الفوائد الثمينة - 3 | الآل والصحب، وأركان الإسلام وشروطه

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثالث للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

فجر السبت 19 محرم 1448هـ

لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا

يتضمن الدرس:

  • تعريف آل النبي ﷺ 
  • من هو الصحابي؟
  •  أقوال أهل العلم في معنى "الآل"
  •  الفرق بين مقام الزكاة والدعاء والمدح
  •  مسلك أهل السنة في الآل والصحب (لا غلو ولا جفاء) 
  •  بني المطلب وبني هاشم وقسمة سهم ذوي القربى
  •  محبة آل النبي وصحبه وادّعاء ذلك
  •  تعريف الصحابة ومكانتهم وعددهم
  •  رحلة الصحابة في أقطار الأرض لتبليغ الدين ونموذج سيدنا أبي أيوب الأنصاري
  •  الفرق بين ألفاظ: الفصل، الباب، الكتاب، والمسألة
  •  أركان الإسلام الخمسة، وتعريف الركن والفرق بينه وبين الشرط
  •  تعريف الإسلام وعلاقته بالإيمان
  •  أحكام الإسلام في الظاهر والباطن وحكم المنافق والعاصي
  • شروط الدخول في الإسلام الستة وتشجيع الصبي المميز
  •  معنى شهادة أن لا إله إلا الله ودلالاتها
  •  معنى شهادة أن محمداً رسول الله ورسالته لجميع الخلق
  •  أسرار وفضائل (لا إله إلا الله) في تزكية الباطن وتجديد الإيمان

 

نص الدرس مكتوب:

 بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:

  • آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، وقيل: كل مؤمن. 
  • وصحبه: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي مؤمنا ومات على الإيمان.

فصل

الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا: قطعة من العلم مشتملة على فروع وأصول ومسائل وتنابيه غالبا.

أركان الإسلام خمسة:

الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به.

فائدة

الإسلام لغة: الاستسلام والانقياد، واصطلاحا: الانقياد للأحكام الشرعية العملية.

شروط الإسلام

لا يصح الدخول في الإسلام إلا بستة شروط نظمها بعضهم بقوله: 

شُرُوطُ الْإِسْلَامِ بِلَا اشْتِبَاهِ *** عَقْــلٌ بُلُــوغٌ عَـدَمُ الْإِكْــرَاهِ

وَالنُّطْـــقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْـــوِلَا *** وَالسَّادِسِ التَّرْتِيبُ فَاعْلَمْ وَاعْمَلَا

معنى شهادة أن لا إله إلا الله

معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله، أي: لا يستحق العبادة أحد في الكون كله إلا الله".

ما شاء الله لا قوة إلا بالله، الحمد لله الموفق المنور المدبر الميسر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم الجهر والسر، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمداً عبده ورسوله، النذير المبشر، الطاهر المطهر، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم و متابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

تحدّث الشيخ -عليه رحمة الله- يقول: من آل النبي ومن صحبه؟ إذ يتكرر على المؤمنين في أحوالهم المختلفة ذكر الآل: 

  • بما جاء في السنة الغرّاء. 
  • وما جاء من ربطهم بالصلاة عليه ﷺ. 
  • وما جاء في ذكرهم في الزكاة أنها لا تحل لآل محمد، إلى غير ذلك. 

وكذلك من المعلوم أن أول من قام مع سيدنا رسول الله ﷺ وناصره من كان في عصره من المؤمنين فهم أصحابه الكرام -عليهم رضوان الله-:

  • يمتاز منهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار عمن بعدهم.
  • ويعظم فضلُ الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا على من بعدهم.

فذِكر الآل والصحابة يتكرر على الأمة، فمن آله ﷺ؟ ومن صحبه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-؟ 

  • ولكل نبي أمة وآل وصحب. 
  • وخير الأمم أمة نبينا محمد، وخير الآل آل نبينا محمد. 
  • وخير الصحب صحب نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

فقال:  "آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف"؛ فهم أقاربه المؤمنون، من آمن منهم فهم بذلك يكونون آله؛ كذلك آل كل نبي. وفي الحديث: "أُمِرنا أن نصلي عليه كما صلى الله تعالى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وآل إبراهيم أقاربه المؤمنون به؛ من آمن من أقاربه فهم آله، وكذلك آل نوح وآل لوط وآل موسى وآل هارون وآل يحيى وآل زكريا وآل عيسى كل من آمن بهم من أقاربهم فهم آلهم.

والصحب: كل من صحبه ﷺ، وفي الخبر: "ما اصطحب اثنان في ساعة من ليلة أو نهار إلا سألهما الله عن صحبتهما هل أقاما حق الله فيها"، وربط الصحبة ولو بساعة من ليلة أو نهار بذلك. 

وبذلك مالَ عامة أهل السنة أن الصحابي كل من لقي النبي مؤمناً ومات على الإيمان، على ما أشرنا إليه من أنه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ)[الحديد:10]، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

فأشار إلى هذا القول المشهور عن الإمام الشافعي، والذي ذكره الإمام النووي في المجموع، ويقول فيه أقوال: 

  1. أحدها وهو نص الشافعي وجمهور أصحابنا، أنهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ أي: المؤمنون منهم.
  2. والثاني أنهم: عترته المنسوبون إليه يختص بذريته ﷺ: 
    • فيكونون هم أهل الكساء وذريتهم؛ ذرية الحسن والحسين، ولم يبقَ في الأمة إلا من ذرية النبي ﷺ المنسوبين إليه بواسطة فاطمة إلا ذرية الحسن والحسين.
    • وبقية بناته -صلى الله عليه وصحبه وسلم- لم تستمر لهن عقب وذرية. 
    • وكذلك مُحسِّن بن سيدتنا فاطمة توفي صغيراً، وبقيت ذرية الحسن والحسين عترته المنسوبون إليه. 
    • وقد يفرّق بين عموم الآل وخصوص أهل البيت، ويراد بأهل البيت عترته أهل الكساء وذرية الحسن والحسين. 
  3. والثالث أنهم: أهل دينه كلهم أتباعه إلى يوم القيامة، ومن المعلوم أنه لكل نبي كذلك وكل رسول قد يُنسب في العموم الآل إليه جميع أتباعه وجميع المؤمنين به، على وجه اختصاصهم بالإيمان والتصديق والتبعية له. 

ولكن يبقى أيضًا المعنى ما يحمله لفظ الآل من القرابة، ويختص بقرابة ذلك النبي، المؤمنون منهم به.

وكذلك ما أشار إليه من التفصيل عند بعض أهل العلم، يقولوا: 

  • أما في مقام الزكاة فهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب. 
  • وفي مقام المدح كل مؤمن تقي، ويروى فيه عند الطبراني في الأوسط: "آل محمد كل تقي". 
  • وفي مقام الدعاء كل مؤمن ولو عاصياً من أتباعه -عليه الصلاة والسلام-.

 قال: ويمكن يُحمل عليها الحديث إذا فُسِّر "كل تقي" بمن اتقى الشرك. 

فاتفقوا على أن المراد بهم في قوله ﷺ في الصدقة إنها: "لا تحل لمحمد ولا لآل محمد"، -هذا أمر متفق عليه- "أنه إنما المراد بهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب"، فلو كان معنى الآل أمته وأتباعه فالزكاة حرام عليهم كلهم، ونعطيها الكفار؟ ولا أين نوديها كما يقول!

ثُمَّ علمنا المسلك الوسط لأهل السنة أيضًا في حالهم مع الآل -عليهم رضوان الله تعالى-، معرفة قدرهم وشرفهم، وما حصل ممن خالف السنة إما من مغالاة وغلو؛ وإما يُدّعي لبعضهم العصمة. 

والعصمة عند أهل السنة للأنبياء والملائكة لا مَنْ دونهم:

  • وإن غاية الموفَّق سواء من الآل أو من الصحابة أو من صالحي الأمة أن يكون محفوظاً بحفظ الله تعالى ولا يُطلق عليه لفظ العصمة.
  • إنما هو للأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- والملائكة هم المعصومون بعصمة الله -تبارك وتعالى- عن:
    • جميع الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها.
    • وعن جميع المكروهات.
    • وعن خلاف الأولى.
  • وما سواهم بعد ذلك فيهم مُقتدى بهم كما قال تعالى:
  • (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة:100]. 
  • وكما أشارت أيضًا الأحاديث الشريفة إلى اقتران الآل بالقرآن وأنهما أول من يَرِد عليه الحوض يوم القيامة.

فهؤلاء الذين شذّوا عن السنة الغلاة:

  1. ومن أشدهم من ادعى الألوهية لأحدٍ كما حصل من فرقة مع سيدنا علي، وأمر بقتلهم وإحراقهمْ -عليه رضوان الله عليه- باعتبار ارتدادهم وكفرهم بادعاء الألوهية، وهذه أنواع الغلو.
  2. والثاني: الاستخفاف بشأن الآل وعدم معرفة قدرهم خروجٌ عن السنة وخروجٌ عن منهج الصحابة والتابعين، وبُعْدٌ عن أوامره ﷺ وتعليماته وتوجيهاته، فإنكار شرف النسب من أصله، أو إلغاء مسألة التخصيص لهم بذوي القربى بخُمس الخُمس من الغنائم وتقسيمه عليهم، ومن وجوب المودة على الخصوص مع وجوب مودة المؤمنين على العموم: 
  • (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) [الشورى:23].
  • والمشار إليها سيدنا بقول أبو بكر الصديق كما روى الإمام البخاري عنه: "ارقبوا محمداً في آل بيته". 
  • وفي قوله في ذكر مودته -عليه رضوان الله- سيدنا أبو بكر: "لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ أن أصِلَ من قرابتي". وفي لفظٍ: "والله لأن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أن أصل قرابتي".

فهذا مسلك الوسط؛ مسلك أهل السنة، لا إنكار لفضلهم ووجوب مودتهم، ولا ادعاء عصمة لهم ولا شيء من المغالاة، وإنزال الأشياء منزلها.

  •  ومن المعلوم أن كل الصادقين من أي أمة من الأمم لابد يراعون حرمة نبيهم في أقاربه خاصة وفي صحابته ثم في أتباعه عامة؛ وذلك مقتضى العقل وفوقه الشرع المصون. ولذا جاءتنا هذه الصلوات الإبراهيمية أفضل الصلوات تبين لنا المكانة والشرف والمنزلة.
  • ثم في كل هذا: فمسلك الاعتدال والوسط والاهتداء، لا يبيح لأحد مُحرَّماً ولا يُعفي أحداً عن حد من حدود الله، ولا غلو ولا إفراط ولا تفريط على هذا المثل مضى؛ وفيه يقول أيضًا سيدنا علي، بل قال له صاحب الرسالة ﷺ: "يَهْلِكُ فيك اثنان: مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ"، فيكون في الهلك -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

 

إذًا، هذا المسلك المحمود، مسلك أهل السنة والهدى، مسلك الصحابة ومسلك من تبعهم بإحسان -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

يقول:  "آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف". ومعنى ذلك أن عبد مناف عنده أربعة أبناء: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس؛ فبني نوفل وبني عبد شمس ما يعدّون من آله لما جاء عنه ﷺ قوله: 

  • "إِنَّمَا نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ"، وذلك أنه لما قسَّم سهم القُربى من الغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ) [الأنفال:41]، قسَّم سهم ذي القربى فأعطى بني هاشم وبني المطلب. 
  • فسأله أصحابه الآخرون عن بنو نوفل وبنو عبد شمس، قالوا: أعطيت أبناء عمهم ولم تعطهم، قال: "إِنَّمَا نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ"؛ فخصّهم بخصوصية أولاد المطلب غير أولاد أعمامهم من بني نوفل وبني عبد شمس، وهم من جملة قريش من قبيلته -عليه الصلاة والسلام- ولكن ما دخلوا في خصوص آله.

وفي هذا المسلك المعتدل ألّف كثير من علماء السنة ما ورد عن الله ورسوله في ذكر الآل وذكر أهل البيت وواجباتهم وحقوقهم وما إلى ذلك: 

  • فألفوا: "القربة في مناقب ذوي القربى". 
  • وألفوا: "الشرف المؤبد لآل محمد" للإمام النبهاني. 
  • وألف السيوطي جمع نحو خمسين حديثاً من الأحاديث الواردة في آل بيته ﷺ فسماه: "إحياء الميت بفضائل أهل البيت".

إلى غير ذلك ممن قبلهم من وبعدهم من أهل السنة على هذا المسلك القويم الوسط.

وصحبه كذلك؛ فممن يدّعي محبة أهل البيت من يبغض الصحابة أو يسبهم! وممن يدعي محبة الصحابة من يحتقر أهل البيت أو يذمهم! ولا هؤلاء ولا هؤلاء صدقوا. 

ومن أحبَّ آل بيته لابد أن يحب صحابته، ومن أحبَّ صحابته بصدق لابد أن يحب أهل بيته.

  •  فأما ادعاء محبة الصحابة مع احتقار أهل البيت؛ فكذب. 
  • وادعاء محبة أهل البيت مع احتقار الصحابة أو سبهم؛ فكذب. 

لأن مصدر الشرف للاثنين واحد؛ مصدر الشرف للقرابة وللصحبة هو ﷺ:

  • هؤلاء تشرفوا بقرابتهم منه؛ وهؤلاء تشرفوا بصحبتهم له، فهو معدن الشرف للكل ﷺ.
  • كما أن شرف الأمة كلها كان بذلك؛ بانتسابهم إليه حيث الاتباع والإيمان. 

فهو معدن الشرف وهو أصله ومحل الكرامة -صلوات ربي وسلامه عليه-.

"وصحبه: اسم جمع لصاحِب"؛ فيُجْمَعُ على صَحْب، صَاحِب وصَاحِب وصَاحِب يُقال له: صَحْب، كما يُقال: أَصْحَاب.

قال: "وهو -أي: الصاحب- من اجتمع بالنبي مؤمنا ومات على الإيمان"، أي: 

  • من صحب رسول الله ﷺ. 
  • وهو على الإيمان. 
  • وثبت على ذلك ولم يرتدّ ولم يخرج. 

فليس لأهل الردة شيء من رتبة الصحبة.

 وكذلك هؤلاء الصحب:

  • خيارهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
  • وخيار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أهل بدر وبيعة العقبة.
  • وخيار أهل بدر وبيعة العقبة ويتبعهم أهل أُحُد الخلفاء الراشدون -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.

 فهؤلاء في مراتبهم الكببرة أهل الصحابة، وقال ﷺ: "هل أنتم تاركو لي أصحابي؟"؛ يشير إلى من أسلم متأخراً بالنسبة لمن كان صحبهم من قبل -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.

حتى قيل في الحديث: "لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، أنه عنى به الذين أسلموا من قبل الفتح، وخاطب به الذين أسلموا من بعد: أن عملكم ما يلحق هؤلاء الذين اتبعوه في وقت الشدة وناصروه في وقت الأتعاب، وأما بعد الفتح:  

  • (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) [النصر:2].
  • والآية نصت: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد:10]. 
  • أنفقوا وقاتلوا وأنفقوا وقاتلوا، كلهم أنفقوا وقاتلوا، لكن لا يستوي: "لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".

وكان بلغ عددهم، الذين حضروا معه ﷺ في حجة الوداع غير الذين توفوا من حين ما صاحبوا: 

  • الذين حضروا معه في حجة الوداع أربعة وعشرون ألف ومائة ألف من الصحابة.
  • فعدتهم من وقت وفاته تقريباً، الموجودون وقت وفاته، من حضر منهم في حجة الوداع ومن لم يحج معهم نحو المئة وستين ألف. 

فهؤلاء كان تقريباً عددهم وقت وفاته -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مئة ألف وستين ألفاً، ولكن منتشرون في الأقطار، ليس في مكة والمدينة إلا حدود العشرين الألف من مئة وستين ألف، نحو عشرة آلاف في البقيع ونحو عشرة آلاف في المعلاة في مكة مقبورون؛ والبقية منتشرون في أقطار الأرض لتبليغ هذا الدين ولإيصال رسالة النبي الأمين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى المشارق وإلى المغارب. 

وحتى منهم من أهل مكة والمدينة من قِبِروا بعيداً عن مكة والمدينة، مثل سيدنا أبي أيوب الأنصاري خالد: 

  • الذي سكن النبي في بيته قبل أن يبني له البيوت لأزواجه ﷺ، سكن في بيت أبي أيوب خالد الأنصاري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، مقبور في تركيا في إسطنبول هناك وهي القسطنطينية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-. 
  • وخرج وهو شايب من المدينة المنورة، وقالوا له أنت معذور، قال: الله تعالى يقول: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) [التوبة:41]، فلم يقل: (انفِرُوا خِفَافًا) فقط، فقال لهم: خلاص، خفافاً وثقالاً، بس أنا مُنفِّذ! 
  • فلما صار في المعركة قال: انظروا إلى آخر بقعة تصلون إليها فاقبروني فيها، لأكون أبعد ما أكون عن بيتي وعن المدينة، أقول يا ربي من أجلك قطعت هذه المسافة. 
  • فاستشهد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- فتأنوا إلى آخر بقعة وصلوها في تلك الأيام فقبروه فيها، -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-. 

وهكذا تجد قبور الصحابة شيء في روسيا منها، وشيء في أفريقيا، وشيء في المغرب، وشيء في مصر؛ تفرقوا في الأقطار لخدمة هذا الدين وأداء هذه المهمة التي حملوها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

ثم ذكر أنه يأتي في كتب العلم "فصل" كما يأتي كتابٌ، كما يأتي بابٌ، كما يأتي مسألةٌ، كما يأتي تنبيهٌ؛ كلها عبارة عن قطعة من العلم، أما معناها اللغوي فيختلف. 

"الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا: -عند العلماء والمؤلفين- قطعة من العلم مشتملة على فروع وأصول ومسائل وتنابيه غالبا."

فتحته الفروع والأصول والمسائل والتنابيه، وفوقه الباب. 

فوق الفصل الباب..

  • الباب لغةً: فرجة في ساتر ويتوصل بها من داخل إلى خارج وعكسه. 
  • ولكن في الاصطلاح: قطعة من العلم مشتملة على فصول، تندرج فيها الفصول، وفروع ومسائل والتنابيه غالباً. 

وفوق الباب الكتاب، الكتاب قطعة من العلم..

معنى الكتاب:

  • لغةً: الضم والجمع، تكتّبت الأشجار إذا اجتمعت، ومنه الكتيبة -يجتمعون الجيش-. 
  • وفي الاصطلاح: قطعة من العلم مشتملة على أبواب وفصول وفروع وأصول ومسائل والتنابيه غالباً.

هذا من جهة اصطلاحهم لتبويب وتعيين كل جزء من العلم: في كتاب، وفي باب، وفي فصل، وفي فروع، وفي أصول، وفي مسألة، وفي تنبيه.

المسألة

  • لغةً: السؤال. 
  • شرعاً: مطلوبٌ خبري يبرهن عنه في العلم.

والتنبيه

  • غالباً معناه: الإيقاظ. 
  • ولكن يأتي عندهم في اصطلاحهم: بمسألة تقدم لها معنى عام في الكلام السابق يُفهم منها مفاهيم) فيأتي التنبيه بعد ذلك موضحاً لها. 

وكذلك بقية الفروع والأصول:

  • الفرعُ: ما انبنى على غيره. 
  • والأصل: من بُنِيَ غيرُهُ عليه.

وما يُستنتج مما تقدم يقال له فروع -فرعاً.

 

أركان الإسلام خمسة:

الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحًا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به.

فائدة

الإسلام لغة: الاستسلام والانقياد، واصطلاحا: الانقياد للأحكام الشرعية العملية.

شروط الإسلام

لا يصح الدخول في الإسلام إلا بستة شروط نظمها بعضهم بقوله: 

شُرُوطُ الْإِسْلَامِ بِلَا اشْتِبَاهِ *** عَـقْـلٌ بُـلُـوغٌ عَـدَمُ الْإِكْــرَاهِ

وَالنُّطْــقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْــوِلَا *** وَالسَّادِسِ التَّرْتِيبُ فَاعْلَمْ وَاعْمَلَا

 

تحدث عليه رضوان الله عن أركان الإسلام، وهي ما بُني عليه الإسلام كما جاء في الحديث: "بُني الإسلام على خمس"، قال: أركان الإسلام: جمع ركن. 

  • والركن معناه في اللغةجانب الشيء الأقوى، الجانب القوي من الشيء، مثل أركان الدار وما إلى ذلك. 
  • واصطلاحًا -معنى الركن-: عبارة عن جزء من ماهية. 
    • أركان الوضوء مثلًا كل واحد منها جزء من ماهية الوضوء، لا يتحقق الوضوء إلا به. 
    • أركان الصلاة كل منها جزء من الصلاة لا يتحقق ماهية الصلاة إلا به. 
    • وهكذا في الحج وفي الصوم وفي الزكاة. 

فركن الشيء: هو الجزء الذي لا يتحقق الشيء إلا به فهو ركنه، وبذلك يختلف عن الشرط، الشرط شيء غير أجزاء الماهية، ولكنه شيء يجب اقترانه بالماهية؛ بما يجب تقدمه على الشيء واستمراره فيه يقال له: شرط وجمعه شروط. 

فالشَّرْط:

  • في اللغة: تعليق أمرٍ بأمر كل منهما مستقبل، هذا معنى الشَّرْط. 
  • ومعناه في الاصطلاح: ما يجب تقدمه على شيء واستمراره فيه، فمثلاً:
    • الوضوء ليس جزءاً من الصلاة لكنه شرط للصلاة؛ لا تصح الصلاة إلا به، فهو شرط من شروط الصلاة، فالطهارة للصلاة شرط. 
    • ولكن الركوع والسجود والقيام أجزاء من الصلاة نفسها؛ فهي أركان.

فالجزء من الشيء ركنه، وما يجب أن يتقدم عليه ويستمر فيه شرط.

  • وهذا تعريف الشَّرْط في اللغة: تعليق أمر بأمر كل منهما مستقبلاً؛ إن حضر زيد قرأت عليه؛ علّق القراءة على زيد بحضور زيد فكل منهما مستقبلاً، تعليق أمرٍ بأمر. 
  • وأما ما يُذكر فيه أن الشَّرْط لغة: العلامة؛ فمن التجوز؛ لأن ذاك شَرَطٌ -بفتح الشين- وليس بشَرْط:
    • والشَّرَط الذي هو لغة العلامة يُجمع على أشراط: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) [محمد:18]؛ خلاف الشُّرُوط، فالشَّرَط خلاف الشَّرْط:
      • الشَّرَط جمعه أشراط. 
      • والشَّرْطُ جمعه شروط وشرائط؛ كذلك جَمْع الشَّرْوط شرائط، منتهى الجمع.

يقول "الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به. واصطلاحًا: عبارة عن جزء من ماهية لا يتحقق إلا به".

 فما معنى الإسلام؟ 

  • قال: "الإسلام لغةً: الاستسلام والانقياد"، فمن استسلم وانقاد لهُ شيء فقد أسلم له. 
  • واصطلاحاً: "الانقياد للأحكام الشرعية العملية"، فالانقياد والاستسلام لأحكام الشريعة هو الإسلام. 

وهكذا أشار عندكم في التعليق بأن: "تخصيص الإسلام بالانقياد للأحكام العملية الظاهرة مبني على الاختلاف بين معنى الإسلام والإيمان". 

والخلاصة يقول: "الإسلام من جهة اللغة أعم من الإيمان" لأن: 

  • الإسلام هو استسلام وانقياد، سواء كان في الجوارح أو في القلب؛ كله يقال له إسلام من جهة اللغة؛ الاستسلام عامٌ في القلب والجوارح. 
  • والإيمان مخصوص بالقلب -تصديق بالقلب-. 

"ورد الشرع باستعمال الإيمان والإسلام على سبيل الترادف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الاختلاف". 

  • فما معنى الاختلاف؟ "معنى الاختلاف: أن يُخَصَّص الإيمان بالتصديق القلبي والإسلام بالتسليم الظاهر"، وعلى هذا الاختلاف جاءت الآية: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات:14]، يعني: استسلمتم بالظاهر والإيمان لم يدخل قلوبكم بعد. 
  • "ويأتي على معنى مترادف واحد" فمثل ما قال: (فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ) [الذاريات:35-36]، هذا بيت واحد هو أصلاً هو بيت سيدنا لوط وبناته الذين معه، هم البيت الوحيد، هم المؤمنون وهم المسلمون نفسهم، هو الإسلام وهو الإيمان، هم المؤمنون وهم المسلمون.

ويقول "الإسلام لغةً: الاستسلام والانقياد". 

  • وقال: "ومن استسلم ظاهراً؛ عومل بأحكام المسلمين في الدنيا" -نعم- أظهر الشهادة وقال أنا مسلم، السريرة موكولة إلى الله تبارك وتعالى. 
  • "أما في الآخرة من جمع التصديق "-بالقلب- والإقرار بالنطق والعمل.. فلا خلاف أنَّ مستقره الرحمة" ودار الكرامة والجنة. 
  • "ومن جمع القول والعقد، -قال: إنه مسلم واعتقد الإسلام أنه دين الحق- دون العمل -بأن ترك الواجبات وفعل المحرمات- فهو مؤمن يدخل النار إن لم يعفُ الله عنه، ولا يخلد فيها"؛ لقوله ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". 
  • "ومن نطق بلسانه ولم يصدق بقلبه؛ -فذاك هو المنافق- فلا شك في أنه في حكم الآخرة من الكفار"، بل في أسفل النار كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء:145]. 
  • "وأما من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه" فعدم نطقه باللسان إن لم يكن للمعاندة والمضادة؛ فيكون معصية؛ مثل تركه للصلاة، ومثل تركه للصوم مثل تركه لشيء من المعاصي الأخرى: 
    • وهذا قلبه موقن بمعنى لا إله إلا الله؛ ولكنه لم ينطق بلسانه؛ فهذا في الآخرة عند الله مؤمن، ولكنه يُعاقب على عدم النطق إذا كان عدم النطق لا عذر له فيه. 
    • ومن المعلوم أيضاً أن الإشارة تكفي من الأخرس، هو ما يعرف أن ينطق بالشهادة، فإذا أشار بالإيمان؛ قُبِلَ إيمانه وقُبل إسلامه وإن لم ينطق. 
    • وكذلك من لم ينطق إن كان ذلك لخوف من كفار أو غيرهم، أو لسبب من الأسباب هو مسلم؛ فهو مؤمن عند الله -تبارك وتعالى-، لكن لا نستطيع أن نُجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا؛ إلا أن ينطق بالشهادة وأن يؤمن. 

وذكر شروط الإسلام لمن أراد دخول الإسلام. 

  • أما بالنسبة للأبناء والبنات والذرية؛ فحكمهم أن من كان له أب أو أم مسلم فهو مسلم. 
  • وكذلك من يُسبى في الجهاد من أبناء الكفار أو بنات الكفار -أطفالهم- فمن سباه مسلم فهو مسلم، هؤلاء من قبل البلوغ وهذا بالتبعية. 

لكن إذا أراد أن يُسلِم بنفسه فلا بد أن تجتمع فيه هذه الشروط: 

1- العقل: فغير المميّز وغير العاقل ما يُقبل منه إسلام، ولا تُجرى عليه أحكام الإسلام إذا لم يسبق له إسلام قبل أن يختل. 

  • فأما من طرأ عليه الجنون؛ فحكمه مسلم إذا كان في الأصل مسلماً. 
  • لكن إذا أراد الدخول في الإسلام ولم يسبق له إسلام، وهو غير مميز أو مجنون فمن غير شك لا يقبل مثل ذلك.

2- والبلوغ: فما دام هو طفلاً فما نُجري عليه الأحكام حتى يبلغ، ولكن لا يجوز لنا أن نقول له: ما يصح إسلامك، ولا أن نُنفّره عن الإسلام، ولا أن نقول له: أنت كافر. 

  • وإذا فرضنا صبياً مميزاً؛ ميّز ولكنه لم يبلغ بعد، وشهد أن لا إله إلا الله؛ ينبغي أن نحترمه وأن نعظمه وأن نشجعه. 
  • ولكن من جهة الظاهر إنما تجري عليه الأحكام إذا بلغ -عند بلوغه- يُقبل منه القول من جهة إجراء الأحكام الظاهرة. 
  • وأما الحكم بأنه غير مسلم وغير مؤمن عند الله تعالى؛ فهذا خطر، وكذلك تنفيرٌ وصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى. 

ولكن الكلام عند الفقهاء هنا من حيث إجراء الأحكام الظاهرة عليه: 

  • حتى لا يكون هناك حجة لآبائهم ولا لأمهاتهم: أنكم ضحكتم على عقول أولادنا، وأنكم كذبتم عليهم، وأنكم خدعتموهم، وأنكم غررتموهم. 
  • ولكن يُشجّع على الإسلام ويُعلّم الأحكام، حتى إذا بلغ أُجريت الأحكام عليه، ويكون حينئذ قد استقلَّ بحريته عن أبويه وما إلى ذلك، فهذا معنى شرط البلوغ. 

3- وعدم الإكراه: لقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]، فما يصح الإسلام تحت الإكراه بل بالاختيار والرغبة، ما يصح الإسلام تحت السيف بالقوة -ليس له معني- لأن الله: 

  • يريد من الناس قلوبهم، يقول تعالى: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء:4]. 
  • لكن لا يريد الأعناق، يريد القلوب: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [يونس:99]، لكن تحت القهر والقوة؛ لا. 
  • مَن يُقبِل عليه بمحبته، بقلبه، برغبته، يقبَضله جل جلاله وتعالى في علاه، (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة:256]، فلا يُعتبر إسلام المُكرَه.

4- كذلك شرط النطق بالشهادتين؛ هذا الذي يُختلف فيه: هل هو شرطٌ أو هو شطرٌ؟ 

ومعنى كونه شرطاً: شرط لإجراء الأحكام الدنيوية عليه -أحكام الإسلام- لمن قدر على النطق بما أنه لم يكن أخرس. أما في الآخرة فيكون مؤمناً من شهد شهادة الحق وآمن بالله؛ فهو مؤمن عند الله. 

  • امتناعه عن النطق بالشهادة مع القدرة والعلم بالوجوب كامتناعه عن بقية الواجبات من أركان الإسلام وبقية الواجبات؛ فلا يكون مخلداً في النار. 
  • ومن أوهم أو دل كلامه على اعتبار أن القول ركن؛ لأن الشهادتين عبارة عن إنشاء عقد والتزام، لكن المعتمد أنه لا؛ إنما المراد الإيمان القلبي، وإنما النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام عليه في الدنيا. 

فهل النطق بالشهادتين شرط أو شطر من الإيمان؟ 

قال هنا: شرطٌ، وشرطٌ لا شطر، يعني ليس جزءاً من الإيمان ولكنه شرط لإجراء أحكام الإسلام؛ على أن ينطق بالشهادتين: شهادة أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰهِ. وتندرج فيها جميع ما يجب الإيمان به من الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر في شهادة أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰهِ.

وكما سمعتم فيما ذكره الحبيب عبد الرحمن بلفقيه وغيره: 

  • أن الشهادتان التي هي أصل الإسلام والدخول للإسلام بها سهل ويسير. 
  • وأن بقية آيات التوحيد والصفات وأخبار الأنبياء شارحة لمعاني الشهادتين. 
  • وأن بقية القرآن شرح لهذه الآيات: آيات التوحيد والإيمان. 
  • وأن السنة شرح للقرآن. 
  • وأن مفاهيم وأقوال الصحابة والتابعين من العلماء شرح للسنة. 

فإذا كلها تفرعت من أصل واحد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

5- يقول: "النطق بالشهادتين، والوِلا" بينهما؛ فلو شهد أن لا إله إلا الله في وقت، ثم في وقت آخر شهد أن محمداً رسول الله، نقول: اجمع بينهما في شهادة أن لا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام عليك أيضاً لإجراء الأحكام عليك: يجمع بين النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. 

6- "والسادس الترتيب"؛ فلو قال: أشهد أن محمداً ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله، نقول: قدّم شهادة أن لا إله إلا الله وأتبعها بشهادة أن محمداً رسول الله. كل هذا من أجل إجراء الأحكام عليك. 

"فَاعلم و اعملا"، فصارت هذه الستة: 

  1. عقل. 
  2. بلوغ.
  3. عدم إكراه.
  4. نطق بالشهادتين. 
  5. والولا. 
  6. والسادس الترتيب، فَاعلم واعملا.

 

قال المصنف رحمه الله ونفعنا به وبكم:

معنى شهادة أن لا إله إلا الله

معنى (أشهد أن لا إله إلا الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله، أي: لا يستحق العبادة أحد في الكون كله إلا الله.

معنی شهادة أن محمدا رسول الله

معنى (أشهد أن محمدا رسول الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن سيدنا محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العربي رسول الله، أرسله الله إلى كافة الخلق؛ الإنس والجن والملائكة بدين الإسلام.

 

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هذا معنى الشهادتين. أن الشهادة هي الاعتقاد بالقلب: 

وإذا قلت: "أشهد"، أي: أعتقد بقلبي ومتحققاً متيقناً عالماً مبيِّناً لغيري؛ "أشهد"، (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]، فنحن مبيِّنون لكم أننا على هذا الإسلام. 

فتحتوي الشهادة على معنى الاعتقاد بالقلب، مع علم والتحقق والتيقن، وعلى بيان للغير. وبهذا تجري الأحكام عليه. 

وبقي هذا الذي يعتقد بقلبه ولم يبين بلسانه لغيره: 

  • أنه بينه وبين الله يكون مؤمناً، ولكن ما نجري عليه أحكام الإسلام حتى ينطق بالشهادة؛ ففيها معنى البيان للغير؛ فتضمّن هذا معنى الشهادة. 
  • وإن كان أصل الشهادة الاعتقاد بالقلب على وصف العلم والتحقق واليقين -فهذا معنى الشهادة-، ولكن تنطوي أيضاً على معنى البيان للغير: 
    • (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64].
    • وفي الآية الأخرى قال: (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33].

"معنى (أشهد أن لا إله إلا الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله"، معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الوجود، "لا يستحق العبادة أحد -ولا شيء- في الكون كله إلا الله" سبحانه وتعالى. 

فهو الإله وحده لا شريك له -سبحانه وتعالى-، ولا مثل له ولا نظير له: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11] جل جلاله وتعالى في علاه.

فيتضمن معنى شهادة أن لا إله إلا الله: 

  • الإيمان بأسمائه وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة، ومع معرفتنا أنه لا يُحاط بمعاني أسمائه؛ ونؤمن بجميع أسمائه أيضاً؛ لقوله ﷺ: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". 
  • فله أسماء ما يعرفها لا ملائكة ولا غيرهم، وله أسماء علمها من شاء من عباده، وله أسماء سمى بها نفسه في كتبه المنزلة، "أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداًا من خلقك". ففيه أن الخلق يتفاوتون في معرفة الأسماء. 
  • ولكن الأسماء الواردة في الكتاب يجب على المؤمنين كلهم اعتقاد أنها أسماء الله تبارك وتعالى وصفاته كما جاء بها القرآن الكريم. ومنها الأسما التسعة وتسعين اسماً في الحديث "إن لله تسعًا وتسعين اسمًا" في الصحيحين، ولم يُخرِّج عدد الأسماء أو ألفاظ الأسماء. 

ولكن في بعض كتب السنة وعلى اختلاف في تعيين بعض الأسماء، وكلها من أسماء الله تعالى، لا تنحصر أسماء الله في تسعة وتسعين ولا في الألف ولا في الألفين، ولكن منها: 

  • ما أنزله في كتبه. 
  • وما سمى بها نفسه. 
  • وما علّمه أحدٌ من خلقه.
  • وما استأثر به في علم الغيب عنده جل جلاله وتعالى في علاه.

فآمنا بجميع أسماء الله وصفاته، وإنما علينا معرفة التفصيل فيما ورد في القرآن الكريم، فما سمى به نفسه ووصف به نفسه، وما جاء على لسان الرسول العظيم ﷺ، فهذا يجب على كل مؤمن اعتقاد أنها أسماؤه وأنها صفاته كما سمى نفسه ووصف نفسه على لسانه وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ويتضمن بعد ذلك الإيمان بالملائكة والكتب والرسل كلهم واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ لأن شهادة أن محمداً رسول الله، وهو المُبيّن لهذه الأشياء والمبعوث بها- تقتضي التصديق بكل ما جاء به ﷺ. 

فذكر "معنى (أشهد أن محمدا رسول الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبيِّن لغيري أن سيدنا محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العربي رسول الله".

تقدم معنا معنى الرسول: "أرسله الله إلى كافة الخلق"، وهذه خصوصية له في مزايا رسالته تميزت عن رسالة جميع المرسلين: 

  • "كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس كافة" ﷺ. 
  • (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ:28].
  • و(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1]. 

والعالَمون: الإنس والجن والملائكة. ولهذا يقول: رسول الله "أرسله الله إلى كافة الخلق؛ الإنس والجن والملائكة بدين الإسلام"

وكذلك معنى إرساله إلى: 

  • بقية الكائنات؛ تشريفاً لا تكليفاً. 
  • ولكن بالنسبة للإنس والجن؛ إرسال تكليف. 
  • وأما بالنسبة للملائكة والكائنات؛ فإرسال تشريف. 

وبذلك نطق ما نطق من الحيوانات ومن الجمادات بالشهادة له بالرسالة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

فهو رسول الله إلى جميع الخلق، رزقنا الله محبته ومتابعته والاقتداء به، وحققنا وإياكم بحقائق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

وعليها تترتب جميع مقامات الدين والإسلام، ومراتب اليقين ومقامات اليقين كلها، ويُنتَهى بها إلى المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة من سر لا إله إلا الله.. رُوي عن سيدنا موسى عليه السلام أنه قال: "يا رب علمني شيئاً أذكرك به"، قال: "قل لا إله إلا الله"، قال: "يا رب كل خلقك يقولون لا إله إلا الله"، قال: "يا موسى، لو كانت السماوات السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله". 

فجميع ما يُتحدث عنه في علوم التوحيد والمعرفة الخاصة، وما يتفرع عن ذلك من علوم الأذواق والمراتب والمقامات، كله قائم على لا إله إلا الله. 

  • فصارت مثل النواة التي ينطوي فيها جميع أجزاء النخلة سعفها وثمرها، وهو منطوٍ في هذه النواة إذا بذرتها طلعت. 
  • وكذلك لا إله إلا الله، إذا بُذرت في باطن المؤمن وسُقيت بماء الطاعة والإنابة والخشية، أثمرت حقائق الإيمان وكل اليقين، كلها تجيء من هذه الثمرة، من البذرة، بذرة لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ.

جعلنا الله وإياكم متحققين بها. وبكثرة ذكرها يحصل تثبيت القلب والإيمان وزيادة الإيمان والرقس في المراتب. في الحديث: "جددوا إيمانكم"، قالوا: كيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله". 

فلا إله إلا الله تحيي القلوب وهي أفضل الأذكار، وهي ما يحتاج أن يُكثر منه المريد في سيره إلى الله -تبارك وتعالى- من أول سيره، وإليها ينتهي المنتهون فيرجعون متعلقين من جملة الأذكار بـ"لا إله إلا الله". عليها نحيا، وعليها نموت، وعليها نُبعث إن شاء الله.

وحققنا بحقائق لا إله إلا الله يا من أكرمت بها أنبياءك ورسلك وصالح عبادك، وارفعنا في مراتبها، واجعلنا من المتحققين بحقائقها، واجعلها آخر كلامنا من حياتنا الدنيا، اجعلها آخر كلام كل واحد منا من هذه الحياة الدنيا: "لا إله إلا الله" متحققاً بحقائقها وأنت راضٍ عنه برحمتك يا أرحم الراحمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

 

تاريخ النشر الهجري

20 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

05 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام