كشف الغمة 378- كتاب الحج والعمرة (25) باب الدفع إلى المزدلفة بعد الوقوف بعرفة
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة 378- كتاب الحج والعمرة (25) باب الدفع إلى المزدلفة بعد الوقوف بعرفة
صباح الثلاثاء 4 جمادى الثانية 1447هـ
فوائد مكتوبة من الدرس
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- مكان مزدلفة وسبب تسميتها
- هل يجب المبيت في مزدلفة؟
- قول النبي في طريقه لمزدلفة: عليكم بالسكينة
- أخذ الحصا في مزدلفة
- الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
- قصة أصحاب الفيل
- رمي النبي الجمرات ثم نحر الأضحية
- تسمية حجة الوداع
- تقدم الضعفاء في الليلة من مزدلفة
- موقف الفضل بن العباس مع الخثعمية
- كان يرمي النبي بعد الزوال
- دخول وقت الرمي من نصف الليل
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
باب الدفع إلى المزدلفة
بعد الوقوف بعرفة ثم منها إلى منى
وما يتعلق بذلك من الرمي والحلق والتحلل وغير ذلك
"قال ابن عباس -رضي اللّه عنهما-: "لما أفاض رسول الله ﷺ من عرفات قال للناس عليكم السكينة، وهو كافّ ناقته فلما دخل وادي محسّر وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة، فلما أتى النبي ﷺ المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن وادي محسر فحرك راحلته قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها وكانت قدر حصى الخذف. قال أنس: وكان رميه لها وهو واقف في بطن الوادي فلما رماها انصرف إلى النحر".
قال ابن عباس -رضي اللّٰه عنهما-: ورخص رسول اللٰه ﷺ ليلة المزدلفة للضعفة أن يتقدموا، وكانت سودة -رضي الله عنها- ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من ججَمْعٍ بليل فأذن لها، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكنت أنا ممن قدم رسول اللّٰه ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله، قال جابر -رضي الله عنه-: ورمى رسول الله ﷺ جمرة العقبة يوم النحر ضحى، وكان لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال، قال: ورأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
وكان ﷺ يرمي كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً"، قال ابن عباس -رضي اللّٰه عنهما-: ولما قدم النبي ﷺ ضعفة أهله قال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس فرمى ناس منهم قبل الفجر وجماعة مع الفجر وأقرهم النبي ﷺ على ذلك".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة وحصونها المنيعة، وبيانها على يدي ذي الوجاهات الوسيعة والمراتب الرفيعة، عبده المختار سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله، سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- ما يتعلق بالدفع إلى المزدلفة يعني: من عرفة بعد الوقوف، ثم منها إلى منى.
ومزدلفة: هذه البقعة التي بين عرفات وبين منى، وهي ما بين مأزمي عرفة ووادي مُحَسِّر، فهذه مزدلفة:
- سميت بذلك لمكان الازدلاف فيها لكونها قريبة من عرفة.
- وأول مدخل إلى الحرم منها يكون إلى حدود الحرم.
- ولأنه يُزْلَفُ ويجتمع فيها الحجيج، فسُمِّيَت مزدلفة.
والزُّلفة: هي القربة والحظوة، أزلفه: قَرَّبَه، وكذلك يقول: أزلفتُ الشيء بمعنى: جمعته، فيجتمع الناس فيها وهي قريبة من عرفة، وهي أيضًا أقرب ما يكون في حدود الحرم من عرفة، فسُمِّيَت مزدلفة.
فهذا المكان ما بين مأزميٌ عرفة ووادي مُحَسِّر هو الذي يسمى بمزدلفة، قال الإمام النووي -عليه رحمة الله-: ما بين وادي مُحَسِّر ومأزمي عرفة، والحدَّانِ ليسا منها، ويدخل في مزدلفة جميع تلك الشعاب القوابل والظواهر والجبال الداخلة في الحد المذكور، كلها تُعَدُّ من مزدلفة.
المبيت في مزدلفة:
- يجب المبيت عند الجمهور، المبيت بمزدلفة عند جمهور فقهاء الشريعة يجب على الحاج.
- وهو عند الحنفية سنة، ولكن الواجب عندهم حضوره في مزدلفة بعد الفجر؛ أيَّ ساعةً بعد الفجر.
- قال الأئمة الثلاثة، المالكية والشافعية والحنابلة: الواجب الحضور في مزدلفة في الليل:
- قال المالكية: الحضور الواجب في مزدلفة أن يكون بمقدار حط الرحال، سواء أول الليل أو وسطه أو آخره، ومقدار ما تُحَطُّ الرحال وتُحَمَّل مقدار بنحو ساعة إلا ربع؛ ما بين أربعين دقيقة إلى خمس وأربعين دقيقة.
- وقال الشافعية والحنابلة: الواجب في المبيت بمزدلفة أن يكون حاضرًا فيها بعد نصف الليل، ولو لحظة، وجوده ساعة بعد نصف الليل، أن يكون حاضرًا بمزدلفة بعد نصف الليل.
- قال الحنفية: إن المبيت بمزدلفة سنة مؤكدة، وأن الواجب الحضور بمزدلفة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولو لحظة، ولكن الأفضل عندهم والسنة أن يبقى من بعد طلوع الفجر إلى أن يُسفِر -يسفر جداً- كما فعل ﷺ ، وقد بات بمزدلفة وصلى الفجر ودعا حتى أسفر، فمشى قبل أن تطلع الشمس من مزدلفة إلِى منى -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فهذا حكم المبيت بمزدلفة.
"قال ابن عباس -رضي اللّه عنهما-: "لما أفاض رسول الله ﷺ من عرفات قال للناس عليكم السكينة، وهو كافّ ناقته" أي: ممسك بخطامها لا تتقدم ولا تمشي، يمشي بالسكينة والهينة ﷺ، وقال: "أيها الناس ليس البر بالإيضاع -يعني: بالإسراع-، فعليكم بالسكينة"، فلما سمعوا صوته يقول ذلك، ترك كل واحد منهم حبل ناقته فلم يحركه حتى لا تستعجل في المشي، إلى أن وصلوا إلى مزدلفة.
قال: "فلما دخل وادي محسّر -وهذا بعد مزدلفة ما بين مزدلفة ومنى- وهو من منى قال: عليكم بحصى الخَذف الذي يرمى به الجمرة".
وهذا من مزدلفة أخذ الحجر، حصى مثل حصى الخذف، مثل حبة الفول، الحجرة ما تكون كبيرة ولا تكون دقيقةً جداً، ولكن مثل حبة الفول، الحجر هذا أولى أن يُرمى به في الجمار.
"فلما أتى النبي ﷺ المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح -يعني: لم يصلِّ- بينهما شيئاً". بل أمر بلال فأذن فصلى المغرب، ثم أمره فأقام الإقامة الثانية فصلى العشاء ﷺ قصرًا.
- قال الأئمة الثلاثة: إن هذا سنة، أن يجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة.
- قال الحنفية: واجب، يجب عليه أن يجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة لأجل النسك.
قال: "ثم اضطجع -ﷺ- حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام -وهو جبل وسط مزدلفة- فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا-أي: برز الإسفار بوضوح بيّن-، فدفع قبل أن تطلع الشمس"، على خلاف ما كان يعتاد قريش، فإنهم ما يخرجون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ويقولون: اشْرِق ثبير، يعتي: تطلع الشمس على جبل ثبير حتى يتحركوا، فمشى قبل طلوع الشمس ﷺ من عرفة لِيُبَيِّن أنه لا أصل لما يقول هؤلاء؛ ومضى عليه الصلاة والسلام.
وهذا الجبل الصغير وسط المزدلفة يقال له المشعر الحرام، ويقال له قُزَح، ومضى منها قال: "فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن وادي محسر".
حيث أهلك الله الفيل وجماعته ومن معه، أصحاب الفيل أهلكهم أما الفيل هو نفسه سلم ورجع لأنه ما رضي أن يدخل إلى مكة، في ذاك المكان لما تهيأوا للدخول إلى مكة، سائس الفيل يحركه، ما رضي، جاءوا يخبرون أبرهة يقولون: ما رضي يتحرك؛ قال: كيف ما رضي؟ هددوه مارضي، وجهوه نحو اليمن قام يهرول مشي، ردوه نحو مكة بَرَك ولا رضي يدخل مكة، الفيل الكبير هذا حقهم كان يقال له محمود، وكان يأتي إلى البيت يضربه بخرطومه يسقطه من قوته، فما رضي.
بينما هم يعالجون الفيل أقبلت الطيور، (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) [الفيل: 3]، وإذا بها تحلق فوقهم مغطيةً الجو، ما هذا؟! ماهذا؟! مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رِجْليه، ثلاثة أحجار يحطها فوق رأس أحدهم فتخرق رأسه وبطنه وتخرج من دبره ويسقط محله، وتحط الثانية فوق الثاني والثالثة فوق الثالث، (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ) -نار محمية والعياذ بالله تعالى- (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل: 3-5]، مُرَمَّيين في المنطقة مثل الشجر الذي أكلته الدواب، وذا مفرّق حِلَقٌ هنا وحِلَقٌ هنا وقِطَعٌ هنا وقِطَعٌ هنا، وإذا بهم في الأرض مثل عصف مأكول، مثل نوع من طعام الحيوانات جاءت تأكله وإذا هو مرميٌّ مفرّق، (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) [الفيل: 5]، ورجع الفيل نحو اليمن، وواحد منهم هرب إلى ناحية مكة، والطير فوقه يمشي، حتى وصل إلى مكة يصيح قال: بينما نحن متهيئون للدخول جاءتنا طيور مثل هذا ورمت علينا الحجارة، ومات قومي كلهم، فرماه صبَّ عليه الحجارة؛ بَلَّغ الخبر، فصبَّ الحجارة فوقه فسقط قدامهم ومات في مكانه؛ لا إله إلا الله القوي الملك!.
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل: 1]، في تعبيره بقوله: "ربك"، يا محمد، إشارة إلى أن ذلك أيضًا يتصل بعناية الله به، لأن الحادثة قرب ولادته، قيل أيام ولادته، والأشهر في الأقوال أنه قبل ولادته بخمسين يوماً، ما قال ألم ترَ كيف فعل الجبار، ولا فعل الله، بل قال: "فعل ربك"، ربك الذي يربيك ويراعيك فكان من جملة الأسباب في دفعهم إكراماً لشهر مولده ﷺ وأيام مولده -عليه الصلاة والسلام-، فردهم عن مكة، وكان جده عبد المطلب يترنم بأبيات، ولما خاطب أبرهة في إبله، قال: جئت لأكسر البيت حقكم المعظم وتخاطبني في الإبل وتترك البيت؟ قال: أنا رب إبلي، وللبيت رب يحميه، ورجع يترنم بقوله:
لاهُمَّ إن العبد يمنع *** رِحْلَه فامنع رحالك
لا يغلبنّ صليبهم *** ومحالهم أبدًا محالك
إن كنت تاركهم *** وقبلتنا فَأَمْرٌ ما بدا لك
فردهم الله تعالى خائبين وحمى بيته الحرام جل جلاله وتعالى في علاه.
ففي هذا الوادي، وادي مُحَسِّر، أسرع ﷺ، "فحرك راحلته قليلاً -أي: أسرع ما أحب أن يبطئ في المنطقة هذه التي أهلك الله فيها أصحاب الفيل-، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة -كانت هناك شجرة- فرماها بسبع حصيات -هنا انتقل من التلبية إلى التكبير، فكبر وبدأ في بقية يومه يكبر، ووقف التلبية- يكبر مع كل حصاة منها وكانت قدر حصى الخذف. قال أنس: وكان رميه لها وهو واقف في بطن الوادي فلما رماها انصرف إلى النحر"، لينحر إبله، وكان قد أهدى إلى البيت مائة ناقة، فصُفَّت له، وكان بيده الكريمة يتناولها لينحرها واحدة بعد الثانية.
قال أهل السيرة: وكانت الجمال تراه فتتسابق بأعناقها إليه، حتى أكمل ثلاثاً وستين، فلما أكمل ثلاثاً وستين، دعا سيدنا علي وناوله المدية وقال: "أكمل عني ما بقي"، فأكمل بقية المائة؛ قالوا: وكان من الحِكَم أنها عدد سنين عمره، فعمره ثلاث وستون سنة، ونحر بيده ثلاثاً وستين جمل في موقف واحد وهو قائم، واصلٌ من مزدلفة، رمى وقام ينحر بيده الكريمة واحداً بعد الثاني؛ الآن كم نفر رجال ينحرون جملاً واحداً ويتعبون! الثلاث والستين نحرهم بيده الكريمة ﷺ،، ثم أمرهم من كل جمل أن يأخذوا قطعة ويطبخوها لأمهات المؤمنين ولمن معه من الحاشية، ثم إنه أيضًا في أيام منى ضحَّى غير الهدي، ضحَّى ببعض البقر، ضحَّى به وذبحه؛ قالت أمهات المؤمنين: أُدخل علينا اللحم؛ قالن: ماهذا؟ قالوا: أضحية ضحَّى بها رسول الله ﷺ، بقر غير لحم الهدي الذي أهداه من الجِمال ﷺ.
وفيه أيضًا: أن بلالاً ادَّخر بعض لحم الأضحية فكان يطعمه منه في أيام منى وفي الطريق إلى المدينة حتى وصلوا المدينة؛ وفيه بيان أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي كان قبل ذلك وقد نُسِخ، "فلم أزل أُطْعِمْهُ منه حتى بلغنا المدينة"؛ خفّف أجزاء من اللحم هذا حق الأضحية وتركها عنده من أجل أن يخرجه في وقت أكله ﷺ ليكون خِصار -إيدام- له؛ قال: "فلم أزل أُطْعِمْهُ منه، فبقي أياماً حتى وصلنا إلى المدينة المنورة -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
سمَّاها حجة الوداع، وكانوا يقولون: حجة الوداع، حجة الوداع ومَا انتبهوا، فلما توفي قالوا: هاه! وداع؟!، وداعُهُ لأمته أووه! كنا نقول حجة الوداع، حجة الوداع ما ندري أيُّ وداعٍ هذا، أيش من وداع! توديعه لأمته كما قال لهم: "لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، ولا أحج بعد حجتي هذه" -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله- وما تنبه إلى أنها أيامه الأخيرة إلا سيدنا أبو بكر، لما نزلت الآية(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3]، امتلأ بها وخاف وقال: إذا كَمُل الدين وتمت النعمة، فماذا يصنع بيننا رسول الله؟ وما الذي يبقيه بيننا؟ وما الذي يحبب إليه البقاء بيننا إذا أدى مهمته؟ فما هو إلا منتقل، فبكى مع فرح الصحابة بالآية، بكى سيدنا أبو بكر لِما عرف من معناها، فما بقي بعدها إلا ثمانين يوماً من يوم عرفة إلى يوم وفاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالمدينة المنورة.
"قال ابن عباس -رضي اللّٰه عنهما-: ورخص رسول اللٰه ﷺ ليلة المزدلفة للضعفة أن يتقدموا، وكانت سودة -رضي الله عنها- ضخمة ثبطة -سمينة البدن- فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع بليل فأذن لها، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكنت أنا ممن قدم رسول اللّٰه ﷺ" لكونه طفل عاده صغير في إحدى عشر سنة، اثنى عشر سنة، خذوه معكم، قدموهم بالليل من مزدلفة يخرجون قبل زحمة الناس في الليل إلى منى أيسر لهم وأسهل رفقًا بالضعفاء. "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وكنت أنا ممن قدم رسول اللّٰه ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله".
وأخوه الفضل كان قد بات بمزدلفة مع النبي ﷺ، وهو الذي عند مشيه ﷺ وقت الإسفار جاءته الخثعمية تسأل عن حج أبيها، فلوى وجه الفضل عنها حتى أكملت حديثها، ولاحظه عمه العباس، قال: "لويت عنق ابن عمك يا رسول الله". قال: "رأيت شاباً وشابةً فخفت عليهما الشيطان"، لا أأمن عليهما الفتنة، فلما وقفت تسأله، حسب أنها كانت تنظر إلى الفضل، فأخذ بيده ولوى رأس الفضل للجانب الثاني حتى أكملت سؤالها وراحت، ومشى ﷺ.
"قال جابر -رضي الله عنه-: ورمى رسول الله ﷺ جمرة العقبة يوم النحر ضحى -حينما وصل إلى منى-، وكان لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال"، في اليوم الأول والثاني والثالث من أيام التشريق لا يرمي إلا بعد أن تزول الشمس، إذا زالت الشمس خرج يرمي الجمار، ثم عاد فصلى بهم الظهر.
قال: "قال: ورأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
يا رب صلِّ عليه واجزه عنا خير الجزاء وأفضل الجزاء، اللهم إنا نشهدك أنه بيّن فأحسن البيان، وأوضح فأحسن التوضيح، وهدى فأحسن الهداية، ودلَّ فأحسن الدلالة؛ فنسألك بما بينك وبينه أن تجزيه عنا بأفضل ما جزيت نبيًّا عن قومه ورسولًا عن أمته، وصلِّ عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، واجمعنا به في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ ويوم الموافاة؛ بجاهه عليك لا تفرق بيننا وبينه حتى تكتب لنا بالاجتماع في الفردوس الأعلى وساحة النظر إلى وجهك الكريم، وعلى كوثره المعظم.
قال: "وكان ﷺ يرمي كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة -يقول: "الله أكبر"- ويقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً" -الله أكبر، الله أكبر-،.
"قال ابن عباس -رضي اللّٰه عنهما-: ولما قدم النبي ﷺ ضعفة أهله قال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس فرمى ناس منهم قبل الفجر وجماعة مع الفجر وأقرهم النبي ﷺ على ذلك"، حتى الذين رموا قبل الفجر، ومن هنا قال الشافعية: إنه يدخل وقت رمي جمرة العقبة من نصف الليل، فإذا انتصف الليل ليلة العيد دخل وقت الرمي ووقت النحر ووقت الحلق ووقت الطواف؛ فأقر الذين رموه قبل الفجر، والذين رموه مع الفجر، والذين رموه بعد الفجر؛ والأفضل أن يكون بعد الإشراق، هو رمى بعد الإشراق، ولكن الذين قالوا رموه قبل أقرهم ولم يأمرهم بإعادة الرمي، ولا أنكر عليهم ﷺ؛ ومن هنا أخذوا أنه من نصف الليل يدخل وقت الرمي، وهذا عند الشافعية، وهو يخفف على الناس حتى لا يزدحموا كلهم مع الفجر.
يا الله بالتوفيق؛ وقبولنا وحجاج بيته وزائئرين نبيه والعاملين بطاعته على قدم نبيه في المشارق والمغارب، يكتب لنا ولهم القبول عنده والتوفيق لمرضاته والاستقامة على منهج رسوله ﷺ، ويفرّج كروب أمته أجمعين، ويرفع البلاء عن أمته أجمعين، ويعجّل الفرج لأهل السودان وأهل غزة والضفة الغربية ولأهل لبنان ولأهل الشام كله، ولأهل اليمن كله، ولأهل الصومال ولأهل ليبيا والمسلمين في المشارق والمغارب، ويكشف كروبهم ويدفع الخطوب عنهم ويجمع شملهم ويؤلف ذات بينهم في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
11 جمادى الآخر 1447