(443)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 431- فصل: أصل كل داء البردة
صباح الأحد 30 ذو القعدة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل
"كان رسول الله ﷺ يقول: "أصل كل داء البردة"، يعني: الهواء البارد الذي يلفح الجسد، وهو معنى تفسير الأطباء بقولهم: هي إدخال الطعام على الطعام قبل هضم الأوّل، فإن بطء الهضم أصله البرد الذي تبرد منه المعدة ثم تطبخ الطعام، وكان ﷺ يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسه"، وقد مر في الباب قبله، قال أهل اللغة: واللقيمات من ثلاث إلى تسع.
وكان ﷺ يقول: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء البارد"، وفي رواية: "فإذا حُمَّ أحدكم فليرش عليه الماء البارد وليستقبل نهراً جارياً، وليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اللهم اشف عبدك وصدّق رسولك، وينغمس به ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن برأ وإلا فخمساً، فإن لم يبرأ في خمسة وإلا فسبع فإنها لا تكاد تجاوز السبع بإذن الله تعالى"، قال شيخنا -رضي الله عنه-: ولعل ذلك في الصيف الصائف وإلا فالانغماس في البارد مضر بالبدن.
وكان ﷺ يقول: "الحمى تنقي الذنوب كما تنقي النار خبث الحديد"، وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد استطلاق بطنه يقول: اشرب عسلاً مرتين أو ثلاثاً، فوصف ﷺ ذلك لأعرابي مرة فزاده استطلاقاً فأرسل أخاه إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ما زاد لي ذلك إلا استطلاقاً، فقال رسول الله ﷺ: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، فشُفِيَ في الرابعة، وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد يبس الطبيعة يصف له السناء المكي ويقول: "لو كان شيء يشفى من الموت كان السناء، فعليكم بها مع السنوت"، وهو السمن البقري، وقيل: العسل المخلوط بالماء، وقيل: الكمون".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بحسن البيان والإرشاد، على يد ولسان عبده محمدٍ خير العباد أجود الأجواد، صلّى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه الأمجاد، وعلى من تبعهم على سبيل الهدى والرشاد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل القرب من الحقّ سبحانه وأهل الإسعاد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويواصل الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- ذكر ما ورد فيما يتعلّق بالطب وتناول الأطعمة والأدوية، ويذكر الحديث: "أصل كل داء البَرَدَة، يعني: الهواء البارد الذي يلفح الجسد، وهو معنى تفسير الأطباء بقولهم: هي إدخال الطعام على الطعام قبل هضم الأوّل، فإن بطء الهضم أصله البرد الذي تبرد منه المعدة ثم تطبخ الطعام" والحديث يُروى عن الحسن موقوفًا عليه، وتكلّموا في رفعه وأنكر عامة أهل الحديث رفعه، وعلى كلٍ يدل على معناه الحديث الذي بعده، وهو حديث صحيح عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أن: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن".
والتعرض كذلك لأنواع من الهواء البارد ونحوه له آثار على الجسد سيئة، وفي أمثلة العوام عندنا يقولون: كل علّة أبوها البرد، ويرون أنه يَنكُش كثيراً من الأمراض، وعلى كل حال أيضًا ما فُسِّر من أنه "إدخال الطعام على الطعام -وهو إدخال طعام آخر- قبل هضم الأوّل" فذلك له آثار كثيرة سلبية على بدن الإنسان، فينبغي تجنّب مثل ذلك.
ومن غير شك أن الجسد يتضرر بشدة البرد وبشدة الحر، وينبغي أن يكون الإنسان على وسط في أمره، على أن الاعتياد لشيء يكون مؤثراً على صاحبه، وكذلك اختلاف استعداد الناس وطبائعهم، بعضهم يناسبه البرد وبعضهم يناسبه الحر وما إلى ذلك، وكل ذلك بحكمة ربانية في تصريف أجساد الخلق وأرواحهم وشؤونهم تحت إرادته وتقديره وما طوى من حِكَم لا يحيط بها غيره -جلّ جلاله وتعالى في علاه-.
والحديث الآخر الذي فيه البيان الشافي وهو عماد في صحة الناس يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن"؛ شر وعاء تملأه بطنك؛ ما هناك ضرر من ملء أي وعاء مثل ملء البطن بالطعام والشراب.
فَإنَّ الدَّاءَ أَكْثَرَ مَا تَرَاهُ *** يَكُونُ منْ الطَّعَام أَوْ الشَّرَاب
ولهذا يقول ﷺ: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، فسَّرَوا لقيمات: أنها البضع "من ثلاث إلى تسع" هذه لقيمات.
ولهذا كان سيدنا عمر لا يجاوز في طعامه التسع لقم، يكتفي في أي وقعة وأي وجبة بتسع لقم فما دون ذلك، ولا يجاوز التسع من اللقم؛ وهذا يكون قريباً من ثلث البطن عند أكثر الناس.
قال: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسه". وهذا الحديث الذي لا يزال آية في مسار صحة الناس، وللعمل به أثر قوي في دفع أنواع منوعة من الأمراض عن الجسد.
"وكان ﷺ يقول: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء البارد"، وبعضهم عمَّمه على كل حمى، وبعضهم جعله على أنواع من الحمى مخصوصة تأتي في الحجاز كثيراً، فإن الغُسل فيها بالماء البارد يؤثر في إذهابها عن الجسد: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء البارد"، وكان يأمر بالاغتسال من الحمى بماء قد بات في القربة -بات في شَنٍّ أو في قربة فيُصبُّ عليه- ويكون سببًا لإبعاد الحمى عن الجسد؛ وإن كان طبيعة الإنسان عند مجيء الحمى أنه ينفر من البارد أو يحس بالبرد؛ ولكن هذه الأنواع من الحمى ينفع فيها الماء البارد ويزيل أثرها.
وهكذا يقول الحبيب محمد مستور العيدروس -عليه رحمة الله- أيام كان في الحرم النبوي يشتغل قال: جاءتنا حمى شديدة وبرد، فجئت إلى عند بعض الأخيار المحبين من الأغاوات القائمين بالحراسة في الحرم، قال قلت له: غَطِّنا بي برد، وكان وقت مطر نزل، قال له: أول ذا الحين قبل ما أغطيك روح إلى الميزاب ذا يصب من عند القبة الخضراء وقال: هذا روح تغسَّل فيه أول بعدين تعال، قال له: أنا بي برد، قال له: هذا أول.. بك البرد أول روح!... يجيبها بلهجته وكان أعجمي يقول: روح أول هذا أول بركة جدش، هذا أول لابد ينزل بعدين تعال إلى هنا أنا أغطيك! قال: وخلانا أروح اغتسل وأنا بي برد جاء غطانا وراحت الحمى مني، وذهبَ وقمت بخير ما عاد بي شيء من هذا.
وهذا من الأدوية التي كان يستعملها ﷺ، ولمّا جاءته بعض الحمى أمرهم أن يأتوا بماء من سبع قِرَب بات فيهنّ الماء، فصببن عليه ﷺ.
"الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء البارد"، قال: جاء في رواية البخاري ومسلم -عليهم رضوان الله تعالى-.
قال: "وفي رواية: "فإذا حُمَّ أحدكم فليرش عليه الماء البارد وليستقبل نهرًا جاريًا، وليستقبل جرية الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اللهم اشفِ عبدك وصدّق رسولك، وينغمس به ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن برأ وإلا فخمسًا، فإن لم يبرأ في خمسة وإلا فسبع فإنها لا تكاد تجاوز السبع بإذن الله تعالى" قال: أخرجه الترمذي في كتاب الطب وابن أبي الدنيا؛ فهذا نوع من مداواة الحمى بالاغتسال.
"قال شيخنا -رضي الله عنه-: ولعل ذلك في الصيف الصائف وإلا فالانغماس في البارد مضر بالبدن" وليس على إطلاقه؛ ليس على إطلاق ما قال الشيخ، فإنه أيضًا اكتُشِفَت فوائد للغسل بالماء البارد، والذي جاء في الهدي النبوي أنه ما كان يُسخَّن له ماء في أيام الشتاء، وكان يتوضأ بالماء المعتاد ﷺ البارد، وما كان يُسخَّن له الماء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وفيه أيضاً وُجدت فوائد من حيث أنه يكون الماء الذي يغتسل به الإنسان قريباً من طبيعة الجو الذي هو فيه بارداً أو حاراً، يكون ذلك أنسب لتناسب الجسد مع الواقع الذي يعيش فيه، وتأقلمه مع الجو الذي يعيش فيه؛ فلهذا إذا اغتسل في وقت البرد بالماء الشديد الحرارة يصادف أنه بعد الغسل مباشرة يصادف جو شديد البرودة ما يتناسب مع الحالة التي كانت فيه؛ فربما أمرضته.
بل كثير ممن أيضاً يشعر بالبرد إذا اغتسل بماء معتدل يذهب عنه البرد هذا ويصير جسمه عادي دافي، تذهب منه الرقلة وما إلى ذلك مما كان يشعر به من البرد.
فسبحان الله وشؤون الطب مأخوذ أكثرها بالتجربة، ولا زالوا الآن في طبهم الحديث قاعدين يجربوا لنا على الفئران ويطبقونه علينا، بعدين يشوفون ما الذي يؤثر في الفئران بأصناف الأمراض ويطبقونه على بني آدم، لأنهم بالتجربة وجدوا التأثر متقارب ما بين أبدان الفئران وبدن الإنسان، فيرتكزون على ذلك.
أما ما جاء فيه إشارة في الكتاب العزيز مثل: العسل أو في السنة النبوية فشأنه أعظم وأوثق من شأن ما يتوصلون إليه، ومع توصُّلِهم إلى التجارب بعده، دخلت فيها بعدين أطماع الفلوس، والاتجار بصحة الناس أوقعت الناس في مشاكل كثيرة.. الله يدفع السوء عنا وعن الأمة أجمعين.
وكان ﷺ يقول: "الحمى تنقي الذنوب كما تنقي النار خبث الحديد"؛ ولهذا كان أبو هريرة يقول: أحب الأمراض إليَّ الحمى، قالوا: لماذا الحمى؟ قال: تَعمُّ الجسد كله، ما من عضو إلا وتصله؛ تكفر ذنوب جميع الأعضاء، ما عاد أيّ عضو إلا وفيه حمَّى، فبها تُكفر ذنوب جميع الأعضاء.. وهكذا.
وكان بعضهم إذا جاءته الحمى يكرر لها أبيات ويقول:
زارت مُكَفّرةُ الذّنوب لِصَبّها *** أهلاً بها من زائرٍ ومُوَدَّعِ
بَاتَتْ مُضَاجِعَتي وبِتُّ ضَجِيعَهَا *** وَزَفِيرها ولَهِيبهَا فِي أضْلُعِي
قالت وقد عَزَمَت على تَرحالها *** ماذا تريدُ، فقلتُ : أن لا ترجعي
لا ترجعي .. لا ترجعي… لا ترجعي… كانوا يكررونها لذهاب الحمى.
وهي أصناف من الأصناف، ولها كثير من التعويذات الواردة في السنة، والمأخوذة أيضًا بالإلهام والتجربة عن كثير من الصالحين.
"وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد استطلاق بطنه يقول: اشرب عسلاً مرتين أو ثلاثاً، فوصف ﷺ ذلك لأعرابي مرة -وذلك أن أخاه جاء إليه- فزاده استطلاقاً فأرسل أخاه إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ما زاد لي ذلك إلا استطلاقاً -أي: إسهال في البطن- فقال رسول الله ﷺ: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، فشُفِيَ في الرابعة".
وفي رواية جاء رجُلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أخي استَطلَق بَطنُه، قال: "اسْقِه عسَلًا"، فذهَب ثُم جاء، فقال: قد سَقَيْتُه فلم يَزِدْه إلّا استِطْلاقًا، قال: "اسْقِه عسَلًا"، فذهَب ثُم جاء، فقال: قد سَقَيْتُه فلم يَزِدْه إلّا استِطْلاقًا، قال: "اسْقِه عسَلًا"، قال: فذهَب ثُم جاء، فقال: قد سَقَيْتُه فلم يَزِدْه إلّا استِطْلاقًا، فقال له في الرابعةِ: "اسْقِه عسَلًا"، قال: أَظُنُّه قال: فسَقاه فبرَأ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ في الرابعةِ: "صدَق اللهُ، وكذَب بَطنُ أخيكَ".
صدق الله ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾[النحل:69]، كما قال سبحانه وتعالى، وهو أعلم بخلقه بكل المعاني ومن كل جانب ومن كل وجه ﷻ، وهو خالق الكل -سبحانه وتعالى-.
وقال بعضهم: إنما تظاهر الأعرابي باستطلاق بطنه بعد ما أعجبه العسل، لأنه يريد ثاني مرة وثالث مرة! على كل الأحوال، قد يكون أيضاً فيه إزالة لكثير من الأوساخ والتراكمات في البطن فيزيلها العسل، ثم يستقر أمر البطن، وقال: "صدَق اللهُ، وكذَب بَطنُ أخيكَ"، فشُفِيَ في الرابعة".
"وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد يبس الطبيعة يصف له السناء"، وسيأتي على أنواع من الأدوية يكون فيها استعمال، وسيأتي على أنواع من المواد والأعشاب أشارت السنة إلى فوائدها لأمراض مخصوصة، من هذا:
"السناء المكي": له فوائد كثيرة وهو أيضاً يُطلق البطن؛ ولكن أيضاً يُصفي الجسد من أنواع من الأوساخ والجراثيم، وجاءت الإشارة إليه والوصية به أنه دواء من كل داء إلا السأم؛ كما جاءت الأخبار في مثل: الحبة السوداء، في مثل: الحِلْف، وأنواع من هذه البذور بيتكلم عنها الشيخ في بقية هذا الفصل إن شاء الله.
طهرنا الله، نقانا الله، صفانا الله، حمانا الله، أمدنا الله منه بصحة وعافية تامة كاملة، ورزق الكل منّا وأهلينا وأولادنا صحة في تقوى، وطول عمر في حسن عمل، ورزقًا واسعًا بلا عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب، وأحسن لنا خاتمة شهر ذي القعدة، وبارك لنا في إقبال ليالي العشر وأيام العشر وما فيها من الأجر، والعطاء الوفر والجود الواسع في السر والجهر، واجعل هذا الموسم من أبرك المواسم على أمة حبيبه محمد البدر في المشارق والمغارب، ودفع عنهم جميع المصائب والنوائب، وحوّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال.
ورزقنا حسن اغتنام اللحظات في أيام العشر والأيام المعلومات، والأيام المعدودات، والموسم الكريم، وبسطنا ببساط التكريم، واجعله من أبرك الأعياد على أمة حبيبه الرؤوف الرحيم، ودفع عنهم شر كل مفسد ومعتدٍ وظالم أثيم وفاجر لئيم، وجعلنا الله وإياكم من الهداة المهتدين والصالحين المصلحين، في ألطاف وعوافي ظواهر وخوافي.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة.
30 ذو القِعدة 1447