(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 432- من الأدوية النبوية: السناء والسنوت وزيت الزيتون والورس
صباح الإثنين 1 ذو الحجة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد يُبْسَ الطبيعة يصف له السناء المكي ويقول: "لو كان شيء يشفى من الموت كان السناء، فعليكم بها مع السنوت"، وهو السمن البقري، وقيل العسل المخلوط بالماء وقيل الكمون".
"وكان ﷺ يقول: "عليكم بالثفاء فإن الله جعل فيه شفاء من كل داء"، والثفاء الخردل، وقيل حب الرشاد، وكان ﷺ يصف الزيت والورس لمن به ذات الجنب، وكان زيد بن أرقم -رضي الله عنه- يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت، وكان ﷺ يقول: "ماذا في الأمرّين من الشفاء الصبر والثفاء، وكان ﷺ يقول: "عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنه صحة من الباسور"، وكان عمر -رضي الله عنه- يصف الحنظل المرّ للمجذوم يدلك به جسده فيتماسك جسده ولحمه، وكان ﷺ يقول: "ما من أحد إلا وفى رأسه عروق من الجذام فإذا تحرك عرق منها سلط الله على العبد الزكام فيسكنه".
وكان ﷺ يأمر من به استسقاء أن يشرب من ألبان الإبل وأبوالها، وكان ﷺ يعالج الجرح برماد الحصير المحروق، وكان ﷺ يعالج المصروع بالدعاء له بالعافية كما مر.
وكان ﷺ يداوي عرق النَّسا بالألية العربية ويقول: "دواء عرق النَّسا ألية شاة عربية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق في كل يوم جزء"، وكان ﷺ يعالج من به حكة أو جرب بلبس الحرير، وكان ﷺ يعالج الصداع والشقيقة بتغليف رأسه بالحناء ويقول: إنه نافع بإذن الله تعالى من الصداع، وكان ﷺ يصف عجوة المدينة لمن به وجع الفؤاد يعني البطن، فكان يأمر المريض أن يتناول منها سبع تمرات لا غير، وكان ﷺ يعالج من من خمد بدنه من الخدلان بصب الماء البارد عليه بعد الفجر وقبل طلوع الشمس.
وكان ﷺ يعالج الأورام ببظها ليخرج ما فيها، وكان ﷺ يعالج السم بالحجامة على الكاهل، ولما سمته اليهودية احتجم ثلاثاً على كاهله، وكانﷺ يعالج لدغة العقرب بجعل موضع اللدغة في ماء وملح وهو يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين، وكان عمر -رضي الله عنه- ينهى الناس عن الحقنة، فنهى شخصاً فخالفه فبرأ فبلغ ذلك عمر فقال: إن عاد لك الوجع فاحتقن.
وكان ﷺ يطلي القرحة والنكبة بالحناء، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يخرج به قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل ثم يقرأ: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]، وكان ﷺ يطعم المريض ما يشتهيه ويقول: "إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً فليطعمه"، وكان يحمي في بعض الأوقات، وقال صهيب: منعني رسول الله ﷺ من أكل التمر والرطب لما رآني رَمِداً وقال: تأكل هذا وأنت رمد، وكان ﷺ يقول: "عليكم بالحبة السوداء فإنها شفاء من كل داء إلا السام"، يعني الموت، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بحسن البيان والإرشاد، على لسان ويد عبده المصطفى خير العباد محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه الأجواد، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين منبع الفضل والهدى والإسعاد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما كان يشير به ﷺ للعلاج من المواد، فذكر السَّنَا -يأتي بالمد وبالقصر- السنا: نبت ينبت بالحجاز وغيرها، دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس، له آثار في تسهيل الصفراء والسوداء، وتقوية جِرم القلب، وكذلك له النفع من الوسواس السوداوي ومن الشقيقة وغيرها من الفوائد.
يقول: "وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد يبس الطبيعة يصف له السناء المكي ويقول: "لو كان شيء يشفى من الموت كان السناء، فعليكم بها مع السنوت -والسَّنُّوت أيضاً فسره هنا بأنه- وهو السمن البقري، -أي: المتخذ من لبن البقر- وقيل العسل المخلوط بالماء وقيل الكمون".
في تفسير السنوت في أقوال لهم تصل إلى ثمانية أقوال.
السنوت:
قال: "وكان ﷺ يقول: "عليكم بالثفاء فإن الله جعل فيه شفاء من كل داء"، والثفاء الخردل، وقيل حب الرشاد، وكان ﷺ يصف الزيت -أي زيت الزيتون- والورس لمن به ذات الجنب" الوجع الذي بالجانب.
وكان زيد بن أرقم -رضي الله عنه- يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت، وكان ﷺ يقول: "ماذا في الأمرّين من الشفاء الصبر والثفاء"، ويقال أنه الحِلْف جاء في رواية. "وكان ﷺ يقول: "عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنه صحة من الباسور"، وكان عمر -رضي الله عنه- يصف الحنظل المرّ للمجذوم يدلك به جسده فيتماسك جسده ولحمه"، من أن يتناثر.
وكان ﷺ يقول: "ما من أحد إلا وفي رأسه عروق من الجذام فإذا تحرك عرق منها سلط الله على العبد الزكام فيسكنه"، ولهذا يُقال: الزكام يقطع عروق الجذام.
"وكان يأمر ﷺ من به استسقاء أن يشرب من ألبان الإبل وأبوالها، وكان ﷺ يعالج الجرح برماد الحصير المحروق"، فيوضع على الجروح، وقد فعلته السيدة فاطمة في يوم أُحد، ولما كانت بعض جروحه عليه الصلاة والسلام جُرح بها في الغزوة جاءت تغسله، وسيدنا علي يصب الماء، فرأته إنما يزيد مع صب الماء، فتركت الماء وحرقت سعفة من النخل وضمدت بها جرحه ﷺ؛ يمسك خروج الدم ويعمل على علاج ومداواة الجرح برماد الحصير المحروق، رماد من سعف النخل، الحصير المتخذ من سعف النخل.
"وكان ﷺ يعالج المصروع بالدعاء له بالعافية كما مر"، والدعاء رأس الدواء، وقال سيدنا الخليل: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين)[الشعراء:80] جل جلاله.
"وكان ﷺ يداوي عرق النسا بالألية العربية ويقول: "دواء عرق النسا ألية شاة عربية -ذيلها يكون فيه الشحم، هذا السمن- تذاب -بالنار- ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق في كل يوم جزء"، وهكذا كما جاء عند الحاكم في المستدرك وغيره.
"وكان ﷺ يعالج من به حكة أو جرب بلبس الحرير"، لأنه أبعد من أن يثير الحكة، وأذِنَ بلبسه للضرورة للرجال، وهو محرم على الرجال لبسه، ولكن من به حكة أو جرب يجوز له استعمال الحرير للضرورة.
"وكان ﷺ يعالج الصداع والشقيقة بتغليف رأسه بالحناء ويقول: إنه نافع بإذن الله تعالى من الصداع".
"وكان ﷺ يصف عجوة المدينة" نوع من التمر، خير تمر المدينة العجوة.
وفي بعض الروايات: عجوة العالية -جانب وبقعة في المدينة المنورة-، وجاء في بعض الروايات إطلاق السبع التمرات، وفي أكثرها سبع تمرات عجوة، وفي بعضها تقييد بعجوة المدينة، وفي بعضها ذكر عجوة العالية.
فجاء في الصحيح أيضًا: "أن من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يصبه سم ولا سحر".
قال: "وكان ﷺ يصف عجوة المدينة لمن به وجع الفؤاد يعني البطن، فكان يأمر المريض أن يتناول منها سبع تمرات لا غير، وكان ﷺ يعالج من خمد بدنه من الخذلان بصب الماء البارد عليه بعد الفجر وقبل طلوع الشمس"، فيورث شدَّ أعضائه وتماسكها.
"وكان ﷺ يعالج الأورام ببظِّها ليخرج ما فيها،"، يفصها حتى يخرج ما بها من القيح والصديد؛ فيكون ذلك أنفع للجسد وأبعد عن أن تنتشر فيه البثور والجروح.
"وكان ﷺ يعالج السم بالحجامة على الكاهل، ولما سمته اليهودية احتجم ثلاثاً على كاهله"، ثم صار يحتجم في كل عام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"وكان ﷺ يعالج لدغة العقرب بجعل موضع اللدغة في ماء وملح وهو يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين، وكان كثيراً ما يتعوذ بالإخلاص والمعوذتين بعد نزول المعوذتين بالمدينة المنورة.
"وكان عمر -رضي الله عنه- ينهى الناس عن الحقنة، فنهى شخصاً فخالفه فبرأ فبلغ ذلك عمر فقال: إن عاد لك الوجع فاحتقن".
"وكان ﷺ يطلي القرحة -الجروح- والنكبة بالحناء، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- لا يخرج به قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل -ففيه فوائد-ثم يقرأ: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]"، ففيه دواء لأنواع الجروح، ونافع إذا أصاب الجسد شيء من الحريق أن يوضع على الموضع الذي احترق منه العسل، فيفيد في ذهاب آثر الحريق حتى لون البشرة يعود كما كان بسبب العسل -يوضع على موضع الحرق-، وكذلك في موضع الجرح، وكما أن شربه نافع لأنواع الأمراض.
"وكان ﷺ يطعم المريض ما يشتهيه ويقول: "إذا اشتهى مريض أحدكم شيئاً فليطعمه"، وذلك مما لا يتناقض بحكم المعرفة والتجربة مع صحته، فإذا طلب شيئاً ما يضر صحته فلا ينبغي أن يُحمى عنه وأن يُصان عنه وهو يشتهيه.
"وكان يَحْمِي في بعض الأوقات"؛ بل جاء في الحديث: "الحِمية رأس الدواء".
"وقال صهيب: منعني رسول الله ﷺ من أكل التمر والرطب لما رآني رمداً وقال: تأكل هذا وأنت رمد"، وفي رواية أنه مازحه ﷺ، مازح سيدنا صهيب لما قال له: كيف تأكل التمر وأنت رمد وهذا يؤثر على زيادة الرمد؟ قال: أنا آكله بالشق الثاني يا رسول الله، العين الرمدة آكل بالشق الثاني، فتبسم ﷺ.
"وكان ﷺ يقول: "عليكم بالحبة السوداء فإنها شفاء من كل داء إلا السام"، يعني الموت، والله سبحانه وتعالى أعلم". فكم فيها من فوائد لأنواع من العلل والأمراض. وسبحان الذي لم يُنزِل داءً إلا وأنزل له شفاءً ودواءً، علمه من علمه، وجهله من جهله.
وجاء في الخَبَر أن سيدنا موسى -عليه السلام- أصابه مرض، فوُصِف له من التجربة أن فيه شفاء من العشب الفلاني والفلاني فترك ذلك، فأوحى الله إليه: لا شفيتك حتى تتناول هذا، أتريد أن أغير حكمتي من أجلك؟ أنا جعلت هذا بالترتيب، لا يناقض هذا توكلك عليَّ واعتمادك، وأنا رتبت هذا، فبغيت أن أترك الترتيب والحكمة التي جعلتها لخلقي من أجلك أنت؟ من أجل توكلك وأنت قدوة للناس؟ استعمل هذا وأنا أشفيك؛ جل جلاله.
فهو الشافي وحده وكلها أسباب، ولا الشفاء إلا منه، ولا المرض إلا منه سبحانه وتعالى، فهو الذي يُمرِض ويشفي (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين)[الشعراء:80] جل جلاله وتعالى في علاه.
نسأل الله أن يشفينا من جميع العلل والأمراض والأسقام والأوجاع والذنوب والعيوب الظاهرة والباطنة، وينقينا ويصفينا ويصطفينا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة.
01 ذو الحِجّة 1447