(443)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 427- تكملة آداب الطعام والشراب ، وحالة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ارتضاه من زهد وقناعة
صباح الإثنين 24 ذو القعدة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: لم ينخل لرسول الله ﷺ دقيق أبداً إنما كانوا ينفخون الدقيق فيطير منه ما طار وما بقي عجنوه، وكان عمر -رضي الله عنه- يأكل الدقيق الخشن، ويقول للخادم: املكي العجين فإنه أحد الطحينين.
قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، والدقل هو ردئ التمر، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: إن كان ليمر بآل رسول الله ﷺ الأهلة ولا يسرج في بيت أحد منهم سراج ولا يوقد فيه نار، إن وجدوا دهناً ادهنوا به وإن وجدوا دهناً أكلوه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: أرسل إلينا آل أبي بكر -رضي الله عنه- بقائمة شاة ليلاً فأمسكت وقطع النبيّ ﷺ قالت: وذلك على غير مصباح ولو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه، وكانت -رضي الله عنها- تقول: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، ولكن لما افتتح رسول الله ﷺ قريظة أصبنا شيئاً من التمر والودك.
وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- يقول: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر إلى بطوننا، فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين، وقال أنس -رضي الله عنه-: "جئت إلى رسول الله ﷺ يوماً فوجدته جالساً وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم فقلت: يا أبتاه لقد رأيت رسول الله ﷺ عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم عندي كسرة من خبز وتمرات، فإن جاء رسول الله ﷺ وحده أشبعناه وإن جاء آخر معه قلّ عنهم.
وقالت سلمى امرأة أبي رافع -رضي الله عنها-: دخل عليّ الحسن بن عليّ وعبدالله بن جعفر وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- فقالوا: اصنعي لنا طعاماً مما كان يعجب النبي ﷺ أكله، قلت: يا بنيّ إذاً لا تشتهونه اليوم، فقمت فأخذت شعيراً فطحنته ونسفته وجعلت منه خبزة وكان إدامه الزيت ونثرت عليه الفلفل فقربته إليهم وقلت: كان النبيّ ﷺ يحب هذا.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "لقد أُخِفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"، وكان عروة -رضي الله عنه- يقول: "قالت لي عائشة -رضي الله عنها-: والله يا ابن أختي لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما يوقد في جميع أبيات رسول الله ﷺ نار، قلت: يا خالة فما كان يعيشكم، قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار لهم منائح فيرسلون لنا من ألبانها فنشرب منها"، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الجامع مزيد على هذا، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالقدوة العظمى حبيبه محمد صاحب المقام الأسمى، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وصحبه الكرماء، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
يواصل الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله تعالى- ذكر الأحاديث المتعلقة بالطعام والشراب وحالة سيد الأحباب ﷺ في مبتغاه من زهد وقناعة وإخباء الزاد لدار المآب.
"قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، والدقل هو ردئ التمر"، من التمر الرديء ما يجد منه ما يملأ بطنه عليه الصلاة والسلام.
"وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: إن كان ليمر بآل رسول الله ﷺ الأهلة ولا يُسرج في بيت أحد منهم سراج ولا يوقد فيه نار، إن وجدوا دهناً ادهنوا به وإن وجدوا دهناً أكلوه"،
فلم يبقَ دُهن لأجل السراج، فلا يسرجون في الليل لأنه لم يتوفر عندهم الدهن الذي يضعونه للمصباح، فإْنه إذا وُجِدْ شيء من الدهن إما يكون إداماً لهم مع الطعام وإلا ادهنوا به في أجسادهم؛ فلم يزد من ذلك شيء يصبحون به المصباح والسراج، فيظلون لياليهم ما يصبحون سراج ولا ضوء عندهم لأجل الرؤية.
قال: "ولا يسرج في بيت أحد منهم سراج ولا يوقد فيه نار، إن وجدوا دهناً ادهنوا به وإن وجدوا دهناً أكلوه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: أرسل إلينا آل أبي بكر -رضي الله عنه- تقصد والدها - بقائمة شاة -أي: رجل شاة- ليلاً فأمسكت وقطع النبيّ ﷺ قالت: وذلك على غير مصباح -أنا أمسك بطرفه ويقطع بطرف الثاني ﷺ- ولو كان عندنا دهن مصباح لأكلناه"، أي: تخصرنا به وجعلناه إداماً لنا.
"وكانت -رضي الله عنها- تقول: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، ولكن لما افتتح رسول الله ﷺ قريظة أصبنا شيئاً من
التمر والودك".
ما جاء في الروايات أن عموم الصحابة والمهاجرين يقولوا: ما شبعنا من التمر حتى افتتح رسول الله ﷺ خيبر؛ ومراده شبع دون الشبع، يعني أنهم وجدوا حاجتهم من التمر فقد كانوا يحتاجون إلى التمر ولا يجدونه، وبعد فتح خيبر كان التمر يتوفر لهم عليهم رضوان الله تعالى.
وهؤلاء الأساس الذين أُسست عليهم قيام الخلافة عن الله في أرضه، وظهور هذه الملة ودين الحق وبقاء نوره إلى يوم الدين على أيدي هؤلاء رضي الله تعالى عنهم.
"وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- يقول: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر إلى بطوننا، -كل واحد وضع له حجرة يشد بها بطنه- فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين" اثنتين، قال إذا عندكم حجرة واحدة ففي بطن رسول الله حجرين يشد بهما بطنه من الجوع ﷺ.
"وقال أنس -رضي الله عنه-: "جئت إلى رسول الله ﷺ يوماً فوجدته جالساً وقد عصب بطنه بعصابة، - وفي رواية: بحجرٍ-
فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله بطنه ؟ فقالوا: من الجوع، -سيدنا أنس بعده صغير، يتعجب ليش هذا- فذهبت إلى أبي طلحة وهو زوج أم سليم فقلت: يا أبتاه لقد رأيت رسول الله ﷺ اعصاب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقالوا من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ -فهل عندكم ما نطعم النبي ﷺ؟- فقالت: نعم عندي كسرة من خبز وتمرات، فإن جاء رسول الله ﷺ وحده أشبعناه وإن جاء آخر معه قلّ عنهم". ما بيكفي اثنين، وهذا حالهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، فما كانت معلقة قلوبهم، وما كان يشغل بالهم وفكرهم في مقصدهم في الحياة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ولهذا اختيروا لصحبة زين الوجود ﷺ وكانوا رأس هذه الأمة وخيارها عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ولذا لما قال بعض التابعين لبعض الصحابة: لو أنا أدركنا رسول الله ﷺ ما تركناه يمشي على الأرض! قالوا: خفف بعض قولك، ما أدري لو أدركته أين تكون وماذا تفعل؟ لعلك تكون في الجيش الذي يقابله؛ قد كنا في اختبار وابتلاء وشدة وكذا وكذا وصبر كذا كذا، ما أدري! خفف كلامك هذا ما ندري لو أدركته تكون مع مَن؟ تكون مع أبو جهل؟ مع القوم اللي حاربوه؟ إلا صبرنا وجاهدنا وكابدنا حتى رفع الله تعالى قدرهم وفتح لهم -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
"وقالت سلمى امرأة أبي رافع -رضي الله عنها-: دخل عليّ الحسن بن عليّ وعبدالله بن جعفر وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- -وقد توفي النبي ﷺ وهم في الصبا قبل بلوغهم- فقالوا: اصنعي لنا طعاماً مما كان يعجب النبي ﷺ أكله، قلت: يا بنيّ إذاً لا تشتهونه اليوم، -ما عاد بتعدونه شيء ولا بتقنعون به- قالت: فقمت فأخذت شعيراً فطحنته ونسفته وجعلت منه خبزة وكان إدامه الزيت ونثرت عليه الفلفل فقربته إليهم وقلت: كان النبيّ ﷺ يحب هذا". رضي الله عنهم؛ وهم يتقصون أخبار رسول الله ﷺ ويحبونه لأنه توفي وهم في الطفولة صغار قبل البلوغ، وكانوا يتخبرون الكبار: كيف كان يقول؟ كيف كان يأكل؟ كيف كان يدخل؟ كيف كان يخرج؟ كيف كان يلبس؟ كيف كان ينام؟ تعلقاً من قلوبهم بالحبيب ﷺ وأحواله وشؤونه وإرادة للاقتداء به فيما قدروا عليه.
"وكان رسول الله ﷺ يقول: "لقد أخِفْت في الله وما يخاف أحد"، يعني: ما خُوِّف أحد من أجل الله تعالى كما تعرضت له من التخويف والتهديد؛ فكابد في مكة وفي الطائف وفي الهجرة،فقال: "أخِفْت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، -مثل ما أوذيت في الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال"؛ من الشعير بيغطيه إبط بلال من قلته في خلال ثلاثين يوم شهر كامل! هذا هو القوت ما عندهم غيره، اللهم صلِّ على سيدنا محمد.
قال: "وكان عروة -رضي الله عنه- يقول: "قالت لي عائشة -رضي الله عنها-: والله يا ابن أختي إنا كنا -عروة بن الزبير- لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، -يعني: يدخل الهلال فيمر شهر، فيرون هلال الشهر الثاني فيمر شهر؛ فيرون هلال الشهر الثالث، قالت: "ثلاثة أهلة في شهرين وما يوقد في جميع أبيات رسول الله ﷺ نار"، ما هو في بيت حقي وحده الحجر كلها حقه "وما يوقد في جميع أبيات رسول الله ﷺ نار، قلت: يا خالة - لأنها أخت أمه أسماء بنت أبي بكر- فما كان يعيشكم، -تعيشون على ماذا؟- قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار لهم منائح فيرسلون لنا من ألبانها فنشرب منها"، والباقي تمر وماء وخلاص ما نحتاج نوقد نار، "وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الجامع مزيد على هذا، والله أعلم".
"خاتمة: كان رسول الله ﷺ يأكل مع المجذوم والأبرص ويأخذ بيده فيضعهما معه في القصعة ويقول ﷺ: "كل ثقة بالله وتوكلاً عليه"، وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر، حتى كان عمر يناول المجذوم الإناء فيشرب ثم يضع عمر -رضي الله عنه- فمه موضع فمه، قال بعض العلماء: وهذا خاص بالأقوياء من المؤمنين؛ فقد جاء في وفد ثقيف رجل مجذوم فتطيَّر الناس منه فأرسل إليه رسول الله ﷺ وإنا قد بايعناك فارجع، وكان ﷺ يأكل من باكورة الثمار. وكان إذا أتوه بأول ثمرة تطلع المدينة قال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا بركة مع بركة، ثم يعطيها أصغر من يحضره من الولد"، وفي رواية: "كنا إذا أتينا رسول الله ﷺ باكورة الثمار يضعها على عينيه ثم على شفتيه، وقال: اللهم كما رأيتنا أوله فأرنا آخره".
وتقدم في باب الصدقات قول عائشة -رضي الله عنها-: "ذبحنا شاة وفرقنا منها فقال رسول الله ﷺ: ما بقي منها ؟ قلت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها إلا كتفها"، قال نافع -رضي الله عنه-: وأهدى رجل من العراق إلى ابن عمر رضي الله عنهما جوارش، فقال: ما نصنع بهذا؟ قال: إذا كفك الطعام أخذت منه، قال: والله ما شبعت منذ كذا وكذا لا حاجة لي فيه.
وكان ﷺ يقول: "إذا أتى أحدكم بحلوى فليصب منها، وإذا أتى بالطيب فليمس منه، وإذا أتى بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها"، وكان ﷺ يقول: "أذيبوا طعامكم بذكر الله تعالى والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم" وكان ﷺ يقول: "إذا أكلتم عند أخيكم فادعوا له بالبركة فذلك ثوابه منكم"، وكان ﷺ إذا رفع مائدته يقول: "الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا"، وتارة يقول: "الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مَكفي ولا مكفور". وتارة يقول: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين"، وكان ﷺ يقول: "من أكل طعامًا فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه"، وكان ﷺ يقول: "من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه"، والله أعلم".
أكَمل بعض الأحاديث المتعلقة بحاله ﷺ فيما يتعلق بطعامه، وكمال القصة في قصة سيدنا أنس مع أم سليم، قالت لهم: عندي كسرة من خبز وتمرات فإن جاء ﷺ وحده أشبعناه وإن جاء آخر معه واحد ثاني خلاص قَلّ ولا تكفيهم.
يقول سيدنا أنس في كمال الحديث: أخرجت أقراصاً من شعير ثم أخذت خماراً لها فلفت الخبزة ببعضه ثم دَسَّته تحت ثوبي وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ فذهبت وجدت النبي ﷺ معه جالسين ما بين سبعين ثمانين؛ جالسين مع النبي ﷺ في المسجد، فقمت عليهم، لما رآني ﷺ قائماً قال: أرسلك أبو طلحة؟ قلت: نعم، قال: لطعام؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال ﷺ لمن معه: قوموا؛ قال للذين معه وهي قالت: إن جاب واحد ثاني ما يكفيهم! وإذا بهم سبعين أو ثمانين قال لهم قوموا إلى دار ابي طلحة! قال: فانطلقت بين أيديهم، -فجريت قدامهم قبل ما يصلون حتى جئت أبا طلحة وأخبرته- قال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء الرسول ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، والكسرات التي معك لا تكفيهم، وجاء بقوم معه، قالت له: الله ورسوله أعلم، إذا هو قال كذا خلاص اسكن محلك، الله ورسوله أعلم.
قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقى النبي ﷺ يتلقاه ودخله هو وإياه؛ حتى دخل النبي هو وأبو طلحة، وكان هؤلاء السبعين أو ثمانين تحت البيت، قال فلما دخل ﷺ قال: هَلُمّي ما عندك يا أم سليم، فأتت بذلك الخبز فأمر الرسول ﷺ ففُتَّ، قال فتُّوه، وعصرت عليهم أم سليم عُكّة -أثر سمن كان عندها فآدَمته؛ هذا الإدام الخصار- وقال ﷺ فيه ما شاء الله؛ وقرأ عليه ﷺ بعدها قال لأبي طلحة: ائذن لعشرة، فدخلوا عشرة -وهي قالت ما يكفي اثنين!- فدخل العشرة؛ قالت: فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا؛ وإذا الطعام على حاله، قال: ائذن لعشرة، قال: فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، قال: ائذن لعشرة.. سبع أو ثمان مرات، قال: حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً، قالت: بقي نحن قال: كلوا وأكل منه ﷺ ثم خرج، صلوات ربي وسلامه عليه.
فمنها تكثير القليل، وبرء العليل، وطاعة الشجر، وانشقاق القمر، وشهادة الضب له والغزالة بالنبوة والرسالة صبوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. وهكذا يذكرنا في الخاتمة مما كان عليه حاله ﷺ.
يقول: "كان رسول الله ﷺ يأكل مع المجذوم والأبرص ويأخذ بيده فيضعها معه في القصعة، ويقول ﷺ: "كُلْ ثقةً بالله وتوكلاً عليه"، وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر -مقتديان به-، حتى كان عمر يناول المجذوم الإناء فيشرب ثم يضع عمر -رضي الله عنه- فمه موضع فمه، قال بعض العلماء: وهذا خاص بالأقوياء من المؤمنين، فقد جاء في وفد ثقيف رجل مجذوم فتطير الناس منه فأرسل إليه رسول الله ﷺ: "إنا قد بايعناك فارجع"-رعاية لنفسيات الناس من حواليه-.
"وكان ﷺ يأكل من باكورة الثمار -أول ما يخرج في كل موسم من الثمار أوله يأكل باكورة- وكان إذا أتوه بأول ثمرة تطلع المدينة قال" اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مُدّنا وفي صاعنا بركة مع بركة"، -ثم أول ما يأتيه من الثمار سواء كان من الرطب أو غيره يضعها على عينيه ثم شفتيه وفي رواية ينظر أصغر من حضر عنده من الأطفال يعطيها إي وه، يقول خذها لك- قال: "إذا أتينا رسول الله ﷺ باكورة الثمار يضعها على عينيه ثم على شفتيه، وقال: اللهم كما رأيتنا أوله فأرنا آخره".
قال: "وتقدم في باب الصدقات قول عائشة رضي الله عنها: "ذبحنا شاة وفرقنا منها، فقال رسول الله ﷺ: "ما بقي منها ؟" قلت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: "بقي كلها إلا كتفها". يعني كلها اللي تصدقنا بها هو الباقي لنا، الكتف هذا اللي بنأكله بيروح، لكن اللي تصدقنا به هو الباقي، قال: إيشبقي معنا من الشاة؟ قالت ذهبت كلها إلا كتفها، قال: بقيت كلها إلا كتفها، كلها باقية لنا إلا الكتف ﷺ، ومع ذلك فأكله عبادة ﷺ وقربة إلى الله، لا إله إلا الله.
ويقول نافع: "وأهدى رجل من العراق إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- جوارش -نوع من الطعام- فقال: ما نصنع بهذا؟ قال: إذا كفك الطعام أخذت منه، -يعني: إذا لم تجد الطعام ولم يتوفر لك- قال: والله ما شبعت منذ كذا وكذا لا حاجة لي فيه". مسلك ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- في تربية رسول الله ﷺ.
وكان ﷺ يقول: "إذا أُتِيَ أحدكم بحلوى فليصب منها، وإذا أُتِيَ بالطيب فليمس منه"، وهو مما تقدم أنه يُكره رده في الثمانية التي ذكرها السيوطي "وإذا أتى بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها"، وهذا على حسب المعتاد؛ إذا كان في القوم مقدَّم ونحوه يُهدى من أجله ومن أجل أصحابه، فلا يجوز أن يستأثر بالهدية وحده ولكن يقسم على أصحابه منها، فما دام مراد المهديين هو وأصحابه، فيعطونهم هدية ما يخبيها وحده هو ويشلها، ولكن أصحابه الي معه شركاء معه فيها، لأنه أهدوا للجميع وإنما لكونه مقدَّمهم ومتصدر فيهم سلموها له من شأن يوزعها، إلا إذا دلت القرائن على أنهم يريدون له وحده فالأمر آخر. ولكن هذا الحكم فيما يكون الاحتمال فيه أن المهدي يريدها للجميع فتصير للجميع ولا يجوز أن يستأثر بها أحد منهم دونهم.
وكان ﷺ يقول: "أذيبوا طعامكم بذكر الله تعالى والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم"، أي: لا يباشر النوم بعد الطعام والأكل، ويقدم قبله شيء من الأعمال الصالحة وتذويبه أيضاً بذكر الله وبالصلاة.
يقول الحبيب أحمد بن حسن العطاس: كنت أمازح مع بعض الناس خرجنا للصلح بين بعض القبائل، وكان سمين فأقول له خفف من بطنك وخفف من أكلك، قال: فأخذوا يسقوننا اللبن أياماً متوالية ونحن عندهم، فغلظت عُكن بطني، قال: فكان يجي لعندي يقول شوف ذا الحين أنت قدك قريب كماي الحين أنت سمنت. قال: قلت له: لا تخف، سأسري لها الليلة بالبقرة وآل عمران. اهتز. قال: بنذوّب ذا كله الليلة بنقوم بالبقرة وآل عمران، ما عاد بيصبح منه شيء.
"أذيبوا طعامكم بذكر الله تعالى والصلاة". وفيه أن الذكر والصلاة تؤثر على الجسد وتحويل ما فيه من الطعام إلى منفعة وفائدة ودفع الآفات عنه.
وعليه كنا شاهدنا ويُشاهد الكثير من يبلغون السن الثمانين والتسعين ويقاربون المائة وهم على صحة جيدة مع قلة التغذية وقلة الغذاء ولكن معهم ذكر الله وكثرة الصلاة، ويدفع عنهم آفات الطعام وغيره.
وكان ﷺ يقول: "إذا أكلتم عند أخيكم فادعوا له بالبركة فذلك ثوابه منكم"، فيه تأكيد على رعاية من أسدى المعروف ومن قدم الطعام وأن يُدعى له.
"وكان ﷺ إذا رفع مائدته يقول: "الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه غير مَكفي -يعني: لا نستكفي ولا نستغني عن ربنا- ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا"، وتارة يقول: "الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مَكفي" هو يَكفي ولاَيُكفي منه شيء "ولا مكفور" نعمته بل نشكره على ما أعطانا.
وقد أوحى إلى النبي داود: يا داود إذا سيقت إليك حبة مسوّسة -حبة من الطعام وعادها مسوّسة- فاعلم أني ذكرتك بها فاشكرني عليها. اللهم لك الحمد شكراً ولك المن فضلاً.
وتارة يقول: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين"، وكان ﷺ يقول: "من أكل طعاماً فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه". فالمؤمن في دين الله وشريعته يأكل ويشرب ويحمد ويُغفَر له، لا إله إلا الله.
وكان ﷺ يقول: "من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" وكان هذان دعاؤه إذا أكل أي طعام يقول: بارك لنا فيه وارزقنا خيرًا منه، إلا إن كان لبنًا فيقول: وزدنا منه.
قال على الجوارش: نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة يهضم الطعام. قال بغيت أنا أهضمه أنا ما شبعت حتى أهضم، أهضم ايش، خذ الجوارش حقك لك.
كما قالوا لبعض الصالحين: خذ هذا الشراب، قال: ايش فيه؟ قال: يهضم، يهضم! قال: شلوه لكم أنا بغيته يبقى أيام حرى استغني عن الطعام، حد قلكم بغيته يروح؟ قد هو يكفينا عدة أيام، لا إله إلا الله.
وهكذا قد قال ﷺ لبعض أصحابه في ذاك الحال: "كيف بكم إذا كان يُغدى على أحدكم بصحفة ويُراح بأخرى؟" قالوا: إذًا نتفرغ للعبادة -نكون أحسن، قال: "أنتم اليوم خير منكم يومئذ، أنتم اليوم مجتمعون، أنتم غدًا متفرقون". قال: تنبسط هذه النعم الظاهرة وينبسط ما فيها.
ولهذا سيدنا عمر لما جاؤوه بكنوز كسرى وقيصر بكى، قال: إن الله أخرها عن نبيّه وأبي بكر ثم جاء بها في زمن عمر، وهم أكرم على الله مني ما هو إلا باب فتنة ينفتح على الناس فبكى؛ عليهم رضوان الله.
الله لا يفتننا بما آتانا ولا بما زوى عنا، ويرزقنا حسن النظر فيما يرضيه عنا، ويتولانا بما هو أهله، ويرزقنا شكره وحمده والثناء عليه. وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل ما آتيتنا عونًا لنا على طاعتك، وما زويت عنا فراغًا لنا في عبادتك، برحمتك يا أرحم الراحمين. ولا تشغلنا بحمد من أعطى ولا بذم من منع، وأنت من وراء ذلك كله أهل العطاء والمنع. وارزقنا المتابعة والاقتداء والمشابهة للمصطفى وأهله وصحابته وورثته وأنت راضٍ عنا، وفرّج كروب أمته وادفع البلاء عنهم، وأصلح شؤونهم بما أصلحت به شؤون الصالحين برحمتك.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
26 ذو القِعدة 1447