كشف الغمة 348- كتاب الصيام (26) فرع في صوم يوم وفطر يوم وصيام الدهر
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: 348- كتاب الصيام (26) فرع في صوم يوم وفطر يوم وصيام الدهر
صباح الإثنين 10 صفر الخير 1447هـ
نص الدرس المكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في صوم يوم وإفطار يوم
"كان رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الصيام صيام أخي داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً"، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- يقول: قال لي رسول الله ﷺ: "ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر وتقوم الليل؟ قلت: نعم فقال: إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونقَهت له النفس لا صام من صام الأبد صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الشهر، كله قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود عليه السلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى فلا تزد على ذلك، ثم قال لي ﷺ: "إن لنفسك عليك حقًا وإن لعينك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا وإن لزورك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه".
فرع في صوم الشتاء
"كان رسول الله ﷺ يقول : "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"، وفي رواية: "الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقام وقصر نهاره فصام".
فرع في صوم الدهر
"كان رسول الله ﷺ يقول : "لا صام من صام الأبد"، وفي رواية: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه ﷺ"، وبلغ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رجل أنه يصوم الدهر فأحضره وصار يضربه بالدرة ويقول: كل يا دهر، وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- لا يصوم على عهد النبي ﷺ لأجل الغزو فلما مات رسول الله ﷺ لم يُرَ مفطراً إلا يوم الفطر ويوم النحر، وكانت عائشة -رضي الله عنها- لا تفطر في حضر ولا سفر حتى إنها أرادت مرة أن تركب بعد العصر في السفر فلم تُطِق الركوب من شدة السموم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن
الحمد لله مكرمنا بشريعته الغرَّاء وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوته خير الورى، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأهل بيته الذين حبوا به طُهرًا وصحابته الذين رُفع لهم به قدرًا، وعلى آلهم وعلى تابعيهم ومُواليهم بإحسانٍ جهرًا وسرًّا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الراقين في الفضل والشرف والكرامة أعلى الذرى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد، فيذكر الشيخ في هذه الفروع: ما يتعلق بصوم يوم وإفطار يوم، وما يتعلق بصوم الدهر، ففطر يوم وصوم يوم هو صيام النبي داود، وهو أفضل الصيام كما جاء في الحديث، وكان رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الصيام صيام أخي داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا"، قالوا:
إنما فُضِّل على صوم الدهر لأن صائم الدهر يصير عادةً له وطبعًا فلا يحس بالصوم؛ وهذا يكون أشقُّ عليه أن يفطر يومًا ويصوم يومًا، ولأنه يتعرض للضعف أكثر.
ولهذا قالوا شرطُ سُنِّيَّتِهِ وأفضليته: أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام ومن القيام بحقوق الله -تبارك وتعالى- وحقوق عباده اللازمة، وإلا فيكون تركه أفضل إذا قصَّر بسببه فيما هو أهم وهو أعظم عند الله -تبارك وتعالى-.
ويقول: "وكان عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- يقول: قال لي رسول الله ﷺ: "ألم أُخْبَر أنك تصوم ولا تفطر وتقوم الليل؟ قلت: نعم فقال: إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونقَهت له النفس لا صام من صام الأبد صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الشهر كله، -يعني: كل يوم بعشرة أيام- قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود عليه السلام كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفر إذا لاقى -أي: وقت الحرب وملاقاة الكفار- فلا تزد على ذلك، -وفي رواية قال: إني أطيق أكثر من ذلك فقال له: لا أفضل من ذلك- ثم قال لي ﷺ: إن لنفسك عليك حقًا وإن لعينك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا وإن لزورك -أي زائرك- عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه"، فتبين أنه لا ينبغي أن يلهي الصوم عن هذه الحقوق المتجددة والمتعلقة بالأهل والأولاد والزائرين وما إلى ذلك من حقوق الله وحقوق عباده، وإنما ذلك لمن أطاق واستطاع القيام بها ولم يخل بشيء منها فهو له أفضل.
كان رسول الله ﷺ يقول : "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"، وفي رواية: "الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقام وقصر نهاره فصام".
ثم ذكر: "الصوم في الشتاء"، وأنه الغنيمة الباردة، "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"، وفي رواية "الشتاء ربيع المؤمن"، ربيع المؤمن يعني: يرتع فيه في روضات الطاعات كما يرتع الناس في الربيع بين الأشجار والأزهار والثمار، قال: "الشتاء ربيع المؤمن" فيرتع ويسرح في ميادين الطاعات والعبادات في الليل وفي النهار ومن ذلك أظهر ما يكون في الليل القيام، وأظهر ما يكون في النهار الصيام، فيسهل عليه، قال: "طال ليلُه فقام"، ووجد مدةً تكفيه للنوم ووقت طويل فقام وطال قيامه في الليل، "وقَصُرَ نهارُه فصام"، فسَهُلَ عليه الصوم فصار يصوم في أيام الشتاء، فيُحسب له ثواب صيام اليوم مع قِصر النهار.
والغنيمة الباردة هي:
- التي تحصل بغير مشقة ومن دون تعب، يسمّون العرب أي شيء سهل وهيّن بارد، كل شيء له راحة يقولون له بارد، مقابل الحرارة، ولأن الحرارة غالبة في بلدان العرب فإذا وجدوا بردًا عدّوه راحة،
- وقيل: معنى الغنيمة الباردة الثابتة، بَرّد عليَّ فلان أي: ثبت، الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة.
- وقيل معنى الباردة: الطيبة، من بَرْد الهواء إذ برد الهواء إذا طاب -الغنيمة الباردة-.
يقول: "الشتاء ربيع المؤمن"، وفي هذا أيضًا يُعلم على أنه إذا كان بعض الأماكن في الأرض يأتي فيها الشتاء فيقصر النهار كثيراً، فيبقى الحكم هو نفسه لا يتغير ما دام في خلال الأربع والعشرين ساعة تطلع الشمس وتغرب، فهذا هو حكم اليوم وحكم صومه، وحكم صلاته كذلك.
حكم صلاته أن يكون الفجر قبل طلوع الشمس، وأن يكون الظهر عند الزوال، والعصر إذا صار ظل الشيء مثله، والمغرب عند غروب الشمس، وإن كان كله مقدار ست ساعات أو خمس ساعات فلا يضر. فما دام تغيب وتطلع وتغرب في خلال الأربع والعشرين ساعة، فإذا خرجت عن الأربع والعشرين ساعة، احتيج إلى التقدير بأقرب بلدة لهم يكون فيها طلوع الشمس وغروبها في كل يوم وليلة، في كل أربع وعشرين ساعة؛ فحينئذ يأخذون بتوقيت تلك البلدة الأقرب لهم من أي النواحي التي يستقر فيها طلوعٌ وغروب. فهو كذلك في الصلاة وهو كذلك في الصوم، العبرة بالمكان الذي هو فيه.
وكذلك لم نؤمر في أيام الشتاء نزيد شيء من أيام النهار، ولا في أيام الصيف نقصر شيئ من النهار، العبرة بالطلوع والغروب، فكذلك هو في عموم الأرض.
وبعد ذلك ذكر صوم الدهر وذكر ما ورد فيه:
- وكما اشترطوا في صوم يوم وفطر يوم أن لا يضعفه عن القيام بما هو أوجب من العبادات، فمن باب أولى في صوم الدهر كذلك.
- وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية إلى كراهة صوم الدهر.
- والمعتمد عند الشافعية أن من لم يضعفه فهو سنة في حقه سُنَّة، يسن له صيام الدهر ما لم يضعفه.
أورد لنا حديث: "لا صام من صام الأبد"،، وبعضهم حمل هذا الحديث على أن لا يفطر في يوم عيد الفطر أو عيد الأضحى فيأثم بسبب ذلك
"من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه ﷺ" فحمله أيضًا الذين استحبوا صوم الأبد على أنه تصير النار بالنسبة له صغيرة وضيقة لا يخشى منها لهباً ولا شدة، تصير كلها في نظره ضيقة كهذه.
قال وحديث: "لا صام من صام الأبد"، هو أيضًا متفق عليه. وقال لما سئل سيدنا عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر" أو قال: "لم يصم ولم يفطر" عند الإمام مسلم
أي لم يحصل أجر الصوم بمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك. وحينئذ كما ذكر الإمام الغزالي وغيره أنه مسنون لمن لم يضعفه.
قال أكثر الشافعية إنه إن خاف منه ضرراً أو تفويت حقٍّ كُرِه، وإلا فلا.
وسَرد جميع أيام السنة ما عدا الخمسة الأيام، وهي: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام التشريق، وبذلك لا يتحقق أنه صام الدهر كله، فقد بقي خمسة أيام من السنة ما صامها، ولم يكن صام الدهر كله لا إله إلا الله.
وهكذا كما يقول الشيخ باعشن في "بشرى الكريم": يسن صوم الدهر غير العيدين وأيام التشريق لمن لم يخف ضرراً أو فوات حق، ولو مندوباً راجحاً على الصوم، أو متعلقاً بحق الغير كالزوجة. فإن خاف ما ذُكر حَرُم من خاف فوات واجب، وإلا كُرِه إن كان راجحاً على الصوم؛ كأن خاف فَوْتَ صلاة الضحى، فلا كراهة بل يسن مع ندبه، فصوم يوم وفطر يوم متفقين أنه أفضل، حتى الذين قالوا: يسن صيام الدهر أيضاً عندهم أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر لما نص عليه ﷺ في الحديث. والله أعلم
يقول في صوم الدهر: "وبلغ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن رجل أنه يصوم الدهر فأحضره وصار يضربه بالدرة ويقول: كل يا دهر"، يعني: يا صائم الدهر.
قال: "وكان أبو طلحة -رضي الله عنه- لا يصوم على عهد النبي ﷺ -أي: لا يكثر صيام النافلة- لأجل الغزو، -كثير الخروج في الغزوات والسرايا- فلما مات رسول الله ﷺ لم يُرَ مفطراً إلا يوم الفطر ويوم النحر". وعدد من الصحابة سردوا الصيام بعد وفاة الرسول ﷺ، منهم السيدة عائشة. "وكانت عائشة -رضي الله عنها- لا تفطر في حضر ولا سفر حتى إنها أرادت مرة أن تركب بعد العصر في السفر فلم تُطِق الركوب من شدة السموم"، يعني: في أيام شدة الحر، وفي رواية: من شدة الصوم، وفي رواية من شدة السموم: أي: الريح الحارة.
رزقنا الله الاستقامة واتحفنا بالكرامة. وقال: ﷺ فيما يناسب عموم السائرين إلى الله من المؤمنين هو صيامٌ حسن "صيام ثلاثة أيام من كل شهر"، وهذا صوم الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
اللهم ارزقنا الاستقامة وأتحفنا بالكرامة، وارزقنا عبادتك على ما هو أحب إليك وأرضى لك، وارزقنا حسن النظر فيما يرضيك عنا، وتولَّنا بما أنت أهله في الحس والمعنى، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وأصلح شؤون الأمة أجمعين، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.
بسر الفاتحة
إلى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه
وعلى آله وأصحابه
الفاتحة
12 صفَر 1447