(480)
(368)
(636)
(170)
الدرس الثالث للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
فجر السبت 19 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
- آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، وقيل: كل مؤمن.
- وصحبه: اسم جمع لصاحب، وهو من اجتمع بالنبي مؤمنا ومات على الإيمان.
فصل
الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا: قطعة من العلم مشتملة على فروع وأصول ومسائل وتنابيه غالبا.
أركان الإسلام خمسة:
الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به.
فائدة
الإسلام لغة: الاستسلام والانقياد، واصطلاحا: الانقياد للأحكام الشرعية العملية.
شروط الإسلام
لا يصح الدخول في الإسلام إلا بستة شروط نظمها بعضهم بقوله:
شُرُوطُ الْإِسْلَامِ بِلَا اشْتِبَاهِ *** عَقْــلٌ بُلُــوغٌ عَـدَمُ الْإِكْــرَاهِ
وَالنُّطْـــقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْـــوِلَا *** وَالسَّادِسِ التَّرْتِيبُ فَاعْلَمْ وَاعْمَلَا
معنى شهادة أن لا إله إلا الله
معنى شهادة أن لا إله إلا الله: أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله، أي: لا يستحق العبادة أحد في الكون كله إلا الله".
ما شاء الله لا قوة إلا بالله، الحمد لله الموفق المنور المدبر الميسر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم الجهر والسر، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمداً عبده ورسوله، النذير المبشر، الطاهر المطهر، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم و متابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
تحدّث الشيخ -عليه رحمة الله- يقول: من آل النبي ومن صحبه؟ إذ يتكرر على المؤمنين في أحوالهم المختلفة ذكر الآل:
وكذلك من المعلوم أن أول من قام مع سيدنا رسول الله ﷺ وناصره من كان في عصره من المؤمنين فهم أصحابه الكرام -عليهم رضوان الله-:
فذِكر الآل والصحابة يتكرر على الأمة، فمن آله ﷺ؟ ومن صحبه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-؟
فقال: "آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف"؛ فهم أقاربه المؤمنون، من آمن منهم فهم بذلك يكونون آله؛ كذلك آل كل نبي. وفي الحديث: "أُمِرنا أن نصلي عليه كما صلى الله تعالى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وآل إبراهيم أقاربه المؤمنون به؛ من آمن من أقاربه فهم آله، وكذلك آل نوح وآل لوط وآل موسى وآل هارون وآل يحيى وآل زكريا وآل عيسى كل من آمن بهم من أقاربهم فهم آلهم.
والصحب: كل من صحبه ﷺ، وفي الخبر: "ما اصطحب اثنان في ساعة من ليلة أو نهار إلا سألهما الله عن صحبتهما هل أقاما حق الله فيها"، وربط الصحبة ولو بساعة من ليلة أو نهار بذلك.
وبذلك مالَ عامة أهل السنة أن الصحابي كل من لقي النبي مؤمناً ومات على الإيمان، على ما أشرنا إليه من أنه (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ)[الحديد:10]، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
فأشار إلى هذا القول المشهور عن الإمام الشافعي، والذي ذكره الإمام النووي في المجموع، ويقول فيه أقوال:
ولكن يبقى أيضًا المعنى ما يحمله لفظ الآل من القرابة، ويختص بقرابة ذلك النبي، المؤمنون منهم به.
وكذلك ما أشار إليه من التفصيل عند بعض أهل العلم، يقولوا:
قال: ويمكن يُحمل عليها الحديث إذا فُسِّر "كل تقي" بمن اتقى الشرك.
فاتفقوا على أن المراد بهم في قوله ﷺ في الصدقة إنها: "لا تحل لمحمد ولا لآل محمد"، -هذا أمر متفق عليه- "أنه إنما المراد بهم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب"، فلو كان معنى الآل أمته وأتباعه فالزكاة حرام عليهم كلهم، ونعطيها الكفار؟ ولا أين نوديها كما يقول!
ثُمَّ علمنا المسلك الوسط لأهل السنة أيضًا في حالهم مع الآل -عليهم رضوان الله تعالى-، معرفة قدرهم وشرفهم، وما حصل ممن خالف السنة إما من مغالاة وغلو؛ وإما يُدّعي لبعضهم العصمة.
والعصمة عند أهل السنة للأنبياء والملائكة لا مَنْ دونهم:
فهؤلاء الذين شذّوا عن السنة الغلاة:
فهذا مسلك الوسط؛ مسلك أهل السنة، لا إنكار لفضلهم ووجوب مودتهم، ولا ادعاء عصمة لهم ولا شيء من المغالاة، وإنزال الأشياء منزلها.
إذًا، هذا المسلك المحمود، مسلك أهل السنة والهدى، مسلك الصحابة ومسلك من تبعهم بإحسان -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
يقول: "آل النبي: هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف". ومعنى ذلك أن عبد مناف عنده أربعة أبناء: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس؛ فبني نوفل وبني عبد شمس ما يعدّون من آله لما جاء عنه ﷺ قوله:
وفي هذا المسلك المعتدل ألّف كثير من علماء السنة ما ورد عن الله ورسوله في ذكر الآل وذكر أهل البيت وواجباتهم وحقوقهم وما إلى ذلك:
إلى غير ذلك ممن قبلهم من وبعدهم من أهل السنة على هذا المسلك القويم الوسط.
وصحبه كذلك؛ فممن يدّعي محبة أهل البيت من يبغض الصحابة أو يسبهم! وممن يدعي محبة الصحابة من يحتقر أهل البيت أو يذمهم! ولا هؤلاء ولا هؤلاء صدقوا.
ومن أحبَّ آل بيته لابد أن يحب صحابته، ومن أحبَّ صحابته بصدق لابد أن يحب أهل بيته.
لأن مصدر الشرف للاثنين واحد؛ مصدر الشرف للقرابة وللصحبة هو ﷺ:
فهو معدن الشرف وهو أصله ومحل الكرامة -صلوات ربي وسلامه عليه-.
"وصحبه: اسم جمع لصاحِب"؛ فيُجْمَعُ على صَحْب، صَاحِب وصَاحِب وصَاحِب يُقال له: صَحْب، كما يُقال: أَصْحَاب.
قال: "وهو -أي: الصاحب- من اجتمع بالنبي مؤمنا ومات على الإيمان"، أي:
فليس لأهل الردة شيء من رتبة الصحبة.
وكذلك هؤلاء الصحب:
فهؤلاء في مراتبهم الكببرة أهل الصحابة، وقال ﷺ: "هل أنتم تاركو لي أصحابي؟"؛ يشير إلى من أسلم متأخراً بالنسبة لمن كان صحبهم من قبل -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
حتى قيل في الحديث: "لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، أنه عنى به الذين أسلموا من قبل الفتح، وخاطب به الذين أسلموا من بعد: أن عملكم ما يلحق هؤلاء الذين اتبعوه في وقت الشدة وناصروه في وقت الأتعاب، وأما بعد الفتح:
وكان بلغ عددهم، الذين حضروا معه ﷺ في حجة الوداع غير الذين توفوا من حين ما صاحبوا:
فهؤلاء كان تقريباً عددهم وقت وفاته -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- مئة ألف وستين ألفاً، ولكن منتشرون في الأقطار، ليس في مكة والمدينة إلا حدود العشرين الألف من مئة وستين ألف، نحو عشرة آلاف في البقيع ونحو عشرة آلاف في المعلاة في مكة مقبورون؛ والبقية منتشرون في أقطار الأرض لتبليغ هذا الدين ولإيصال رسالة النبي الأمين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلى المشارق وإلى المغارب.
وحتى منهم من أهل مكة والمدينة من قِبِروا بعيداً عن مكة والمدينة، مثل سيدنا أبي أيوب الأنصاري خالد:
وهكذا تجد قبور الصحابة شيء في روسيا منها، وشيء في أفريقيا، وشيء في المغرب، وشيء في مصر؛ تفرقوا في الأقطار لخدمة هذا الدين وأداء هذه المهمة التي حملوها عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم ذكر أنه يأتي في كتب العلم "فصل" كما يأتي كتابٌ، كما يأتي بابٌ، كما يأتي مسألةٌ، كما يأتي تنبيهٌ؛ كلها عبارة عن قطعة من العلم، أما معناها اللغوي فيختلف.
"الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحًا: -عند العلماء والمؤلفين- قطعة من العلم مشتملة على فروع وأصول ومسائل وتنابيه غالبا."
فتحته الفروع والأصول والمسائل والتنابيه، وفوقه الباب.
فوق الفصل الباب..
وفوق الباب الكتاب، الكتاب قطعة من العلم..
معنى الكتاب:
هذا من جهة اصطلاحهم لتبويب وتعيين كل جزء من العلم: في كتاب، وفي باب، وفي فصل، وفي فروع، وفي أصول، وفي مسألة، وفي تنبيه.
المسألة:
والتنبيه:
وكذلك بقية الفروع والأصول:
وما يُستنتج مما تقدم يقال له فروع -فرعاً.
أركان الإسلام خمسة:
الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحًا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به.
فائدة
الإسلام لغة: الاستسلام والانقياد، واصطلاحا: الانقياد للأحكام الشرعية العملية.
شروط الإسلام
لا يصح الدخول في الإسلام إلا بستة شروط نظمها بعضهم بقوله:
شُرُوطُ الْإِسْلَامِ بِلَا اشْتِبَاهِ *** عَـقْـلٌ بُـلُـوغٌ عَـدَمُ الْإِكْــرَاهِ
وَالنُّطْــقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالْــوِلَا *** وَالسَّادِسِ التَّرْتِيبُ فَاعْلَمْ وَاعْمَلَا
تحدث عليه رضوان الله عن أركان الإسلام، وهي ما بُني عليه الإسلام كما جاء في الحديث: "بُني الإسلام على خمس"، قال: أركان الإسلام: جمع ركن.
فركن الشيء: هو الجزء الذي لا يتحقق الشيء إلا به فهو ركنه، وبذلك يختلف عن الشرط، الشرط شيء غير أجزاء الماهية، ولكنه شيء يجب اقترانه بالماهية؛ بما يجب تقدمه على الشيء واستمراره فيه يقال له: شرط وجمعه شروط.
فالشَّرْط:
فالجزء من الشيء ركنه، وما يجب أن يتقدم عليه ويستمر فيه شرط.
يقول "الأركان: جمع ركن، وهو لغة: جانب الشيء الأقوى، واصطلاحا: عبارة عن جزء من الماهية، فلا تتحقق الماهية إلا به. واصطلاحًا: عبارة عن جزء من ماهية لا يتحقق إلا به".
فما معنى الإسلام؟
وهكذا أشار عندكم في التعليق بأن: "تخصيص الإسلام بالانقياد للأحكام العملية الظاهرة مبني على الاختلاف بين معنى الإسلام والإيمان".
والخلاصة يقول: "الإسلام من جهة اللغة أعم من الإيمان" لأن:
"ورد الشرع باستعمال الإيمان والإسلام على سبيل الترادف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الاختلاف".
ويقول "الإسلام لغةً: الاستسلام والانقياد".
وذكر شروط الإسلام لمن أراد دخول الإسلام.
لكن إذا أراد أن يُسلِم بنفسه فلا بد أن تجتمع فيه هذه الشروط:
1- العقل: فغير المميّز وغير العاقل ما يُقبل منه إسلام، ولا تُجرى عليه أحكام الإسلام إذا لم يسبق له إسلام قبل أن يختل.
2- والبلوغ: فما دام هو طفلاً فما نُجري عليه الأحكام حتى يبلغ، ولكن لا يجوز لنا أن نقول له: ما يصح إسلامك، ولا أن نُنفّره عن الإسلام، ولا أن نقول له: أنت كافر.
ولكن الكلام عند الفقهاء هنا من حيث إجراء الأحكام الظاهرة عليه:
3- وعدم الإكراه: لقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]، فما يصح الإسلام تحت الإكراه بل بالاختيار والرغبة، ما يصح الإسلام تحت السيف بالقوة -ليس له معني- لأن الله:
4- كذلك شرط النطق بالشهادتين؛ هذا الذي يُختلف فيه: هل هو شرطٌ أو هو شطرٌ؟
ومعنى كونه شرطاً: شرط لإجراء الأحكام الدنيوية عليه -أحكام الإسلام- لمن قدر على النطق بما أنه لم يكن أخرس. أما في الآخرة فيكون مؤمناً من شهد شهادة الحق وآمن بالله؛ فهو مؤمن عند الله.
فهل النطق بالشهادتين شرط أو شطر من الإيمان؟
قال هنا: شرطٌ، وشرطٌ لا شطر، يعني ليس جزءاً من الإيمان ولكنه شرط لإجراء أحكام الإسلام؛ على أن ينطق بالشهادتين: شهادة أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰهِ. وتندرج فيها جميع ما يجب الإيمان به من الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر في شهادة أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللّٰهِ.
وكما سمعتم فيما ذكره الحبيب عبد الرحمن بلفقيه وغيره:
فإذا كلها تفرعت من أصل واحد وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
5- يقول: "النطق بالشهادتين، والوِلا" بينهما؛ فلو شهد أن لا إله إلا الله في وقت، ثم في وقت آخر شهد أن محمداً رسول الله، نقول: اجمع بينهما في شهادة أن لا إله إلا الله؛ لإجراء الأحكام عليك أيضاً لإجراء الأحكام عليك: يجمع بين النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ.
6- "والسادس الترتيب"؛ فلو قال: أشهد أن محمداً ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله، نقول: قدّم شهادة أن لا إله إلا الله وأتبعها بشهادة أن محمداً رسول الله. كل هذا من أجل إجراء الأحكام عليك.
"فَاعلم و اعملا"، فصارت هذه الستة:
قال المصنف رحمه الله ونفعنا به وبكم:
معنى شهادة أن لا إله إلا الله
معنى (أشهد أن لا إله إلا الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله، أي: لا يستحق العبادة أحد في الكون كله إلا الله.
معنی شهادة أن محمدا رسول الله
معنى (أشهد أن محمدا رسول الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن سيدنا محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العربي رسول الله، أرسله الله إلى كافة الخلق؛ الإنس والجن والملائكة بدين الإسلام.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هذا معنى الشهادتين. أن الشهادة هي الاعتقاد بالقلب:
وإذا قلت: "أشهد"، أي: أعتقد بقلبي ومتحققاً متيقناً عالماً مبيِّناً لغيري؛ "أشهد"، (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64]، فنحن مبيِّنون لكم أننا على هذا الإسلام.
فتحتوي الشهادة على معنى الاعتقاد بالقلب، مع علم والتحقق والتيقن، وعلى بيان للغير. وبهذا تجري الأحكام عليه.
وبقي هذا الذي يعتقد بقلبه ولم يبين بلسانه لغيره:
"معنى (أشهد أن لا إله إلا الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبين لغيري أن لا إله إلا الله"، معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الوجود، "لا يستحق العبادة أحد -ولا شيء- في الكون كله إلا الله" سبحانه وتعالى.
فهو الإله وحده لا شريك له -سبحانه وتعالى-، ولا مثل له ولا نظير له: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11] جل جلاله وتعالى في علاه.
فيتضمن معنى شهادة أن لا إله إلا الله:
ولكن في بعض كتب السنة وعلى اختلاف في تعيين بعض الأسماء، وكلها من أسماء الله تعالى، لا تنحصر أسماء الله في تسعة وتسعين ولا في الألف ولا في الألفين، ولكن منها:
فآمنا بجميع أسماء الله وصفاته، وإنما علينا معرفة التفصيل فيما ورد في القرآن الكريم، فما سمى به نفسه ووصف به نفسه، وما جاء على لسان الرسول العظيم ﷺ، فهذا يجب على كل مؤمن اعتقاد أنها أسماؤه وأنها صفاته كما سمى نفسه ووصف نفسه على لسانه وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ويتضمن بعد ذلك الإيمان بالملائكة والكتب والرسل كلهم واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ لأن شهادة أن محمداً رسول الله، وهو المُبيّن لهذه الأشياء والمبعوث بها- تقتضي التصديق بكل ما جاء به ﷺ.
فذكر "معنى (أشهد أن محمدا رسول الله): أعلم وأتحقق وأتيقن وأعتقد بقلبي وأبيِّن لغيري أن سيدنا محمدا بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العربي رسول الله".
تقدم معنا معنى الرسول: "أرسله الله إلى كافة الخلق"، وهذه خصوصية له في مزايا رسالته تميزت عن رسالة جميع المرسلين:
والعالَمون: الإنس والجن والملائكة. ولهذا يقول: رسول الله "أرسله الله إلى كافة الخلق؛ الإنس والجن والملائكة بدين الإسلام".
وكذلك معنى إرساله إلى:
وبذلك نطق ما نطق من الحيوانات ومن الجمادات بالشهادة له بالرسالة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فهو رسول الله إلى جميع الخلق، رزقنا الله محبته ومتابعته والاقتداء به، وحققنا وإياكم بحقائق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وعليها تترتب جميع مقامات الدين والإسلام، ومراتب اليقين ومقامات اليقين كلها، ويُنتَهى بها إلى المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة من سر لا إله إلا الله.. رُوي عن سيدنا موسى عليه السلام أنه قال: "يا رب علمني شيئاً أذكرك به"، قال: "قل لا إله إلا الله"، قال: "يا رب كل خلقك يقولون لا إله إلا الله"، قال: "يا موسى، لو كانت السماوات السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله".
فجميع ما يُتحدث عنه في علوم التوحيد والمعرفة الخاصة، وما يتفرع عن ذلك من علوم الأذواق والمراتب والمقامات، كله قائم على لا إله إلا الله.
جعلنا الله وإياكم متحققين بها. وبكثرة ذكرها يحصل تثبيت القلب والإيمان وزيادة الإيمان والرقس في المراتب. في الحديث: "جددوا إيمانكم"، قالوا: كيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله".
فلا إله إلا الله تحيي القلوب وهي أفضل الأذكار، وهي ما يحتاج أن يُكثر منه المريد في سيره إلى الله -تبارك وتعالى- من أول سيره، وإليها ينتهي المنتهون فيرجعون متعلقين من جملة الأذكار بـ"لا إله إلا الله". عليها نحيا، وعليها نموت، وعليها نُبعث إن شاء الله.
وحققنا بحقائق لا إله إلا الله يا من أكرمت بها أنبياءك ورسلك وصالح عبادك، وارفعنا في مراتبها، واجعلنا من المتحققين بحقائقها، واجعلها آخر كلامنا من حياتنا الدنيا، اجعلها آخر كلام كل واحد منا من هذه الحياة الدنيا: "لا إله إلا الله" متحققاً بحقائقها وأنت راضٍ عنه برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 مُحرَّم 1448