المكاتبات والمناجاة الإلهية - 10 | مُحالٌ أن تراه وترى معه سِوَاه

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأربعاء 22 صفر 1448هـ

 وَمُحَالٌ أَنْ تَرَاهُ وَتَشْهَدَ مَعَهُ سِوَاهُ!! 
قَالَ لَهُ الْقَائِلُ: قَدْ تَكُونُ قُرَّةُ الْعَيْنِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَارِزَةٌ مِنْ مِنَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ لَا يَفْرَحُ بِهَا؟! وَكَيْفَ لَا تَكُونُ قُرَّةَ الْعَيْنِ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ:
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58] ؟!
فَاعْلَمْ: أَنَّ الْآيَةَ قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى الْجَوَابِ، لِمَنْ تَدَبَّرَ سِرَّ الْخِطَابِ؛ إِذْ قَالَ: (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، وَمَا قَالَ: فَبِذَلِكَ فَاْفْرَحْ يَا مُحَمَّدُ؛ قُلْ لَهُمْ: لِيَفْرَحُوا بِالْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ، وَلْيَكُنْ فَرَحُكَ أَنْتَ بِالْمُتَفَضِّلِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:(قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[الأنعام:91]".

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبسندكم المتصل إلى سيدنا الإمام علي بن عبد الله باراس، إلى أن قال:

"فالحاصل من ذلك: أنه لم يشهده حق شهوده سواه، ولا عرفه حق معرفته إلا إياه، فالمعرفة: هو ما يعرفه العبد من نعوت سيده ومولاه، ولا يعرف إلا بقدر ما أُشهِدَ من سنا تجلِّيه ، وظهور صفاته وعميم أياديه.

وهو ﷺ لا تقرُّ عينه بغير ربه؛ لأنه عرفه، ومن عرفه.. لم يسكن إلى سواه، ولا يقر بغيره، فتبين من هذا: أن لكلٍّ في الصلاة قرَّة َعين بحسب ما أشهده من تجلي ذاته، وظهور أسمائه وصفاته، فكيف تكون له قرة عين في الصلاة بغير ربه وقد دلَّ على أن قرة العين لا تكون إلا به بأمره ﷺ؛ حيث قال: "اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، ومحال أن تراه وترى معه سواه، فدل على أن كمال العبادة بشهوده، ولا تشهده وأنت شاهدٌ لسواه؛ لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم، والحدوث والقِدم، والجواز والوجوب، والحق والباطل، والنور والظُلَم؛ لذلك قال المؤلف: 

"محالٌ أن تراه وترى معه سواه".

فهذا جوابه عن معنى الحديث على منهج المقرَّبين، وطريقة العارفين، ومشهد الصِّدِّيقين". 

 

الحمد لله الذي أكرمنا بحبيبه الأمين، سيد أهل المعرفة والتمكين، محمد بن عبد الله خاتم النبيين وسيد المرسلين؛ اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على هذا الحبيب الأشرف صاحب القلب الأنظف سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن بولائه ومحبته واتباعه تشرّف، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك والمرسلين الذين جعلتهم في مراتب القرب إليك أول صف، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين من أتحفتهم بجزيل التحف، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وبعد؛ 

فيواصل الشيخ الكلام عن معنى قوله ﷺ: "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"، وقال: إنه ﷺ يشير إلى عجيب ما ينازله من جود ربه عليه في الصلاة، من تجليه عليه وعظيم شهوده له، حتى يكون في أروح ما يكون من حلاوة الشهود ولذة القرب ﷺ، وهو أقرب كل قريب، وأحب كل حبيب، صلوات ربي وسلامه عليه؛ وبذلك قال: "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"، وبيّن لنا أنه على قدر معرفة المشهود المعبود تكون اللذة بالشهود. 

وتحدثنا عن نفي العبادة لغير الله تعالى، وأن لا إله إلا الله بمعنى: لا معبود إلا الله، وما تنتجه من حقيقة معنى: لا مقصود إلا الله، وما تنتجه من حقيقة لا موجود إلا الله، وما تنتجه بعد ذلك من حقيقة لا مشهود إلا الله. وسألنا ربنا أن يبلغنا رتبًا في شهوده، وأن لا يحرمنا النصيب والحظ من هذا العطاء الواسع الممدود. اللهم آمين. 

وسألناه أن لا تنقضي أيام الدورة إلا وقد فتح لقلوبنا بابًا في شهوده، اللهم أكرمنا بذلك آمين.

يقول: ينالون قرة عينٍ في الصلاة على قدر شهودهم، وشهودهم على قدر معرفتهم به، ولا أعرف بالله من عبده سيدنا محمد ﷺ، فلهذا قرة عينه ليست كقرة عين غيره، و غيره تقر عيونهم لكن ما هو بالرتبة التي هو فيها ﷺ، وهو وهم أجمعون دون حقيقة عظمة الله تبارك وتعالى، بمعنى أن كل ما اطَّلعوا عليه وتعرّف عليهم به؛ الله فوق ذلك وأكبر من ذلك، ويقول هذا سيد العارفين النبي ﷺ: "سبحانك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك". 

لهذا يقول: "لم يشهده حق شهوده سواه -جل جلاله-، ولا عرفه حق معرفته إلا إياه" -سبحانه وتعالى-،  ومن هنا قال سيدنا أبو بكر الصديق: "لا يعرف الله إلا الله"، أي: هذه المعرفة؛ حق المعرفة هذه ممتنعة لأنه لا يساويه أحد، حتى يعرفه، عندما تعرف من يساويك، ومن دونك، وأما من فوقك وأعلى منك كيف تعرفه؟ ما تستطيع تعرفه، أي: تعرف حقيقته؛ تعرف رفعته وعلوه وجلاله، وشيء من صفاته نعم؛ لكن حقيقته من أين تعرفها؟ لمّا تصل وما تقدر! وهذا لا إله غيره فمن يعرفه إلا هو؟ أي: معرفة الإحاطة، ومعرفته حق معرفته.

ولكن توّج وشرّف وكرّم ملائكته وأنبيائه وصالحي عباده بنصيب من المعرفة الخاصة، كما شرّف عموم المؤمنين بالمعرفة العامة أنه الله وحده لا شريك له، وتعرّف لهم بأسماء وصفات فعرفوا منها ما عرفوا.

ولكن غاص الصدِّيقون والمقربون على معانٍ لم يعرفها عموم المؤمنين في كل صفة من صفاته وصف نفسه بها، وكل اسم من أسمائه سمى نفسه به -سبحانه وتعالى- وفي عظمة ذاته العلية، لا إله إلا هو.

يقول: "فالمعرفة: هو ما يعرفه العبد من نعوت سيده ومولاه، ولا يعرف إلا بقدر ما أُشهِد من سنا تجلِّيه ، وظهور صفاته وعميم أياديه -سبحانه وتعالى- على قدر ذلك فهم درجات.  

"وهو ﷺ لا تقرُّ عينه بغير ربه؛ لأنه عرفه، ومن عرفه.. لم يسكن إلى سواه، ولا يقر بغيره، فتبين من هذا: أن لكلٍّ في الصلاة قرَّة َعين بحسب ما أشهده من تجلي ذاته، وظهور أسمائه وصفاته، فكيف تكون له قرة عين في الصلاة بغير ربه وقد دلَّ على أن قرة العين لا تكون إلا به -سبحانه- بأمره ﷺ؛ حيث قال: "اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ""، وقوله في الحديث الآخر: "اعبد الله على الرضا"، "محالٌ أن تراه وترى معه سواه"؛ لأنك إذا رأيته اضمحل جميع الكون وما فيه أمام رؤيته وشهوده سبحانه وتعالى، وأنت في عالم المحسوسات المحصورات، إذا سطع نور الشمس لم تستطع أن ترى نور الشمعة! سطع نور الشمس؛ افتح عينك وانظر إلى نور الشمعة، وين نور الشمعة؟ اضمحلّ بقوة؛ لأنه نور الشمس قوي غطى نور الشموع وهكذا. 

ولهكذا كان يذكر أيضًا الشيخ الشعراوي -عليه رحمة الله- يقول: مهمات العقول فيما أباح الله تعالى للناس في الأمور يرتبون أنفسهم فيها، اما إذا جاء أمر أو نهي منه؛ قال: فمثال هذه العقول كمثال شموع ومصابيح يُحتاج إليها في الظلام، لكن إذا طلعت الشمس حد بيقول: هات المصباح حقك؟ هات الشمعة حقك؟ أيش أصلِّح بها! إذا طلعت الشمس يقول:  أصبحوا أطفئوا مصابيحكم فقد سطعت شمس الله؛ قال: وكذلك العقول تروح هنا وهنا، فإذا جاء أمر من الله ورسوله يقول: أطفئوا مصابيحكم فقد سطعت شمس الله، إذا جاء أمره، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وفي قراءة: (أَن تَكُونَ لَهُمُ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36] لا إله إلا الله، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65].

يقول: عند شهود الحق تبارك وتعالى ما عاد يستطيع يشهد معه سواه -جل جلاله وتعالى في علاه-، بل يمتلئ بربه، "ومحال أن تراه وترى معه سواه، فدل على أن كمال العبادة بشهوده، ولا تشهده وأنت شاهد لسواه؛ لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم، والحدوث والقدم، والجواز والوجوب، والحق والباطل"، "ألا كل شيء ما خلا الله باطل"، "والنور والظُلَم"، كيف تجمع بينهم؟ ما تجتمع، إذا أشرق النور راحت الظلمة، هل ممكن تشاهد الظلمة عند سطوع النور؟ إذا ما شي نور تشوف الظلمة، لكن إذا جاء النور كيف تشوف الظلمة؟ ايش من ظلمة، ما شي ظلمة. 

وهكذا قال: "قال المؤلف: "محال أن تراه وترى معه سواه".

فهذا جوابه عن معنى الحديث على منهج المقرَّبين، وطريقة العارفين، ومشهد الصِّدِّيقين" لمعنى قول نبينا الأمين: "وجُعِلَت قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ"؛ لأنني أرقى فيها أعلى مراتب شهود رب العالمين؛ يا رب صلِّ عليه.

وإذا كان من أتباعه وورثته مَن صار لا يحس بشيء إذا دخل إلى الصلاة، وبعض أصحابه، أُكلة في رجله ولا بد من قطعها، قالوا: نعطيك شيء يُفَتِّر إحساسك، قال: لا، لا، ما أتعاطى شيء يحجب فكري عن شهود عظمة ربي، فكيف نقطع رجلك؟ قال: إذا كنت في الصلاة سأمد رجلي فاقطعوها فأني لا أحس في صلاتي بشيء! ولمَّا صلى مدّها وقت التشهد فقطعوها وهو ساكن محله لم يتحرك، وضمدوها وكمل صلاته والتفت وقال: هل قطعتموها؟ قالوا: أين كنت قد قطعناها وقد أكملنا؛ وهو لم يحس بشيء من ذلك. 

ومن بعد الصحابة كثير من التابعين وتابعي التابعين، حتى كان مسلم بن يسار يصلي في الجامع في مصر، و دقت السارية الكبيرة في المسجد، وجاء لإزعاجها وشدة وقعها أهل السوق ودخلوا المسجد وهو يصلي، ما أحس! لمّا سلّم قال: مالِ الناس مجتمعين؟ قالوا: مالِ الناس مجتمعين! أنت أين كنت؟! قال: في المسجد؛ كيف في المسجد! أهل السوق جاؤوا ودخلوا المسجد، ارتجّت سارية! قال: ما شعرتُ بها كنت أصلي؛ فما حس بها وهو يصلي لا إله إلا الله!.. 

إذا كان هذا آثارعلى هؤلاء فكيف بسيد المرسلين ﷺ! ومع ذلك لقوة التمكين له ولكمالِهِ لم يكن يغِب عما حواليه، وعنده من الشهود ما عُشر العُشر من ذرة منه يغيِّب هؤلاء وما عاد يحسون بشيء ﷺ. 

يا رب صلِّ عليه واجمعنا به وسِر بنا في دربه.

 

رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:

"فسأل السائل ثانيًا عن حالة الأبرار وعموم المؤمنين بقوله: "قد تكون قرة العين بالصلاة؛ لأنها فضلٌ من الله تعالى وبارزة من منَّة الله عز وجل، فكيف لا يفرح بها، وكيف لا تكون قرة العين بها، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]؟" وصدق فيما قال في السؤال؛ فهذا لرجال، وذاك لرجال!!

فقال له الشيخ مجيبًا عن سؤاله ومبيِّنًا لمقاله: "واعلم -لأن العلم في مثل هذا المقام هو الذي يحسن فيه الكلام؛ لأنه مقام السائل، وغناء الفقير العائل- أن الآية الذي فهمته منها قد أومأت بلطيف سرها إلى الجواب.

وهذا هو حكم الكلام الجامع المعجز المنزَّه عن الحدوث؛ أنه يُفهَم لكل قوم على قدر مقامهم، ويفصح لهم عن مجمل كلامهم، ولكن أسراره لا تلوح إلا لمن تدبَّره، وعرف ظاهره ومضمره، وحقَّق معانيه وفسَّره، والسر وراء ذلك كله لا نهاية لتجليات أسراره ينتهي إليها في الدار الآخرة، فضلًا عن أن يوقَفَ على كليات أسراره، أو يشاهد مشرقات أنواره في هذه الدار.

ففهم في الآية السائل الفرح بالفضل، وفهم فيها المسؤول -رحمه الله- الفرحَ بالمُفْضل؛ كما هو شأن من وصل إلى مقامه، وحصل على غاية مرامه، وتجلَّى له بدر التجلِّي في تمامه؛ أن يغيب برؤيته عن إنعامه، وقرة العين ما يجده فيها من عظيم اللذة والروح والسرور، كيف لا وفيها مناجاة الحبيب من قريب؛ لقوله سبحانه: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق:19]؟!".

 

يقول عليه رضوان الله تبارك وتعالى: وقال السائل للشيخ ابن عطاء الله: "فكيف لا يفرح بها" -بالصلاة- "وكيف لا تكون قرة العين بها، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: 58]؟!"، وهي من فضل الله العظيم ومن منته على الخلق ومن رحمته؟ 

قال له: "واعلم -لأن العلم في مثل هذا المقام هو الذي يحسن فيه الكلام؛ لأنه مقام السائل، وغناء الفقير العائل- أن الآية الذي فهمته منها قد أومأت بلطيف سرها إلى الجواب".

"وهذا هو حكم الكلام الجامع المعجز المنزَّه عن الحدوث -كلام الحق تعالى-؛ أنه يفهم لكل قوم على قدر مقامهم، ويفصح لهم عن مجمل كلامهم".

وقال: أن الآية لعموم المؤمنين ولم يقل لرسول الله ﷺ فافرح؛ إنما قال: (فَلْيَفْرَحُوا)، ففرحه ﷺ وفرح مَن قرُب منه من النبيين والملائكة والعباد المقربين الصديقين فرحهم بالمنعِم المُتَفَضِّل الرحيم، لا بالفضل ولا بالرحمة ولا بالنعمة، فإن عظمة شهوده لهم يملؤهم فيمنعهم ويحجبهم عن الالتفات إلى النعمة وإلى الفضل، بل هم مع المنعِم المُتَفَضِّل جل جلاله وتعالى في علاه.

 

قال: "ويفصح لهم عن مجمل كلامهم، ولكن أسراره لا تلوح إلا لمن تدبَّره، وعرف ظاهره ومضمره، وحقَّق معانيه وفسَّره"، وفي الخبر: "أن لكل آيةً"؛ أي: من القرآن "ظهْرا وبطنا وحدًّا ومطلَعا"، لا إله إلا الله!. 

قال: "والسر وراء ذلك كله لا نهاية لتجليات أسراره ينتهي إليها في الدار الآخرة، فضلًا عن أن يوقَفَ على كليات أسراره، أو يشاهد مشرقات أنواره في هذه الدار"،  يعني هذه المعرفة بالله بحسب ما ينيلك النصيب منها في الدنيا يكون نعيمك المؤبد في الآخرة. 

وكلٌّ من خلال الرتبة التي وصلها في الدنيا تمتد له أسرار الإمداد الرباني باللذة والحلاوة من شؤون القرب والتجلي وأسرار تلك المعرفة، فمن كان في الدنيا أعرف.. فنعيمه هناك ألذ وأحلى وأوسع وأتحف؛ وهكذا على قدر هذه المعرفة بالله تبارك وتعالى تكون، حتى النعيم في الجنة وما فيها على قدر المعرفة به، حتى شرابها وطعامها والالتذاذ به على قدر المعرفة به.

وأنت تشاهد هذا في عالم الدنيا، إذا عرفت في إنسان صفةً من صفات الكمال تلتذّ بالجلوس معه، برؤيته، بسماع كلامه، ولو ناولك كأس أو قرَّب لك طعام تحس فيه لذة أكثر من واحد ثاني، وإن كان نفس الطعام ونفس الشراب ولكن يختلف.. فإذا واحد ثاني يعرف صفتين من صفات الكمال في هذا يلتذ بالجلوس معه ضعف لذتك، ويستحلي ما يقدمه له ضعف استحلاءك له. فإذا كان واحد ثاني يعرف فيه عشر من صفات الكمال -عشر خصال-، فهو يلتذ عشرة أضعاف لذة الأول عند مشاهدة هذا وجلوسه معه أو أخذه منه شيء، وهكذا إذا زادت المعرفة… وهكذا من عرف الله -جلَّ جلاله- يلتذ بقربه وبنعيمه في جنته سبحانه وتعالى.

قال: وهذه المعرفة لا يزال الله يمدهم فيها بالزيادة، وما لها من نفاد، ولا لها انقطاع، ولا لها نهاية، ولا لها غاية أبد الآباد. ولو نظرنا إلى أحوال أهل الجنة بعد مرور مليار مليار من السنين عليهم، لوجدناهم في مضاعفات من معرفة؛ لكنهم بالنسبة لعظمة ذاته ما جاءوا إلى الغاية ، أين هم منه أين! وأضف مليار مليار ثاني من السنين وهم في كل يوم يزدادون معرفة أيضًا بالنسبة لعظمة ذاته.. عادهم!

سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. فلا يزالون إلى الأبد معرفتهم تزيد وهو أكبر من ذلك وهو فوق ذلك، فهذا ما يعرفه إلا هو؛ هذا حتى في الآخرة فكيف في الدنيا أنت تريد أن تستوعب؟ أنت مجنون؟ ما حد يحيط به غيره.. ما مواهب كبيرة تحير العقول وتذهل فيها الأذهان، نعم حُق لها ذلك، ولكن ما وراءه أكبر، لا يحيط به محيط -جلَّ جلاله وتعالى في علاه- سبحانه هذا هو الله! هذا هو الله الذي لا يعرفه سواه جلَّ جلاله-. 

فالله يخصنا بما يخص به محبوبيه من نصيب وافٍ من معرفته الخاصة والمحبة الخالصة؛ حتى نرتقي فيها مراقي رفيعة في الدنيا فيعظم لنا النعيم في الدار الآخرة، اللهم آمين.

  • "ففهم في الآية السائل الفرح بالفضل. 
  • وفهم فيها المسؤول -رحمه الله- الفرحَ بالمُفْضل؛ 

كما هو شأن من وصل إلى مقامه، وحصل على غاية مرامه، وتجلَّى له بدر التجلِّي في تمامه؛ أن يغيب برؤيته"؛ -أي المنعم- "عن إنعامه، وقرة العين ما يجده فيها من عظيم اللذة والروح والسرور، كيف لا وفيها مناجاة الحبيب من قريب"، (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) [العلق:19].

 

رضي الله عنكم وعنه إلى أن قال:

"وقرة العين فيها لا تكون وفي القلب المحادثات الكونية، والخطرات الهوائية، والشهوات الحيوانية، والحظوظ النفسانية، والدواعي الشيطانية، والكثائف الأرضية الطبيعية، بل لمن فني عن نفسه بالكلية، فتضرب بين هذه الحُجب سرادق التولّي الخاص، وتغشاه أنوار الإخلاص، ويستريح عن مدافعة الأعداء، فيكون لطيفة من لطائفه: مشهدٌ خاص في التكبير؛ بالتسليم للأمر، والانقياد للحكم، وفي القراءة والقيام؛ بالتخلّق والمناجاة والتذلل، ويذل ويخضع ويخشع، والترغيب وغير ذلك مما تفاتح به القلوب، وتكاشف به الأسرار من الأنوار، فكيف لا تكون قرة العين فيها بهذا النعيم والروح والسرور، والإقبال والحبور؟!

وأما إذا كان القلب مشحونًا بالوساوس الشيطانية، والشهوات الحيوانية، و الأسباب الدنياوية .. فكيف تنكشف له هذه المواهب والمنوح، أو يواجه بتلك المنن والفتوح؟!

 فإذا رفع الحجاب، ودنا الحبيب من الأحباب.. توالى الفرح به والسرور، فيجوز ألا يفرح بغيره، ويقال له بلسان الحال في ذلك المقام: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91]، ولي في ذلك:

فقرة العين بالمحبوب موضعها  ***  في العبادات حسب الطالب النظرا

كما روي عن عفيف الدين مغربها  ***  كما يرى الله فاسمع ذا وكن حذرا  

عن أن تصور في الأذهان له مثلا  ***  ولا شبيهًا ولا ندًّا ولا نظرا

فحضرة القرب أعلاها وأقربها  ***  في الصلاة روى ذا السادة الكبرا".


 

رضي الله تعالى عنه. 

وخلاصته كما قال: 

ولا الأسرار إلا لمن صفى السرائر

واحد قاعد مع الخلق، وناظر إلى الخلق، ومتشوف إلى الخلق، وملتفت إلى الخلق، ويريد يعرف الخالق! قل له: الخالق عزيز، عزيز… أبعِد هؤلاء كلها من نظرك، أبعِد التعلقات بالأرض والسماوات، وبالفانيات، وبجميع الكائنات، تدرك نصيب من معرفة المكوّن الخاصة، أما أنت تريده و تلتفت لغيره؟! ولو كان إنسان قدامك وعزيز وأردتَّ أن تكلمه، وأنت ملتفت إلى كذا لن يكلمك، شط قَداه، التفت وأقبِل عليه، وما دامك مُتَلَفِّت كذا وكذا أيش من مناجاة وأيش من كلام؟! ففرِّغ قلبك عما سواه تراه! لا إله إلا هو، فتعبد الله كأنك تراه، لا إله إلا الله. 

وعلى الإنسان يجتهد ويحاول حتى ينازله من فيض الله ما ينازل ويقطع هذه الحُجب ويرفعه إلى عليّتلك الرتب، لا إله إلا الله.

 قال: "وقرة العين فيها" -في الصلاة- "لا تكون وفي القلب المحادثات الكونية، والخطرات الهوائية، والشهوات الحيوانية، والحظوظ النفسانية، والدواعي الشيطانية، والكثائف الأرضية الطبيعية، بل لمن فني عن نفسه بالكلية"، فرّغ قلبه لله تبارك وتعالى. 

وكان يقول الشيخ أبو بكر بن سالم: فرّغ قلبك عن الكون تدرك عظمة المكوّن. فرّغ قلبك.. ما دامك معلق بالكون كيف تدرك المكون؟ فرّغ قلبك عن الكون، وإذا أنت مستقبل جهة الشرق وتريد في نفس الوقت استقبال جهة الغرب، يقول: اسمع ستستقبل جهة الغرب؟ لا عاد تستقبل شرق ولا جنوب ولا شمال، اتجه للغرب فقط؛ وإذا عدلت جنوب أو شمال أو شرق ما عاد يتأتى استقبال الغرب أصلًا، كيف تستقبل الغرب؟ 

ولهذا نبّهنا الحق إلى هذا، وأمرنا في الصلاة أن نتوجه للكعبة المشرفة، وكيف نتوجه إليها؟ لابد ننصرف عن الجهات الأخرى إلى جهة واحدة هذه. وما يمكن تكون مستقبل جهة أخرى ومستقبل للكعبة، أيش معناه؟.. يعني: ما يمكن أن تكون حاضرًا مع غيري وحاضرًا معي! إذا أردتني اترك غيري، اجعل لك وجهة واحدة إلى الواحد؛ قال: وكن واحد لواحد؛ هناك يكون الاستقبال الصحيح. 

فقلبك إذا انصرف كذا وكذا ما يتوجه إلى جهة مولاه، كما أن جسمك ما يتوجه إلى جهة الكعبة إلا إذا انصرف عن بقية الجهات كلها واستقبل الكعبة، خلاص الجهات الأخرى خلاص بعد منها؛ وقلبك ما يتوجه إلى الرب حتى يبتعد عن التوجه إلى أي كائن مخلوق، هناك يصح استقباله. ويقول:

وجه الحبيب قبلتي *** وجهت وجهي إليه
حسبي به قبلتي *** مع التوكل عليه

 

الله يرزقنا كمال الإنابة إليه، والإقبال الكلِّي عليه في كل حال، ويرزقنا شهوده بمرآة حبيبه ﷺ، ويرزقنا شهوده بمرآة حبيبه ﷺ، شهوده بمرآة حبيبه ﷺ، ويرزقنا حسن التذلل بين يديه، والانطراح والإقبال بالكلية عليه، والشرب من أحلى راح، وأن الله يقينا الأسواء والأدواء والأتراح، وجميع الشرور في جميع الأمور، في البطون والظهور، ويتدارك أمة حبيبه محمد، ويغيث أمة حبيبه محمد، ويرحم أمة حبيبه محمد، ويغفر لأمة حبيبه محمد. ويجعلنا في خيار أمة حبيبه محمد، وينفعنا بأمة حبيبه محمد عامة وبخاصّتهم خاصة، وأن يصلح البلاد والعباد الأمة، ويكشف كل غمة، ويعاملنا بمحض الجود والرحمة، ويختم لنا أجمعين بأكمل حُسْنى سابقة، ويوفِّر حظنا من هذه الأيادي والأيام والموسم المبارك، ويوفِّر حظنا من جميع المِنن، ويدفع الآفات والفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

18 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

31 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام