المكاتبات والمناجاة الإلهية - 1 | أما بعد، فإن البدايات مجلاة النهايات

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأربعاء 8 صفر 1448 هجري.

أما بعدُ؛ فإن البدايات مَجْلَاةُ النهايات. 
وأنَّ مَن كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته.

والمشتغِل به: هو الذي أحبّهُ وسارَع إليه، والمشتغل عنه: هو المؤثِر عليه.

وإنَّ من أيقن أنَّ الله يطلبه.. صدق الطلب إليه، ومن علم أنَّ الأمور بيد الله.. اجتمع بالتوكل عليه.

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، من كتابه شرح الحِكم لابن عطاء الله السكندري المُسمَّى "شفاء السقيم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" وشرحه للشيخ أبي محمد علي بن عبد الله باراس إلى أن قال في المكاتبات، نفعنا الله بعلومهم وسائر الصالحين، ورضي الله تعالى عنكم: 

 مكاتبة المؤلف في ذكر حال السالك إلى الله تعالى

وبعدما أنهى الكلام في الفكرة… أخذ يتكلم في نتيجتها؛ وهو ما ينتج من حسن المعاملة لله على صدق العزيمة وتجريد الهمة؛ ومما كتب به لبعض إخوانه بقوله:

 "أَمَّا بَعْدُ: 

فَإِنَّ الْبِدَايَاتِ مَجْلَاةُ النِّهَايَاتِ

في كل الأمور، فمن كان مبارك البداية.. كان ميمون النهاية، ومن كانت بدايته بالله.. كانت إليه نهايته. وكل مبدأ لأمر يكون انتهاؤه إليه، وتظهر ثمرة ذلك المقصد عليه، كما قال المؤلف رضي الله عنه ونفعنا به:

 وَأنَّ مَنْ كَانَتْ بِاللَّهِ بِدَايَتُهُ .. كَانَتْ إِلَيْهِ نِهَايَتُهُ 

 ومعنى البداية بالله: أن يكون في أول كل أمر يبدأ فيه به شاهد لحوله وقوته، كما ورد في الحديث: "كلُّ أمرٍ ذي بالٍ -أي: حال يُهتم به- لا يُبدأُ فيهِ بذِكرِ اللَّهِ فَهوَ أجذَمُ"؛ أي: مقطوع البركة. 

والمريد الصادق: إذا كان في أول بدايته مستعينًا بالله.. دام سُلوكه، ووصل بُغيته ومُراده؛ وهو انكشاف الأمر له شهودًا وعيانًا بعد أن كان علمًا وإيمانًا. 

ومن كان أول بدايته بشهود نفسه وما منها.. انتهى إلى عجزٍ وعدم، فإذا كان المريد مستعينًا في جميع حركاته وسكناته في بدايته على الغيب لا على الكشف.. انكشف له في نهايته حقيقة ذلك على الشهود والعيان، فيبقى قرير العين، مُتَّسع الجَنان، لما يجد من وُرود رَوْح الرحمن، الوارد بالتأييد على ممر الأزمان. ولي في ذلك:

من كان بالله مبدأ أمره فكذا *** تكون إلى الله غايات النهايات

ومن يكون على الأغيار معتمدًا *** فلم يحقق تحقيق البدايات

والسالكون على نهج السبيل لهم *** علم وعين وحق مستقيمات

فالعلم غيب ونور العين يكشف ما *** للحق من وصفه المصون آيات"

 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله. 

الحمد لله مُنوِّر القلوب ومنقِّيها عن الشوب، والذي يُدير الكؤوس مِن خير مشروب على مَن يُقبل بالصدق عليه وإليه ينيب ويؤوب، جل جلاله وتعالى في علاه، وصلى الله على مصطفاه ساقي كؤوس المحبة والرضا، الذي أشرق نوره في الوجود وأضاء، واستبصر كل من به استضاء. 

اللهم اجعلنا مُستضيئين بذلك النور النبوي المحمدي، مُستقيمين على منهجهِ به نهتدي وبأقواله وأفعاله وهُداه نهتدي، صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وعلى مَن به يقتدي، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، وعلى الملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين.

وبعد؛ 

تقدم معنا في الدورات السابقة شرح الإمام الشيخ علي بن عبد الله باراس -عليه رحمة الله- للحِكم التي أجراها الله من قلب العارف بالله ابن عطاء الله السكندري على لسانه، ودُوِّنت عنه وحُفِظت واشتُهرت بين الأمة المحمدية، وأثّرت وأثمرت وأوصلت وواصلت ورقّت وراقت لكثير من عباد الله الصالحين، وكانت مُرتقى وسلالم ارتقاء وأسباب اتّصال وإيصال وقَبول ووُصول، ذلك من فضل الله على من شاء. 

ثم لاحِقٌ بهذه الحِكم التي جرت على لسانه مكاتبات كاتب بها بعض تلامذته وإخوانه في الله تبارك وتعالى، ومكاتبات أهل الله تحمل وجهاتهم واهتماماتهم وما قلوبهم مُعتكفةٌ عليه. ولذا قالوا: إن أسرار أهل هذا الشأن في مكاتباتهم، لأنه عند المُكاتبة يُملون ما هم به مُهتَّمون وما يُترجم سر وُجهات باطنهم وما هم به مشغولون في أحوالهم الشريفة.

فذكر من هذه المكاتبات ما أخذ أيضًا الشيخ علي بن عبد الله باراس في شرحها، يقول: "وبعدما أنهى الكلام في الفكرة… أخذ يتكلم في نتيجتها"؛ نتيجة الفكرة: ما ينتج عن الفكر الصافي من مُلاطفات اللطيف الكافي -سبحانه وتعالى- والرحمن الرحيم الشافي. 

قال: "وهو ما ينتج من حسن المعاملة لله على صدق العزيمة وتجريد الهمة"، فإذا حَسُنَت معاملة العبد لإلهه المعبود، معاملته له في قصده، معاملته له في نيته، معاملته له في أنواع عباداته التي شرعها له على القدوة التي اختاره الله محمد ﷺ. 

  • حُسن المعاملة في رجائه وفي خوفه.
  • حُسن المعاملة في الأقوال والأفعال والأحوال.
  • حُسن المعاملة في شؤوننا مع هذا الإله هيبةً ورهبةً ورغبةً ومحبةً وشوقًا وخضوعًا وعبوديةً وإنابةً وتذللًا وتواضعًا ورجاءً وما إلى ذلك. 

من أحسن المُعاملة مع الله على صدق العزيمة بعزم صادق على ذراه وأعاليه ساداتنا الرسل، والذين خُصُّوا منهم بأولي العزم أيضًا، أقوى الخلائق عزيمة وعزمًا وتحمّلًا للمشاق في الوجهة للخلّاق -جلَّ جلاله- (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [اﻷحقاف:35]، "وَخُذُ بالعَزمِ يَا صَاحِبَ العَزم".

"على صدق العزيمة" اللهم أكرمنا بها، اللهم أكرمنا بها، اللهم أكرمنا بها؛ ومن عنده صدقٌ في العزيمة يأخذ من كل يوم من أيام الدورة ما لا يأخذه ضعيف العزيمة من أول الدورة إلى آخرها! بل اسمع: إذا رسخ قدمه في صدق العزيمة، في كل جلسة وفي كل ساعة من ساعات الدورة يأخذ ما لا يأخذه ضعيف العزيمة من أول الدورة إلى آخرها. 

ربي يُحب العزائم، ربنا تعالى يُحب الهمم: 

  • (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم:12]. 
  • يقول لسيدنا موسى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف:145]. 

لا تردد ولا تلعثم ولا ضعف، إقبال صادق على الخالق بالكلُية، أما أن تبقى مأسورًا لقطيعة همٌّ بدنيا وهمٌّ برزق وهمٌّ بجاه... اعزم بالصدق والتوجه إلى الحق -جل جلاله.

"على صدق العزيمة وتجريد الهمة." قال: فينتج منها هذه المعاني، "وهو ما ينتج من حسن المعاملة لله على صدق العزيمة وتجريد الهمة؛ ومما كتب به لبعض إخوانه بقوله:

 "أَمَّا بَعْدُ: 

فَإِنَّ الْبِدَايَاتِ مَجْلَاةُ النِّهَايَاتِ.

 وَإِنَّ مَنْ كَانَتْ بِاللَّهِ بِدَايَتُهُ .. كَانَتْ إِلَيْهِ نِهَايَتُهُ"

سمعتَ؟ أخذ الشيخ علي يشرح: 

"أَمَّا بَعْدُ: 

فَإِنَّ الْبِدَايَاتِ مَجْلَاةُ النِّهَايَاتِ"

يتجلى فيها كيف تكون النهاية، يُعرف من شؤون البداية علامات البداية، لوامح البداية.. كيف تكون النهاية؛ فهي مجلاة للنهايات "في كل الأمور، فمن كان مبارك البداية.. كان ميمون النهاية، ومن كانت بدايته بالله"، نهايته إلى الله؛ ينتهي إلى الله؛ أي: الوصول إلى الله، المعرفة الخاصة بالله، القرب الأسنى من الله، من كانت بدايته بالله كانت نهايته إلى الله، "ومن كانت بدايته بالله.. كانت إليه نهايته. وكل مبدأ لأمر يكون انتهاؤه إليه"، وما للختم غير البداية.

يقول: "وتظهر ثمرة ذلك المقصد عليه، كما قال المؤلف رضي الله عنه ونفعنا به:

وَإِنَّ مَنْ كَانَتْ بِاللَّهِ بِدَايَتُهُ .. كَانَتْ إِلَيْهِ نِهَايَتُهُ".

إليه يصل، بعد أن ظل بالصدق عليه يُقبل، فلم تزل عجائب مُلاطفاته وتعرُّفاته عليه تنزل، وهو عن الغير والسِّوى بمعزل، هذه أحوال من نهايته إلى الله.

قال: "ومعنى البداية بالله أن يكون في أول كل أمر يبدأ فيه شاهدًا لحَوله وقوته"، حول الله وقوته: إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، فما يبدأ بنفسه ولا بحسِّه ولا بشيء غير الله.

"كلُّ أمرٍ ذي بالٍ -أي: حال يُهتم به" في الشرع- "لا يُبدأُ فيهِ بذِكرِ اللَّهِ فَهوَ أجذَمُ"

وعندك الرواية في مسند الإمام أحمد بن حنبل وفي سنن الدارقطني، من إحدى الروايات في الابتداء بالأمور بذكر الله وببسم الله وبحمد الله. 

  • جاء في بعض الروايات: "بسم الله الرحمن الرحيم". 
  • وفي كثير من الروايات: "بحمد الله". 
  • وفي بعض الروايات "بذكر الله". 

"كُلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأُ فيه بذِكرِ اللهِ فهو أجذَمُ"، مجذوم مقطوع البركة، فينبغي أن تكون توجُّهاتنا بالله، وأعمالنا بالله، وأحوالنا بالله، قال الله لسيدنا وقدوتنا: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:127] -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، فيجب أن تكون بداياتنا في كل أمورنا وخصوصًا في وجهتنا إلى الله بالله. 

"والمريد الصادق: إذا كان في أول بدايته مستعيناً بالله"، لا يتوجَّه بنفسه ولا بشهود ذاته هو، ولكن بالله يتوجه إلى الله مشاهدًا حول الله وقوته وتوفيقه له. 

لولا ما جئتُ إلى الدورة- هناك أسباب من هنا ومن هنا ومن هنا، لكن كلها صورة وراءها المُسبِّب، ومن تسبَّب في حضورك له خير كبير وثواب عظيم، ولكن هو الذي أقامك وأقام المتسبب هذا وأقام السبب وأقام الأثر، هو الذي أحضرك فلا تظن أنك حاضر بنفسك، من أنت ومَن نفسك؟! متى جيت يا نصر… مكوّن الأكوان أحضرك، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29]. 

فإذا علمت ذلك فابدأ دورتك به لا بنفسك، واستمع إلى الدرس وما يُلقى عليك به! فإن ما عندك من سمع هو الذي أعطاك إياه.

(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النحل:78]. 

  • (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) -ما هو شيء أصلًا، ماشي ماشي- (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) -أي: نختبره- (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [اﻹنسان:1-2]. 

وهذا السمع الذي أعطاك إياه: 

  • هو الذي جعل لك عقلًا ومخًّا وقلبًا يترجم معاني ما تسمع
  • وهو الذي إذا شاء وسّع لك، إذا شاء رفعك في المعاني فيما تسمعه. 

إذًا؛ فاسمع بالله، واعزم على العمل، والتطبيق به لا بنفسك.

قال سيدنا الإمام الحداد:

عزمت شاقطع كل أمر أرى ***  في قطعه نيل المقام الكريم 

وأرفض الدنيا الغرور التي *** من حبها كان الحجاب مقيم 

والنفس والشيطان أعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

ماهو بنفسي، ما هو لأن أنا عبدالله الحداد إنسان مخلوق وعندي سمع وبصر وعندي قوة وجاءني علم بنفسي أنا سأعصيهم؛ لا لا!..

والنفس والشيطان أعصيهما *** بقوة الله العلي العظيم

أولي الأكوان ظهرا ولا *** أرى سوى الله العزيز الحكيم

يا رب هب لي منك حسن اليقين *** وعصمة الصدق وقلبا سليم

وهِمّة تعلو وصبرا جميل *** ونور توفيقٍ به أستقيم 

وحسن تأييدٍ وعونًا يدوم *** فإنك الدائم وجودك عميم

اسمع:

أرجوك تعطيني الذي أبتغي *** بمحض فضلك لا بجهدي الذميم

ذميم! وهو من أيام صغره يصلي في وقت الضحى مائة ركعة مائتين ركعة كل يوم من أيام صغره، ويتحفظ القرآن، ويتحفظ معاني القرآن، ويقرأ كتب العلم، وتربى على ذلك ونشأ به، بعدين قال: أنا أرجوك تعطيني بمحض فضلك لا بجهدي الذميم!

سمعت؟! فيجب أن يكون حضورك في الدورة، سماعك في الدورة، قيامك بالآداب والأخلاق ونيتك العمل وعزمك على العمل: بالله، بالله يا هذا! يا من تسمع بالله لا بنفسك، من أنت ومن نفسك؟! ومن أنا ومن أنت إذا ما أعاننا هو؟ 

  • كما أنه لا وجود لنا لو لم يخلقنا، فلا وجود لأعمالنا لو لم يُعِنَّا.
  • ولا وجود لأحوالنا إذا لم يُعطِنا.

 كما أن لا وجود لنا أصلا إذا لم يخلقنا فكذلك؛ لا إله إلا هو!

قَالَ: "والمريد الصادق: إذا كان في أول بدايته مستعينًا بالله.. دام سُلوكه، ووصل بُغيته ومُراده"؛ فينتهي إلى مَن؟ إلى الله تعالى. كيف؟ 

قال: "وهو انكشاف الأمر له شهودًا وعياناً بعد أن كان علمًا وإيماناً"، عَلِم وآمن أنَّ الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ حيٌّ قيومٌ، عليٌّ عظيمٌ، قدير، سميع بصير، بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، و يجمع الخلائق ليوم البعث؛ هذا إيمان وعِلم فيرجع هذا: شهود وعيان، ما هو مجرد إيمان ولا علم؛ شهود وعيان: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، كأنك تراه! جميع ما آمن به وعلِمه عن محمد ﷺ يصير مشهودًا له ومُعايَنًا، هذا الوصول إلى الله -تبارك وتعالى- وهذه النهاية إلى الله.

"ومن كان أول بدايته بشهود نفسه وما منها.. انتهى إلى عجزٍ وعَدَم"، وهذا الذي قاله نبينا الأكرم:

  • قال: إنَّك إنْ تَكِلْني إلى نَفْسي وكلتني إلى عجزٍ وضَعفٍ ونقصٍ  وعَورَةٍ. من كان بنفسه هو يقوم بالأشياء فينتهي إلى العدم والعجز والضعف والنقص والعورة كما قال. 
  • يقول: لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحدٍ من خلقك، إنك إن تكلني إلى نفسي، تكلني إلى عجز وضعفٍ ونقصٍ وعورة.

"ومن كان أول بدايته بشهود نفسه وما منها" لا إله إلا الله!.. "انتهى إلى عجزٍ وعدم، فإذا كان المريد مستعيناً في جميع حركاته وسكناته في بدايته على الغيب لا على الكشف" مستعينا بالله.. 

"في جميع حركاته وسكناته في بدايته على الغيب"؛ يعني: بأمر موقن به وهو محجوب عنه، "انكشف له في نهايته حقيقة ذلك على الشهود والعيان، فيبقى قرير العين، مُتَّسع الجَنان"، (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) [الزمر:22]، يذكر بعض الصحابة -عليه الرضوان-: لمَّا وضع ﷺ يده على صدري وأخذ يقرأ، فكأني أرى ربي! يقول الصحابي.

 لا إله إلا الله! باليد الكريمة هَبْنا مواهبك العظيمة؛ في شهودك بمرآته ﷺ، آمين يا الله.  

قال:"لما يجد من ورود رَوْح الرحمن، الوارد بالتأييد على ممر الأزمان"، ولمَّا كتب الله تعالى في الأزل أن يكون في ربوع اليمن كثير ممن يَصِلُون إلى المراتب العُلا ويستنشقون ذلك النسيم الأعلى، قال ﷺ في حديثٌ له: "إني أَجِدُ نفَسَ الرحمنِ من هنا -يشير إلى اليَمنِ-"، وإن كان مبثوث هذا الخير في شرق الأرض وغربها وفي جميع أقطار الأرض، ولكن فيه كثرة ووفرة موجودة في اليمن من هذا الخير. الله لا يحرمنا خير ما عنده لشرِّ ما عندنا، اللهم وفّر حظَّنا من خالص الإيمان وصافي اليقين التام.

مَن كانَ بِاللّهِ مَبدَأ أَمرِهِ *** فَكَذا تَكونُ إِلى اللّهِ غاياتُ النِّهاياتِ

ومَن يَكونُ عَلى الأَغيارِ مُعتَمِدا *** فَلَم يُحَقِّق تَحقيقَ البِداياتِ

والسالكون على نهج السبيل لهم *** علمٌ وعين وحقٌّ مستقيمات

فالعلم غيب ونور العين يكشف ما *** للحق من وصفه المصون آيات

 

إلى قوله رضي الله عنه:

"وإذا كان المريد مجموع الهم، عاكف السر على الله.. شغل -لا محالة- عن الأغيار، وذُهل عن الآثار؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: 

 وَالْمُشْتَغِلُ بِهِ: هُوَ الَّذِي أَحَبَّهُ وَسَارَعَ إِلَيْهِ، وَالْمُشْتَغِلُ عَنْهُ: هُوَ الْمُؤْثِرُ عَلَيْهِ.

ومن علامات تحقيق البداية: الشغل به عما سواه، ونفي كل شاغل إلا إياه، مع المحبة والطوع والمسارعة إلى المحابِّ من غير ملل ولا سامة، فعلامة كونه محبوبا لك: الشغل به عما سواه من جميع ما تحبه وتهواه، وإيثاره على ما عداه. 

وعلامة المشتغِل عنه من المحبوبات الغيرية: هو المُؤثِر عليه هذه أيضًا، علامة دالة على إيثاره على الأغيار، ولا تؤثر على محبوباتك الجبلية إلا إذا عرفت شرف ما أنت تطلبه، وترغب فيه من المشاهدات الروحية والتدليات اللطفية، فلا شك يهون مفارقة كل محبوب، ويؤثِرُه -لا محالة- على كل مرغوب.

والشغل به: هو طلب التحقق بمكارم الأخلاق، والتعلق بمشاهدات الإلهية، والخضوع لعظمة الربوبية، والانطواء والاستكانة والتذلل في كهف العبودية مع المحبة لذلك، والاغتباط به. 

والمُشتَغَل عنه: هو الحظوظ والشهوات الأرضية والطبائع الحيوانية، عرَّفنا الله قدر ما نطلب حتى يكون كل اشتغالنا طلبه، فنشتغل عن الحظوظ العاجلة، ولي في ذلك:

فالشغل بالله دأب الصادقين فما *** لهم إلى غيره في الكون تعويلُ

يُرون في الناس شُعْثًا لا مُقَامَ لهم *** ما بين أظهرهم غُبْرًا مجاهيل

لا يُؤثِرون على المحبوب كان لهم *** شُغلٌ وعن ما سواه إلا مشاغيلُ"

 

هكذا يقول الناس في هذا العالم من جميع المؤمنين بالله -سبحانه وتعالى-، ما بين مُشتَغِلٍ بالله ومُشتَغِلٍ عن الله، وأنت واحد منهم! أنت واحد من الإثنين، أنت كذلك وصاحبك وأبوك وأمك، واحد من الاثنين: 

  • إما مشتغِل بالله. 
  • وإما مشتغِل عن الله.

يا الله.. اجعل شغلنا بك، وكن شغلنا أنت، وهمنا أنت، وقصدنا أنت يا رب العالمين.

قال: "وَالْمُشْتَغِلُ بِهِ: هُوَ الَّذِي أَحَبَّهُ وَسَارَعَ إِلَيْهِ"

  • (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133].
  • (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) [البقرة:148]. 
  • (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد:21]. 

هذا المُشتَغِل بالله يُسَارِع إلى مرضاته، يُسَارِع إلى ما يحبه منه؛ بقوة يتخلَّص من كل ما لا يحبه الله منه: من قول ومن فعل ومن وصف. 

يتخلص منه لأنه مشغول بالله، ويساعده على التخلُّص مما يشغله عن الله تعالى: معرفته بعظمة الله وجلال الله وشرف القرب من الله، حتى يترك من شأنه كل الدِنيات.

يقول: "وَالْمُشْتَغِلُ عَنْهُ: هُوَ الْمُؤْثِرُ عَلَيْهِ"، يُؤثِر على ربه شهوة، يُؤثِر على ربه جاه، يُؤثِر على ربه مال، يُؤثِر على ربه سُمعة، يُؤثِر على ربه؛ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! يؤثرها على ربه ويخالف ربه من أجل لقمة، يخالف ربه من أجل خرقة، يخالف ربه من أجل رتبة بين الناس! آثرت أيش على أيش يا أبله يا بليد؟! هذه الرتبة واللقمة التي حصلت عليها بتوصلك إلى أين؟ وبتنفعك إلى متى؟ وما أسرع انقضائها، وبعده كيف حالك معه؟ وستلقاه على أي وجه؟!

فيجب على من آمن بأن يشتغل به، وأن يكون شغله هو، ويؤثره على ما سواه، ومَن آثر غيره عليه فقد اشتغل عنه واشتغل بغيره.

"ومن علامات تحقيق البداية: الشغل به عما سواه، ونفي كل شاغلٍ إلا إياه"، تعلَّم هذا في أيام الدورة، من مقاصد الدورة أن تتعلم هذا المعنى وتدخل في هذا التدريب: 

  • الشغل به، الشغل بالإله، الشغل بالرَّب، الشغل بالمحيط بنا. 
  • الشغل بالتفكُّر في علمه، التفكُّر في نعمه، التفكر في إحاطته بنا. 
  • والشغل بالتقرب إليه كيف يكون. 
  • والتنزُّه عمَّا لا يحبه منا.

اشتغل بالله، تعلَّم الشغل بالله من خلال حضور الروحة والدروس والمجالس والجماعة التي تُعقَد، وما يُتلى عليك من الآيات ومن الآداب ومن السنن، اشتغل بالله وتعلَّم الشغل بالله، وإذا انفتح لك منه باب ماشي أحلى منه ولا أحسن منه، وتحصِّل وأنت في هذه الحياة الدنيا المكاسب الكبرى، التي ترتقي بها درجتك في الأخرى، وتغنَم من سِرِّ إيمانك بإلهك -جل جلاله- غنائم ما يُقدَر قدرها، فلا تضيّعها بترّهات وبطالات! اشتغل بالله!

"الشغل به عما سواه ونفي كل شاغل إلا إياه مع المحبة والطوع والمسارعة إلى المحاب -أي ما يحبه- من غير ملل ولا سآمة"، (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب) [الشرح:7-8]. ومن رَوحة إلى استعداد للذكر والصلاة، إلى درس، إلى ذكر، إلى آداب تعمل بها، إلى نيات تنويها، إلى قيام تقومه في الليل، إلى صلاة تصليها؛ شغل بالله.. (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ).

قال: "فعلامة كونه محبوبًا لك: الشغل به عما سواه"، تحبه؟ هذه العلامة: تشتغل به عما سواه، هذا تحبه صدق.

ولمَّا كان واحد يكلم واحد ويقول: أنا أحبك وأُوثرك، وهذا يقول له: أنت أعزّ شيء عليّ، قال له: لكن شوف الذي جنبك هذا أكمل مني وأفضل؛ فالتفت فقال له: قم يا كذاب، لو كان كلامك صدق ما التفتّ! تقول: أنت أعز شيء علي وعندما قلنا ذلك التفتّ كذبت! لمَّا أنْ ما في قلبك الإخلاص في محبتي وتعظيمي التفتّ لغيري، لو أنت صادق فيما تقول، بتقول ايش هو؟ يكون مَن يكون، ولا يتلفت! وكذلك مَن أحبَّ الله بصدق كيف يلتفت إلى سواه؟!.. لا إله إلا الله.

يقول: "فعلامة كونه محبوبًا لك: الشغل به عما سواه من جميع ما تحبه وتهواه، وإيثاره على ما عداه"، فمحبوباتك النفسية الطبعية الكونية تؤثِرُه عليها وتُقدِّمه عليها وتُعظِّمه عليها وتتركها من أجله؛ هذه علامة شغلك به ومحبتك له.

"وعلامة المشتغِل عنه من المحبوبات الغيرية: أي هو المُؤثِر عليه هذه أيضًا" -أي: يؤثِر محبوباته الغيرية النفسية-، "علامة دالة على إيثاره على الأغيار، ولا تؤثر على محبوباتك الجبلية".

كيف تؤثره على محبوباتك الجبلية؟ 

"إلا إذا عرفت شرف ما أنت تطلبه، وترغب فيه" إذا عرفت شرف الطاعة للرحمن ونتائجها من قربه و "من المشاهدات الروحية والتدليّات اللطفية"، إذا عرفتَ قدرها وعظمتها؛ يهون عليك أن تفارق المحبوبات العادية الطبعية النفسية.

"إذا عرفت شرف ما أنت تطلبه وترغب فيه من المشاهدات الروحية والتدليّات اللطفية، فلا شك يهون -عند ذلك بلا شك- "مفارقة كل محبوب ويؤثِرُه لا محالة على كل مرغوب"، فالشغل بغيره مما يفوّت عليك حظًّا من القرب منه إيثارٌ لغيره عليه،  فهو شغلٌ بالغير.

 

قال: "والشغل به"، كيف يترجم الشغل بالله -تبارك وتعالى-؟ 

قال: "هو طلب التحقق بمكارم الأخلاق"، لأن الله يحبها، ويكره سفاسف الأخلاق، ويحب مكارم الأخلاق -سبحانه وتعالى-، فشغلك بمكارم الأخلاق للتحقق بها علامة شغلك به، "والتعلق بالمشاهدات الإلهية، والخضوع لعظمة الربوبية، والانطواء والاستكانة، والتذلل في كهف العبودية مع المحبة لذلك" والفرح "والاغتباط به"، هذا علامة الشغل بالله، هذا هو الشغل بالله.

شغل بالله: 

  • تحب ذكره. 
  • تحب تلاوة آياته. 
  • تحب الصلاة والجماعة فيها. 
  • تحب الآداب النبوية والتخلق بها وتعشقها وترغب فيها ولا تملها. 

هذا الشغل بالله؛ إذا قمت به لوجهه مستعينًا به؛ وفقك، وثبتك، ووسع لك الخير، حتى يوصلك إليه وتنتهي إليه، وكل من سار على الدرب وصل. 

 

"والمُشتَغَل عنه"، ما هو الذي شغله عنه؟ "هو الحظوظ والشهوات الأرضية والطبائع الحيوانية"، فتشتغل عنها لا بها إذا اشتغلت به: 

  • فإما أن تشتغل بها عنه. 
  • وإما أن تشتغل به عنها. 

فلك الشرف إن اشتغلت بالله عن هذه الحظوظ الشهوانية، ويا ما أقبح حالك إذا اشتغلت بالشهوات الحيوانية عن الله -تبارك وتعالى-! وعن طلب القرب منه، وعن طلب معرفته الخاصة، وعن طلب محبته -سبحانه وتعالى-!

يقول: "عرَّفنا الله قدر ما نطلب"، من شرف القرب منه، ومن شرف المعرفة به، ومن شرف المحبة منه وله، ومن كرامة الرضا منه وعنه، عرَّفنا الله قدر هذا "حتى يكون كل اشتغالنا طلبه، فنشتغل عن الحظوظ العاجلة" اللهم آمين .

فالشغل بالله دأب الصادقين فما *** لهم إلى غيره في الكون تعويلُ

يُرون في الناس شُعْثًا لا مُقَامَ لهم *** ما بين أظهرهم غُبْرًا مجاهيل

لا يُؤثِرون على المحبوب كان لهم *** شُغلٌ وعمَّا سواه مشاغيلُ

كان لهم شغل، وعما سواه مشاغيل، فهم مشغولون به، مشغولون عما سواه -جل جلاله-.

 

 

"فاليقين أساس مباني المقامات، والتوكل ثمرة شجرة الفتوحات، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه عاطفًا على ما أسلفه من الكلام في هذا المقام: 

وإن من أيقن أن الله يطلبه صَدَقَ الطلب إليه، ومن علم أن الأمور بيد الله اجتمع بالتوكل عليه

"من أيقن" -واليقين هو السكون وعدم الاضطراب، فمن أيقن؛ أي: استقر يقينه وتمكَّن إيمانه، وباشر سويداء جنانه- "أن الله يطلبه" بالوفاء بحق الربوبية.. "صَدَقَ" -لا محالة- في طلبه بأداء العبودية على أكمل وجه وأتم هيئة؛ لما شاهده من عظمة الربوبية وكمال الألوهية، فيحمله الحياء -لا محالة- والحب على الوفاء، ويحثه على مبادرة الصفاء، ويحمله على ترك الجفاء، ويوفي بهذا المشهد حق شريعته.

"ومن علم" العلم الحقيقي الذي شاهِدُه الخشية؛ وهو ما كان من فتح الغيوب في لطائف الأسرار والقلوب "الأمور" الصادرة من خير وشر، ونفع وضر، وموت وحياة… إلى غير ذلك من مقتضيات الشؤون وآثار الأسماء "بيد الله" أي: إرادته وقدرته وأمره، وما هو مراده عنده في غيب علمه؛ فاليد معلومة، والكيفية مجهولة، والسكوت في مثل هذه المتشابهات حسن محمود، وردُّها إليه عند السلامة من المعارضات، وأما إذا احتيج لتأويل لرد مبتدعٍ أو لم يجد الإنسان طمأنينة.. فيعدل بها إلى مثل هذه التأويلات. 

فإذا علم ذلك الإنسان علما قويا ثابتًا.. حمله ذلك على التوكل على الله لا محالة، والتوكل على الله هو عبودية القلوب لله؛ لما يلوح للقلوب من لوائح الحقيقة؛ فالاضطراب مع لمعان تلك اللوائح خطأ، ويسمونه في تقسيم طريقه: شهود صرف الحقيقة، فيوفي بحق الحقيقة في ذلك المقام؛ كما وفى بحق الشريعة في مقام الإيمان الذي عبَّر به باليقين، ولي في ذلك:

مَن كان يوقن أن الله يطلبه *** صَدَقَ له في مبادئ ظاهر الطَّلَبِ

ومن عَلِم منه أنَّ الأمر مُحكمه *** بيد الإله سَلِم مِن مَوْرِدِ العَطَبِ

 

يقول عليه رحمة الله تعالى: "اليقين أساس مباني المقامات"، وكم سمعتم ما ذكره هؤلاء الأئمة، وسيدنا العيدروس ومن قبله ومن بعده: أنَّ لليقين أحوال ومقامات.. 

  • وأنَّ أساس جميع الأحوال هو: المحبة. 
  • وأن أساس جميع المقامات في اليقين: التوبة. 

فمن لم يصدق في التوبة فلا مقام له، ومن لم يصدق في المحبة فلا حال له.

"أساس مباني المقامات، والتوكل ثمرة شجرة الفتوحات، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه: 

  • "من أيقن أن الله"، الذي خلقه وأوجده من العدم وأسبغ عليه النعم، "يطلبه" أن يعرف ربوبيته ويقوم بحقها، "صَدَقَ الطلب إليه" في القيام بالعبودية.
  • "ومن علم أن الأمور"، كلها حسها ومعناها، ظاهرها وباطنها، "بيد الله اجتمع" -قلبه- "بالتوكل عليه"؛ على الله.

"من أيقن -واليقين هو السكون وعدم الاضطراب، فمن أيقن؛ أي: استقر يقينه وتمكَّن إيمانه، وباشر سويداء" قلبه و "جنانه- باليقين أن الله يطلبه"، خلقك تلعب؟ لا، لم يخلقك لتلعب، لم يخلقك لتأكل ولتشرب.. لا؛ خلقك لتعرفه، خلقك لتعبده، خلقك لتتشرف بالقرب منه، له حق عليك -سبحانه وتعالى-، خلقك من عدم وأسبغ عليك نعمه، قم بحقه.

من علم و " أيقن أن الله يطلبه"، خلقه وأنه خلقه لأمر عظيم شريف، ""يطلبه" بالوفاء بحق الربوبية.. صدق -لا محالة- في طلبه بأداء العبودية على أكمل وجه وأتم هيئة"؛ ما الذي يدفعه لذلك؟ 

قال: "لما شاهده من عظمة الربوبية وكمال الألوهية، فيحمله الحياء -لا محالة- والحب على الوفاء"، أن يصدق ويخشع ويقول في اتباع سيد المقربين والمحبوبين لله تعالى: "أبوءُ لَكَ بنعمتِكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي فاغفر لي فإنَّهُ لا يغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ"، "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، -أَبُوءُ: أعترف وأُقرّ- أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ -أي: أعترف وأُقرّ- بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ". 

يقول: "لما شاهده من عظمة الربوبية وكمال الألوهية، فيحمله الحياء -لا محالة- والحب على الوفاء، ويحثه على مبادرة الصفاء، ويحمله على ترك الجفاء، ويوفي بهذا المشهد حق شريعته".

وهكذا مَن عَلِمَ أنَّ له ربًّا خلقه يطالبه بشكره وعبادته وذكره -سبحانه وتعالى-، توجَّه بالكُلِّيَّة؛ ليُقيم العبودية لهذا الإله، مستحييًا منه مستشعرًا إفضاله عليه.

سمعت؟ لك رب خلقك من عدم، وأنزل كتاب وأرسل رسول يأمرك أن تستقيم، ومرجعك إلى هذا الإله؛ إذا أيقنت بهذا.. لا بد أن تُشَمِّر في أداء العبودية للحق تعالى، لتؤدي حق الربوبية بالعبودية فيتولاك الرب ويُقربك فيمن قرَّب، ويُنزل عليك من الفيض الأطيب والجود الأرغب، فيُصَبُّ عليك صبًّا ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذه معاملة الله لكل مَن أحب. 

عسى تسمع وتُطيع!.

يقول: ""ومن علم" العلم الحقيقي"، ما علامته وشاهده؟

قال: الخشية، "الذي شاهده الخشية؛ وهو ما كان من فتح الغيوب في لطائف الأسرار والقلوب"، هذا العلم الحقيقي.

""من علم أن الأمور" الصادرة من خير وشر، ونفع وضر، وموت وحياة"، صحة وسقم، رفع وخفض، عطاء ومنع، تقريب وإبعاد، إشقاء وإسعاد، كل هذه الأمور، سماء وأرض وما بينهما، وحياة وموت، وبرزخ وآخرة، كل هذه الأمور.."بيد الله"، هذه "من مقتضيات الشؤون" -الإلهية- "وآثار الأسماء" الربانية. يُسعد و يُشقي، يُقَرِّب، يُبعِد، يَهدِي، يُضِل، يُعافِي، يُمرِض، يَرْفَع، يَخْفِض، يُعطي، يَمْنَع -سبحانه وتعالى- لا إله إلا هو، ويُحيي، يُميت. 

وكُلُّ ما في العالم من الشؤون تحت إرادته، ""بيد الله" أي: إرادته وقدرته وأمره، وما هو مراده عنده في غيب علمه"، هذا معنى بيد الله، يعني: في قبضته وقدرته، "فاليد معلومة، والكيفية مجهولة"، ليس هناك شيء مشابه بين المخلوق والخالق -حاشا الله-. 

قال: فهذه المتشابهات يجب أن تسكت عنها. ومعنى أن تسكت عنها:

  • أن تعتقد تَنَزُّه الله -تبارك وتعالى- عن مشابهة الكائنات. 
  • وتعلم أن لها مقصد صحيح بعيد عن المشابهة وبعيد عن الجسمية. 

قال: فذلك "حَسَنٌ محمود، وردُّها إليه عند السلامة من المعارضات، وأما إذا احتيج لتأويل" -تُأوَّل- "لرد مبتدعٍ أو لم يجد الإنسان طمأنينة.. فيعدل بها إلى مثل هذه التأويلات"؛ حتى يسكن قلبه، ثم يكون أخذه لهذه الأشياء بعيدة عن التمثيل والتشبيه والتجسيم وما إلى ذلك، بصفاء ونقاء، وتقديسٍ للملك الأعلى جل وعلا.

"فإذا علم ذلك الإنسان علمًا قويًا ثابتًا" -أنها بيد الله- "حمله ذلك على التوكل على الله لا محالة"، (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [الممتحنة:4]، ارزقنا صدق التوكل عليك. 

"والتوكل على الله هو عبودية القلوب لله؛ لما يلوح للقلوب من لوائح الحقيقة؛ فالاضطراب مع لمعان تلك اللوائح خطأ، ويسمونه في تقسيم طريقه: شهود صِرف الحقيقة، فيوفِّي بحق الحقيقة في ذلك المقام؛ كما وفّى بحق الشريعة في مقام الإيمان" -وفي مقام الإحسان يوفِّي بحقِّ الحقيقة- "الذي عبَّر به باليقين، ولي في ذلك:"

مَن كان يوقن أن الله يطلبه *** صَدَقَ له في مبادئ ظاهر الطَّلَبِ

ومن عَلِم منه أنَّ الأمر مُحكمه *** بيد الإله سَلِم مِن مَوْرِدِ العَطَبِ

من الاعتماد على الله.. 

العَطَب: الهلاك بالاعتماد على غير الله والركون إلى ما سواه؛ بل يتوكل عليه وحده لأن الأمر كله بيده (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) -انقطع إليه انقطاعَا- (رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [المزمل:8-9]، اتخذنا الله وكيلًا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

اللهم عليك توكلنا في أن تقبلنا، وأن توفقنا، وأن تجعل لنا في هذه الليالي والأيام واللقاءات والاجتماعات ارتقاءات عليات رفيعات إلى أعلى مراتب القرب منك، والفهم عنك، والمعرفة بك، والإخلاص لوجهك، والصدق معك، والرضا منك، والرضا عنك، والمحبة منك، والمحبة لك؛ فلا تخيّبنا يا ربنا، واجعل وجهتنا بك إليك، واجعل اعتمادنا عليك، برحمتك يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.

انظمنا في سلكه، واحملنا في فلكه، واجعلنا وإياهم وأحبابنا من المقبلين بالكلية عليك بك، والمقبولين لديك بفضلك، وأدخلنا في دائرة الحبيب وأهل التقريب، ووفِّر لنا الحظ والنصيب من كل ليلة، ومن كل يوم ومن كل ساعة، ومن كل مجلس، ومن كل صلاة، ومن كل ذكر، ومن كل تلاوة، ومن كل آية للقرآن، ومن كل حديث من أحاديث نبيك محمد ﷺ، ومن كل درس من الدروس، واجعل لنا زكاةً للنفوس ونقاءً عن جميع الأرجاس، ودفعًا لجميع الشرور والنحوس. 

وكن لنا بما كنت به للمحبوبين من عبادك أهل محبتك وودادك، وارزقنا الوفاء بعهدك الذي عاهدتنا عليه، على الوجه الذي يرضيك بفضلك وحولك وقوتك وطَولك وإحسانك وواسع امتنانك. 

وأصلح شؤون هذه الأمة، واجمع شملهم، وألّف ذات بينهم، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وسببًا لجمع الأمة، وكفاية كل ضر فيما بطن وفيما ظهر.

 بسر الفاتحة وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ

 اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

الْفَاتِحَة.

تاريخ النشر الهجري

04 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

17 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام