430-  مواصلة الحديث عن الصحة وما يعاني الناس من المرض وما فيه من كفارة وغيره

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 430-  مواصلة الحديث عن الصحة وما يعاني الناس من المرض وما فيه من كفارة وغيره

صباح السبت 29 ذو القعدة 1447هـ 

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  • الحكمة الإلهية في الأمراض وكتابة الحسنات للمريض
  •  ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا
  •  فضل عيادة المريض وطلب الدعاء منه
  •  التحذير من التعرض للبلاء بما لا يطيق
  • الوفاء بما يعاهد العبد ربه في أيام المرض
  •  عتاب الملائكة لمن لا يتعظ بالمرض ولا بالصحة
  •  عفو الله عن الذنوب بلطف منه
  •  "لكل داء دواء إلا الهرم" والجمع بين التداوي والرضا بالقضاء
  • علم السيدة عائشة بالطب: من أين اكتسبته؟
  • هل ترد الرقى والأدوية من قدر الله شيئاً؟
  • شرح حديث: الذين يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ولا يتشائمون
  •  مضاعفة عدد الداخلين الجنة بغير حساب و"حثيات" الرب
  •  صدق الاعتماد على الله وعدم رؤية استقلال شيء سواه
  •  طمع صلحاء الأمة في "الحثيات"
  • قصة المرأة السوداء التي تُصرع ومقام الصبر على الابتلاء

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ يقول: "ما من عبد يمرض مرضاً إلا أمر الله تعالى حافظه أنّ ما عمل من سيئة فلا تكتبها وما عمل من حسنة أن تكتبها عشر حسنات وأبدله الله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، ولو كان العبد يعلم ما له في السقم لأحب أن يكون سقيماً الدهر".

وكان ﷺ يقول: "ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا، وإن الأوجاع  والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم من ورق الشجرة اليابسة في الريح العاصف".

وكان ﷺ يقول: "عودوا المريض ومروه فليدع لكم فإن دعوته مجابة وذنبه مغفور"، وكان ﷺ يقول: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه يتعرض من البلاء لما لا يطيق"، وكان ﷺ يقول لمن مرض ثم برأ: "أوف الله بما وعدته فإنه ما من عبد يمرض إلا وينوي شيئاً من الخير"، وكان جعفر بن محمد -رضي الله عنه- يقول: "إذا اشتكى العبد ثم عوفي فلم يحدث خيراً ولم يكف عن شر لقِيَت الملائكة بعضها بعضاً -يعني حفَظَته- فقالوا: إن فلاناً داويناه فلم ينفعه الدواء، وكان ﷺ يقول: "ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر"، وكان ﷺ ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج، وكان ﷺ يقول: "لكل داء دواء إلا الهَرَم، فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله تعالى".

وكان عروة -رضي الله عنه- يقول: قلت لعائشة -رضي الله عنها-: إني لأعجب من علمك بالطب فضربت على منكبي وقالت: أي عُرِيَّةَ إن رسول الله ﷺ كان يسقم آخر عمره وكانت وفود العرب تقدم عليه من كل وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها فمن ثم عرفت الطب، وقال أبو خزامة -رضي الله عنه-: قلت يا رسول الله أرأيت رقي نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل تردّ من قدر الله شيئاً، قال: "هي من قدر الله"، وكان ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً من غير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون"، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "جاءت امرأة سوداء إلى رسول الله ﷺ، فقالت يا رسول الله إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر ولكن ادع الله لي أن لا أتكشف، فدعى لها"، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله محوِّلِ الأحوال ومطوِّرِ الأطوار، وصلى الله وسلم على عبده وحبيبه المختار سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومَن على منهاجهم سار، وعلى ساداتنا الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفضل عند الكريم الغفار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

وبعد،،

فيواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما ورد في شأن الصحة والعافية، وما يعاني الناسُ وينازل أجسادهم من الأمراض المختلفة، وما يكون فيها من كفارة وإلى غير ذلك. 

يقول -عليه رضوان الله تعالى-: "وكان ﷺ يقول: "ما من عبد يمرض مرضاً إلا أمر الله تعالى حافظه أنّ ما عمل من سيئة فلا تكتبها وما عمل من حسنة أن تكتبها عشر حسنات وأبدله الله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، ولو كان العبد يعلم ما له في السقم لأحب أن يكون سقيماً الدهر"، يشير إلى ما يجعل الله -تبارك وتعالى- من الثواب على أي مرض مرضه المؤمن. 

بل وفي الحديث ما أصاب المؤمن من وصب ولا نصب ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كتب له عند الله أجر، ومع ذلك كله فنهانا أن نتعرض من البلاء ما لا نطيقه، فنسأل الله العفو والعافية، وما سُئل الله شيء أحب إليه من العافية. ومع ذلك كله فنكون على تمام الرضا بما ينازلنا من أي مرض ومن أي سقم ومن أي ألم وما إلى ذلك، ونعلم حكمة الله في ذلك، وشهودنا لضعفنا وعجزنا وحسن التجائنا إلى ربنا وإلهنا وسيدنا -سبحانه وتعالى-.

 

وفيه أن الله يأمر الحافظ أن لا يكتب السيئات عن المريض، وأن يكتب كل أعماله حسنة مضاعفة، بل ما جاء أيضًا معنا وورد في السنة الشريفة أن الله -سبحانه وتعالى- يأمر الملائكة أن يكتبوا ما كان يعتاده المريض من الأعمال الصالحة التي عجز عن القيام بها بسبب المرض، فيأمرهم أن يكتبوا ما كان يعتاده من الحسنات والأعمال وهو صحيح فضلًا من الله -تبارك وتعالى-.

 

قال: "وكان ﷺ يقول: "ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا"، أي: تُذهِب شرها وتبعتها وعقابها وإثمها وعذابها. 

"وإن الأوجاع  والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم من ورق الشجرة اليابسة في الريح العاصف"، أي: أسرع تساقطًا من تساقط الشجرة اليابسة إذا هبت الريح العاصفة، فإن أوراق الشجر يتساقط ولا يبقى منه شي؛ قال: فكذلك يفعل المرض بذنوب المؤمن، فإنه يسقطها عنه، أي: يعفو الله عنه بسبب ذلك السقم الذي نزل به.

 

"وكان ﷺ يقول: "عودوا المريض ومروه فليدع لكم فإن دعوته مجابة وذنبه مغفور"، إشارة إلى ما يتعرض له المريض من قبول الدعوة عند الله -سبحانه وتعالى-، وما يحصل عليه من غفر ذنبه وسيئاته. 

يقول: "عودوا المريض":

  • ففي عيادة المرضى ثواب كبير، وفي الحديث أن من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله شيعه سبعون ألف ملك، إن عاده أو زاره في الصباح يستغفرون له إلى المساء، وإن عاده أو زاره في المساء يستغفرون له إلى الصباح. 
  • "عودوا المريض"، وهو من القربات إلى الله -تبارك وتعالى- عيادة المريض، وخصوصًا إذا كان قريبًا أو جارًا فيتأكد حق عيادته، فهو من حق المسلم عيادة المريض.
  • "ومُروه فليدعُ لكم"، كما أنكم تدعون له بالعافية والصحة والشفاء، "فمروه -اسألوه أن يدعو لكم- فإن دعوته مجابة وذنبه مغفور".

 

"وكان ﷺ يقول: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه يتعرض من البلاء لما لا يطيق"، فنسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة إنه أكرم الأكرمين. 

في رواية الترمذي: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: كيف يُذِل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء لما لا يطيق"، ما لا يطيق الصبر عليه والقيام به. 

وفي الأكابر من يقوم بحق الشكر عند نزول الأمراض أو أنواع المصائب، ويقومُ مع الرضا والتسليم بشكر الله -تبارك وتعالى- على ذلك و"هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " [آل عمران:163].

وجاء عنه  أنه "ربما أخذته الشقيقة -يعني: صداع في أحد شقي الراس- فيمكث اليوم واليومين لا يخرج"؛ لا يتمكن من الخروج، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

 

يقول: "وكان ﷺ يقول لمن مرض ثم برأ: "أوف الله بما وعدته فإنه ما من عبد يمرض إلا وينوي شيئاً من الخير"، يُذكِّر بما يطرأ على الإنسان في حال الشدة وحال المرض، فإنه يقول: إن عوفيت وإن سلمت وإن صحيت سأعمل أنا كذا ولأقومنَّ بكذا، فإذا صح أو انجلت عنه الشدة نسي ومشى في طريقه كأن لم يكن منه شيء! فأكد  قال: انتبه، ما الذي وعدت ربك في أيام مرضك تعمله؟ ولا تنسى، قم بهذا العمل، "فإنه ما من عبد يمرض إلا وينوي شيئاً من الخير" فعليه إذا عوفي أن يقوم بذلك.

وهكذا كثيرًا ما يسارع الإنسان وقت الشدة والكربة إلى استعداده أن يقوم من الخيرات بكذا وكذا وكذا، ويعمل كذا، فإذا انكشفت عنه الشدة تكاسل وتغافل ونسي ما كان قدمه، فهذا من جملة ما يقع فيه الناس من الزَّلَل وسوء المعاملة مع الحق -عز وجل-؛ تعده وعودًا ولا تفي له بها! وتقول سأعمل سأعمل. 

ولهذا يحترزون من أن ينذروا شيئًا؛ أو أن يعدوا بالقيام بشيء؛ ويحبون أن يكون قيامهم بالأعمال ابتداءً من دون وعد سابق، وأن يعملوا ما استطاعوا من دون أن ينذر على نفسه، ولا يقول: سأعمل سأعمل، ويجعل الأمر هكذا في حال طيب مع الله -تبارك وتعالى-.  "أوف الله بما وعدته فإنه ما من عبد يمرض إلا وينوي شيئاً من الخير".

 

"وكان جعفر بن محمد -رضي الله عنه- -جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين- يقول: "إذا اشتكى العبد ثم عوفي فلم يحدث خيراً ولم يكف عن شر لقيت الملائكة بعضها بعضاً -يعني حفظته- فقالوا: إن فلاناً داويناه فلم ينفعه الدواء"، يعني: أمرنا الله برفع البلاء عنه والمرض فرفعناه، ولكن ما نفع فيه ذلك، لا المرض أثر فيه، ولا الصحة أرجعته إلى بارئه، فهو غافل في المرض وهو غافل في الصحة والعياذ بالله -تبارك وتعالى-.

 

 "وكانﷺ يقول: "ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب وما يدفع الله عنه أكثر"، أي: ما يدفع الله عن عبده المؤمن مما تقتضيه سيئاته وذنبه أكثر مما يختبره به ويكفره بالمرض والسقم ونحوه، قال: الذي يكفّر بالسقم بعض الذنوب، وإلا كثير من الذنوب يمحوا -سبحانه وتعالى- شرَّها باللطف منه، ولو يآخذك على كل ذنب بتظل طول عمرك مريض، وكل عضو منك بيمرض، ولكن يكفر بعض الذنوب بالأمراض وما يصادف الإنسان من تعب في حياته، ويعفو عن الآخر -سبحانه وتعالى-. وما أعظم عفوه، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

وذكر حديث أخذه الشقيقة ، تأخذه الشقيقة يمكث اليوم واليومين لا يستطيع الخروج.

وكان ﷺ يقول: "لكل داء دواء؛ -أي: جعله الله تعالى يعرفه من عرفه- إلا الهرم" ما شيء دواء يخليك ما تهرم؛ تشبّ: تعيش شاب طول الوقت، ما شيء منه، ما شيء دواء يخلي الإنسان شاب طول عمره، فإذا كَبُر لابُدَّ أن يصيبه أثر الكبر والهرم، ومع ذلك كله فيقيم الأسباب، ويطلب من الله تعالى العافية بالدعاء وبإقامة الأسباب وإن كبر سنه، ولا يتبرم لما يصيبه، ولا يظن أنه بسبب كبر السِّن يستسلم لكل مرض من دون طلب العافية؛ بل يكون على قدم الوسط، راضيًا بما ينازله، وقائمًا بالأسباب التي تدفع عنه كثير، لأن كثيرًا منها وهمٌ؛ أن الكبر هو الذي بسببه أُصيب بهذا، يتركه ويستسلم، فلا يتداوى ولا يستعمل الأسباب؛ بل ينبغي أن يكون كذلك.

وقد جعل الله تعالى أمثلة لكثير ممن يكبر سنهم في صحة وعافية في أبدانهم، فليس كبر السن وحده السبب، وإن كان له سبب، كما قال: (خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)[الروم:54].

وكما أنه في أيام الضعف الأولى في الصغر، إذا مرض الطفل ما نقول لأنه طفل اتركوه، مادامه طفل بسبب أنَّهُ وقت الضعف، إن كان وقت الضعف نعالجه، كذلك حتى يأتي أيضًا وفي أيام القوة يعالج كذلك. ما يمتع الله به الناس في الغالب من حين تَشتد أزر أجسادهم إلى وقت الشيخوخة، فإذا جاء أيضًا وقت الشيخوخة ما نترك الطب مثل ما نتركه في الطفل، أيام الطفل! ولا نترك القيام بالسبب ولا إعطاء التغذية المناسبة، ويقضي الله تعالى ما يشاء، ولا يغني حذر من قدر.

يقول: "وكان عروة -عروة بن الزبير- -رضي الله عنه- يقول: قلت -لأم المؤمنين- لعائشة -رضي الله عنها-: إني لأعجب من علمك بالطب -من أين عرفتِ الطب؟- فضربت على منكبي وقالت: أي عُرَيَّة -تصغير عروة- إن رسول اللهﷺ كان يسقم آخر عمره وكانت وفود العرب تقدم عليه من كل وجه فتنعت له الأنعات -يعني:الأدوية- فكنت أعالجها فمِن ثَمَّ عرفت الطب".

وهكذا كما جاء أن سيدنا عروة قال في الرواية عند الإمام أحمد في المسند، يقول لسيدتنا عائشة: "يا أُمتاه، لا أعجب من فهمك -أي: في الدين والشريعة- أقول زوجة رسول الله ﷺ وبنت أبي بكر، ما شي غرابة في أن تفهم وتفقه أمور الدين لأنها جالست سيد المرسلين ﷺ- ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب! من أين جبتِ علم الطب؟ كيف هو؟ من أين هو؟ فضربَت على منكبه، وقالت: "أي عُرَيَّة، إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تَقدَم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات -لأنواع الأعشاب والبذور والأشجار التي تؤثر في الأمراض- وقالت: فأنا آخذ ما يقولون له، وأنا أعالج ذلك وأقوم له بها. فكانت تقدمه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات وكنت أعالجها له، فمن ثَمَّ عرفت من الطب ما عرفت.

 

قالوا: ومع ذلك، فمن غير وفود العرب أيضًا، جاء في السيرة أن بعض النباتات تخبر رسول الله ﷺ وتكلمه، وتقول إن الله جعل فيَّ دواء لكذا وشفاء لكذا ولكذا. فكانت تكلمه وكان يخبر عائشة، يقول: "في هذا دواء لكذا وفي هذا دواء لكذا". فمن هنا كان عندها نصيب وافر من علم الطب عليها رضوان الله تبارك وتعالى.

 

"وقال أبو خزامة -رضي الله عنه-: قلت يا رسول الله أرأيت رُقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها  -أي: حمية من أجل الوقاية- هل تردّ من قدر الله شيئاً، قال: "هي من قدر الله" إيش تَرُدّ من قدر الله؟، هي نفسها من قدر الله، ما يؤثر دواء، ولا تؤثر تقيى ولا حمية إلا به سبحانه وتعالى وبأمره تعالى. من الذي يقدر يخرق أسوار القدر؟ القضاء والقدر ما قدّره الله هو ما يكون، كلها من تقديره سبحانه وتعالى. وتأثير الدواء، وتأثير الرقى، وتأثير الحمية كله من تقديره هو ﷻ، ما شيء يخرج عن قدره، فإن الكل في قبضته والكل تحت أمره ﷻ. والعباد متعبَّدون بأن يقوموا بالأسباب، وأن يفعلوا ما دلهم عليه الشارع وما أباحه لهم وما أمرهم به، والكل من قدر الله.

 

وكان ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً من غير حساب"، ولما سُئل عنهم قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون". 

فاختلفوا في معنى هذا، وما معنى لا يرقون ولا يسترقون والنبي ﷺ قد رقى وأمر بطلب الرقية وقال: "استرقوا بها فإن بها النظرة"، وما إلى ذلك، فما المراد؟ 

  • فمنهم من أنزله على حالة الغلبة للأكابر الذين لا يلتفتون إلى سبب، استغراقًا بشهود المسبب وهم قليل. 
  • ومنهم من قال: إنما ذلك في الرقى التي كانت من أمر الجاهلية. 
  • وقال آخرون: إن هذه الرقى يجب على الكل يجتنبها، رقى الجاهلية وما يخالف الشرع لأنه ﷺ لما سئل عن رقية كانوا يرقون بها في الجاهلية قال: "اعرضوا عليَّ رقاكم"، سمعها فقال: لا بأس، ما فيها شي. فما كان من الرقى ما فيه استغاثة بآلهة من دون الله، ولا بأصنام، ولا بشي، فلا إشكال فيها وإن كانت من أيام الجاهلية. 
  • وأما الثانية التي تخالف الشرع فالكل ينتهي عنها، ما هو خصوص الكبار الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وإنما قالوا: أراد الاعتماد عليها، ما يرقون ويسترقون كحال الذي ينسى أنها مجرد سبب، وأن المسبب هو الله تعالى؛ فهم مثل الذي يتداوى ولا يعتمد على الدواء، بل يتوكل على الحق، فلا يغفل عن أن الحق هو الفعال والمسبب جل جلاله وتعالى في علاه.

 

وأراد القرطبي أن يجمع وقال: 

  • الرقى التي فيها شؤون جاهلية يجب اجتنابها على الكل. 
  • والرقى التي فيها استغاثة بالله واسماءه وصفاته هذه لجوء إلى الله، لجوء إلى الله ورجوع إليه.
  • قال: فبقي ما لم يُعلَم ما بين الأمرين هو الذي يجتنبونه هؤلاء الأكابر، ما لم يكن واضحًا لا هو من فعل الجاهلية، ولا هو من الرقى الواضحة في الاستعاذة بالله واللجوء إليه جل جلاله وتعالى في علاه. 

قال: وكذلك في مسألة الكي، ومن الأكابر من اكتوى ولم يقدح ذلك في مراتبهم، وهو آخر الدواء كما قال ﷺ: "وأنهى أمتي عن الكي" يعني ألَّا يسارعوا إليه إلا عند الضرورة والحاجة. 

"هم الذين لا يرقون ولا يسترقون"، أي: لا يطلبون الرقى لغيرهم، وذلك أيضًا ثابت في السنة المطهرة. 

"ولا يتطيرون" لا يتشاءمون بالطيور ولا بغيرها، فلا يرجعون عمَّا عزموا عليه من أجل تشاؤم بشيء.

"وعلى ربهم يتوكلون". وهؤلاء الذين وُعد ﷺ بدخولهم الجنة بغير حساب من أمته، جاء في رواية السبعين ألف:

  • فقيل: أنه مراد بها ضبط العدد أو المراد المبالغة في الكثرة وليس خصوص السبعين. 
  • ثم جاء عند الذين قالوا: أنه أراد بها خصوص السبعين، أنه استزاد ربه فزاده وأعطاه مع كل واحد من السبعين ألف سبعين ألف فصارت أربعة مليون وتسعمائة ومع كل واحد من السبعين ألف سبعين ألف صارت أربعة مليون وتسعمائة ألف، وأنه استزاد ربه فأعطاه  ثلاث حثيات من حثياته -سبحانه وتعالى- فرضي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأمته بهذا الخير من الله جل جلاله وتعالى في علاه.

 

والكل يجمع أن من معاني الحديث صدق الاعتماد على الله، وعدم رؤية الاستقلال لشيء سواه جل جلاله وتعالى في علاه. 

  • ومن غلبة الأحوال ما يُذكر عن سيدنا الصديق أنه لما مرض مرة وقالوا: ألا ندعوا لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضني.
  • وما جاء أيضاً عن حذيفة بن اليمان أنه مرض فقيل له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. وقيل: فما تشتهي نحضر لك؟ قال: الجنة. قالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد حضر الطبيب -يقصد ربه- قالوا له: فما قال لك؟ إيش عندك؟ قال: قال لي إني فعال لما أريد. يقصد ربه سبحانه وتعالى، -لا إله إلا الله- فهذا غلبة حال، ويقع لبعض الأكابر وهم دون مقام النبوة، وإن كان حمل بعضهم تطبب الأنبياء واستعمالهم للرقى على بيان الجواز، نعم.

 

وهكذا جاء في أول زمرة يقول ﷺ: "تدخل الجنة -يعني: من أمته- على صورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة". وجاء: "فتنجوا أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة بدر سبعون ألفًا لا يحاسَبون"، يدخلون الجنة بغير حساب. وجاء أيضًا في رواية أن مع السبعين ألف زيادة عليهم في رواية، "سألت ربي فوعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا. قال: فاستزدت ربي فزادني مع كل ألفٍ سبعين ألفًا"؛ فصاروا أربعة مليون وتسعمائة ألف. مع كل واحد من سبعين ألف سبعين ألف -ما شاء الله- سبعة في سبعة تسعة وأربعين، أربعة مليون وتسعمائة ألف، وأيضًا فوقهم الحثيات. وإذا ذكر الحديث كثير من أخيار الأمة وصلحائها يقول: إن طمعنا لا في السبعين ألف ولا في مع كل واحد سبعين ألف، لكن بحثيات ربنا هذه، هي الي بتسع، حثيات ربنا جل جلاله وتعالى في علاه.

ويقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: كما جاء عند ابن حبان في صحيحه وفي الترمذي وسننه يقول: "وثلاث حثيات من حثيات ربي". وجاء في رواية أيضاً عند ابن حبان والطبراني قال: "ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفاً، ثم يُحثي ربي ثلاث حثيات"، فكَبَّر عمر، فقال ﷺ: "إن السبعين ألفاً يشفعهم الله في آبائهم وأمهاتهم وعشائرهم، وإني لأرجو أن يكون أدنى أمتي الحثيات"، الله أكبر، وبهذا يُعلم فضل الله على هذه الأمة، اللهم لك الحمد شكرًا ولك المنّ فضلًا.

 

ويقول ﷺ: "إنَّ آتٍ أتاني من ربي فبشرني أن الله يُدخِل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني فبشرني أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألف سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني فبشرني أن الله يدخل من أمتي مكان كل واحد من سبعين ألف المضاعفة سبعين ألفًا"، ما شاء الله هذه تبلغ ملايين الملايين. سبعين بغير حساب ولا عذاب. فقلت: يا رب لا يبلغ أمتي هذا، إنها مليارات ذا الحين. قال: أكملهم لك من الأعراب  ومن أهل التقصير من أمتك ادخل منهم كثير. لا إله إلا الله. ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

 

ويقول: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف. قال أبو بكر: زدنا يا رسول الله. قال: "هكذا"وجمع كفيه. قال: زدنا. قال: "هكذا". قال سيدنا عمر: حسبك، إن الله إن شاء أدخل خلقه الجنة بكف واحدة، حثية واحدة. قال النبي: "صدق عمر". حثية بتكفي الأمة فكيف بثلاث حثيات من حثيات ربي يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فما أعظم ما حُزنا وفزنا بهذا الحبيب ومنزلته عند الرب، وشفاعته وسؤاله لنا ﷺ، من قبل ما نُخلَق قد طرق الأبواب، وسأل رب الأرباب، وخاطبه في ما يكون لنا من الشؤون، فيا رب صلِّ على عبدك الأمين المأمون.

 

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "جاءت امرأة سوداء إلى رسول اللهﷺ، فقالت: يا رسول الله إني أصرع -يصيبني الصرع- وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك". يعافيكِ ما عاد بيجيك صرع إن شاء الله إذا دعوناه، لكن بيفوتك أجر. قالت: لا، أصبر ما دام جنة، بغيت الجنة، "أصبر،ولكن ادع الله لي أن لا أتكشف". إني إذا أصابني الصرع. فدعا لها، فصارت مهما صرعت ما يبدو شيء من جسدها ولا تتكشف أبدًا بدعوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 

والله يعافينا أسنى العافية الظاهرة والخافية في الدنيا والآخرة، إنه أكرم الأكرمين. إن لله ضنائن من خلقه، يحييهم في عافية ويتوفاهم في عافية، والله يلحقنا بأولئك في ألطاف كبيرة، ومنن وفيرة، وسير في خير سيرة.

اللهم أصلح أحوالنا والمسلمين، وعافنا من البلايا يا أرحم الراحمين، ووفر حظنا من حسن خاتمة شهر ذي القعدة، وحسن استقبال ليالي العشر وأيام العشر، اجعلنا من خواص أهلها عندك، ووفر حظنا منها ومما فيها وما تجود على أهليها بلطف وعافية.

 

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

01 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

17 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام