كشف الغمة - 468 -  كتاب البيع: 16- اشتراط منفعة المبيع -2 -

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 468 -  كتاب البيع: 16- اشتراط منفعة المبيع -2 -

صباح الأحد  26  صفر الخير 1448هـ

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  أحكام النهي عن جمع شرطين في بيع
  •  بيع وسلف: حكم اشتراط القرض في البيع
  •  اشتراط العتق في بيع الرقيق: قصة بريرة ومقاصد الشريعة
  •  قصة بعير جابر
  •  أقوال البيع مع استثناء ركوب الدابة أو سكنى الدار
  •  البيع إلى الميسرة وحكم زيادة المدين في السداد بلا شرط\

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

"وكان ﷺ ينهى عن جمع شرطين من ذلك ويقول: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك".

 

وكان ﷺ يقضي فيمن اشترى عبداً بشرط أن يعتقه بصحة البيع، وقال لعائشة -رضي الله عنها- لما أرادت أن تشتري بريرة للعتـق: "اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق"، وكان أهلها أرادوا اشتراط الولاء لهم فألغى النبي ﷺ اشتراطهم وقال لعائشة: "الولاء لك وإن اشترطوا مائة شرط فلا يمنعك ذلك"، فكان ﷺ يرى في مثل ذلك صحة العقد وإلغاء الشرط الفاسد، وقد اشترى رسول الله ﷺ من جابر بعيراً فباعه جابر على أن له ظهره إلى المدينة، لأنه لم يكن له بعير غيره فاشتراه النبي ﷺ على هذا الشرط وأركبه جابراً إلى المدينة، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يبتاع إلى الميسرة ولا يسمي أجلاً فابتاع من شخص مرة إلى الميسرة فأتاه بنقد أفضل من نقده، فقال الرجل هذا أفضل من نقدي فقال ابن عمر: هو نيلى من قبلى أتقبله؟ قال: نعم، والله أعلم".

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة والدين، وبيانهما على لسان عبده الأمين، سيدنا محمد خاتم النبيين، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه في كل وقت وحال وحين، وعلى آله وأهل بيته الطيبين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل اليقين والتمكين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما يتعلق بالبيع، وذَكَرَ أنه "يُنهى عن جمع شرطين"، وقال "وكان ﷺ ينهى عن جمع شرطين من ذلك ويقول: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك" والحديث جاء عند الإمام الترمذي وقال: حسن صحيح، وعند أبي داود أيضًا. فالشرطان في بيع واحد، قال: هذا هو الذي ثبت عنه النهي -كما سمعنا في الحديث-.

 

واختلف الأئمة في تفسيره، ومعنى "الشرطان في بيع واحد"

  • فمنهم من قال: أن يقول بعت هذا نقدًا بكذا ونسيئة بكذا، فيجعله عقد واحد فيه النسيئة وفيه النقد.
  • ومنهم من قال: أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولا يهبها، يقول: بعتك هذا بشرط ألا تبيعها على أحد، ولا تهبها، ولا تعطيها أحد. 
  • ومنهم من قال: أن يقول بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا. 
  • وقيل: أن يسلفه الدينار في قفيز حنطة إلى شهر، فإذا حلّ الأجل طالبه بالحنطة، قال: بعني القفيز الذي لك عليّ إلى شهرين بقفيزين، فصار ذلك بيعتين في بيعة؛ لأن البيع الثاني قد دخل على الأول، فيرد إليه أوكسهما أي: أنقصهما، فهذا معنى الشرطان في بيع.

وقد قال:

  • الحنفية: هذا فاسد؛ لأنه يكون أيضًا فيه بعض صوره الجهل بالثمن، ولما فيه من تعليق وإبهام. 
  • وكذلك يقول الشافعية والحنابلة: إنه لا يصح هذا العقد وهو باطل، وهو من بيوع الغرر بسبب الجهالة؛ لأنه لم يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه ما لو قال له: بعتك هذا أو هذا، لا يصح؛ لا بد من تعيين: بعتك هذا بكذا نقدًا، وبعتكه بكذا نسيئة. وقال مالك: يصح البيع، ويكون من باب الخيار.

 

ثم ذكر الاشتراط والبيع كذلك: "لا يحل سلف وبيع"، البيع والسلف كيف؟

"لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع... ولا ربح ما لم يضمن" -كما قرأنا في الحديث-.

  •  يقول محمد بن الحسن: السلف والبيع يقول الرجل للرجل: أبيعك داري هذه بكذا على أن تقرضني كذا وكذا، فكأنه باع بشرط، وهذا بيع فاسد بالاتفاق. 
  • وكذلك كما قال ابن جزي في تفسيره بأن اشتراط السلف من أحد المتبايعين لا يجوز بالإجماع. 
  • ومع ذلك أيضًا في رواية عند الحنابلة احتمال أنه يصح البيع ويفسد الشرط. 
  • وذكر المالكية صور لمّا تحدثوا عنه من بيوع الآجال تتعلق بهذه المسألة.

 

ثم انتقل إلى أن يبيع مملوكًا بشرط عتقه:

"وكان ﷺ يقضي فيمن اشترى عبداً بشرط أن يعتقه بصحة البيع" الاستثناءً من قاعدة فساد الشرط الذي ليس من مقتضى عقد البيع، فالبائع إذا اشترط على المشتري أن يعتق الرقيق الذي باعه، فالشرط المذكور عند المالكية والشافعية صحيح. وفي حديث بريرة هذا الذي أورده عن سيدتنا عائشة -رضي الله عنها-، كذلك في رواية عن الإمام أحمد؛ لأن عائشة اشترت بريرة، وشرط أهلها عليها عتقها وولاءها، فأنكر النبي ﷺ الولاء دون العتق. وما أنكر اشتراط العتق، ولكن من الروايات ما يدل على أنه كانت الرغبة في العتق من قِبل السيدة عائشة لا شرط البيع، وأنها أدّت عنها كتابتها وأعتقتها، وشرط الولاء لهم هذا باطل، يقول ﷺ: إنما الولاء لمن أعتق. ولما عرضت على النبي ﷺ ما قالوا لها، قال -معنى كلامه-: مهما اشترطوا من شرط لا يؤثر ذلك، فإن الولاء لمن أعتق، قال: "اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق"، فلا يصح شرطهم أن يكون ولاء هذا المعتوق لهم، بل الولاء لمن أعتقه.

 

وهكذا ذكرنا أن الشرط المذكور صحيح. 

وقال الحنفية: إنه إذا باع بشرط العتق فقد باع بشرط فلا يصح البيع، ولكن إذا أعتق صح البيع لتشوف الشارع للعتق، صحّ البيع وعليه أن يدفع الثمن للبائع، فحكموا بفساد البيع في الأول بالشرط، ولكن قالوا: إذا أعتقه المشتري بعدما اشتراه بشرط العتق، صح البيع ويجب عليه الثمن. 

وهكذا يقول الصاحبان لأبي حنيفة: إنه يبقى فاسدًا حتى يجب عليه القيمة، وإنما تجب عليه القيمة بعتق المشتري له. -وتقدم معنا ذكر رواية الإمام أحمد- أنه أيضًا كالشافعية والمالكية يقول: إنه يصح البيع والشرط، فعليه أن يعتق المملوك المشترى، وإنما يكون ولاؤه لمن أعتق. 

والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن البيع يصح والشرط يُلغى، لا يلزمه؛ إن أراد يعتق يعتق ما أراد يعتق؛ فالأمر راجع إليه. هذه رواية عن الإمام أحمد.

يقول: وقال لعائشة -رضي الله عنها- لما أرادت أن تشتري بريرة للعتـق: "اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق"، -كما جاء في البخاري ومسلم وغيرهما- "وكان أهلها أرادوا اشتراط الولاء لهم فألغى النبي ﷺ اشتراطهم وقال لعائشة: "الولاء لك وإن اشترطوا مائة شرط فلا يمنعك ذلك"، -أي: فالشرط باطل- "فكان ﷺ يرى في مثل ذلك صحة العقد وإلغاء الشرط الفاسد".

وأعاد ما ذكره سابقًا "وقد اشترى رسول الله ﷺ من جابر بعيراً فباعه جابر على أن له ظهره إلى المدينة، لأنه لم يكن له بعير غيره فاشتراه النبي ﷺ على هذا الشرط وأركبه جابراً إلى المدينة"، وهكذا -تقدم معنا- حديث جابر -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، وتقدّم الحكم في اشتراط البائع نفع المبيع مدة معلومة: 

  • قال الحنابلة: بجواز ذلك.
  • وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يصح الشرط، لأن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط، لأنه ينافي مقتضى البيع؛ فكيف يبيعه بيته بشرط أن يسكن فيه عاده مدة ستة أشهر ولا سنة وبعدين يسلمه!؟ وإنما بمجرد البيع يملكه المشتري، فإن أراد هو أن يتبرع بعد ذلك عليه بأن يُسكنه فيه تطوعًا من عنده، فأمر مستقل ليس داخلًا في عقد البيع، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يصح الشرط. 
  • وتقدّم معنا أن المالكية قالوا: وإذا اشترط ركوب دابة إلى مكان قريب جاز، وإن كان إلى مكان بعيد كُره، فإن اليسير تدخله المسامحة. وفي رواية قال ﷺ لسيدنا جابر: "ولك ظهره إلى المدينة".

 

يقول: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يبتاع إلى الميسرة ولا يسمي أجلاً فابتاع من شخص مرة إلى الميسرة فأتاه بنقد أفضل من نقده، فقال الرجل هذا أفضل من نقدي فقال ابن عمر: هو نيلى من قبلى أتقبله؟ قال: نعم، والله أعلم". يعني: أنا الذي أنلتك إياه أعطيتك إياه برغبة مني. ويقول ﷺ: "خياركم أحسنكم قضاءًا". ولكن لو اشترط عليه أن يرد له شيئًا أحسن فذلك من الربا بالاتفاق، معلوم، ولكن إذا لم يشترط شيئًا، ثم من نفسه المستدين جاء بما هو أحسن، أو زاد من عنده شيئًا من دون اشتراط، فذلك يدخل في الجواز، بعد هذا باب الخيار.

 

رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وأصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين، وجعلنا في الهداة المهتدين، ورقّانا أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، في يقين وتمكين مكين، وأصلح شؤوننا وشؤون المسلمين أجمعين. 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

01 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

13 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام