كشف الغمة -139- كتاب الصلاة شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 3 )

شرح كتاب كشف الغمة عن جميع الأمة
للاستماع إلى الدرس

رح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كتاب الصلاة (31) شروط صحة الصلاة - الطهارة عن الحدث والنجاسة ( 3 )

صباح الأحد 1 شعيان 1445هـ 

نص الدرس مكتوب:

"فرع: وكان ﷺ هو وأصحابه يحملون الأطفال الذين لم يميزوا في الصلاة سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، قال أنس -رضي الله عنه-: "وصلى رسول الله ﷺ وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة أبي العاص -رضي الله عنهما- فكان إذا ركع وضعها وإذا قام حملها حتى فرغ من صلاته". 

قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وكنا كثيراً ما نصلي مع رسول الله ﷺ فيأتي الحسن أو الحسين أو كلاهما فيثبان على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذاً رفيقاً ويضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى يقضي صلاته". وكان الحسن -رضي الله عنه- كثيراً ما يطلع فوق ظهره وهو ساجد فيطيل له السجود لأجله ويقول ﷺ: "كرهت أن أعجل حتى يقضي حاجته ويشبع من اللعب". 

وكان السلف -رضي الله عنهم- لا يرون بطلان الصلاة بطرح قذر على ظهر المصلي أو جيفة لقصة أبي جهل ووضعه سلى الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي، فمضى في صلاته حتى جاءت فاطمة -رضي الله عنها- فرفعته عنه، وكان ﷺ يرخص للنساء في الصلاة وفي أيديهن الوشم. وقال قيس بن أبي حازم دخلت مع أبي على أبي بكر -رضي الله عنه- وكان رجلاً خفيف اللحم، فرأيت يدي أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- موشومة تذب عن أبي بكر الذباب وكانوا قد وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر، وكان عمر -رضي الله عنه- يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر دمها على يده وكذلك معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يدفن القملة في حصباء المسجد كالنخامة ويقول: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا*أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)[سورة المرسلات :25-26]"

آللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ،  كُلََّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ اٌلذّاكِرُون، وَغَفِلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن 

 

الحمد لله مكرمنا بالشريعة الغراء، وبيانها على لسان عبده وحبيبه خير الورى، سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار في دربه سرًّا وجهرا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 ويذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- بعض ما يتعلق بشؤون الصلاة في هذا الفرع ويقول: "كان هو ﷺ وأصحابه يحملون الأطفال الذين لم يميّزوا في الصلاة، سواءًا كانوا ذكورًا أو إناثًا". وصلى رسول الله ﷺ وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة أبي العاص -رضي الله عنهما- فكان إذا ركع وضعها وإذا قام حملها حتى فرغ من صلاته"، وذلك أنّه كان خارجًا من البيت إلى الصلاة وهي عندهم في البيت فتعلّقت به ﷺ، فحملها معه، فخرج بها إلى المسجد من لطفه وحسن معاملته وعنايته بالأطفال ﷺ ورحمته.

 وبهذا تكلّم العلماء عن إدخال الصّبي إلى المسجد إذا أُمِنَ تنجيس المسجد:

  • وقال الشافعية كما ذكر النّووي: يجوز دخول الصّبي إلى المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عنه عمّن لا يُؤمن منه تنجيسه، قال: ولا يحرم ذلك لما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
  • وقال المالكية: إن كان لا يكفّ عن العبث إذا نُهِي عنه يحرم لا يجوز إدخاله المسجد وإلّا فيُكره، وقصد النبي ﷺ أنه إذا كان يحصل بسببه تشويش على المصلين؛ أو تحصل تقذير للمسجد فإدخاله حينئذ يكون حرام؛ فإذا لم يحصل شيء من ذلك فهو محل النظر. 
  • ويقول أيضًا الحنفية: إذا حُمِلَ صبي صغير في الصلاة وعليه نجاسة بطلت صلاته؛ إلا إن كان الصبي يستمسك بنفسه فلا يعد حامل للنجاسة. 
  • كذلك يقول الشافعية: إذا كان في الصبي نجاسة؛ وأمّا الذي لا تظهر عليه النجاسة فلا يضر حمله؛ كما جاء في الصحيحين من حمل أمامة، ومن التصاق الحسن والحسين به ﷺ وصعودهما على ظهره وهو في الصلاة، إلى غير ذلك مما جاء.

 كما ذكر أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وكنا كثيراً ما نصلي مع رسول الله ﷺ فيأتي الحسن أو الحسين أو كلاهما فيثبان -من الوثوب- على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذاً رفيقاً ويضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى يقضي صلاته" ﷺ، ومثله ﷺ في حضوره مع الله لا يشغله عن ذلك شيء، واشتغاله بإخراج الصبي ووضعه بالرفق، وإلى غير ذلك ما ينقص شيء من حضوره مع الحق وخشوعه ﷺ؛ وهكذا خواص أهل القلوب القوية وغيرهم يتأثر من ذلك؛ فيضعُف حضوره ويضعُف خشوعه في صلاته. 

"وكان الحسن -رضي الله عنه- كثيراً ما يطلع فوق ظهره وهو ساجد فيطيل له السجود لأجله ويقول ﷺ: "كرهت أن أعجل حتى يقضي حاجته …"، "ارتحلني ابني فكرهت أن أُعجله" -يقول لهم- لمّا طول مرة السجود حتى عجب بعض الصحابة وخافوا أن الرسول ﷺ قُبض، ولما سلّم قال: "لعلّكم عجبتم من إطالتي السجود، ولكنَّ ابْني ارْتَحَلَني، فكرِهْتُ أنْ أُعْجِلَهُ حتَّى يَقضيَ حاجتَهُ"، ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [سورة القلم:4].

قال: "وكان السلف -رضي الله عنهم- لا يرون بطلان الصلاة بطرح قذر على ظهر المصلي أو جيفة لقصة أبي جهل ووضعه كرشة الشاة -سلى الجزور- على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي.."، فالمشهور أنه كان سلى جزور لناقةٍ وَلَدت، فوُضعت على ظهره؛ وضعها عقبة بن أبي معيط، وأخذوا يضحكون في جانب المسجد، ورآه أبو مسعود وما استطاع أن يقرب منه وخاف منهم، فذهب إلى فاطمة -وهي صغيرة السن جارية- جاء إليها وأخبرها أن أباها ساجد عند الكعبة ووُضع عليه؛ فجاءت وأخرجت منه القذر، وهو ﷺ ثابت في سجوده، ثم أقبلت عليهم تقول: تفعلون هذا برجل يصلي لله تعالى عند بيته الحرام؟! وأخذت تعنّفهم -تسبّهم- سكتوا منها فإنهم أولًا يعرفون غلطهم واجتراءهم، وفي عرفهم أيضًا ما يُكلّم الصبيان ولا البنات خاصة النساء، فتكلّمت عليهم، ورفع ﷺ رأسه بعد أن أزالت عنه الأذى، ثم رفع يديه فانقلب ضحكهم إلى حزن، لمّا رأوه يدعوا خافوا، وانتهى الضحك حقهم وامتنعوا عن الضحك، فكان هؤلاء القوم كلهم أُعدّوا لأن يكونوا من القتلة الكافرين في يوم بدر، فقُتّلوا كلهم في يوم بدر -والعياذ بالله- إلى نار الله الموقدة، أجارنا الله من البلاء والشقاء في الدنيا والآخرة. ففي هذا شيء من الاستدلال عند بعض الفقهاء، ولكن يقول الشافعية: إذا أُلقيت النجاسة على بدن المصلّي فإن ألقاها حالًا من غير حمل صحّت صلاته واستمر فيها، وإن أبطأ أو حملها بطلت صلاته

ويقول: "وكان ﷺ يُرخّص للنساء في الصلاة وفي أيديهن الوشم"، يعني: ما يلزمهن أخراجه لأنه عُمِلَ قبل الإسلام بهن، ولم يعملنه بعد التكليف وبعد مجيء الشريعة؛ فما ألزمهن أن ينزعن ذلك. وقال قيس بن أبي حازم دخلت مع أبي على أبي بكر -رضي الله عنه-.." أيام خلافته  "وكان رجلاً خفيف اللحم، فرأيت يدي أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- موشومة.." أي: عليها أثر وشم، وكانوا قد وشموها في الجاهلية كما قال، "تذب عن أبي بكر الذباب وكانوا قد وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر،"فوشمها قديم كان من أيام الجاهلية، وهو كذلك الذين عند النساء في ذاك الوقت، أما بعد التحريم، ثم كان هذا الوشم مع أنها كانت تزوجت سيدنا جعفر بن أبي طالب، وهاجرت معه للحبشة  ثم عادت، ثم تزوجت أبو بكر الصديق، بعد وفاته تزوجت بسيدنا علي بن أبي طالب، وكانت ذات منزلة عند السيدة فاطمة وعند رسول الله ﷺ أسماء بنت عميس -عليها رضوان الله تبارك وتعالى-، وهي من أهل السفينة وأهل الهجرة إلى الحبشة، والذي قال لهم: "ولكم هجرتان" يقول ﷺ.

 فهذا الوشم الذي يُجعل على الجسد بغرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم، ثم يُذُرْ عليه النيل أو كحل من أجل أن يزرق أو يخضر، وفي الإسلام  حرِّم ذلك، "لعن الله الواشمة والمستوشمة" جاء لعنها في الحديث: الواشمة والمستوشمة.

فالمستوشمة: التي يُفعل ذلك بطلبها، والواشمة: التي تفعل ذلك، فقالوا: أن الوشم لاختلاطه بالدم نجس.

  • ولكن يقول الحنفية: أن حكمه حكم الاختضاب بالصبغ بالمتنجس، فيطهُر بالغسل ولا يضر بقاء أثره، فعندهم كذلك. قالوا إذا غُسّل طهر ولا يلزم سلخه، قالوا: لأنه يشقُّ، يشقُّ زواله فتصح صلاته وإمامته.
  • وكذلك المالكي يقول: الوشم إذا وقع على الوجه الممنوع في الشرع بأن لم يتعيّن دواء، واستثنوا كذلك تزيّن الزوجة لزوجها، فإذا لم يكن لأجل تزيينها للزوج ولا لأجل دواء، لا بد من إزالته، وإلا لم يُكلّف صاحبه بإزالته، بل يكون من النجس المعفو عنه وتصح الصلاة فيه
  • كما يقول الشافعية: إذا لم يخف ضرر يبيح التيمم يجب إزالته، يجب إزالة الوشم؛ إذا لم يخف ضرر يبيح التيمم، فإن خاف من ذلك لم تجب إزالته ولا إثم عليه بعد التوبة هذا في حالة إذا فعله برضاه بعد بلوغه، وإلا ما تلزمه الإزالة مطلقًا لأنه معذور، ولم يكتسب في ذلك اختيارًا ولا إثمًا. 
  • يُفصّل الحنابلة ويقولون: 
    • إن خِيط جرحًا أو جُبِر عظم من آدمي بخيط نجس أو عظم نجس، فصحّ الجرح أو العظم لم تجب إزالة النجس إذا كان يخاف ضرر، لأن حراسة النّفس وأطرافها من جملة الواجبات في الشريعة.
    • وكذلك قالوا: ترك شرط مُختلف فيه لحفظ بدنه أولى ويشبه ذلك الوشم، إن غطاه اللحم غسله بالماء وإلا تيمّم له، وتصح إمامته بمثله، أما مع عدم الضرر فكالشافعية وقالوا: يجب إزالته.

هذا الذي جاء في الوشم.

قال: "وكان عمر -رضي الله عنه- يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر دمها على يده وكذلك معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يدفن القملة في حصباء المسجد كالنخامة ويقول: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)[سورة المرسلات:25-26]". عجيب ذكر هذا مع كثير أحاديث وردت في النهي عن قتل القملة في المسجد، ووجوب إخراجها، وما ذكرها هنا في الروايات وردت في عدد من الأحاديث في الأمر بإخراج القملة، موجودة عند الإمام أحمد بن حنبل وعند البيهقي وعدد من أهل السنة، في الأمر أن يصرّها في ثوب أو يلفّها في ثوب ويخرجها من المسجد يقتلها خارج المسجد، ما يقتلها وسط المسجد وعليه عامة الجماهير.

وهكذا إذا قُتلت القملة ونحوها من الحشرات صار جرمها نجساً، وهو الذي عليه الجمهور أن الجِرم هذا نجس، فلهذا لا يجوز إلقاؤه في المسجد، وإذا صلّى وهو حامله بطلت صلاته.

وإلقائها حية اُختلف فيه كذلك، إلقاؤها حية سواء في المسجد أو خارج المسجد لأنها مؤذية، وإلقائها هكذا تؤذي غيرك وتضرّ غيرك، فأنت يجب عليك تقتلها ولكن خارج المسجد وتدفنها خارج المسجد، فتحملها وهي حية من المسجد وتقتلها في خارج المسجد.

يقول الإمام الغزالي: لو رآها في ثوبه وهو في الصلاة الأولى أن يتغافل عنها، فإن إلقاءها بيده أو أمسكها حتى يفرُغ فلا بأس، قال: إن قتلها في الصلاة يُعفى عن دمها دون جلدها، إن قتلها وتعلّق جلدها بظفره أو ثوبه بطلت صلاته، قال: ولا بأس بقتلها في الصلاة كما لا بأس بقتل الحية والعقرب فإن ألقى القملة بيده فلا بأس؛ ولكن جواز إلقاءها في غير المسجد، أما في المسجد ما يجوز. والحديث ورد عند الإمام أحمد في مسنده وعند غيره من الأئمة، منهم البزار ومنهم البيهقي يقول: "إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرّها في ثوب -في رواية- "فليلفّها في ثوبه حتى يخرج من المسجد". يقول: "وجد رجل في ثوبه قال فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال الرسول ﷺ: لا تفعل، صرّها في ثوبك حتى تخرج من المسجد" أيضًا هذا جاء بسند صحيح، وجاء في عدد من الأحاديث. إذًا فهذا هو المختار أن يُخرجها حيَّة من المسجد ويقتلها خارج المسجد، إلّا أنه في أثناء الصلاة لا ينبغي أن يشتغل بها ويتغافل عنها ما استطاع، ولكن بعد الصلاة يُخرجها، أو إذا طلعت على بدنه وهو في الصلاة فلا بأس أن يصرّها ويلفها في ثوبه يبقيها حتى إذا خرج من المسجد قتلها، ولا يجوز رمي جرمها في المسجد.

 نسأل الله أن يرزقنا الإيمان واليقين والإخلاص والصدق والتوفيق والنّقاء عن الشوائب، ويرفعنا مراتب القرب منه والدّنو إليه والفهم عنه، ويبارك لنا وللأمة في شعبان ولياليه وأيامه وساعاته كلها، ويجعله عُدَّة لحسن استقبال رمضان والدخول مع أهل الإحسان، ويحفظ زائرين النبي هود ويجعل زيارة هذا العام من أبرك الزيارات علينا وعلى أهل الوجود، وأن يعجّل بتفريج كروب الأمة وكشف الغمة ودفع النقمة وعلى كل نية صالحة.

 

 بسرّ الفاتحة 

إلى حضرة النبي محمد اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه

الفاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

03 شَعبان 1445

تاريخ النشر الميلادي

12 فبراير 2024

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام