كشف الغمة -15- مواصلة شرح أحاديث فصل في حقيقة الإيمان والإسلام

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: مواصلة شرح أحاديث فصل في حقيقة الإيمان والإسلام

الأحد 15 ذو القعدة 1444هـ

يتضمن الدرس نقاط مهمة، منها:

- الفرق بين الإيمان والإسلام

- ما هي أركان الاسلام؟

- الغسل من الجنابة، وقصة عن الاستهانة به

- معنى: بُنِي الإسلام على خمس

- هل يُعذّب من قال لا إله إلا الله؟

- ما هي أركان الإيمان؟

- معنى الإيمان بالله

- أصناف الملائكة وأسمائهم

- الإيمان بالقدر خيره وشره

- معنى الإحسان

- مرتبة المعرفة بالله

نص الدرس مكتوب:

"فصل في حقيقة الإيمان والإسلام"

"كان رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً"، زاد في رواية: "والغسل من الجنابة". 

وكان ﷺ يقول: "مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله، أنا لا أعذِّبُ من قالها" ، وكان رسول الله ﷺ إذا سُئل عن الإيمان يقول: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وكان ﷺ يقول: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"."

اللهم صلِّ أفضل صلواتك على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون. (3 مرات)

الحمد لله مُكرمنا بالشريعة والدّين وبيانها على لسان عبده الأمين خاتم النبيّين سيدنا محمد صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وأصحابهم وتابعيهم، والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم، إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الرّاحمين. 

وبعدُ، فيذكر الإمام الشعراني -عليه رحمة الله- في هذا الفصل: بعض ما ورد في الأحاديث عن حقيقة الإيمان والإسلام، وهما يتفقان في أصل المعنى من حيث الباطن: فلا حقيقة إسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام. ومن جهة الظاهر: فإنه يُصرف معنى الإسلام إلى الاستسلام بالجوارح، أي: إن كان في أصله أعمّ الإسلام من أن يكون في الجوارح أو في القلب، ولكن يُحكمُ بالإسلام على من استسلم بجوارحه ونطق بلسانه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وبعد ذلك يأتي التصديق القلبي ورسوخه في القلب يُقال له الإيمان، وهو ما أشارت إليه الآيات بقوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ…) [ الحجرات: 14]. فإذا أُريد به معنى الاستسلام الظاهر الذي يحرص صاحبه دمه ونفسه وماله في الدنيا، فهو: النطق بالشهادتين والإتيان بهذه الأشياء المذكورة، وإن أُريد حقيقته بمعناه العام فالإسلام والإيمان شيءٌ واحد. 

يقول: "كان رسول الله ﷺ يقول: بني الإسلام على خمس.." أي: قامت حقيقته على هذه الأسس أولها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، "..على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله.." أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، "..وأن محمدًا عبده ورسوله.." ﷺ. وهذه حقيقتها يندرج فيها: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والقدر خيره وشره؛ لأن التصديق برسول الله تصديق بكل ما جاء به عن الله تبارك وتعالى

"..وإقام الصلاة.." أي: أداءها على الوجه المطلوب ملازمة ذلك في أوقاتها بشروطها وأركانها . والإقامة لشيء ما تكون إلا بأدائه على التمام.

"..وإيتاء الزكاة.." إعطاؤها لمستحقيها من زكاة بدنٍ مفروضة بالفطر من رمضان أي: زكاة الفطر على الإنسان ومن تلزمه نفقتهم، أو زكاة مالٍ وهي: التي فرضها الله تعالى في الذهب وفي الفضّة وفي الرِّكاز وفي المعدنِ؛ وفي الحبوب المقتاتة باتفاق وغيرها باختلاف؛ وفي ثمار: التمر والزبيب باتفاق والعنب باتفاق واختلافهم في غيرها، وكذلك في مال التجارة، فهذه الزكاة معنى إيتاؤها:إعطاؤها لمستحقيها. 

"..وصوم رمضان.." تقبل الله منا رمضان الذي مضى وبلَّغنا رمضان المقبل. "..وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا" الكعبة المشرفة، البيت المضاف للتشريف إلى الرَّب اللطيف جلّ جلاله ويقال له: بيت الله سبحانه وتعالى؛ أي: المضاف إليه تشريفًا وتكريمًا أي: محل عنايته ورعايته سبحانه وتعالى، تُصب فيه أشواق المؤمنين والمحسنين والموقنين  في عالم الدنيا وقال الحق عنه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96] . من استطاع إليه سبيلًا أي: تمكن من ذلك بصحته ووجود النفقة والراحلة التي تنقله إذا كان خارج مكة وبعيدًا عنها. 

"وذكر في رواية: الغسل من الجنابة"، وهذا جاء في بعض الروايات فالأُسس الخمس هذه التي هي أركان الإسلام متفقٌ عليها وهي التي يقوم عليها الشأن، ثم ذكر في بعض الروايات أعمالًا معينةً متفرّعة عن هذه، ولكن اهتم بها وذكرها بخصوصها، فمن ذلك هذه الرواية. فالرواية الأولى جاءت في الصحيحين وفيها لفظ الإمام مسلم، وفي الرواية الثانية جاءت عند أبي عوانة، وجاءت في صحيح ابن حبّان كذلك، وصحيح ابن خزيمة، وفي السنن الكبرى للنسائي أنه: أجاب ﷺ  سؤال جبريل حينما سأله: "ما الإسلام؟ قال: تشهد الله لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتُتمّ الوضوء وتصوم رمضان". 

فهذه الرواية ذكر فيها الغُسل من الجنابة؛ وذلك لأهميته برفعه للحدث الأكبر، وأن المتساهلين بذلك متعرّضون لعذاب الله -والعياذ بالله تبارك وتعالى- الشديد. حتى يذكر في غرائب الأحوال والوقائع التي يُحدثها الله تعالى كما يشاء؛ أن رجلًا كان بمكة يتكاسل عن الغسل من الجنابة ويقول حين يجب عليه الغسل مُثنيًا على حال النصارى والذين ما يغتسلون من الجنابة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، أنه بعد أن مات وقُبر بمكة وُجدت جثته في بلاد النصارى في مقبرة النصارى -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ولمّا ظهر الخبر لِمن نبش ذلك القبر في بلاد النصارى ووجد هذا الكفن وإذا بهيئة مسلم وليست التي قُبِرَت فيه، وكانت امرأة قبرت هناك منهم لكنها أسلمت وأخفت إسلامها وقبروها في مقبرتهم، وكانت أوصت من عرف إسلامها أن ينبش قبرها ويأخذ ما يُدفن عندها من حليٍّ؛ لعادة أهل تلك البلدة في دفن حلي المرأة في قبرها إذا ماتت، ونذرت به له، فلما جاء وعيَّن القبر فنبش فوجد أثر مسلم وليست المرأة التي قُبرت، وكان منه أن أغوته نفسه فنزع قطعة من قطع الكفن، وكان مميزًا خالصًا فلما وصل مكة المكرمة عرف هذه القطعة أولاد الميت وأيقنوا أنه نبّاش قبور؛ لأن هذه القطعة استوردوها هم إلى مكة ولا توجد لها نظير-النوع الذي كفنوا به أباهم- فما كان إلا أن أمسكوا به وقالوا له: نبّاش قبور؟ قال له :لا، فذهبوا به إلى القاضي، فقالوا إن هذه القطعة نوع من القماش استوردناه إلى مكة ما نعلم له نظير ولا يوجد عند أحد، ونحن كفّنّا أبانا فيه وهذا معه يدل على أنه نباش قبور. فسأله القاضي: فقال أخبرك بالحقيقة أنا جئت بهذا من أرض كذا، وقصتي مع امرأة أسلمت وكان شأنها كذا، والآن  تريدوا أن تروا صدق مقالتي: اخرجوا بنا إلى قبر أبيهم وانبشوه، فإن وجدتم أباهم وناقص شيء من كفنه فافعلوا بي ما شئتم وما أستحق، وإن لم تجدوا أباهم صدقتموني فيهم، فأمر القاضي وأحضر بعض الأعيان من مكة يخرج معه، ولكن اشترط لهم قال: بشرط إن وجدتم المرأة التي اتفقتُ معها وعندها حليّها فهو لي. فلما نبشوا القبر وجدوا المرأة وحليّها ولا أثر لأبيهم، فخَزوا على أنفسهم، ثم لما سأل بعض أهل العلم أمرأته: ما شأنه؟  قالت: ما أُنكر عليه شيء في أمر دينه إلا إنه كلما وجبَت عليه الجنابة قال: يا بخت النصارى ما يغتسلون من الجنابة والعياذ بالله تبارك وتعالى! فكان ذلك، حتى كان يُضرب به المثل بين المسلمين ويقال: هذا شرٌّ ممّن لا يغتسل من الجنابة، هذا شرٌّ يعني: أنه الغاية في الشر. وكذلك ما جاءتنا في الرّواية في إتمام الوضوء، وهو من جملة إقام الصلاة؛ ولكنه نص عليه لمكانته ولعظم ثوابه عند الله - تبارك وتعالى-.

  فيقول: "بُنِيَ الإسلام.." يعني: أسس على هذه الأسس الخمس المذكورة فكانت قواعد للإسلام الشهادة لله بالتوحيد ولنبينا محمد بالرسالة ﷺ. قال وأصل إقام الصلاة: إقامة تحذف فيه التاء للإزدواج فيُقال: إقام الصلاة بدل إقامة الصلاة، يعني: المداومة عليها والملازمة لها بأداءها بتمامها أي: بشروطها وأركانها واجتناب مبطلاتها، وكذلك ما يتعلق الزكاة، وحج الكعبة المشرفة أي: قصدها عبادةً لله - جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وصوم رمضان

ثم ذكر لنا حديث: "مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله، أنا لا أعذِّبُ من قالها"، فأمّا العذاب المؤبد فواضح، وأما غير ذلك فمن كانت آخر كلامه من الدنيا أيضًا فواضحٌ في أن الله يُكفِّر عنه سيئاته ولا يعرّضه للعذاب؛ لقوله ﷺ: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة". أي: مع السابقين بلا عذاب. وما عدا ذلك: فإن أهل لا إله إلا الله يُعَرّض من يُعَرّض منهم للعذاب على قدر ذنوبه التي لم يعفُ الله عنها، ولم تحصل له شفاعة فيها، ثم يُخرَج إلى الجنة بشهادة قوله ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وجاءت في رواية الديلمي في مسند الفردوس: "مكتوب على باب الجنة لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها". وهي مفتاح الجنة كما جاءنا في الأخبار؛ "مفتاح الجنة لا إله إلا الله" محمد رسول الله ﷺ، اللهم اجعلنا من خواص أهلها وحقِّقنا بحقائقها، وقولها بالصدق والإخلاص يثبّت معناها في القلب حتى يتحقق بها القائل فينبغي الإكثار من لا إله إلا الله، وأن يعتادها قلب المؤمن ولسانه رجاء أن يُختم له بها

ذكر لنا أن "رسول الله ﷺ إذا سئل عن الإيمان يقول: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وهذا لفظ الصحيحين أيضًا في سؤال جبريل، وجاء عن سيدنا علي عند الترمذي وابن ماجة يقول: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمنَ بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمنَ بالقدر".. ويؤمنَ بالقدر، و "بالقدرِ خيره وشره" أي: أن جميع ما يجري سواءً من المكلفين وما يجري لغيرهم وفي غيرهم من أصناف الكائنات مقدّرٌ من قِبل الخالق البارئ المُنشىء الفاطرالمُصوِّر -جلَّ جلاله وتعالى في علاه - ليس فيه شيءٌ مُستقلٌ بنفسه ولا حادثٌ أُنُفًا وإنما هو إرادة أزليةٌ سابقة وتقديرٌ سَبَق؛ فلا يجري في الكائنات إلا ما أراده المُكوّن سبحانه وتعالى، جعل الله مراده فينا خيرًا. إنه أكرم الأكرمين وأرحم الرحمن وستأتي الأحاديث المتعلقة بالقدر. 

فالإيمان بالله: التصديق بوجوده وأنه المُنزّه عن كل نقص، الموصوف بكل كمال، وأنه خالق كل شيء وبيده ملكوت كل شيء، والإيمان بصفاته كما جاءت في الكتاب العزيز والسُّنة الغراء، وبأسمائه كما وردت، وبعمومها ما علمنا منها وما لم نعلم، فإن رسول الله يقول عن الأسماء يقول للربّ في دعائه: "أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به بنفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك.."، ففيه أن: لله أسماء في علم الغيب ما يعلمها من خلقه أحد، وفيها ما عُلِّمه بعضٌ دون بعض "أو علمته أحدًا من خلقك". فآمنا بأسماء الله وصفاته وعظمته وجلاله وكل ما جاء عنه وعن رسوله على مراد الله ومراد رسوله.

وكذلك الإيمان بالملائكة أنّهم حق، أجسام نورانية لطيفة خلقهم الله من نور لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتناكحون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كما وصفهم سبحانه وتعالى في كتابه: (..بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28]. وقال تعالى: (..عَلَيْهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6] . فآمنّا بملائكة الله، وهم أكثر خلق الله عددا، وزّعهم الله تبارك وتعالى في سماواته وأرضه وما بينهما، وجعل حملةً للعرش وجعل حول العرش ملائكة، وجعل ملائكةً بين العرش وبين سدرة المنتهى، وجعل للسدرة ملائكة، وجعل للبيت المعمور ملائكة يدخلون فيه كل يوم سبعون ألف منهم يصلون فيه لله ثم يخرجون فلا يعودون إلى يوم القيامة، ويدخل في اليوم الثاني غيرهم سبعون ألفًا وهكذا، وجعل ملائكةً في السماوات السبع، وجعل خزنةً لهذه السماوات من الملائكة، وجعل فيها المسبّحين والساجدين والراكعين والقائمين، وجعل ملائكة موكّلين بالسحَاب وبالأمطَار والأرزاق تحت إمرة سيدنا ميكائيل، وجعل أكثر أمر الوحي للأنبياء والتنزيل على يد الأمين جبريل، وجعل أمر النفخ في الصور عندما يريد أن تقوم القيامة موكولًا إلى إسرافيل، وجعل قبضَ أرواح ذوات الروح من الإنس والجن والحيوانات موكولًا إلى سيدنا عزرائيل ومن معه من ألوف وملايين الملائكة موكّلين بقبض الأرواح في الساعات والأوقات والأماكن والأحوال التي عُيّنت وبُيّنت وحُدّدت. (..فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34]، وجَُعَلَ سؤال الموتى في قبورهم موكول إلى سيدنا منكر ونكير ومعهما من الملائكة، وجعل سبحانه وتعالى أمر الجنة في خوانتها موكولٌ إلى سيدنا رضوان ومن معه، وأمر النار موكولٌ إلى سيدنا مالك ومن معه، وجعل ملائكةً بين السماء والأرض، وجعل ملائكةً سيّاحين يلتمسون حِلق الذكر، وجعل ملائكةً يكتبون أعمال المكلفين بإمرة رقيبٍ وعتيد، وجعل سبحانه وتعالى ملائكةً موكّلين بالزرع وما يأمر الحق فيه، وجعل سبحانه وتعالى ملائكةً يتعاقبون في بني آدم على ظهر الأرض بالليل والنهار لكل واحدٍ منهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وهكذا عدّد أصناف الملائكة في السماء والأرض والبرزخ، فهم أكثر خلق الله عددا.. وجعل ملائكة في السماوات يتنزّلون ليلة القدر، قال تعالى: (نَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر) [القدر:4]  فيكونون على ظهر الأرض أكثر من عدد الشجر والحجر ليلة القدر. فإذًا أكثر خلق الله عددًا هم الملائكة، وهم بهذه الأوصاف التي بيّنها لنا ﷺ فهذا معنى الإيمان بالملائكة.

والإيمان بالكتب: التصديق بأنها منزلة من عند الله وأن جميع ما فيها حق وصدق. يجب الإيمان بها عمومًا، وتفصيلاً في أربعة مذكورة في كتاب الله: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان القرآن الكريم، فهذه الأربعة يجب الإيمان بها بأسمائها، وأمّا بقية الكتب فنؤمن بها على وجه الإجمال.  فأيقنّا أن الكتب والصحائف المنزلة على الأنبياء كلها حقٌّ وصدق لأنها من عند الله تبارك وتعالى وهذا الإيمان بالكتب، وجعل الله أعظمها وأدومها وأبقاها: القرآن الكريم، وفّر الله حظّنا من القرآن وسوره وآياته وكلماته وحروفه، وجعلنا من خواصّ أهل الإيمان به والاطلاع على سِرّه.

والإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أي: التصديق والإيقان بأنهم أهل حقٍّ وصدقٍ مرسلون من عند الله من آدم إلى سيدنا محمد الخاتم ﷺ، والإيمان بِهم واجب على وجه العموم والإجمال، وأمّا على وجه التفصيل ففي ذكر خمسة وعشرين منهم ذكروا في الكتاب العزيز يجب معرفتهم أن هذه أسماء أنبياء مرسلين من قِبل الله تبارك وتعالى. النبي آدم عليه السلام، والنبي إدريس عليه السلام، والنبي نوح عليه السلام، والنبي إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق، ويعقوب بن إسحاق ويوسف بن يعقوب، والنبي شعيب والنبي لوط والنبي هود والنبي صالح… وإلى عيسى قبل نبينا محمد ﷺ والنبي محمد خاتمهم، من داود وسليمان بن داود، ومن زكريا ومن يحيى، وهؤلاء الأنبياء المذكورة أسماؤهم في القرآن يجب الإيمان بهم تفصيلًا، وثمانية عشر مذكورون في صفحة في القرآن في قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)، ويقول جلّ جلاله: (وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ * وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ..) [الأنعام:83-86] فهؤلاء ثمانية عشر مذكورون في صفحةٍ واحدة في كتاب الله تبارك وتعالى، وبقيَ السبعة في كمال الخمسة والعشرين صلوات الله وسلامه عليهم، آمنّا بهم أجمعين، وأنّهم أهل حقّ وصدق وصَدَقوا في كل ما جاءوا به عن الله. 

والإيمان باليوم الآخر سُمّي اليوم الآخر لأنه لا ليلة بعده، نظام الليل والنار المرتّب في عالم الأرض ينتهي، وتُخسف الشمس والقمر، ويُوضعان في النار لأجل من عَبَدهما يمشيان بهم إلى النار، ولا معبود بحق إلا الله الواحد القهار سبحانه وتعالى.  والإيمان بالقدر خيره وشره كما يأتي معنا ذكره. 

وذكر لنا بين ذلك حديث الإحسان: "أن تعبد الله كأنّك تراه.." وهذا مقتضى قوة الإيمان؛ فمن قَويَ إيمانه ارتقى إلى رتبة الإحسان؛ فصار كأنّه يشاهد الرحمن، وهو يصلي له كأنه يراه، وهو يزكّي كأنه يراه، وهو يصوم كأنه يراه، وهو يحجّ ويعتمر كأنه يراه، وهو يقرأ القرآن كأنه يراه، وهو يسبّح ويحمد ويكبّر ويهلّل كأنه يراه، وهو يحوقل ويحسبل كأنه يراه، وهو يصل الرحِم كأنه يراه تعالى، وهو يقول الصدق كأنه يراه تبارك وتعالى، وهكذا في شؤونه حتى يستحكم فيه الإحسان فيرقى مراقي الشهود فيحصل له الفناء في الرحمن والبقاء به، وتحصل له المعرفة الخاصّة والمحبة الخالصة؛ لا يُرتقى إليها إلا بالتحقّق بالإحسان؛ ولا يُتحقّق بالإحسان إلا بالترقي إليه بسُلّم الإسلام والإيمان، فمن قام بحقّ الإسلام والإيمان وعَلِمَ ما تعلق بهما من البيان ارتقى إلى رتبة الإحسان، ومن تمكّن في رتبة الإحسان زُجّ به إلى ميادين المعرفة الخاصّة بالرحمة

وهناك ما لا يُوصف ولا يُكيّف ولا منتهى له؛ وهو أعلى ما يُؤتى أحد من أهل الأرض والسماء: معرفة الله، فلا شيء أجلّ ولا أجمل ولا أفضل ولا أعظم، يُؤتاه أحد من أهل السماء ومن أهل الأرض، لا شيء أعظم من معرفة الله سبحانه وتعالى، المعرفة الخاصة. أما المعرفة الأولى فشرطٌ في صحة الإيمان لجميع المؤمنين وهي: أن يعلم أن الله موجود وأنه خالق كل شيء وبيده ملكوت كل شيء وأنه متصف بما وصف به نفسه من صفات الكمال ومنزّه عن كل نقص، هذا معرفة عامة واجبة على كل مكلف، وليست هي المراد بالمعرفة، إذا أُطلِقت المعرفة فإنّه يراد بها: انكشاف حقائق في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، يشاهدها القلب، يكون صاحبها عابدًا للربّ كأنه يراه، ينتقل بذلك إلى أودية المعرفة الخاصة، حقِّقنا يا رب بحقائق الإيمان.. ويأتي معنا ما بقيَ من الأحاديث في هذا الباب. 

رَزَقنا الله حُسن الإنابة مع من أناب، والاقتداء بسيد الأحباب، وكشف عنّا الضر والبلايا والأوصاب، وألهَمنا الرشد في الحركات والسكنات، ورَزَقنا عبادته كأننا نراه في جميع الشؤون في الظهور وفي البطون، حتى يستحكم شهودنا له في قلوبنا، ويزجّ بنا إلى معرفته الخاصّة ومحبته الخالصة، ويزيدنا من ذلك أبدًا سرمدا، كما هو لائق بجوده وكرمه وواسع امتنانه وعظيم إحسانه بسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

تاريخ النشر الهجري

16 ذو القِعدة 1444

تاريخ النشر الميلادي

04 يونيو 2023

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام