(480)
(368)
(636)
(170)
شرح الحبيب عمر بن حفيظ على منظومة «هدية الصديق للأخ والرفيق» للحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر. الدرس الخامس والعشرون، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر الخميس 9 صفر 1448هـ، يبدأ بـ «ويا مريد الخيرِ ودفع كل ضيرِ»
فصلٌ في الحث على ذكر الله تعالى
ويا مريد الخيرِ *** ودفع كل ضيرِ
والفوز بالجِنانِ *** مع رضا الرحمن
والأنس في الحياة *** وحالة المماتِ
اقطع لكل عائقْ *** وافنَ عن الخلائقْ
واجعل زمانكْ ذِكْرا *** سِرا أخي وجهرا
ودُم على الأذكارِ *** بالليل والنهارِ
بالقلب واللسانِ *** في سائر الأحيانِ
الذِّكر غَرس الجَنَّة *** يؤنسكَ في المجَنَّهْ
وهو الوِقا والجُنَّه *** من شر إنسْ أو جِنَّهْ
الحمد لله الذي يأخذ بيد وقلبِ من شاء إلى مراتب قربه، ويذيقه كأس أنسه وحبه، لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
أرسل إلينا عبده الأكرم وحبيبه الأعظم محمدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ففتح لنا به من أبواب الخيرات والسعادات والمنح الغاليات والعطايا الوافرات ما يجل عن الوصف ويكبر على الخيال والأوهام، فلله الحمد وله المنة.
اللهم أدم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وعلى آلهم وصحبهم، وعلى ملائكتك المقربين وعلى جميع عباد الله الصالحين.
وبعد أن ذكر سيدنا الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر الفصلَ في تلاوة القرآن.
ذكر بعده: "فصل في الحث على ذكر الله تعالى"، وهو من جملة العمل بما في القرآن فإن القرآن حثنا على ذكر الله كثيرًا، وقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وذكر نتائج الذكر في قوله:
سبحانه وتعالى، فهكذا حثنا على الذكر فأتبع فصل تلاوة القرآن بالحث على الذكر.
قال: "ويـا مـريـد الـخـيـرِ" بأصنافه وأنواعه من جميع جوانبه وبكل معانيه؛ فالأمر كما قال سيدنا أبو بكر الصديق حين سمع جواب نبينا ﷺ للسائل يسأله عن: أي المصلين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرُهُمْ للهِ ذِكْرًا"، قال: فأي المتصدقين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرُهُمْ للهِ ذِكْرًا"، قال: فأي الصائمين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرُهُمْ للهِ ذِكْرًا"، قال: فأي المجاهدين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرُهُمْ للهِ ذِكْرًا"؛ فلما سمع الجواب هكذا سيدنا أبو بكر، قال لسيدنا عمر وكان بجانبه: لقد ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة؛ فقال ﷺ: "أجل"، ذهب الذاكرون لله بخير الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من الذاكرين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
يقول:
"ويـا مـريـد الـخـيـرِ *** ودفـع كـل ضـيـرِ"
أي: سوء و شر وبلية.
"ودفـع كـل ضـيـرِ": ما يضرك وما يثقل عليك ويصعب.
"ويـا مـريـد الـخـيـرِ *** ودفـع كـل ضـيـرِ"
"والـفـوز": يا مريد الفوز.
"والـفـوز بـالـجِـنـانِ *** مـع رضـا الـرحـمـن"
يا الله؛ وهو أكبر! رضا الرحمن أكبر من الجنة وما فيها، والجنة وما فيها ذرة من أثر رضاه، (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ).
وقال سبحانه وتعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [ التوبة:72] من الجنة وما فيها والله أكبر.
"ويـا مـريـد الـخـيـرِ *** ودفـع كـل ضـيـرِ
والـفـوز بـالـجِـنـانِ *** مـع رضـا الـرحـمـن"
"والأنـس فـي الـحـيـاة"، يامريد الأنس في الحياة، يريد أن يحيا في أنس، انشراح وسرور وصفاء.
"والأنـس فـي الـحـيـاة *** وحـالـة الـمـمـاتِ"
والأنس في حالة الممات حتى، "وحـالـة الـمـمـاتِ"، حالة الموت أنس، أنس حالة الممات لمن كان يكثر ذكر الله، فإنه يأتيه الموت وهو يحب لقاء الله، والله يحب لقاءه وتأتيه الملائكة مبشرة، فيأنس عند الموت.
"والأنـس فـي الـحـيـاة *** وحـالـة الـمـمـاتِ"
وبعد الموت كذلك.
"اقـطـع لـكـل عـائـقْ"، يعوقك عن إدراك هذه الخيرات الكثيرة والدرجات الرفيعة الشريفة المنيرة.
"اقـطـع لـكـل عـائـقْ"؛ وما العائق؟
كل ما يصرفك عن الحضور مع الله، أي شيء يصرفك عن الحضور مع الله اقطعه؛ حتى يدوم حضورك ويشرق نورك وتصلح أمورك ويُدَكُّ طَوْرُك وتحظى بقرب مولاك الخاص والأنس بقربه.
"اقـطـع لـكـل عـائـقْ *** وافـنَ عـن الـخـلائـقْ"
اشتغالًا بهم، تصفيةً للقلب والروح عن الاشتغال بغير الله وعن الحضور مع سواه، تطهيرًا له عن ذلك، بملئه بنور الحضور مع الله تعالى في علاه.
يقول عليه رضوان الله تبارك وتعالى: "وافـنَ عـن الـخـلائـقْ"، الخلائق: جميع الكائنات والمخلوقات علويها وسفليها؛ الروح والجسد، العرش والكرسي، السماء والأرض، النبات والحيوان والجماد.
"وافـنَ عـن الـخـلائـقْ": أي عن الانقطاع بهم والاشتغال بهم والالتفات إليهم والركون إليهم والتعويل عليهم، بدل هذا كن حاضرًا مع مكوِّنهم وخالقهم وفاطرهم ومبدئهم ومنشئهم وموجدهم جل جلاله، المتصرف فيهم.
"اقـطـع لـكـل عـائـقْ *** وافـنَ عـن الـخـلائـقْ"
لكي تحظى بحقيقة الذكر؛ فإن ذكره وأنت مع غيره ما يستقيم، وقد سمعت قوله في حديثه القدسي سبحانه وتعالى: "من عمِل لي عملًا أشرك فيه غيري فهو له كلُّه أنا منه بريءٌ وأنا أغنى الأغنياءِ عن الشِّركِ"، فما تتحقق بذكره حتى تفنى عما سواه؛ بذلك طلبوا هذا الفناء، بكثرة الذكر وتكلف الحضور حتى يصير عادة، ثم باستمرار ودوام الحضور يحصل الفناء.
"اقـطـع لـكـل عـائـقْ *** وافـنَ عـن الـخـلائـقْ"
"واجـعـل زمـانـكْ -دهرك وعمرك وليلك ونهارك- ذِكْـرا"، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ)[آل عمران:191]، قدوتنا ونبينا محمد كان يذكر الله على كل أحيانه، وإنه ليُعدُّ له في المجلس الواحد يجلس معه فيه بعض أصحابه مائة مرة من قول: "ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ علَيَّ إنَّكَ أنتَ التَّوّابُ الرَّحيمُ"، حبيب الله يقول كذا: "ربِّ اغفِرْ لي وتُبْ علَيَّ إنَّكَ أنتَ التَّوّابُ الرَّحيمُ"، حبيب الله هكذا يقول؛ في المجلس الواحد يعد له من هذا الذكر مائة مرة فهو سيد الذاكرين.
"واجـعـل زمـانـكْ ذِكْـرا *** سِـرًّا أخـي وجـهـرا"
فربك يقول: "من ذكَرَني في نفسِهِ ذكرتُهُ في نفسي ومن ذكَرَني في ملإٍ ذكرتُهُ في ملإٍ خيرٍ منه"؛ الله الله!.
"بــــالـقـلـب والـلـسـانِ *** فـي سـائـر الأحـيـانِ"
وإن كان الذكر باللسان أحسن من الغفلة الشاملة، ولكن الذكر بالجنان أحسن من الذكر باللسان، والجمع بين الذكر باللسان والقلب أفضل؛ ثم الفناء عن ذكرك وعن قلبك وعن لسانك فيه أفضل، هذا غاية الذكر.
قال:
"بــــالـقـلـب والـلـسـانِ *** فـي سـائـر الأحـيـانِ"
"الـذِّكـر غَـرس الـجَـنَّـة"، قال سيدنا الخليل إبراهيم لنبينا في ليلة الإسراء والمعراج: "أَقْرِئْ أُمَّتَك مِنِّي السلامَ" ونبينا بلّغ، بلغكم سلام الخليل، خليل الله إبراهيم يسلم عليكم، على نبينا محمد وعلى خليل الله ابراهيم افضل السلام ورحمة الله وبركاته، "أَقْرِئْ أُمَّتَك مِنِّي السلامَ، وأَخْبِرْهم أنَّ الجنةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قِيعانٌ، وأَنَّ غِراسَها سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ"، وفي الحديث: "من قال سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلّا اللهُ واللهُ أكبرُ غرَس له بكلِّ واحدةٍ منهنَّ شجرةً في الجنَّةِ". يقول:
"الـذِّكـر غَـرس الـجَـنَّـة *** يـؤنـسـكَ فـي الـمـجَـنَّـهْ"
المجنة: المقبرة، بعد ما تنتقل من الدنيا ويحطونك وسط القبر، يُؤنسك الذكر الذي كنت تذكر الله به في الدنيا، قال صحابي لسيدنا النبي محمد ﷺ وكان في الطريق إليه فقال: فضربت فسطاطي ونمت، فإذا بصوت من تحت الأرض يقرأ سورة تبارك، قال: تتبعته وإذا بصوت من تحت الأرض يقرأ، قال: "ضربت فسطاطك - أي خيمتك- على قبر رجل، كان يقرأ بها في الدنيا فهي تؤنسه في قبره"، كان مواظبًا على سورة تبارك في كل ليلة يقرأها، ولما وُضع في القبر صار يستأنس بها ويترنم بها: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1]، وأَسْمعَ الله هذا الإنسان صوته، جعله يقوم من النوم، ويحسّ أين؟ من يتكلم؟ من يقرأ؟ إلا من تحت الأرض؛ قال له: "ضربت فسطاطك على قبر رجل ذاك رجل كان يقرأ بها في الدنيا فهي تؤنسه في قبره".
"الـذِّكـر غَـرس الـجَـنَّـة *** يـؤنـسـكَ فـي الـمـجَـنَّـهْ"
لا إله إلا الله! هل أحد يقع له أنس في المَجَنّة وفي القبر بمشاهدة مباراة أو بسماع أغنية؟ إذا ما اشتدت الوحشة عليه بسبب ذلك لن يستأنس بها، لكن سيؤنسه ذكره، ما كان يذكر الله ويذكر رسوله في الدنيا، يُؤنَس بذلك في قبره.
"الـذِّكـر غَـرس الـجَـنَّـة *** يـؤنـسـكَ فـي الـمـجَـنَّـهْ"
"وهـو الـوِقـا والـجُـنَّـه"؛ الوقاية والساتر، والجُنَّة: كذلك الحاجب والحاجز.
"مـن شـر إنـسْ أو جِـنَّـهْ"؛ من شر إنس أو جِن، حتى من شر الصواعق، كان يقول سيدنا جعفر الصادق: "إن الصواعق تصيب المؤمن وغيره، ولا تصيب الذاكر لله"، ما في صاعقة تصيب الذاكر أبدًا، ما تنزل صاعقة إلا على غافل، أما الذاكر لله ما تصيبه الصواعق، تذهب عنه يمنى ويسرى، ما تصيبه الصاعقة، لا إله إلا الله؛ بل يقال إنه ما يُسلط على صيدِ طيرٍ ولا وحشٍ ولا سمكٍ في البحر إلا ساعة غفلة عن ذكره، ساعة ما ينشغل ويغفل عن الذكر يمكن صيده، ووقت الذكر ما يتمكنون من صيده، تجيْ من هنا، تجيْ من هنا ما يقدرون يصيدونه، لا إله إلا الله.
"وهـو الـوِقـا والـجُـنَّـه *** مـن شـر إنـسْ أو جِـنَّـهْ"
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فلا أقل من أن يكون عندك نصيب من:
فهذا أقل ما يمكن أن ترتفع به وتعتلي وتتنقى وتتطهر وتُحفَظ، فالله يوفقنا لذلك، قال سيدنا النبي لسيدنا معاذ بن جبل: "يا معاذُ واللَّهِ إِنِّي لأَحِبُّكَ فلا تَدعَنَّ أن تقولَ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادَتِكَ".
الله يكرمنا وإياكم.
لتحميل منظومة "هدية الصديق" كاملة pdf
13 ربيع الأول 1448