كشف الغمة 220- كتاب الصلاة (110) باب موقف الإمام والمأموم وإحكام الصفوف - 2 -
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: (110) باب موقف الإمام والمأموم وإحكام الصفوف - 2 -
صباح السبت 30 ربيع الثاني 1446 هـ
يتضمن الدرس نقاط مهمة، منها:
- حكم الصلاة جماعة منفردا في صف
- سد الفُرجة في الجماعة
- حكم من لم يجد موضعا في الصف للصلاة
- الدخول في صفوف حلقات العلم
- الصلاة منفرد لعذر
- سنية الالتحاق بمن يصلي منفردا
- دخول الشياطين للوسوسة بين المصلين
- مقدار الفصل بين الرجلين في الصلاة
- هل تجب تسوية الصفوف؟
نص الدرس مكتوب:
"ورأى مرة رجلاً واقفاً وحده فقال: "هلا جررت إليك رجلاً فقام معك"، وكان ﷺ إذا رأى رجلاً يصلي خلف الصف يقول له إذا سَلَّم: "استقبل صلاتك فأعدها فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف، وتارة يسكت على ذلك".
قال شيخنا -رضي الله عنه-: لا سيما إن ترك الصف الأول حياء من الله كما يشهد له تقريره ﷺ، من جاء فجلس خلف الحلقة، وقال: "إن هذا استحيا من الله فاستحى الله منه"، ولم يأمره ﷺ بدخول الحلقة، قال أنس -رضي الله عنه-: "ودخل أبو بكرة -رضي الله عنه- فوجد النبي ﷺ راكعًا فركع قبل أن يصل الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعد".
وكان ابن مسعود -رضي الله عنه-: إذا عجل يدب إلى الصف راكعًا، ودخل أبو بكر وزيد بن ثابت -رضي الله عنهما- المسجد والإمام راكع فركعا دون الصف ومشيا وهما راكعان حتى لحقا بالصف، وكان ﷺ يأمر من صلى منفردًا ثم جاء شخص يصلي أن يدنو منه فيقتدي به ويقف عن يمينه، قال أنس -رضي الله عنه-: وكان رسول الله ﷺ يقبل على أصحابه بوجهه قبل أن يكبر فيمسح مناكبهم ويقول: "تراصوا واعتدلوا فإن تسوية الصفوف وسد خللها من إتمام الصلاة"، وكان ﷺ إذا رأى رجلًا بـاديـًا صدره مـن الـصـف قـال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم"، قال النعمان بن بشير: فلقد رأيت الرجل عند ذلك يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه.
وكان ﷺإذا صلى صلاة جهرية لا يكبر للإحرام حتى يقول: "استووا وأنصتوا"، وإذا صلى سرية يقول: "استووا فقط"، وكان ﷺ يقول: "تراصوا في الصفوف فإن الشيطان يدخل في الخلل فيما بينكم بمنزلة الخذف"، يعني أولاد الضأن الصغار، وكان عمر -رضي الله عنه- إذا صلى يأمر بتسوية الصفوف ويقول: تقدم يا فلان تقدم يا فلان، وكان -رضي الله عنه- يضرب بالدرة من يراه يتقدم على الناس من القصابين والزياتين ونحوهم ممن لثيابه رائحة كريهة ويؤخرهم إلى آخر صف، وكان ﷺ يقول: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقالوا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصف الأول فالأوّل، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر".
قال العلماء: وفي الحديث دليل على أنه لا يتقدم قريبًا من الأمام إلا الأعلى فالأعلى كما لا يتقدم على أعلى الملائكة أدناهم".
وكان ﷺ يقول: "إن الله وملائكته ليصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف"، وكان إذا رأى من أصحابه تأخرًا يقول لهم: "تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من وراءكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل في النار"،
آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن
الحمدُلله مكرمنا بشريعته العظيمة، وبيانها على لسان عبده محمد ﷺ وبارك وكرم عليه، الذي قضى -سبحانه وتعالى- تقديمه وتكريمه، أدام الله عليه الصلوات والتسليمات وعلى آله وأصحابه ومن ثبت على مناهجهم القديمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم مِن أهل القلوب السليمة، وعلى جميع الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،،
فيواصل الشيخ الشعراني -عليه رحمة الله- ذكر الأحاديث المتعلّقة بموقف الإمام والمأموم في الجماعة وكيف يقفون ويصطفّون؟
وذكر لنا أنّه ﷺ "رأى مرة رجلاً واقفاً وحده" أي: في الصف يصلّي، فقال: "هلا جررت إليك رجلاً فقام معك". هكذا جاء عند الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد في المسند "أنّ رجلاً صلّى خلف الصف وحده؛ فأمره النبي ﷺ أن يعيد صلاته". وقال: وكان ﷺ إذا رأى رجلاً يصلي خلف الصف يقول له إذا سَلَّم: "استقبل صلاتك فأعدها فإنه لا صلاة لفردٍ خلف الصف، وتارة يسكت على ذلك".
فجمع الأئمة بين الوارد في الأحاديث فجعلوا أن الإعادة على وجه الاستحباب، هكذا جمهورهم إلا الحنابلة.
إذًا فلا ينبغي أنْ ينفرد عن الصف أحد؛ لأن في الجماعة سر، فإن جاء يصلّي جماعة والصف ملآن قبله، فعليه أن يرتّب أنْ يكون مع أحدٍ أو يجرّ إليه أحدٍ من الصفوف، فإذًا فالأصل في صلاة الجماعة أنْ يكون المأمومون صفوفاً متراصة، ويكره أن يصلّي -واحد- منفرداً خلف الصف دون عذر، ولكن صلاته صحيحة عند الجمهور إلا عند الحنابلة، عند الحنابلة من وقف في الصف وحده أكثر من ركعة بطلت صلاته.
إذًا يقول: الحنفية والمالكية والشافعية أن ذلك مكروهٌ ولا يبطل الصلاة.
وقد جاء في البخاري: عن أبي بكر أنه انتهى إلى النبي ﷺ "فوجد النبي راكع" أي: دخل المسجد والنبي في الركوع فخاف أن تفوته الركعة فأحرم وركع ثم مشى إلى الصف، "فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال له: "زادك الله حرصًا ولا تعد" لا ترجع إلى مثل هذا؛ لا تحرم حتى تستوي في الصف وتدخل في الصف، -لا تحرم وحدك-، نعم إلا أنه لم يأمره بالإعادة وهذا دليل الجمهور في أنّ الصلاة صحيحة، وأن الإعادة على سبيل الاستحباب.
فصار عند الحنابلة من صلّى وحده خارجاً عن الصف ركعة كاملة؛ بطلت صلاته، فعليه أن يعيد الصلاة ويستأنف. واستدلوا بحديث "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف" وفي اللفظ عندكم في الكتاب "قال: لا صلاة لفرد خلف الصف".
إذًا من دخل المسجد وقد أقيمت الجماعة:
قال أهل الفقه: إن كان وجد فُرجة في صف فيدخل فيها؛ أو في صف متقدم كذلك لكونهم هم الذين قصّروا بأن تركوا فرجة في شيءٍ من الصفوف، فله أن يخترق الصفوف ليصل إلى هذه الفرجة فيسدّها، لأنهم قصروا في تراصهم في الصفوف، في الحديث "من نظر إلى فرجة في صفٍ فليسدها بنفسه، فإن لم يفعل، فمّر مارُ فليتخطّى على رقبته، فإنه لا حرمة له".
إذًا سدّ الفرجة في الصفوف مصلحة عامة للقوم كلهم بإتمام صلاتهم، فإن وجود الفرجة في الصف تقطع ثواب الجماعة عند بعض أهل العلم، فإذا سدها حصل الثواب بالاتفاق لجميع المصلين -ثواب الجماعة-. وفي الحديث أيضاً: "من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله"، وفي الحديث "أحب الخطى إلى الله خطوة يمشي بها المؤمن لسدّ فرجة في الصف الذي قبله".
- بعض المالكية يقول: إذا كان الفرجة في صفوف متقدمة بحيث أن بينه وبين الصف الذي يخرج منه أو الذي يدخل منه أكثر من صفين فلا، وإن كان صفين أو صف فيدخل ويسدّ الفرجة.
- والجمهور قالوا: يسدّ الفرجة ويمضي فإذا كانت بحذائه فينبغي أن يمشي على طول، حتى لا يمرّ بين يدي المصلين، فإذا لم يجد فرجة في أي صف ودخل والصفوف كلها مرصوصة وملآنة إلى الأخير، ومن الطرف إلى الطرف.
- قال الحنفية: ينبغي أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطفّ معه، فإن لم يجد أحد -وخاف فوات الركعة- جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علمًا وخلقًا، إذا واحد يعرف أنّه متفقّه وعنده خُلق يقرب منه ويجذبه إليه، فإذا لم يكن عنده علم بالمسألة ولا فقه و -إلا ما عنده أخلاق- سيغضب عليه -بيصلح- مشكلة. فإن لم يجد وقف خلف الصف بحذاء الإمام وعندئذٍ فهو معذور ولا كراهة، هكذا يقول الحنفيه: ينتظر من يدخل يصلّي معه فإن لم يجد أحد وخاف فوات الركعة فينظر إلى من عنده فقه وخلق فيقرب منه ويجذبه إليه، فإن لم يجد قالوا: إذًا هو معذور فيقف بحذاء الإمام وتنتفي عنه الكراهة لأن الحال حال عذر. قال: أيضًا يقول بعض الحنفية: فإذا لم يجبه أحد من الصف الذي قبله فقد تم له العذر.
- يقول المالكية: من لم يمكنه الدخول في الصف يصلّي منفرداً عن المأمومين، ولم يقولوا بإستحباب أن يجرّ إليه أحد ولا أن يجذب إليه أحد، بل قالوا: إذا جذب أحدا فلا ينبغي أن يطيعه الذي جُرّ وجذب، لأن عند المالكية أن كلاً من الجذب للطاعة له مكروه، فلم يقولوا بهذه المسألة ولكن يكون عندهم معذور فيصلّي وحده.
- ويقول الشافعية: يستحبُ أن يجرّ إليه شخصاً من الصف ليصطفّ معه، فيستحبُ للمجرور أن يساعد الجارَّ فليقيم معه صف؛ ثم الذين في الصف الذي قبله يتقاربوا من بعضهم البعض ويسدون -يلحمون- الصف، ويصلي هو والذي استجره إليه وراءهم.
ويقول الحنابلة: من لم يجد فرصة في الصفوف ولا فرجه وجاء ودخل كيف يعمل؟
- يقول: أن أمكن يقف عن يمين الإمام، لأن هذا موقف الواحد لو كان الإمام يصلي ومعه واحد؛ يصلّي يمينه إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه؟ قالوا: فله أن ينبّه رجلاً من الصف ليقف معه -ينبههم إمّا بكلام أو نحنحه أو إشارة-، ويسنّ أن يتبعه من نبّهه، بل الظاهر عندهم وجوب ذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والتنبيه كما سمعت عند الحنابلة بكلام ونحنحه وإشارة، لا بالجرِّ، فاستنكر الإمام أحمد جره؛ ورأى أن ذلك ربما يؤدي إلى شيءٍ من التخاصم والنزاع.
- وصحح جماعة من الحنابلة -كما ذكر ابن قدامه- أن الحاجة حالة داعية؛ فلا بأس أن يجر إليه أحد، وفي الحديث "لينوا في أيدي إخوانكم"، وهذا من جملة ما يحتاج إلى اللين فيه.
قالوا: فإن قربوا ونَبَّهَهُ أحد وما رضي، فكيف يعمل؟
قالوا: حينئذ يكون معذورًا ويصلي في الصف وحده.
إذًا علمت فضل الجماعة وسر الإتصال والارتباط، وكراهة الإنفراد؛ بل حتى في الجلوس في حلقات الذكر والعلم لا ينبغي أن ينفرد واحد، يجلس في وسط الحلقة وإلا آخرها وحده، يمكنه يدخل مع أهل الحلقة؛ فذلك هو الأولى، وفي الحديث أنه كان ﷺ جالسٌ إذ أقبلَ ثلاثةُ نفَرٍ ، فأمَّا أحدُهُما فوجدَ فُرجةً في الحلقةِ فدخلَ فيها ، وأمَّا الآخرُ فجلسَ وراءَ النَّاسِ ، وأدبر الثَّالث ذاهبا ، فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ألا أنَبِّئكُم بخبرِ الثَّلاثةِ ؟ أمَّا الأولُ فآوَى إلى اللهِ فآواهُ اللهُ ، وأمَّا الثَّاني فاستحيَا فاستحيَا اللهُ منه ، وأمَّا الثَّالثُ فأعرضَ فأعرضَ اللهُ عنه"، قالوا: وهذا الذي استحيا فجلس في وراء صفوف الحلقة "استحيا الله منه"، قال شُراح الحديث: ومن استحيا الله منه لم يعذبه أبدا، من استحيا الله منه لم يعذبه أبدًا، فببركة جلوسه مع النبي ﷺ نال هذه المنزلة.
وذكر في مسألة أنه يمكن أن يصلي وحده للعذرِ، و"قال شيخنا -رضي الله عنه-: لا سيما إن ترك الصف الأول حياءً من الله كما يشهد له تقريره ﷺ، من جاء فجلس خلف الحلقة، وقال: "إن هذا استحيا الله منه"،ولم يأمره بدخول الحلقة، قال أنس -رضي الله عنه-: ودخل أبو بكرة -رضي الله عنه- فوجد النبي ﷺ راكعًا فركع قبل أن يصل الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعد".
"كان ابن مسعود -رضي الله عنه- : إذا عجل يدبُّ إلى الصف راكعًا"، أي: من دون توالي الحركات، وفيه دليل إنهم كانوا يطيلون الركوع، "ودخل أبو بكر وزيد بن ثابت -رضي الله عنهما- المسجد والإمام راكع فركعا دون الصف ومشيا، وما ركعا حتى لحقا بالصف"
"وكان ﷺ يأمر من صلى منفرداً، ثم جاء شخص يريد أن يصلي أن يدنو منه، فيقتدي به ويقف عن يمينه"، ففيه التحاق بالرجل الذي يصلي منفرداً، فحينئذ ينوي بقلبه الإمامة بهذا الذي جاء خلفه ليُحصل ثواب الجماعة.
يقول: "وكان ﷺ يقبل على أصحابه بوجهه، قبل أن يكبر فيمسح مناكبهم، ويقول تراصوا واعتدلوا، فإن تسوية الصفوف وسد خللها من إتمام الصلاة" من إتمام الصلاة، تسوية الصفوف وسد خللها.
وهكذا كان سيدنا عمر بن الخطاب حتى قد يدور بين الصفوف قبل أن يحرم، ومعه الدرة إذا وجد متقدم أو متأخر علاه بالدرة. فالتراصُ في الصفوف، والاستواء فيها مهم من أعظم السنن.
وسمعنا في الحديث خطر التساهل فيه؛ أنه يؤدي إلى التخالف بين القلوب، "ولا تَختَلِفُوا ؛ فتَختلِفَ قلوبُكمْ".
"وكان ﷺ إذا رأى رجلًا بـاديـًا صدره مـن الـصـف"، يعني: متقدم على الصف، "قـال: عباد الله لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" أي: قلوبكم.
"قال النعمان بن بشير: فلقد رأيت الرجل عند ذلك يلزق كعبه بكعب صاحبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه"، أي: يحرصون أشد الحرص على تسوية الصفوف، ويأمرهم بتسوية الصفوف .
"كان ﷺإذا صلى صلاة جهرية لا يكبر للإحرام حتى يقول: "استووا وأنصتوا"، وإذا صلى سرية يقول: "استووا فقط""؛ لأن الإنصات يكون في الجهرية .
وجاء في الحديث "سوُّوا صفوفَكم فإنَّ تسويةَ الصُّفوفِ من تمامِ الصَّلاةِ"، وكان ﷺ يقول: "تراصوا في الصفوف فإن الشيطان يدخل في الخلل فيما بينكم بمنزلة الحَذَفِ" يعني: رأيت الشياطين كأنها الحذف؛ قالوا: والحذف صغار الضأن، "يعني أولاد الضأن الصغار"، فإذا فُرِج بين الصف يدخل الشياطين للوسوسة عليهم فيدخلون من هذه الفُرَج يوسوسون على المصلين، والشياطين الموكلة بالوسوسه على المصلين يقال لهم خنزب، كما أن الموكلين بالوسوسه على المتوضئين يقال لهم: الولهان، فالولهان يمسك المتوضيء ويوسوس له؛ يقول له هذا ما هو صحيح؛ هذا ما هو السلامة لنا، هذا ليس لنا؛ يخليه بعيد الحضور بالقلب مع الله تعالى، مشتغل بوسوسته حتى يسرف في الماء، ويقع في المكروهات بسبب انقياده لوسوسة الشيطان.
الشياطين الموكلين بالوسوسة يقال لهم خنزب خنزب؛ فيدخلون يقولون " اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِما لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى".
"وكان عمر -رضي الله عنه- إذا صلى يأمر بتسوية الصفوف ويقول: تقدم يا فلان تقدم يا فلان وكان -رضي الله عنه- يضرب بالدرة من يراه يتقدم على الناس من القصابين والزياتين ونحوهم ممن لثيابهم رائحة كريهة ويؤخرهم إلى آخر صف، وكان ﷺ يقول: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقالوا يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمون الصف الأول فالأوّل، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر، قال العلماء: وفي الحديث دليل على أنه لا يتقدم قريبًا من الأمام إلا الأعلى فالأعلى كما لا يتقدم على أعلى الملائكة أدناهم" يقرب من الإمام الأعلى فالأعلى؛ ينبغي أن يقدموا أولي الأحلام والنُّهَى، كما قال: "ليليني منكم أولو الأحلامِ والنُّهى".
إذًأ فهذه من المهمات والأداب في الصلاة:
- المبالغة في تعديل الصف.
- وسد خلله.
حتى عبر عنه بإلصاق المنكب بالمنكب، ويقول ﷺ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فإنِّي أرَاكُمْ مِن ورَاءِ ظَهْرِي" فليس المراد حقيقة الملاصقة؛ ولكنه المبالغة في تعديل الصفوف، لا يترك في البين فرجة تسع صغار الضأن الحَذَف.
- ثم يقول بعض الحنفية: فيما بين الرِجْلَين أن يفصل بقدر أربع أصابع.
- وهو قول عند الشافعية؛ ولكن المعتمد عند الشافعية أن يفصل بين رجليه بمقدار شِبْرٍ.
والأمر بتسوية الصفوف من أيضًا من السنن للإمام، أن لا يحرم حتى يأمرهم بتسوية الصفوف، بحيث لا يتقدم بعض المصلين على البعض الآخر، يكونوا على سَمْت واحد، "فإنَّ تسويةَ الصُّفوفِ من تمامِ الصَّلاةِ" كما جاء في رواية مسلم وغيره، في لفظٍ آخر من "مِن إقَامَةِ الصَّلَاةِ" في رواية من "تمامِ الصَّلاةِ"، ورواية "مِن إقَامَةِ الصَّلَاةِ" تسوية الصفوف.
قال بعض أهل الفقه: بوجوب التسوية للصفوف لما ورد في الأحاديث " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوه وجوهكم"، قالوا هذا وعيد شديد بالتفريط فيها حرام، وإن كان تصح الصلاة لمن لم يسوِّ الصفة لكنه مكروه وهو آثم على القول بوجوب التسوية.
رزقنا الله إقامة الصلاة على خير الوجوه وأحبها إليه، ورزقنا نور الصلاة، وسر الصلاة وبركة الصلاة وخير الصلاة، وجعلنا من خواص أهل الصدق معه في كل الشؤون، الظهور والبطون في ألطاف وعوافي.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
02 جمادى الأول 1446