كشف الغمة - 71 - باب سنن الوضوء: إسباغ الوضوء

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: باب سنن الوضوء: إسباغ الوضوء

 صباح السبت: 01 ربيع أول 1445هـ

يتضمن الدرس نقاط مهمة، منها:

  •  كيف يحصل إسباغ الوضوء؟
  •  معنى إسباغ الوضوء وحكمه
  •  حكم إطالة الغرة والتحجيل ومقدارها وميزتها في الأمة
  •  إطلاق الغرة على إدامة الوضوء
  •  صفات إحسان الوضوء

نص الدرس المكتوب:

"السادسة إسباغ الوضوء: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول: "إنَّ أمتي يُدَّعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضُوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل"، وكان ﷺ إذا غسل وجهه يبلغ براحتيه ما أقبل من أذنيه، وإذا مسح رأسه مسح صدغيه.

 وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- إذا توضأ غسل اليدين حتى كاد يبلغ المنكبين، وغسل الرجلين حتى أشرع في الساقين ثم يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضُوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل".

 

وكان جابر يقول: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فلما غسل يديه أدار الماء على مرفقيه، فلما غسل رجليه بلغ الماء إلى أصول العراقيب، وكان ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". 

وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: والله ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا أمرنا أن نسبغ الوضُوء، ولا نأكل الصدقة ولا ننزي الحمر على الخيل."

آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته عبده وصفوته سيدنا محمد؛ صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل محبته ومتابعته، وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيرة الرحمن تبارك وتعالى من خليقته، وآلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

ويتحدث الشيخ -رضي الله تعالى عنه- عمّا ورد في إسباغ الوضوء، إسباغ الوضوء بمعنى: إتمامه وتوفيته وإحسانه، وقد جاء في ذلك أحاديث عن رسول الله ﷺ، ومنها عن أبي أيوب فيما رواه الطبراني قال: "كان رسول الله ﷺ إذا توضأ استنشق ثلاثًا وتمضمض وأدخل اصبعيه في فمه وكان يبلغ براحتيه إذا غسل وجهه ما أقبل من أذنيه، وإذا مسح رأسه مسح بإصبعيه ما أدبر من أذنيه مع رأسه وخلّل لحيته" وهذا مظهر من مظاهر الإسباغ في الوضوء.

وذكر لنا عمل أبي هريرة "إذا توضأ غسل اليدين حتى كاد يبلغ المنكبين، وغسل الرجلين حتى يشرع في الساقين، ثم يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ أمتي يُدَّعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضُوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل"، اُختلف أهذه الجملة من أصل الحديث أم من قول أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.

 وذكر أيضًا لنا حديث جابررأيت الرسول ﷺ توضأ فلما غسل يديه أدار الماء على مرفقيه، فلما غسل يديه بلغ الماء إلى أصول عراقيبه، وكان ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء"، فإنهم يُحَلَّوْنَ فيها من أساور من ذهب، وَيُحَلَّوْنَ فيها من أساور من فضة في الجنة، وتبلغ التحلية مبلغ الوضوء ومن زاد زادوه.

 وذكر قول ابن عباس: "والله ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا أمرنا أن نسبغ الوضُوء، ولا نأكل الصدقة -أي: الزكاة المفروضة- ولا ننزي الحُمر على الخيل." فيتولد المولود بين الخيل والحمار، وهكذا ذكر في الحديث العُرقوب: هذا العقب موتَّر خلف الكعبين، يكون العُرقوب هذا في الناس فوق العقِب مؤخر الرِّجِل، يكون في الحيوانات بين مفصل الوظيف ومفصل الساق، ويطلق في اللغة: الوادي المنحني يُقال له: عُرقوب.

 فتبين من الأحاديث سنية إسباغ الوضوء؛ والإسباغ

  • إكمال والتوفية وإتمام الوضوء وإحسانه؛ هذا الإسباغ يشمل هذا كله
  • ومنه: أن يعمّ جميع الأعضاء الماء بحيث يجري عليها. 

فهو تمام وإحسان عدّهُ ﷺ مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات خصوصا إذا كان الإسباغ على المكاره، أي: على المشقة وما يثقل على النفس؛ بأن يكون في حالة كسل؛ أو في حالة مرض؛ أو في وقت شتاء والماء بارد فهذه مشاق، إسباغ الوضوء على المكاره وهو مما يمحو الله الخطايا ويرفع به الدرجات، "ألا أدلكم على ما يمحو الله الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط" أي: يعد صاحبك المرابط في سبيل الله المجاهد.

فيستحب إسباغ الوضوء:

  • عند جمهور الفقهاء غسل ما فوق الواجب من أعضاء الوضوء أو مسحه.
  • إلا ما يُروى عن المالكية أنه لا يزيد على الفرض فيكون مبالغ في غسل الوجه أو نحوه؛ 
  • قال الجمهور: يسن أن يزيد حتى يطيل الغرة، وكذلك في اليدين والرجلين يطيل التحجيل.

 جاء أيضًا في رواية الإمام مسلم عن أبي هريرة "أنه يتوضأ غسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، وغسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، يأتون غُرْ محجلين يعني: بيض الوجوه والأيدي والأرجل عليها بياض ونور زائد يميزون به من بقية الأمم

إذًا فيستحب كما قال الحنابلة المبالغة في أعضاء الوضوء والمبالغة عند الحنابلة في غير المضمضة والاستنشاق، هي: دلك المواضع التي ينبع عنها الماء يعني ما يطمئن عركها بالماء، وأما الدلك فسيأتي معنا وهو واجب عند المالكية دلك الأعضاء.

 إذًا يقول الشافعية والحنابلة: يسن في الوضوء إطالة الغرة والتحجيل بأن يزيد المتوضئ على موضع الفرض في غسل الوجه واليدين، وقد ذكرنا أن أكمله أن يغسل مع غسل الوجه مقدمة الرأس والأذنين وصفحتي العنق، فيكون هذا تمام إطالة الغرة، ويطلق عليه الحنفية أنه من آداب الوضوء إطالة الغرة وإطالة التحجيل، إذًا فيقول الحنفية والشافعية والحنابلة باستحباب إطالة الغرة والتحجيل.

 وجاء بعد ذلك أقوالهم في إطالة الغرة والتحجيل: 

  • ومنها إلى نصف العضد 
  • وما فوق نصف العضد.
  • ومنها إلى المنكب ومنها إلى نصف الساق.
  • ومنها إلى الركبة، فهي نظرات في كيفية إطالة الغرة وإطالة التحجيل، ومجازاة الحق لهم بالبياض الذي يكون من النور على وجوههم وأيديهم وأرجلهم خصوصية لهم من الله خص الله بها الأمة، الأمم كلهم يتوضؤون ولكن هذه الأمة يظهر عليهم النور في القيامة وحدهم لمكانة رسول الله؛ ليتميّزوا عن بقية الأمم. 

وما ورد أن واحدة من الأمم يكون لها ميزة عن بقية الأمم إلا هذه الأمة فلها ميزات كثيرة في مواقف القيامة كلها ومنها: 

  • أنهم أول من يُبعثون.
  • وأول من يُحاسبون.
  • وأول من يُوزن أعمالهم.
  • وأول من يمرون على الصراط من بين بقية الأمم. 
  • وأول من يدخلون الجنة مؤمنوهم، فالحمد لله الذي خصّنا بحبيبه محمد ﷺ.

إذًا عرفنا قول المالكية بعدم ندب إطالة الغرة وخافوا أن يكون من الغلو في الدين، والجمهور قالوا هو سنة من السنن جاء به النص، وجعلوا من إسباغ الوضوء المالكية قالوا: دوام الطهارة والتجديد، كما عدّوه من إطالة الغرة؛ وقالوا الغرة: الوضوء، وإطالة الغرة: أن يديم الوضوء. 

فإذًا إطالة الغرة تطلق على الزيادة على المغسول، وتطلق على إدامة الوضوء، فأخذ المالكية بمعنى إدامة الوضوء

فهذا ما بيّن الشيخ -عليه رحمة الله- فيما يتعلق بإحسان الوضوء:

ومنه التثليث، ومنه استقبال القبلة، كل ما يتعلق بسنن ومندوبات ومستحبات الوضوء الحرص عليها من إسباغ الوضوء، وما كان منها على المكاره المشقة والثقل كان أفضل وفي الميزان أجلّ؛ كما سمعنا في الحديث إسباغ الوضوء على المكاره، وقد قال لنا "حفت الجنة بالمكاره" ما تكرهه النفوس يشقُّ عليها، "وحفت النار بالشهوات"، حتى ورد أن الله لما خلق الجنة ومحاسنها وزينتها ونعيمها أمر جبريل -عليه السلام- أن يراها ويطوف فيها، وأمرهُ أن يُعدّها لمن أطاعه من عباده الذين يُعيشهم على ظهر الأرض من الإنس والجن، فلما طافها ورأى عجائب المحاسن والنعيم الذي فيها، سأله الله تعالى: كيف رأيتها؟ قال: يا ربي لا يسمع بها أحد إلا دخل إليها، ما حد بيترك هذا! فحُفت بالمكاره، فقيل: ارجع فانظر إليها، فلما نظر إليها مرة أخرى وقد جُعل الطريق إليها عبر المكاره والمشاق على النفوس، فلما شاهد ذلك، قال: وعزتك خشيت أن لا يدخلها أحد، ولما خلق النار أمره أن يطوف فيها وطاف ورأى فضائع العذاب والهول والشدائد فيها، فلما رأى عجب، فقال الحق: كيف رأيتها؟ قال: يا رب لا يسمع بها أحد إلا اجتنبها وابتعد عنها، ما حد بيعرض نفسه لهذا! فحفّها بالشهوات، وقال: ارجع فانظر إليها، لما رجع إليها وقد جلّى الحق له أن الوصول إليها عبر الشهوات التي تغلب هؤلاء المكلّفين، فلما رآها محفوفة بالشهوات عاد إلى الرب وقال: وعزتك خشيت أن لا ينجوا منها أحد.

 وهكذا قال تعالى في من خالف مسلك الجنة ومسلك الأنبياء: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [سورة مريم:59] وذكر الطريقة إلى الجنة فقال: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [سورة النازعات:40-41]، فخاب عبيد النفوس والشهوات، ودعاة الباطل والضلال من إبليس وجنده والذين يُغرون الناس بما سلط عليهم من شهوات لينقطعوا عن حقائق ما خُلقوا من أجله، وعن الاستعداد للقاء خالقهم الذي إليه مرجعهم -جل جلاله-.

 دفع الله شر إبليس وجنده عنّا وعن أهلينا وعن أولادنا وعن ذرياتنا وعن طلابنا وعن أصحابنا وعن المسلمين، وجعل لهم في شهر ذكرى ميلاد نبيهم ﷺ إنابة في قلوبهم تدرك الحقيقة، وتستمسك بالعروة الوثيقة، وتتصل بخير الخليقة، وتثبت على أقوم طريقة.

 رد الله كيد الكفار والفجار في نحورهم، ودفع عن المسلمين جميع شرورهم، ووفر حظّنا من هذا الشهر الكريم ولياليه وأيامه، ووفقنا لكثرة الصلاة والتسليم على نبينا بالتعظيم والمحبة والشوق امتثالا لأمره سبحانه وتعالى، واقتداءًا بالأنبياء والملائكة المقربين، وجعلنا من خواص مكثري الصلاة على هذا المصطفى فنكون من أولى الناس به في القيامة، اللهم أكرمنا بتلك الكرامة، وأنعم علينا بالخلود في دار المقامة، وأصلح شؤون أمة حبيبك محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله الخاصة والعامة، واجعل لهم في هذا الشهر فرجا من عندك وغياثا من عندك وانقاذًا من عندك وإصلاحّا من عندك، وجمعًا لشملهم وتسديدًا في أقوالهم وأفعالهم برحمتك

 بسرّ الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

02 ربيع الأول 1445

تاريخ النشر الميلادي

16 سبتمبر 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام