ذرات الوجود كلها؛ عوالم الجبروت والملكوت والمُلك والشهادة والغيب، سر ألوهيته سارية في الكل، إله الكل -جلَّ جلاله- فإذا ذكرتَ ألوهيته تذللتَ وخضعتَ، وعرفتَ أن العز له والشرف له والكرامة له، وكل من سواه مفتقر إليه: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:93-95] لا إله إلا هو، فلما تدعوه بألوهيته تكون قريب إلى الإجابة؛ لأنك تتذلل وتخضع وتعرف عزته المطلقة وشرفه الكامل -جلَّ جلاله- وكبرياءه وعظمته.
قال: "وهو مع وحدته إلهٌ بكل معنىً، ويعمُّ سائر الأسماء الجلالية والجمالية التي سائر الأكوان موجودون عن تأثيرها"، الأكوان كلها موجودة من آثار أسماء الله: الخالق، البارئ، المنشئ، الفاطر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الباطن، الظاهر، الرافع، الخافض، المعطي، المانع؛ هذه الأسماء أثرها كل ما في الوجود، كله أثر هذه الأسماء..
- فالموجودات ظِل للأسماء والصفات
- والأسماء والصفات ظل للذات
لا إله إلا الله!.
قال: "فيكون بهذا الاعتبار لذوي الاستبصار الإله بمعنى المعبود بحق"، وهو الله وحده، "والمستغني بذاته، المفتقر إليه ما سواه، والموجود والمرجو والْمَخُوف، والمحبوب والمقصود والموصوف بكوامل الأوصاف، والمعروف بمحاسن الأفعال، وغير ذلك مِن سائر ما يظهر حِسًّا ومعنى"؛ هذا مقتضى الإله -ألوهية-، "فالحق هو الإله، وبمعنى الحقِّ الظاهر وسائر الأسماء.
فلذلك كلما ظهر العبد في وصفٍ من صفاته.. شهد حقيقة تلك الصفة، فردَّها لمن هي له حقيقة، واتصف بما هو الأصل له دون إلهه.
ولمَّا تجلى الحق له في شاهد سره بسر الغنى المطلق الديمومي"؛ الدائم الذي لا انقضاء له.
فهو الغني عن كل شيء، وهو الفقير إليه كل شيء سواه، هو الغني عن كل ما سواه، والمفتقر إليه كل مَن عداه، هذا وحده الله سبحانه وتعالى، غني عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه سبحانه.
قال: "وأثرُ ذلك الوصف الإلهي ظاهرٌ أثره على صفحات الوجود، وبادٍ مظهره على كل معاين موجود، بالقيام به في كل حركة وسكون.. ظهر -لا محالة- افتقارُ العالم بأجمعه علوه وسفله إلى إقامة القيوم، الدائم به وله في سائر الأحوال والقوى"؛ الدائم به وله، فلا يقوم ولا يبقى شيء (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ)، ما لها بقاء أصلًا لذاتها، ولا لها وجود ذاتي، هو ماسكها، (وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41] بتقول يا حكومة مَن؟ بتقول يا هيئة أين؟ مسكي السماوات مسكي أرضهم.. لو شيء قليل زلزلة عندهم وأحدث الأجهزة عندهم، هم وإياها قدهم في باطن الأرض في ثواني! في ثواني في بطن الأرض هم وأجهزتهم! (وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) ما حد يقدر يمسكها، لا إله إلا هو.
وهذا كل واحد منكم الآن:
- وجوده من عند رأسه إلى قدمه، اسم المصور، واسم المبدئ، واسم الخالق، واسم المنشئ، واسم الموجد.
- وإمداده سبحانه وتعالى باسمه القوي واسم المنعم واضح فيه ظاهر فيه.
- وبوجود المَوجود منكم هنا و له نية في الوجهه له؛ اسم الموفق واضح، والهادي.
- وبكل ما أنتم فيه مما نعلم وما لا نعلم، اسم المنعم يرفرف عليه!.
الله الله! نسأله يقربنا إليه ويجعلنا في حضرته حاضرين.
يقول: "وإذا كان الأمر كذلك.. فالعبودية أنْ تعرف وصفك"، ما هو وصفي؟
وصفي: عدم وفقر واضطرار، هذا وصفي، ضعف وعجز هذا وصفي، هذا وصفي الحقيقي؛ أنا أصلي عدم، ومن حين وجودي أنا فقير وأنا ضعيف وأنا محتاج وأنا مضطر، هذا وصفي الحقيقي، يجب ألا يغيب عني، هذا حقيقة وصفي، أي شيء آخر معي منه وحقه، حتى سمعي وبصري.. ليس أنا سميع بنفسي ولا بصير بنفسي! إذا بيأخذ البصر في لحظة يأخذه ما عاد أقدر أبصر، إذا بيأخذ السمع في لحظة بياخذه ما أقدر أسمع، ولا الحس ولا الحركة ولا الرجل واليد إلا منه وحقه! أنا عَدَم أصلي، أنا فقير، أنا مضطر، أنا عاجز، هذا وصفي ووصف كل مخلوق، هذا وصفهم الحقيقي، يغترون بالعاريات التي يعيرهم إياها، هي حقه عارِيَّة، ومتى أراد يأخذها يأخذها، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]، لا تجحدون و تقولون نحن نحن نحن؛ أيش نحن؟ نحن عدم، نحن فقراء، نحن مضطرون، نحن عاجزون، نحن مساكين.
إلهنا عبيدك بفنائك، فقراؤك بفنائك، مساكينك بفنائك، سائلوك بفنائك، فانظر إليهم، فانظر إليهم يا كريم، قرِّبهم يا رحيم.
قال: "فالعبودية أنْ تعرف وصفك وما هو نعتك؛ ليَمُدك من فائض فضله، لأن كل اسمٍ يظهر أثره يقتضي حقًّا من العبادة -لا إله إلا الله- ولا يكون عبادة حقيقة إلا ما كان صادرًا عن معرفة المعبود وكماله، ومعرفة العبد ونقصه واضطراره، وذِلته تحت قهر المعبود وجلاله.
واسم الألوهية من أخص ما يتوسل به المألوه"؛ أنت المألوه تتوسل إلى إلهك بألوهيته، "لأنه لا يخفى ما في دعائه بهذا الاسم من الاعتراف لله بكمال ألوهيته، وعظيم ربوبيته، وما العبد عليه من الاتضاع" -انخفاض- "في أرض افتقاره وتراب ذلته، فقال: "إلَهِي" فشهوده للألوهية أولًا.. دليل كمال معرفته؛ لأن لها الأصالة، فاقتضاء مقام العبودية لهذا الإله المعبود أن لا بد للعبد من إنِّيَّة"؛ كونه مخلوق ومُكوَّن، "فقال: "أَنَا الْفَقِيرُ" -هذا وصفي- وذلك مِن أحسن آداب العبيد؛ أنها لا تظهر إنِّيَّة إلا مقترنة بوصفها".
يقول ﷺ: "اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُك، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْت، أعُوذ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ"، أبُوءُ: يعني أقرّ لك وأعترف، "أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي؛ فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ" جلّ جلاله. هذا سيد الاستغفار نطق به نبينا المختار، يعلمنا كيف نتذلل لربنا ونصدُقُهُ، الأطهر والأنور والأكرم والأعلم والأعظم، يتذلل هذا التذلل، فكيف ما نتذلل لربنا!
قال: "فقال: "أَنَا الْفَقِيرُ" وذلك مِن أحسن آداب العبيد؛ أنها لا تظهر إنِّيَّة إلا مقترنة بوصفها، ومتدرعة بنعتها، والفقر له وصفٌ في الذات والصفات والأفعال، بل في نفس وجودها مفتقر إلى موجده أولًا، وقائم في حال وجوده، وممد له مواد صفاته، ومجري له أسباب أفعاله، فكان فقيرًا لا محالة"، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر:15-17]، (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) [الأنعام:133]، كان مَلء الأرض هذه أوادم غيرنا كانوا موجودين، ولا عاد واحد منهم، كم موجودين على ظهر الأرض من الذين كانوا موجودين قبل مئة سنة؟ أفراد أفراد؛ أو قبل مئة سنة هؤلاء الموجودين كلهم، لا أحد منهم كان موجود! هل أحد منكم كان قبل مئة سنة موجود هنا؟ (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) [الأنسان:1-2]، (كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ * إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) [الأنعام:133-134].
قال: "فكان فقيرًا لا محالة، والسؤال بهذا الوصف أقرب للإجابة، بل لا يقُرع باب الرب بمثل التملُّق إليه بهذا الحال".
يقول:
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي
فَدُعَائِي وَابْتِهَـالِـي *** شَاهِدٌ لِى بافْتِقَارِي
فَلِهَذَا السِّر أَدْعُو *** فِي يَسَارِي وَعَسَارِي
أُعَلِن فقري إليه.
أَنَا عَبْدٌ صَارَ فَخْرِي *** ضِمْنَ فَقْرِي وَاضْطِرَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي
يَا إِلَهِي وَمَلِيكي *** أَنْتَ تَعْلَم كَيْفَ حَالِي
وَبِمَا قَدْ حَلَّ قَلْبِي *** مِنْ هُمُوم وَاشْتِغَال
فَتَدَارَكْنِي بِلُطْفٍ *** مِنْكَ يَا مَوْلَى المَوَالِي
ماعاد يبقى لي هم إلا أنت.
يَا كَرِيمَ الوَجْهِ غِثْنِي *** قَبْلَ أَنْ يَفْنَى اصْطِبَارِي
يَاسَرِيعَ الغَوْثِ غَوْثًا ***مِنْكَ يُدْرِكْنِي سَرِيعا
يَهْزِمُ العُسْرَ وَيَأْتِي *** بِالَّذِي أَرْجُو جَمِيعًا
يَا قَرِيبًا يَا مُجِيبًا *** يَا عَلِيمًا يَا سَمِيعًا
قَدْ تَحَقَّقْتُ بعَجْزِي *** وَخُضُوعِي وَانْكِسَارِي
هذا شأن العبد، هذا شأن العبد.. هذا وصف العبد، وإذا قابل العبد بوصفه الرب في قدسه، رحمه وأفاض عليه فائضات جوده جلَّ جلاله.
لَمْ أَزَلْ بِالبَابِ وَاقِف *** فَارْحَـمَـنْ رَبِّي وُقُوفِـي
وَبِوَادِي الفَضْل عَـاكِـفْ *** فَأَدِمُ رَبِّي عُكُوفِي
وَلِحُسُن الظَّنَّ ألازم *** فَهْوَ خِلِّي وَحليفي
وأَنِيسِي وَجَلِيسِي *** طُولَ لَيْلِي وَنَهَارِي
حَاجَةً فِي النَّفْسِ يَا رَبِّ *** فَاقْضِهَا يَا خَيْرَ قَاضِي
حَاجَةً فِي النَّفْسِ يَا رَبِّ *** فَاقْضِهَا يَا خَيْرَ قَاضِي
حَاجَةً فِي النَّفْسِ يَا رَبِّ *** فَاقْضِهَا يَا خَيْرَ قَاضِي
ارفعوا له حاجاتكم جلَّ جلاله.
حَاجَةً فِي النَّفْسِ يَا رَبِّ *** فَاقْضِهَا يَا خَيْرَ قَاضِي
وَأَرِحْ سِرِّي وَقَلْبِـي *** مِنْ لَظَاهَا وَالشَّوَاظِ
في سُرُورٍ وَحُبُورٍ *** وَإِذَا مَا كُنْتَ رَاضِي
فَالهَنَا وَالبَسْطُ حَالِـي *** ……………..
إِذَا مَا كُنْتَ رَاضِي..
فَالهَنَا وَالبَسْطُ حَالِـي *** ……………..
………….. *** وَإِذَا مَا كُنْتَ رَاضِي
فَالهَنَا وَالبَسْطُ حَالِـي *** وَشِعَارِي وَدِثَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** من سُؤَالِي وَاخْتِبَاري
لك الحمد لك المنة، لا إله إلا أنت يا متفضل يا منعم و يا جواد، أتمم علينا النعمة، و اثبتنا في خواص الصادقين في الاقتداء بحبيبك محمد سيد الأئمة في كل شأن وحال ومقال ونية وقصد ومهمة، تولنا به ورقنا إلى القمة؛ في الفهم عنك والمعرفة بك والصدق معك والإخلاص لوجهك، وتفويض الأمر إليك، والأدب معك، والانطواء الكامل التام بحبيبك خير الأنام.
تولنا به في كل فعل وكلام، وفي كل خاص وعام، وفي كل إقدام وإحجام، واسقنا به أحلى مدام في مراتب القرب منك والمعرفة بك والصدق معك، والمحبة منك والمحبة لك والرضوان منك والرضوان عنك في خير ولطف وعافية؛ ووفقنا للمراتب الرفيعة العالية، و انظمنا في سلك الحبيب و أهل التقريب، ووفر لنا منه وبه وفيه الحظ والقسمة والسهم والنصيب، اجعلنا منه على بال في كل حال، واجعلنا منه على بال في كل حال، واجعلنا منه على بال في كل حال، وتولَّنا به في جميع الأحوال.
وتدارك أمته، وأغث أمته، وأصلح أمته، وفرج كروب أمته، وادفع البلاء عن أمته، واجمع شمل أمته، واجعلنا في أنفع أمته لأمته وأبرك أمته على أمته، وانفعنا بأمته عامة وبخاصتهم خاصة.
ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، وفرج علينا وعلى المسلمين وعجل بالفرج في اليمن والشام والشرق والغرب، واكشف كل كرب عنا وعن أمة حبيب القلب ﷺ، وتولنا في كل مهمة وبلغنا فوق آمالنا، وابسط لنا بساط الرحمة وأتِم علينا النعمة برحمتك في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 صفَر 1448