(443)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 426- تكملة آداب الطعام والشراب ، أحوال الأمة مع الطعام والشراب
صباح الأحد 23 ذو القعدة 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: يا ابن عمر مالك لا تأكل، قلت: لا أشتهيه يا رسول الله قال: لكني أشتهيه وهذه صبح أربعة منذ لم أذق طعاماً ولو شئتُ لدعوتُ ربي عز وجل فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، ثم قال: كيف بك يا ابن عمر إذا بقيتَ في قوم يخبؤون رزق سنتهم ويضعف اليقين، فوالله ما برِحنا حتى نزلَت:(وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[العنكبوت:60]، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله عز وجل ألا وإني لا أكنِزُ ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغد".
وكان رسول الله ﷺ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي كبر البطن ومداومة النوم والكسل وضعف اليقين"، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: أول ما سمع بالفالوذج أن جبريل أتى النبيّ ﷺ فأخبره وقال: إن أمتك ستفتح عليهم الأرض وتكثر عليهم الدنيا حتى إنهم ليأكلون الفالوذج قال رسول الله ﷺ: وما الفالوذج؟ قال: يخلطون العسل والسمن جميعاً فشهق النبيّ ﷺ من ذلك.
قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولما دخل عمر -رضي الله عنه- الشام قدم إليه خَبيص فقال: ما هذا؟ فقالوا: طعام نصنعه من العسل ونقيّ الدقيق، فقال: كل الناس يأكلون منه؟ قالوا: لا، قال: لا حاجة لنا فيه، وكان -رضي الله عنه- يقول: كلوا الخبز الفطير بالجبن فإنه أبقى في البطن.
قال الحسن -رضي الله عنه-: وكان بعض الصحابة -رضي عنهم- لا يتحرج من طعام أحلَّه الله تعالى، ويرون التورع عن ذلك من أفعال الجاهلية.
قال شيخنا -رضي الله عنه-: ما فعله عمر أكمل في حق المؤمنين، وما فعله بعض الصحابة أكمل في حق العارفين الذين يشهدون أن كل شيء قدم إليهم هدية من الله عز وجل، وكان ﷺ يقول: "عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا رب ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً أو قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جُعْتُ تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك"، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: ما كان يبقى على مائدة رسول الله ﷺ من خبز الشعير قليل ولا كثير، وفي رواية: ما رُفِعَت مائدة رسول الله ﷺ من بين يديه وعليها فضلة من طعام قط.
وكان كعب بن عجرة -رضي الله عنه- يقول: "أتيت رسول الله ﷺ فرأيته متغير اللون قال: فقلت: بأبي أنت مالي أراك متغيراً؟ قال: ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث، قال: فذهبت فإذا بيهودي يسقي إبلاً له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمراً، فأتيت النبيّ ﷺ فقال: من أين لك يا كعب؟ فأخبرته، فقال ﷺ: أتحبني يا كعب، قلت: بأبي أنت نعم، قال: "إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه"، وقال الحسن -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرفع إزاره بالأدم، وما جمع بين غذاء وعشاء ثلاثة أيام ولاء حتى لحق بالله تعالى، وكانت أم أيمن -رضي الله عنها- تقول: غربلتُ مرة دقيقًا فصنعت للنبي ﷺ رغيفاً منه فقال: ما هذا؟ قلت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً، فقال: رديه فيه ثم اعجنيه فإنا لا نأكل دقيقًا مغربلًا يعني منخولًا".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكرمنا بخير منهاج، وبيانه على لسان عبده النور والسراج، سيدنا محمّد صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على دربهم بغير اعوجاج، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أرباب القرب من الرّب سبحانه وتعالى، وعلى آلهم وصحبهم ومن والاهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
فيواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر الأحاديث المتعلقة بالطعام والشراب ويقول: "وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: يا ابن عمر مالك لا تأكل، قلت: لا أشتهيه يا رسول الله قال: لكني أشتهيه وهذه صبح أربعة منذ لم أذق طعاماً ولو شئتُ لدعوتُ ربي عز وجل فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، ثم قال: كيف بك يا ابن عمر إذا بقيتَ في قوم يخبؤون رزق سنتهم ويضعف اليقين، فوالله ما برِحنا حتى نزلَت -آية-: (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[العنكبوت:60]، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله عز وجل ألا وإني لا أكنِزُ ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغد" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم يقول: أخرجه عبد الله بن أحمد في مسنده وابن عساكر في تاريخ دمشق.
هذا يبين ما كان ﷺ من اختياره يجوع يوماً ويشبع يوماً -كما جاء في الرواية الأخرى-، ويقول إن هذه "صُبْح أربعة" أي: مرَّت ثلاثة أيام لم يذق طعاماً. قال: "ولو شئتُ لدعوتُ ربي عز وجل فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر"، وفي الخبر أنه عُرض عليه أن تسير معه جبال مكة وبطحاؤها ذهبًا وفضة من دون أن ينقص من أجره شيء فردّ ذلك.
يقول:
وإن وَصَفُوا سُلَيمن بِملكٍ *** فَذَا كَرِهَ الكُنُوزَ وقد عُرِضنَ
ويقول:
وَرَاوَدَتْهُ الْجِبَالُ الشُّمُّ مِنْ ذَهَبٍ *** عَنْ نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيَّمَا شَمَمِ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وأسوةٌ لمعسر مسكينِ *** إذ صحَّ لم يشبع ولا يومينِ
وقد أبى جبالَها من عينِ *** زهداً ومن جوعٍ طوال الليالي
من عينِ أي: من ذهب، صلوات ربي وسلامه عليه.
يقول: "وكان رسول الله ﷺ يقول: "أخوف ما أخاف على أمتي كِبَرُ البطنِ، ومداوَمةُ النَّوْمِ، والكسَلُ، وضَعْفُ اليقينِ" -لا إله إلا الله- يقول رواه الدارقطني في الأفراد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن هذا مما خافه على الأمة: "أخوف ما أخاف على أمتي".
وأهم أسباب قوة اليقين ثلاثة:
فهذه أسباب اكتساب قوة اليقين، وما نزل من السماء إلى الأرض أشرف من اليقين؛ قال ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، وهكذا.
ويروى أيضًا عن عائشة أنها قالت: ثلاث خصال تورث قسوة القلب: حب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة؛ أي: ما تجاوز منها قدر ما يُستعان به ويُتَنَشَّط للطاعة والعبادة، ومن تعوّد الكسل ومال إلى الراحة فَقَدَ الراحة، ولهذا يقول: حبّ الهوينا يُكسب النّصب؛ يجيب له بالتعب، وإذا لم تكن له همة.
كلّ من ليس يمنع نفسه *** عن حضيض الهوى ذاق الهوان
من تدنى دنت به همته *** لو يكن عاليًا بالزبرقان
لو مرتفع عند القمر ولكن تدنّى في مقصده وهمته؛ يسقط وينحط -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ *** وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها *** وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
بِقَدرِ الكدِّ تُكتَسَبُ المَعالي *** وَمَن طَلبَ العُلا سَهرَ اللَّيالي
وَمَن رامَ العُلا مِن غَيرِ كَدٍ *** أضاعَ العُمرَ في طَلَبِ المُحالِ
ولذا يكون من نتيجة تسلّط الشيطان على الإنسان كَسَلُه عن الطاعات وخَبَث النفس، فقال: إن ابن آدم إذا نام عقد عليه الشيطان ثلاث عقد، "يَعْقِدُ الشيطانُ على قافِيَةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ مكانَ كلِّ عُقْدَةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارْقُدْ، فإنِ استيقظ فذكر اللهَ انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإن توضأ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإن صَلّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كلُّها، فأصبح نشيطًا طَيِّبَ النفسِ، وإلا أصبح خبيثَ النفسِ كسلانَ".
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: أول ما سمع بالفالوذج أن جبريل أتى النبيّ ﷺ فأخبره وقال: إن أمتك ستفتح عليهم الأرض وتكثر عليهم الدنيا حتى إنهم ليأكلون الفالوذج قال رسول الله ﷺ: وما الفالوذج؟ قال: يخلطون العسل والسمن جميعاً فشهق النبيّ ﷺ من ذلك" قالوا: هذا الحديث ما يصح، رواه ابن ماجه بسند ضعيف، وأنكره كثير من علماء الأسانيد.
"قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولما دخل عمر -رضي الله عنه- الشام قُدِّمَ إليه خَبيص فقال: ما هذا؟ فقالوا: طعام نصنعه من العسل ونقيّ الدقيق، فقال: كل الناس يأكلون منه؟ قالوا: لا، قال: لا حاجة لنا فيه"، وهكذا جاء في رواية: أنه لمّا قدم الشام سيدنا عمر بن الخطاب أُهدِيَت له سلة خبيص، قال: إن هذا طعام ما أعرفه فما هو؟ قالوا: يا أمير المؤمنين الخبيص، قال: وما الخبيص؟ قالوا: طعام يُصنع من العسل ونقي الدقيق، قال: والله إن هذا طعام لا آكله أبداً حتى ألقى الله -عز وجل- إلا أن يكون طعام المسلمين كلهم مثله، قالوا: يا أمير المؤمنين ما هو بطعام المسلمين كلهم. قال: لا حاجة لنا فيه.
فكان يحرص أيام إمارته ألا يأكل إلا ما يأكله عامة المسلمين. ولما جيء إليه مرة بعسل وَوُزِنَ قَدرُه عسل من بيت المال؛ وقرقرت بطنه، قال: قرقري يا بطن أو لا تقرقري، والله لا تذوقيه حتى يذوقه فقراء المسلمين، قال: ولا أعطيكِ منه لحسة إلا أن يطعمه الفقراء؛ إذا قد وصل لعند الفقراء وزاد، بعدين عمر يأكل مثلهم منه -رضي الله تعالى عنه-. لا إله إلا الله.
وكتب سيدنا عمر إلى كثير ابن شهاب يقول: مُر مَن قِبلك فليأكلوا الخبز الفطير بالجبن فإنه أبقى في البطن.
"قال الحسن -رضي الله عنه-: وكان بعض الصحابة -رضي عنهم- لا يتحرج من طعام أحلَّه الله تعالى، ويرون التورع عن ذلك من أفعال الجاهلية" أي: ما لم يكن فيه ترفه أو يختص بالأغنياء، أو يكون بالتشهي، أو يتجاوز الثلث في أكله، ثلث البطن في أكله، وإلا فكانوا يرتفعون عن ذلك.
"قال شيخنا -رضي الله عنه-: ما فعله عمر أكمل في حق المؤمنين، وما فعله بعض الصحابة أكمل في حق العارفين الذين يشهدون أن كل شيء قدم إليهم هدية من الله عز وجل" وهؤلاء ما يتناولون زيادة ولا يتناولون بتشهي، ولكن على قدم الخليل إبراهيم؛ ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:79] ﷻ.
"وكان ﷺ يقول: "عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا رب ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً أو قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعتُ تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك".
"وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: ما كان يبقى على مائدة رسول الله ﷺ من خبز الشعير قليل ولا كثير، وفي رواية: ما رُفِعَت مائدة رسول الله ﷺ من بين يديه وعليها فضلة من طعام قط" بل كان آخر الطعام أحبّ إليه وهو: البقايا التي تبقى في الإناء، هذا يأكل منه، ولهذا يحب لعق الإناء ﷺ. ويقول: "غَسْلُ الإناءِ وطهارةُ الفِناءِ يُورِثانِ الغِنى".
فالذين لا يبالون ويرمون كثير من طعامهم في السُّفَرْش وبقايا في الصحون ويرمونها؛ خارجون عن السنة وتعرّضوا للفقر والفتنة.
"وكان كعب بن عجرة -رضي الله عنه- يقول: "أتيت رسول الله ﷺ فرأيته متغير اللون قال: فقلت: بأبي أنت مالي أراك متغيراً؟ قال: ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث، قال: فذهبت فإذا بيهودي يسقي إبلاً له فسقيت له على كل دلو بتمرة فجمعت تمراً، فأتيت النبيّ ﷺ فقال: من أين لك يا كعب؟ فأخبرته، فقال ﷺ: أتحبني يا كعب، قلت: بأبي أنت نعم، قال: "إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه"؛ وذلك ما يكون من:
"وقال الحسن -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرفع إزاره بالأدم" أي: من الجلد، يشدّ الإزار بحزام من جلد، "وما جمع بين غذاء وعشاء ثلاثة أيام ولاءً" بل إن تغدى لم يتعش، وإن تعشى لم يتغد؛ وأما ثلاثة أيام يجمع بين الغداء والعشاء فلم يحصل ذلك منه؛ في ثلاثة أيام تتوالى يجمع بين الغداء والعشاء؛ ولكن إن تغدى لم يتعش، وإن تعشى لم يتغد، وإن تغدى وتعشى في يوم أو يومين، فاليوم الثالث ما يجمع بين الغداء والعشاء صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
"وكانت أم أيمن -رضي الله عنها-" وهي التي خلّفها له أبوه عبد الله وعاشت بعده ﷺ يسيراً، وهي التي ردّته من الأبواء حين ماتت أمه، فحملته إلى مكة المكرمة وهو ابن ست سنين ﷺ، وكان يُكبِرُها ويجلّها ويقدرها ويقول: "أمُّ أيمنَ أُمِّي بعدَ أُمِّي"، فكان يزورها ويتخللها بالزيارة يتفقدها، حتى لما توفي قال سيدنا أبو بكر لسيدنا عمر: تعال بنا نزور أم أيمن كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فجاءوا إليها، فلما دخلوا عليها تذكّرت النبي فبكت، قالوا: ما يبكيك يا أم أيمن؟ أما تدرين أن ما عند الله خير لرسول الله؟ قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله، ما عنده خير له وهو خير له منا، ولكني أبكي على أنفسنا أنه قد انقطع عنا الوحي، كان يأتينا خبر السماء في كل صباح وعشية يأتينا خبر السماء، والآن انقطع عنا، فهيّجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها -رضي الله عنهم-.
"وكانت أم أيمن -رضي الله عنها- تقول: غربلتُ مرة دقيقًا" لرسول الله ﷺ، أي: نَخَلَتْهُ نخل ما عاد أبقت شيئاً وصار لُبُّ الدقيق، "فصنعت للنبي ﷺ رغيفاً منه -وقدمته إليه- فقال: ما هذا؟ قلت: طعام نصنعه بأرضنا -تعني: الحبشة- فأحببتُ أن أصنع لك منه رغيفاً، فقال: رديه فيه -أي: القشر حقه الذي أخرجتيه رديه فيه- ثم اعجنيه فإنا لا نأكل دقيقًا مغربلًا يعني منخولًا" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم وجدوا أن قيمة التغذية في القشرة أعظم منها في اللُّبّ حقه، وأنه أفيد للجسد؛ وعلى كل حال خير طبيب محمد ﷺ، والله أعلم.
رزقنا الله حسن متابعته، وحشرنا في زمرته، وثبّتنا على دربه، وأدخلنا في حزبه، وجعلنا من أهل قربه، وأصلح شؤون أمته، ودفع البلاء عن أمته، وجمع شمل أمته، وألّف ذات بين أمته، ورقّى همم أمته وعزائمهم إلى المعالي، وخلّصهم من أسر الشهوات والأهواء وضحك الأعداء، وجعلنا ممن ترعاهم عين العناية، ومن أهل اليقين الكامل التام الذين يزداد يقينهم في كل لمحة وفي كل نفس، وأعاذنا من الكسل والجبن والبخل ومن كل سوء أحاط به علمه.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 ذو القِعدة 1447