للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 429-  كتاب الطب

صباح الأربعاء 26 ذو القعدة 1447هـ 

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  أصول الطب وحقيقة التداوي "إن الله لم بنزل داء إلا أنزل له دواء"
  • حالات التلاعب بالدواء والتجارة بصحة الناس
  •  قول الشافعي "علم الأديان وعلم الأبدان"
  •  عدم إكراه المريض على الطعام والشراب
  •  قصة لدّ النبي ﷺ في مرضه وما فيها من فقه
  •  من حكم الابتلاء بالمرض: الدعاء
  •  "بِحَسب ابن آدم لقيمات" أصل الطب النبوي في الحمية والاعتدال
  •  معالجة المريض بما يعتاده من الأطعمة
  •  فائدة التلبينة (دقيق الشعير)
  •  رأس الدواء الحمية وأحوال ترك التداوي
  •  من حكم المرض في المغفرة ورفع الدرجات
  •  أدب المريض: التحذير من شكوى الخالق إلى المخلوق
  •  جريان أجر الأعمال الصالحة حال العذر
  •  ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا

 

نص الدرس مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

 

كتاب الطب

 

كان أسامة بن شريك -رضي الله عنه- يقول: "جاء أعرابي إلى رسول اللهﷺ فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله"، وكان ﷺ يقول: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم"، وكان ﷺ يقول: "إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه"، وكان رسول الله ﷺ يحمي أصحابه من التخم والزيادة في الأكل على الحاجة ويقول: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه".

وكان ﷺ يعالج المريض بألطف ما كان اعتاده من الأغذية، وكان كثيراً ما يأمرهم أن يصنعوا له التلبينة ويقول: هي مجمة لفؤاد المريض، والتلبينة هي دقيق الشعر بعد نضجه بالنار يشربه المريض ممزوجاً بالماء ويسمى أيضاً البغيض النافع، وكان عمر وعائشة -رضي الله عنهما- يقولان: إذا اشتهى مريضكم الشيء فلا تحموه، فلعل الله إنما شهاه ذلك ليجعل شفاءه فيه. وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً فقال: أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟ فقال له رجل: كلنا نحب ذلك يا رسول الله، قال: أتحبون أن تكونوا كالحمر الضالة، ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات، والذي بعثني بالحق إن العبد ليكون له الدرجة في الجنة فما يبلغها بشيء من عمله، فيبتليه الله بالبلاء ليبلغ تلك الدرجة".

وكان ﷺ يقول: "إن الرب تبارك وتعالى يقول: وعزتي وجلالي لا أخرج أحداً من الدنيا أريد أن أغفر له حتى أستوفي كل خطيئة عملها بسقم في بدنه وإقتار في رزقه"، وكان ﷺ يقول: "إن مرض المسلم يذهب خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد، ومن مرض ليلة فصبر ورضي بها عن الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه "، وكان ﷺ يقول: "إن الحسنات تجري على صاحب الحمى ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق"، وفي رواية: "لا تزال المليلة والصداع للعبد والأمة وإن عليهما من الخطايا مثل أحد فما تدعهما وعليهما مثقال خردلة من ذنب والمليلة هي الحمى".

   ومات رجل من الصحابة فقال رجل: هنيئاً له مات ولم يبتل بمرض، فقال رسول الله ﷺ: "ويحك ما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض يكفر عنه من سيئاته"، وكان ﷺ يقول: "قال الله تبارك وتعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوّاده أطلقته من إساري، وأجريت له من العمل الصالح كما كان يعمل وهو صحيح، ولو لم يعمل"، وكان ﷺ يقول: "ما من عبد يمرض مرضاً إلا أمر الله تعالى حافظه أنّ ما عمل من سيئة فلا تكتبها وما عمل من حسنة أن تكتبها عشر حسنات وأبدله الله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، ولو كان العبد يعلم ما له في السقم لأحب أن يكون سقيماً الدهر".

وكانﷺ يقول: "ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا، وإن الأوجاع  والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم من ورق الشجرة اليابسة في الريح العاصف" 

 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله مُكرمنا ببيان ما يصلح القلوب والأجساد والمعاش والمعاد، على أيدي أنبيائه الذين ختمهم بخير العباد سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى أهل ولائه ومتابعته من أهل الوداد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أجود الأجواد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

وبعد،،،

يذكر في هذا الكتاب ما يتعلّق بشؤون الطب والتداوي من أنواع الأمراض والأسقام الجسدية.  يقول: "كان أسامة بن شريك -رضي الله عنه- يقول: "جاء أعرابي إلى رسول اللهﷺ فقال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله"، الحديث في مسند الإمام أحمد بن حنبل -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- يُبيَّن مشروعية التداوي وعليه عامة الأئمة.

  • ويُروى عن الإمام أحمد بن حنبل أن القوي المتوكل يترك التداوي. 
  • وقال الجمهور وقال الشافعية باستحبابه كما قال ابن الجوزي من الحنابلة.
  •  قال المالكية لا بأس بالتداوي.
  •  وكذلك يذكر الحنفية إباحة التداوي.

بل الأحاديث تدل على ما يذكر الشافعية من استحباب التداوي لعامة الأمة.

 

يقول:" أنتداوى؟ قال: نعم فإن الله لم ينزل داء -مرضًا ولا سقمًا-  إلا أنزل له شفاء" فيما جعله من هذه المتناولات من هذه المتناولات من الأطعمة والأعشاب والمشروبات، ولكن يهدي إليه من يشاء، "علمه من علمه وجهله من جهله".

وبه أن الله - سبحانه وتعالى-  زوّد بني آدم في هذه الحياة مما تنبت الأرض بما يقيم تغذيتهم، وبما يكون كافياً في أدويتهم لأي علَّة تنزل بهم، ويدل عليها من يشاء.

ولكن الخروج عن سواء السبيل في الاعتماد على الدواء، أو صرفه على غير بصيرة -من جاهل به-، وأشد من ذلك تعمد أن يصرفه إلى ما يضره أو إلى ما يُحدث له مرضاً مُستقبلاً وما إلى ذلك، بما تدعو إليه النفس من إرادة الاتجار بصحة الناس وما إلى ذلك الذي وقع فيه كثير من الناس.

 

وفي أنحى منه تشير الوقائع وكلام الأفراد من الناس أنه حتى فيما يسمى بالصحة العالمية وما إلى ذلك؛ أنه قد تحكمها السياسة وأغراض الاستكثار من الأموال على حساب صحة الخلق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وما ذلك ببعيد لعبيد النفوس والأهواء وعبيد الدرهم والدينار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ حتى أنهم لربما عادوا من اهتدى إلى طريقة سهلة ويسيرة في دفع شيء من الأمراض الصعبة أو المزمنة- والعياذ بالله تبارك وتعالى-، وأرادوا التسويق لأنواع من الأدوية التي قامت عليها شركات كبيرة في شرق الأرض وغربها تعدُّ أن تجارتها قائمة على أمراض الخلق، فقد يتسببون في وقوع الأمراض -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويجعلون الأدوية تعالج جانباً وتُحدث مرضاً في جانب آخر.

وعلى كل حال، كل من صدقت نيته وأخلص مع الله -تبارك وتعالى- في تقريب الأدوية وتحضيرها وابتعد عما يُحتمل فيه الإضرار بالناس فله بذلك مثوبة وله بذلك منزلة وقدر عند الله -تبارك وتعالى-.

 

كان سيدنا الشافعي يقول: العلم علمان؛ علم الأديان وعلم الأبدان.

  • والبدن مركب للروح، لتقوم الروح في هذا العالم بشرف الخلافة عن الله -تبارك وتعالى-، وتصل إلى ما كتب لها من مراتب الشرف والرفعة في المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة في واسط الأعمال الصالحة. 
  • ومركبها الجسد، وكل ما كان أصح وقوياً كان ذلك أدعى لأن تؤدي الروح مهمتها على وجه التمام.

 

على أنه من جملة ما جعل الله -تبارك وتعالى- من الحكمة في الأمراض والعلل والأسقام؛ شهود الناس ضعفهم وعجزهم وافتقارهم إلى مولاهم -جلَّ جلاله-، وجعل فيها مكفرات للذنوب والسيئات، وسبباً أيضاً لرفعة الدرجات، فلله حكمة في كل شيء -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، ومع ذلك فحق العبد أن يشهد ضعفه وأن يسأل الله اللطف والعافية فإنه لا يطيق إلا ذلك، وما سُئل الله شيئاً أحب إليه من العافية؛ من أن يسأل العافية. 

نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

 

وكان ﷺ يقول: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم"؛ بل إن ترك ما تعافه النفس أيضاً من الأسباب التي تكون أقرب إلى الصحة وإلى مداواة الجسد، وكان ﷺ لا يأكل ما تعافه نفسه ولو كان من المباحات.

  • وكذلك حث المريض وترغيبه في تناول الطعام أو الدواء لا بأس به.
  •  أما إكراهه على ذلك فلا، ولا ينبغي ذلك. 

والآجال بيد الله تعالى، ولا الأدوية وَلا الأغذية إلا أسباب لا تستقل بشيء من التقديم والتأخير، وإنما تُؤخذ لأجل حكمة المُسَبِّبْ -سبحانه وتعالى-.

 

وكان مرة ﷺ مريضاً فلَدُّوه، أي ترقبوا ساعة غشيته وغفلته فوضعوا الدواء في فمه، وقالوا: إنه كراهة المريض للدواء. لما نهاهم أن يناولوه الدواء، ظنوا أن ذلك بسبب كراهة المريض للدواء فلَدُّوه، فلما أفاق ورأى أنهم لَدُّوه، أمر أن لا يبقى أحد في المجلس إلا لُدَّ، أي- وُضِع كرهاً في فمه نصيبٌ من الدواء، وكان سيدنا العباس وصل إليهم وقد فعلوا، فقال: "إلا العباس".

قال الإمام عبد العزيز الدباغ: إنما بادر ﷺ إلى ذلك خشية عليهم ولطفاً ورحمة بهم، لأنهم لما تصرفوا هذا التصرف كانوا محلاً أن يغضب الله تعالى عليهم أو أن ينتقم منهم لما تجرأوا على نبيه، فباشر بأمر لَدِّهِم، لما يعلم من سنة الله تعالى أن صاحب الحق الذي يغار الله له إذا تصرف بنفسه ارتفع عنه تصرف الحق تعالى من أجله، فبادر إلى ذلك خشية من أن يصابوا بشيء، فأمرهم باللَّدِّ إلا العباس، قال إنه لم يحضر معهم وقتما كان لُدَّ، فإنما دخل عليه بعد أن قد لَدُّوه ﷺ، فقال: "لا يبقى أحد في المجلس إلا لُدَّ، إلا عمي العباس فإنه لم يشهدكم" أي ما حضر معكم وقت أن وضعتم الدواء في فمي كرهًا".

 

وكان ﷺ يقول: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم"، أي: يباشرهم من لطفه بكثير مما يقوم مقام الطعام والسقي.

وكانﷺ يقول: "إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه"، وهذا أحد الحِكَم فيما يحب الله تعالى من عبده؛ الدعاء والإلحاح على الله في الدعاء، فإذا قصَّر في ذلك فقد يرسل له داءً أو مرضاً ليكثر الدعاء، ويجعل له شيئاً من الشدائد والمشاكل، ويحب الحق تعالى سماع صوت ذلك المحبوب، قد يؤخر عنه المعافاة والعلاج ليكثر تضرعه، وبذلك نعرف أن الحق يحب من عباده التضرع والدعاء، فينبغي أن نكثر منه في الصحة والعافية لا بخصوص المرض، وفي اليسر والرخاء لا في خصوص العسر والشدة. 

حتى جاء في الخبر أن الملائكة تتعجب من الصوت الذي لا يدعو إلا وقت الشدائد، وتقول: صوت منكر، ما يسمعون تضرعه إلا وقت وقوع الشدة فيه. بخلافه الذي يتعرف إلى الله في الرخاء فيعرفه تعالى في الشدة.

 

يقول: "وكان رسول الله ﷺ يحمي أصحابه من التخم والزيادة في الأكل على الحاجة"، وذلك أساس في صحة الأبدان وسلامتها من أنواع العلل والأمراض. 

ويقول: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه"؛ وهذا غاية في الاعتدال وأقل ما يكون للسلامة من أنواع العلل: 

  • فثلث لطعامه
  •  وثلث لشرابه
  •  وثلث لنفسه

 

"وكان ﷺ يعالج المريض بألطف ما كان اعتاده من الأغذية"، وفي هذا يقول العوام عندنا في مثلهم: "داوِ الأجساد بما تعتاد"، فإنما يعتادونه من الأطعمة الطيبة ولطيفها يكون سبباً أيضاً لشفائهم وعافيتهم.

"وكان كثيراً ما يأمرهم أن يصنعوا له التلبينة ويقول: هي مجمة لفؤاد المريض" يعني: مفرحة له، مريحة للقلب، مذهبة للحزن عنه. "والتلبينة هي دقيق الشعير بعد نضجه بالنار يشربه المريض ممزوجاً بالماء ويسمى أيضاً البغيض النافع"، لأن النفوس تعافه وتبغضه ولكنه نافع ومفيد.

 

"وكان عمر وعائشة -رضي الله عنهما- يقولان: إذا اشتهى مريضكم الشيء فلا تحموه، فلعل الله إنما شهاه ذلك ليجعل شفاءه فيه"، والأمر ليس على إطلاقه وفي قياسه، لأنه أيضاً ورد في الحديث "الحِميةُ رأسُ الدواءِ"، أن يحتمي مما يضره، فما عُلِم إضراره وزيادة المرض به فينبغي أن يُحمى عنه المريض وأن يُبعد عنه، ولكن ما لا يُعلم ذلك قطعاً فربما إذا اشتهى شيئاً جعل الله دواءه فيه. 

ولما مرض سيدنا أبو الدرداء -حكيم هذه الأمة- عادَهُ بعض الصحابة وقالوا له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي,  و قالوا: فما تشتهي -نجيء لك بحاجة-؟ قال: أشتهي الجنة، فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد حضر الطبيب -يقصد ربه-. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال إني فعال لما أريد. لا إله إلا الله. وهذه أحوال تنازل ببعض الأكابر فيتركون فيها التداوي، وقد تداوى ﷺ تشريعاً لأمته.

 

وفي الحديث "خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً فقال: أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟ فقال له رجل: كلنا نحب ذلك يا رسول الله، قال: أتحبون أن تكونوا كالحمر الضالة؟" لا تُبتلون بشيء من الأمراض؟ إن من يُحب الله يُصِبْ منه. "ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات، والذي بعثني بالحق إن العبد ليكون له الدرجة في الجنة فما يبلغها بشيء من عمله، فيبتليه الله بالبلاء ليبلغ تلك الدرجة". من مرضٍ أو غيره من أنواع الشدائد، يبلغ بها درجات لا يبلغها بأعماله الصالحة.

 

وكان ﷺ يقول: "إن الرب تبارك وتعالى يقول: وعزتي وجلالي لا أخرج أحداً من الدنيا أريد أن أغفر له حتى أستوفي كل خطيئة عملها بسقم في بدنه وإقتار في رزقه"، أي: يبتليه بشيء من الابتلاءات حتى يخرج. وفي الخبر أيضاً: "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج من الدنيا كيوم ولدته أمه". 

قال: "وكان ﷺ يقول: "إن مرض المسلم يذهب خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد، ومن مرض ليلة فصبر ورضي بها عن الله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه "، فشأن الرضا والتسليم هو الأمر العظيم.

 

وكان ﷺ يقول: "إن الحسنات تجري على صاحب الحمى ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق"، وكان أبو هريرة يقول: أحب الأمراض إلَيَّ الحمى، قالوا: لماذا؟ قال: لأنها تعم جميع الأعضاء، فتكفر ذنوب جميع الأعضاء.

 "لا تزال المليلة -يعني:الحمى- والصداع للعبد والأمة وإن عليهما من الخطايا مثل أحد -قدر كبير من الذنوب مثل جبل أحد الثقيل الطويل- فما تدعهما وعليهما مثقال خردلة من ذنب والمليلة هي الحمى".

"ومات رجل من الصحابة فقال رجل: هنيئاً له مات ولم يبتل بمرض، فقال رسول الله ﷺ: "ويحك ما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض يكفر عنه من سيئاته".

وكان ﷺ يقول: "قال الله تبارك وتعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عوّاده"، ما أخذ يتبرم ويتضجر ويشكو إذا جاء العُوَّاد يعودونه، يشتكي إليهم: بِتُّ كذا، وحالي كذا، وما قدرت على كذا، وأنا تعبان من كذا؛ كأنه يشكو الرحمن -جلّ جلاله- إلى الخلق الذين ما يقدرون على أن يعافوه ولا يداووه، وإنما اختبره ليرضى وليشكره فيعافيه ويرفع درجاته. "فلم يشكني إلى عواده أطلقته من إساري، وأجريت له من العمل الصالح كما كان يعمل وهو صحيح، ولو لم يعمل"، هذا الراضي الذي لا يشكو إلى العُوَّاد، قال: "أطلقته من إساري -أي: من أسر الذنوب والسيئات وموجب الإعراض والسخط- وأجريت له من العمل الصالح كما كان يعمل وهو صحيح"، يعني: ما تركه مما يعتاده من الأعمال الصالحة بسبب المرض لم يتركه إلا لذلك، يأمر ملائكته أن يكتبوا له ما كان يعمله وهو صحيح. وهكذا جاء في الخبر الآخر عن المريض والمسافر أنه إذا تأخروا عن شيء من الأعمال الصالحة بسبب مشقة السفر أو المرض، "أن اكتبوا لعبدي ما كان يعمله صحيحاً مقيماً" الذي يعتاده ولم يقطعه عنه إلا المرض أو السفر، يُكتب له كأنه فعله وإن لم يفعله.

 

وكان ﷺ يقول: "ما من عبد يمرض مرضاً إلا أمر الله تعالى حافظه أنّ ما عمل من سيئة فلا تكتبها وما عمل من حسنة أن تكتبها عشر حسنات وأبدله الله لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، ولو كان العبد يعلم ما له في السقم -المرض- لأحب أن يكون سقيماً الدهر"، أي: وقته كله.

"وكانﷺ يقول: "ساعات الأمراض تذهب ساعات الخطايا، وإن الأوجاع  والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم -يعني: في حرقها وحطها- من ورق الشجرة اليابسة في الريح العاصف"، إذا هبَّت تُسقط الأوراق كلها، فهذه الأمراض كذلك تكفر الذنوب والسيئات بأصنافها وأنواعها.

ونسأل الله لطفه والعفو والعافية، وأن يشفي مرضانا ويعافي مبتلانا ويرزقهم الصبر والتسليم والرضا بقضائه -جلّ جلاله وتعالى في علاه- إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

29 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

16 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام