كشف الغمة 381- كتاب الحج والعمرة (28) رمي الجمرات والمبيت بمنى
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 380- كتاب الحج والعمرة (28) رمي الجمرات والمبيت بمنى
صباح الإثنين 10 جمادى الثانية 1447هـ
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- رمي الجمرات
- تحديد دخول وقت رمي الجمرات ونهايته
- الدعاء بعد رمي الجمرة الأولى والثانية
- حديث رخصة الرمي للرعاة
- وقت رمي الجمرات وكيفيته
- المبيت بمنى ليالي التشريق
- حكم من ترك الرمي
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
"وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "كان ﷺ إذا رمى الجمرات ايام منى بعد الزوال يقف عند الجمرة الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فلا يقف عندها"، وكان ﷺ يرخص للرعاة وسقاة الماء أن يرموا يوماً واحداً ويتركوا يوماً، ورخص للعباس -رضي الله عنه- أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته.
قال سعد بن مالك -رضي الله عنه-: ولما رجعنا من الحج مع رسول الله ﷺ فكان بعضنا يقول لبعض رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول رميت بست حصيات ولم يعب بعضهم على بعض. وكان ﷺ إذا رمى الجمار الثلاث يأتي إليهن ماشياً ولم يركب إلا في جمرة العقبة لعذر كان به ﷺ، وكان مجاهد يقول: إنما سمي يوم النحر يوم الحج الأكبر وإن كان أيامه كلها كذلك، لأنها سنة حج فيها أبو بكر ونبذت العهود فيه، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان عبده وصفوته خير بريته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله خيرة الرحمن من خليقته وصفوته، وعلى آلهم وصحبهم ومتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يواصل الشيخ -عليه رحمة الله- ذكر ما يتعلق بالحج، ويذكر هنا ما يكون من رمي الجمرات أيام منى.
وقد علمنا أن جمرة العقبة تُرمى وحدها في يوم النحر أي: يوم العيد، اليوم العاشر من شهر ذي الحجة.
وأما فيما يليه من الأيام، فترمى الجمار الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى.
يقول: "كان أنس -رضي الله عنه- يقول: "كان ﷺ إذا رمى الجمرات ايام منى بعد الزوال"، فكان إذا زالت الشمس يخرج يرمي؛ فكان هذا أفضل الأوقات ويدخل وقت الرمي لكل يوم عند الجمهور.
- ويروى أنه في رواية عن أبي حنيفة الأفضل أن يكون بعد الزوال، ويجوز أن يكون قبل ذلك، وروى عنه الحسن أنه في اليوم الثاني إن أراد النفر فيرمي قبل الزوال، وإن لم يرد النفر فلا يرمي إلا بعد الزوال.
- وإذا دخل وقت الزوال دخل وقت الرمي للجمار ثم يستمر عند الشافعية والحنابلة إلى آخر يوم من أيام التشريق، فكله أداءٌ إلى اليوم الرابع -اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة- فيخرج الوقت بغروب شمس ذاك اليوم.
- وقال الحنفية: أنه يستمر وقته إلى فجر اليوم الثاني، فرمي كل يوم يستمر إلى فجر اليوم الثاني.
- وقال المالكية: ما يكون أداءً إلا في نفس اليوم، فإذا غربت شمسه فهو قضاء، وإنما يكون أداءً إذا كان في نفس اليوم من الزوال إلى الغروب، وما عدا ذلك فهو قضاء.
يقول: وكان إذا رمى الأولى والثانية "يقف عند الجمرة الأولى والثانية" أي: يمضي يسيرًا ويستقبل القبلة ويقف يدعو، قال: "فيطيل القيام ويتضرع ويرمي الثالثة وهي جمرة العقبة فلا يقف عندها".
وعلمنا أن:
- الجمرتين الأولى والثانية في حدود منى.
- وأن جمرة العقبة خارج حدود منى.
- وأنه ﷺ كان يدعو بعد رمي الأولى والثانية.
وقوله "يطيل القيام" قد جاء في بعض الروايات:
- أنه يبقى يدعو بمقدار ما تُقرأ سورة البقرة.
- ثم عند الثانية كذلك.
- وعند الثالثة يرمي ويمضي من دون أن يقف للدعاء.
وهكذا.
قال بعض أهل العلم يسأل بعض أهل الحجاج: رميت؟ قال: نعم، قال: هل دعوتم بعد الجمرة الأولى وعند الجمرة الثانية؟ قال: نعم، بمقدار سورة البقرة؟ قال: لا، بمقدار سورة الفيل، لأن الفيل أكبر من البقرة، قال: الفيل حجمه جسمه أكبر من البقرة. قال: نحن قعدنا بمقدار سورة الفيل، لا إله إلا الله.
فأقل شيء يدخل في السنة، والأفضل أن يطيل الدعاء في هذه المواقف ما لم يسبب ازدحامًا وأذية لأحد وإلا فالأفضل ألا يطيل؛ لأن الرمي في وقته ﷺ كان مع سعة وعدم تزاحم، فوقف يطيل الدعاء.
قال: "وكان ﷺ يرخص للرعاة وسقاة الماء أن يرموا يوماً واحداً ويتركوا يوماً"، يومًا لاشتغالهم بالرعي وجلب الماء لسقي الحجيج. "ورخص للعباس -رضي الله عنه- أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته"، فيسقط وجوب المبيت.
فعلمنا:
- أن الرمي واجب.
- ويجب فيه الترتيب عند الجمهور:
- الجمرة الصغرى
- ثم الوسطى
- ثم العقبة.
- كل واحدة بسبع حصيات.
- وأن وقت الرمي يبدأ من الزوال عند الجمهور كذلك.
- وجاء عن أبي حنيفة: الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر بعد الزوال، فإن رمى قبلُ جاز. وروي عنه الحسن أنه قال: إن كان قصده أن يتعجل في اليوم الثاني فلا بأس أن يرمي قبل الزوال.
وأما رمي جمرة العقبة:
- فقد رماها بضحى عليه الصلاة والسلام، فهذه من بعد نصف ليلة النحر يدخل وقت رمي جمرة العقبة وكذلك ثالث أيام التشريق لمن بات في الليلة الثالثة، وهو أفضل أن يرمي اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة بعد الزوال.
- وهكذا يقول الأئمة الثلاثة وكذلك صاحبا أبو حنيفة: إنه لا يصح الرمي قبل الزوال.
- وقال أبو حنيفة: الوقت المستحب للرمي في هذا اليوم بعد الزوال كما تقدم معنا.
وآخر وقت الرمي:
في اليوم الأخير غروب الشمس، وهو الذي يبقى فيه وقت جميع الرمي عند الشافعية والحنابلة إلى هذا اليوم، فكله يُعد أداءً إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر، نعم.
كذلك المبيت بمنى:
- المبيت بمنى ليالي التشريق هوأيضًا إذًا واجب عند جمهور الفقهاء
- وعند الحنفية سنة.
والقدر الذي يحصل به المبيت أن يمر أكثر الليل وهو بمنى، فيكون أكثر الليل -معظم الليل- وهو بحدود منى؛ بخلاف المبيت بمزدلفة تقدم معنا اجتهادهم فيه وأقوالهم، وأما بمنى فأن يمضي أكثر الليل وهو داخل حدود منى.
من ترك رمي الجمار:
- فمن ترك الرمي وجب عليه أن يخرج الفدية.
- من ترك الرمي كله أو ترك رمي يوم أو يومين أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة، عليه الدم.
- وقال الشافعية: في الحجرة الواحدة إذا تركها فعليه مُدّ، وفي الثانية مُدّان، وفي الثلاث دم.
- ويقول الحنفية:
- يجب الدم إن ترك الحاج رمي الجمرات كلها في الأيام الأربعة، أو ترك رمي يوم كامل، عندهم يلزمه الدم.
- أما إن ترك الأقل -بعض الحصيات من يوم- فعليه صدقة لكل حصاة نصف صاع عندهم من بر أو صاع من تمر أو شعير، هذا مذهب الحنفية. وقالوا: إنما يلزم الدم إذا ترك الرمي كله أو ترك رمي يوم كامل، فإذا ترك البعض ففي كل حصاة إما نصف صاع من البر أو صاع من التمر والشعير.
- والمالكية يقولون: يلزمه دم في ترك حصاة أو في ترك الجميع، لو ترك حصاة واحدة يلزمه الدم.
- ثم قال سعد بن مالك: وعندما رجعنا من الحج مع رسول الله ﷺ، كان بعضنا يقول لبعض: رميت سبع حصيات، وبعض يقول: رميت ست حصيات، ولم يعب بعضهم على بعض.
ثم "قال سعد بن مالك -رضي الله عنه-: ولما رجعنا من الحج مع رسول الله ﷺ فكان بعضنا يقول لبعض رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول رميت بست حصيات ولم يعب بعضهم على بعض". "وكان ﷺ إذا رمى الجمار الثلاث يأتي إليهن ماشياً ولم يركب إلا في جمرة العقبة" -لما وصل من مزدلفة راكبًا، فرمى وهو راكب يوم العقبة-، أما بقية الأيام فكان يخرج من خيمته عند الخيف يخرج ماشيًا ﷺ، ومن هنا قالوا: الأفضل الركوب أو المشي.
- فقال أبو يوسف من الحنفية، وهو المختار عند الحنفية: أنه يرمي جمرة العقبة راكبًا وغيرها ماشيًا في جميع أيام الرمي.
- وجاء عن أبي حنيفة ومحمد: أنه يركب في الرمي كله. ولكن المختار عند الحنفية قول أبي يوسف أنه لا يركب إلا في جمرة العقبة في يوم النحر، وبقية الأيام يمشي.
- ويقول المالكية: يرمي جمرة العقبة يوم النحر كيفما كان، يعني راكبًا أو ماشيًا، ولكن في غيرها من الأيام يمشي، يعني السنة أن يمشي.
- وجاء عن الإمام الشافعي أنه قال: يرمي جمرة العقبة راكبًا في يوم النحر، وكذلك يوم النفر قال يرميها راكبًا، واليومين الأوليين يمشي فيهما، قال: أحب إليّ. هكذا جاء عن الإمام الشافعي. وذلك في أيام كان يمكن المشي فيها والركوب، وأما الآن فبحكم الزحمة وتوارد الناس فإنما يصلون إليها على أقدامهم.
ثم ذكر حكم القرآن، وواجب الحائض إذا حاضت أيام الحج، وما يتعلق بشرب زمزم وزيارة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان سيدنا مالك لا يحب لفظة قبر، ويقول: زيارة رسول الله، زيارة النبي محمد ﷺ، ويكره أن تكون الزيارة لمجرد قبر؛ لأن المقصود ليس القبر، المقصود صاحب القبر، فيقول: زيارة رسول الله، زيارة النبي محمد ﷺ.
ملأنا الله بمحبته ورزقنا حسن متابعته، ودفع الأسواء عنا به حيثما كنا، وأصلح به شأن يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا، وكشف الشدائد والبلايا والآفات عنا، ووقانا شر الكروب والحروب والآفات والعاهات في الظواهر وفي الخفيات، وأظهر راية الحق والهدى ونشرها في البرية، ودفع عنا وعن الأمة كل أذية، وعجل بالفرج لأهل السودان ولأهل غزة ولأهل الضفة الغربية، ولأهل لبنان، ولأهل الشام كله، ولأهل اليمن كله، ولأهل الصومال، ولأهل ليبيا، ولأهل الشرق، ولأهل الغرب من أهل لا إله إلا الله، حوّل أحوالهم إلى أحسن حال يا محول الأحوال، وادفع عنا وعنهم شر ما تأتي به الأيام والليالي، وانظمنا في سلك أهل الصدق من خيار الخلق في عافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
11 جمادى الآخر 1447