المكاتبات والمناجاة الإلهية - 3 | فصدف عن هذه الدار مغضياً وأعرض عنها مولياً

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم السبت 11 صفر 1448 هجري.

فصدفَ عن هذه الدَّار مُغضِياً، وأعْرَضَ عنها مُولِّياً، فلمْ يَتَّخذها وطناً، ولا جعلها سكنا

بل أنهَضَ الهِمَّةَ فيها إلى الله، وصار فيها مُستعينًا به في القُدوم عليه.

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

"ومن علامات وصول النور إلى الصدر: ما ذكره المؤلف وهو مقتبس من معنى الحديث؛ لذلك قال: 

"فَصَدَفَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ مُغْضِياً، وَأَعْرَضَ عَنْهَا مُوَلِّياً ، فَلَمْ يَتَّخِذُهَا وَطَنَا، وَلَا جَعَلَهَا سَكَناً"

   هذه غاية النفرة عن الدنيا؛ وهو الصدوف، يحتمي مسالكها، ويجتنب مواطنها، ولا يوالي أبناءها وأهل الرغبة فيها، قد غض عين قلبه عن زخارفها وقذى آفاتها؛ لئلا يصيب قذاها عين بصيرته فيختلط نظرها، ولحدقة البصيرة المنيرة أولى بالصيانة من الحدقة الظاهرة؛ إذ بالحدقة الظاهرة ينظر الأغيار الفانية، وبالبصيرة يشاهد الأسرار العلية، والمقامات الأخروية.

وأعرض بظاهره عنها موليًا، كما فعل رسول الله  لما عرض عليه الأنصار اللقاح، فأعرض بوجهه عنها، فيقولون: يا رسول الله؛ إنا نعرض عليك كرائم أموالنا لتنظرها، فيقول : "إن ربي أمرني ألا أنظر إلى زهرة الحياة الدنيا، فقال جل ذكره: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [طه:131]، أو كما قال، فلم يتخذها وطنًا، بل كان كالمسافر العجل إلى الوطن المحبوب؛ كما قال القائل في ذلك:

مُسْتَوْفِزونَ عَلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُمْ *** وَفدٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَمْضُوا وَيَرْتَحِلُوا

   فالإعراض عنها والتولي دليل على الإغضاء بالقلب عنها، بل شهد الآخرة أقرب إليه منها، وكان بكلية اهتمامه مقبلًا عليها ومؤثرًا لها، هذا نظر أولي العقول والعلماء الفحول، تحروا فيها نظر أولي الألباب، واقتفوا آثار الأنبياء وسادات الأولياء الذين لم يستوطنوها؛ كما قال قائلهم:

إِنَّ لله عباداً فطنا *** طلقوا الدُّنْيا وَخَافُوا الْفِتَنا

نظُرُوا فِيها فَلَمَّا عَلِمُوا *** أَنَّها لَيْسَتْ لِحَيّ وَطَنا

 جَعَلُوها لُجَّةٌ وَاتَّخَذُوا *** صالح الأعمال فيها سُفُنا

ولي في ذلك:

قد أغضوا عن زخارفها وما نظروا *** لزينة بل عن الأغيار قد صدفوا

وأعرضوا عن ظواهرها وما وقفوا *** وباينوا كل مألوفٍ قد اقترفوا

وخامرت قهوة العرفان فاتصفوا *** بعالم القدس والتحقيق فاعترفوا

   فإذا عرف فناء هذه الدار واضمحلال الأغيار.. لم يقر لمطية عزمه قرار، وانتهج نهج الحقائق والأسرار؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

"بَلْ أَنْهَضَ الْهِمَّةَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ، وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِينًا بِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ"

 

الحمد لله الذي يُنَوِّر قلوب من يشاء بما يفيض من فائضات الجود والسخاء، وبما يكشف من الستائر والغطاء، لا إله إلا هو يُنور قلوب المقبلين عليه، فيَغنموا من هذه الحياة القصيرة ما يوجب الزلفى لديه، والبقاء الأبدي في جواره ورضاه ونعيمه الذي لا يُحَدّ ولا يُعَدّ؛ ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، أعرف من عرف بالله، وأعلم من علم الحقيقة من عباد الله، وأعظم الخلائق إيثارًا لله على ما سواه، فهو أكبرهم وأقواهم محبة من الله ولله جل جلاله، صلى الله على عبده المصطفى سيدنا محمد هادينا ومرشدنا ودَالِّنا، وعلى آله وأصحابه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم و تابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يقول في علامات وصول النور إلى الصدر: 

"فَالْعَاقِلُ: مَنْ كَانَ بِمَا هُوَ أَبْقَى، أَفْرَحَ مِنْهُ بِمَا هُوَ يَفْنَى؛ قَدْ أَشْرَقَ نُورُهُ، وَظَهَرَتْ تَبَاشِيرُهُ"،  

يشير إلى الحديث الشريف، بل إلى: 

  • الآية أولًا: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) [الزمر:22]. 
  • والآية الأخرى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122].

(زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).. 

  • يعملون الظلم ويُزيَّن لهم. 
  • يعملون العدوان ويُزيَّن لهم. 
  • يعملون الخديعة و النفاق والكذب ويُزيَّن لهم؛ (زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
  • يبطنون الظلم وانتهاك الحرمات، ويتعدون ويتحدَّون الحدود، وحتى الأنظمة التي يكتبونها بأنفسهم؛ وقت أهوائهم ومصالحهم يتعدونها ويجاوزونها ويُزيَّن لهم.

 (زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122]؛ الله!. وكما يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) [النمل:4]، (فَهُمْ يَعْمَهُونَ). ولا هادي إلا من اهتدى بنور الله، ومن اهتدى بنور الله وأشرق على قلبه النور ظهرت هذه العلامات وهذه الآثار.

" أَشْرَقَ نُورُهُ، وَظَهَرَتْ تَبَاشِيرُهُ" ويقول علامتها: "فَصَدَفَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ مُغْضِياً"، هذا التحرر الذي بعث به الأنبياء إلينا: أن نتحرر عن أن تأسرنا الدنيا وفتنها وشهواتها ومظاهرها ورئاساتها وسياساتها وتقلباتها وخدعها وما فيها، بل نكون أكبر منها وأشرف منها وأعلى، نُؤْثر الله والدار الآخرة.

وهذه التربية ربَّى عليها الحق تعالى أمهات المؤمنين، وقال لنبيه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب:28]، فلستن بأهلٍ لبيت النبوة ولا لمنازل الوحي، اخرجن إلى عموم المؤمنين وعموم المسلمين ولا تبقين في الخصوصية؛ هذه لا يصلح لها إلا من كان ارتفع في إرادته وتحرر من زهرة المتاع الفاني أن تأسره.

قال: (وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ) -في المقابلة الغريبة هذه- (وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:29]، كلما تلاها على واحدة من التسع قالت: لا أؤثر عليك وعلى الله أحد، ولا أستأمر فيك أبويّ ولا سواهما.

عنْ تسعِ نسوة وفاة المصطفى *** خيَّرنَ فاخترنَ النبيَّ المقتفى

 

فهكذا يقول: من نوّر الله قلبه يكبر عن أن يُؤسر لشهوات النفس وزخرف الدنيا فيلعب به الهوى وإبليس: 

  • ومن أجل ترغيبه فيها يخلي دينه أو ينتهك الحرمات. 
  • أو من أجل تخويفه من منعها يخرج عن سبيله أو يفعل ما لا يليق

 أبدًا!.. بل هو محرر عن أن تأسره هذه الدنيا بما فيها. "فَصَدَفَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ مُغْضِياً، وَأَعْرَضَ عَنْهَا مُوَلِّياً، فَلَمْ يَتَّخِذُهَا وَطَنَا"؛ ليقينه أنها ليست وطنًا لأحد ممن عليها، بل: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن:26]، أين الوطن؟ ما شي وطن، الوطن أحد الدارين، إما جنة وإما نار؛ هناك وطن على طول ولا تخرج أبدًا، لا إله إلا الله! هذاك الوطن، وهذا ممر طريق، الدنيا ممر، لا إله إلا الله!.

يقول:

وَمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ *** وَمَا هِيَ إِلَّا كَالطَّرِيقِ إِلَى الْوَطَنْ

يقول:

وَذِي دُنْيَا دَنِيَّهْ حَوَادِثهَا كَثِيرَهْ *** وَعِيشَتهَا حَقِيرَهْ وَمُدَّتهَا قَصِيرَهْ 

وَلا يَحْرِصْ عَلَيْهَا سِوَى أَعْمَى البَصِيرَهْ *** ………………….

مافي عقل عنده ولا عنده نور.

……………………. *** عَدِيم العَقْلِ لَوْ كَانْ يَعْقِلْ كَانْ أَفْكَرْ 

يُفَكِّرْ فِي فَنَاهَا

وَفِي كَثْرَةْ عَنَاهَا 

وَفِي قِلَّةْ غِنَاهَا

فَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ مِنْهَا تَحَذَّرْ *** وَطَلَّقَهَا وَفِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ شَمَّرْ

 

يقول عليه رضوان الله  تعالى: "هذه غاية النفرة عن الدنيا؛ وهو الصدوف"؛ يصدف عنها، كيف؟، "يحتمي مسالكها، ويجتنب مواطنها" وهلكاتها، "ولا يوالي أبناءها" من أجل الدنيا، "وأهل الرغبة فيها"، "مَن تواضعَ لغنيٍّ لأجلِ غِناهُ" -يعني ما كان دافع تواضعه إلا لغناه- "ذهبَ ثُلثا دينِهِ"، يقول النبي ﷺ: "مَن تواضعَ لغنيٍّ لأجلِ غِناهُ ذهبَ ثُلثا دينِهِ"؛ ثلثا الدين راح، باقي ثلث، بتواضعه لأنه ما حمله على التواضع إلا غناه، ما هو لأنه كبير سن ولا لأنه عالم ولا لأنه تقي صالح، تواضع له لأن عنده قريشات، عنده ثروة، هذا يذهب ثلثا الدين، ثلثان من الدين يذهب بالتواضع لغني لغناه؛ لأن علامة أنه مخدوع معظِّم لما حقره الله جل جلاله وتعالى في علاه. وكان الأغنياء في مجالس سيدنا الحسن البصري يودون أنهم فقراء لما يرون من إكرامه للفقراء، لا إله إلا الله.

 

يقول: "ولا يوالي أبناءها وأهل الرغبة فيها، قد غض عين قلبه عن زخارفها وقذى آفاتها؛ لئلا يصيب قذاها عين بصيرته فيختلط نظرها، ولحدقة البصيرة المنيرة أولى بالصيانة من الحدقة الظاهرة" -العين الظاهرة هذه قال: ترى بها ماذا؟-؛ "ينظر الأغيار الفانية، وبالبصيرة يشاهد الأسرار العلية، والمقامات الأخروية"، ولهذا يقول الإمام الحداد عن الدنيا: من نظر إليها بعين البصر رآها فتنة وصارت فتنة، ومن نظر إليها بعين البصيرة صارت عبرة. 

  • إذا نظرت بعين البصر تفتنك. 
  • وإن نظرت بعين البصيرة تصير عبرة لك؛ تذكرك وتنبهك؛ لا إله إلا الله.

وكم في عمر الواحد القصير يرى ما عملت بأصحابها وأربابها ولعبت بهم وأهانتهم، لا إله إلا الله.

 

يقول: "وأعرض بظاهره عنها موليًا، كما فعل رسول الله  لما عرض عليه الأنصار اللقاح، فأعرض بوجهه عنها، فيقولون: يا رسول الله؛ إنا نعرض عليك كرائم أموالنا لتنظرها، فيقول : "إن ربي أمرني ألا أنظر إلى زهرة الحياة الدنيا، فقال جل ذكره: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [طه:131]"، أو كما قال، فلم يتخذها وطنًا، بل كان كالمسافر العجل إلى الوطن المحبوب؛ كما قال القائل في ذلك:

مُسْتَوْفِزونَ عَلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُمْ *** وَفدٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَمْضُوا وَيَرْتَحِلُوا

   فالإعراض عنها والتولي دليل على الإغضاء بالقلب عنها، بل شهد الآخرة أقرب إليه منها، وكان بكلية اهتمامه مقبلًا عليها ومؤثرًا لها، هذا نظر أولي العقول والعلماء الفحول".

اللهم نور عقولنا وبصائرنا، وألحقنا بخواص العلماء المخلصين الصادقين.

قال: "تحروا فيها نظر أولي الألباب، واقتفوا آثار الأنبياء وسادات الأولياء الذين لم يستوطنوها".

وردَّد هذه الأبيات التي رددها على مدى القرون كثير من الصالحين والعارفين، وكان يكثر الطرطوشي من الإنشاد بها وذكرها من بعده من كبار الأئمة، كالإمام النووي ومن قبله ومن بعده:

إِنَّ لله عباداً فطنا *** …………………….

عبَّادًا فطنا: واعين عُقَّال أدركوا الحقائق، فما الذي حصل من إدراكهم الحقائق؟ 

…………………. *** طلقوا الدُّنْيا وَخَافُوا الْفِتَنا

نظُرُوا فِيها فَلَمَّا عَلِمُوا *** أَنَّها لَيْسَتْ لِحَيّ وَطَنا

نظروا فيها: بعين بصيرة لا بعين بصر وعلموا أنها ليست لحيٍّ وطنا، وآبائك فين؟ وأجدادك فين؟ ومن عهد آدم إلى عندك كم راحوا؟ وأنت بتقعد أم ماذا؟ (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:34-35]. ليست لحيٍّ وطناً!.

………………………. لَيْسَتْ لِحَيّ وَطَنا

 جَعَلُوها لُجَّةٌ وَاتَّخَذُوا *** صالح الأعمال فيها سُفُنا

جعلوها لجة: بحر يسبحون فيه من شأن يعبروا إلى الشق الثاني الشاطئ، وبعدين أين السفينة؟

…… وَاتَّخَذُوا *** صالح الأعمال فيها سُفُنا

صلحوا أعمال صالحة يعدُّون في البحر؛ لأن يصلوا إلى الشق الثاني ويلقون ربهم بوجه جميل وهو راضٍ عنهم، لا إله إلا الله.

قال: "ولي في ذلك:

قد أغضوا عن زخارفها وما نظروا *** لزينة بل عن الأغيار قد صدفوا

وأعرضوا عن ظواهرها وما وقفوا *** وباينوا كل مألوف قد اقترفوا

وخامرت قهوة العرفان فاتصفوا *** بعالم القدس والتحقيق فاعترفوا

عليهم رضوان الله. 

  "فإذا عرف فناء هذه الدار واضمحلال الأغيار.. لم يقر لمطية عزمه قرار، وانتهج نهج الحقائق والأسرار".

 

قال رضي الله عنه وعنكم:

"بَلْ أَنْهَضَ الْهِمَّةَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ، وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِينَا بِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ"

هذه أصح طرق المريدين، وأنجح وسائل السالكين؛ وذلك بأن يجعل الله لهم هممًا علوية، تنهض بهم إلى الأخذ بالكلية، إلى المنازل القدسية والمشاهد الحقية، ومع ذلك هم فيها مستعينون به فيما هم بصدده من الانكماش في العبادات، والتخلق بالأخلاق الحميدات، واجتناب مصائد الشهوات ومعاطب الهفوات، فهم قائمون بظواهرهم بكامل العبادات، ومباينون حبائل العادات، ومستمسكون بقلوبهم وأسرارهم بورود الألطاف وسوابغ المنن وتنزل الرحمات، ونزول البركات والمعونات من خالق البريات.

فمن كان بهذه الحالة.. فقد أدرك خالص الإرادة، ونال ثمرة السعادة، ولم ينقطع عن الله بمألوف العادة؛ فالحكم المتقدم ذكرها للمريد في التجلي وهو بعدُ لم يأخذ في السير إلى الله، وقوله: "بل أَنْهَضَ الهمة فيها" أي: الدنيا؛ لأن فيها ميدان السلوك.

وهذه -أي: إنهاض...- ابتداء في السير؛ وهو الأخذ في التجلي، ويكون مستعينًا في ذلك بالله؛ ليصل إلى نيل بغيته وغاية مقصده، لأن من كان بالله استعانته.. توالت من الله إعانته، وإذا لم يكن من الله إعانة.. لم تغنِ عنه ظواهر الأدلة، ولم تنفعه إضاءة الشموس وأنوار الأهلِّة، ولي في ذلك: 

من بعدما يخْلِيُ الإنسان ساحته *** عن الشوائب والأشغال بالغير

لا شك أن السبيل الحق بان له *** وشاهد السر مبسوطًا على الصور"

 

هكذا يقول -عليه رحمة الله تعالى ورضوانه-: أنه عند معرفته فناء هذه الدار، واضمحلال كل ما فيها وذهابه، ما عاد يقر قرار لمطية عزمه، بل ينتهض الهمة فيها إلى الله، يصير مستعينًا به في القدوم عليه والاستعداد للقائه بنيل النصيب من قربه ومعرفته ومحبته وطاعته في هذه الدنيا.

…… وَاتَّخَذُوا *** صالح الأعمال فيها سُفُنا

قال: "هذا أصح طرق المريدين، وأنجح وسائل السالكين؛ وذلك بأَنْ يجعل الله لهم هممًا علوية، تنهض بهم إلى الأخذ بالكلية إلى المنازل القدسية والمشاهد الحقية". 

  • لتقربوا من الله.
  • لتنالوا المعرفة الخاصة بالله. 
  • لتحسنوا أداء ما شرع لكم ابتغاء وجهه. 

فيتولاكم سبحانه وتعالى ولاية: 

  • يقيكم بها الأسواء والبلوى والآفات من حيث تشعرون ومن حيث لا تشعرون. 
  • ويعطيكم من المنن والمواهب والمنح ما تعلمون وما لا تعلمون.

 -جلَّ جلاله- هذا لمن قصد وجهه. 

أما من تصور عن هذا الدين أنه يقيم بعض الشيء من الفرائض بصورة بلا معنى، وبقالب بلا قلب، ويصوم ويُعَدِّي، والقلب معلق بغير الله وملتفت لغير الله، ولا له همة في الرقي لمراتب القرب والفهم والمعرفة الخاصة بالله والمحبة له ونيل الرضا.. فهذا ما عرف لب الدين ولا روح الدين ولا حقيقة الدين. وما عرف من الدين إلا صورة ووهم؛ فالدين أكبر! (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

ومن عرف هذا وانتهضت همته، يصير في هذه الدنيا على ذاك الحال الجميل. كان يصف الحبيب علي الحبشي الحبيب محمد بن عيدروس الحبشي كان في منازل جاوة في إندونيسيا، وأكثر الناس يسافرون من أجل كسب المال في تلك الأيام، فقال: إن أكثر المسافرين يطلبون الدنيا في إندونيسيا في جاوة، ومحمد بن عيدروس فيها يطلب مراتب الصديقية الكبرى! همته وإرادته ما هو ملتفت إلى هذه الدنيا وما فيها، لكن يطلب منازل الصديقية الكبرى وهو في تلك الجهات وارتقى المراقي، وهكذا همة الإنسان. 

   وإذا قد جئت إلى مثل هذا المكان وحضرت هذه المحاضر صلِّح لك همة، خذ لك همة ترقى بها إلى القمة، وتُحفَظ بها من الدسائس وتلبيس إبليس بالوساوس؛ حتى تكون ممن يريدون وجهه فيُقبل عليهم ويأخذ بأيديهم -جلَّ جلاله- يا رب أكرمنا.

 

قال: "بَلْ أَنْهَضَ الْهِمَّةَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ، وَصَارَ فِيهَا مُسْتَعِينَا بِهِ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ"

هذه أصح طرق المريدين، وأنجح وسائل السالكين؛ وذلك بأن يجعل الله لهم هممًا علوية" -أي رفيعة-، "تنهض بهم إلى الأخذ بالكلية، إلى المنازل القدسية والمشاهد الحقية، ومع ذلك هم فيها مستعينون به فيما هم بصدده"، لا بأنفسهم يسيرون ولكن بعون ربهم سبحانه وتعالى؛ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5]، ما هو بنفسنا نعبدك ومستقلين بل بعونك، أعنّا على ذِكرِك وشُكرِك وحسنِ عبادتِكَ.

يقول: "مستعينون به فيما هم بصدده من الانكماش في العبادات، والتخلق بالأخلاق الحميدات" المحمديات، "واجتناب مصائد الشهوات ومعاطب الهفوات، فهم قائمون بظواهرهم بكامل العبادات، ومباينون حبائل العادات"؛ أي: مألوفات الناس من الركون لغير الله والتعظيم للفانيات، "ومستمسكون بقلوبهم وأسرارهم بورود الألطاف وسوابغ المنن وتنزل الرحمات، ونزول البركات والمعونات من خالق البريات.

فمن كان بهذه الحالة.. فقد أدرك خالص الإرادة، ونال ثمرة السعادة" ونال الحسنى وزيادة، "ولم ينقطع عن الله بمألوف العادة"؛ الله أكبر!.

قال: "فالحكم المتقدم ذكرها للمريد في التجلي وهو بعدُ لم يأخذ في السير إلى الله، وقوله: بل أَنْهَضَ الهمة فيه؛ أي: الدنيا؛ لأن فيها ميدان السلوك"؛ ليس لدينا فرصة في الآخرة للسلوك والسير إلى الله، ولا جعل الله لنا ذلك قبل أن نخرج للدنيا؛ ماشي، أرواح مجردة تسبح بحمد ربها وتأوي مع الملأ الأعلى، حتى جُعلت في قفص الجسد وخرجت للدنيا.  

فالدنيا فرصة السير إلى الله، فرصة السلوك إلى سبيل مرضاته وإلى القرب منه -جلَّ جلاله- وبعد الدنيا ماشي الفرصة انتهت، فالفرصة لا قَبْلُ موجودة معنا قبل أن نخرج إلى الدنيا، لا اختبرنا ولا ابتلانا ولا امتحننا ولا شيء. 

ولما خرجنا للدنيا.. (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ) [الملك:2]، جاء وقت الاختبار. بعد الخروج من الدنيا انتهى؛ ما يوجد إلا النتيجة والحكم، لا يوجد فرصة للسير ولا للسلوك ولا للمعرفة ولا للترقي، ما عاد شيء انتهت.

فالفرصة كلها هذه الحياة الدنيا، ولهذا هي: 

  • بالنسبة للمؤمنين والاتقياء الأخيار أحسن الفرص، ويعملون فيها أجلّ ما يكسبون به الرقي للمعالي.  
  • ولكنها للغافلين والفاسقين محل التعاسة والنقص والانحجاب والانقطاع والبعد والتهيؤ للطرد والغضب -والعياذ بالله تبارك وتعالى-؛ لأنهم ما سعوا إلى الله وما سلكوا بعدما بيّن لهم وأرسل الرسل ووَضَّح لهم الطريق -جل جلاله-، لا إله إلا الله. 

قال: "بل أَنْهَضَ الهمة فيها؛ أي: الدنيا؛ لأن فيها ميدان السلوك"، في الدنيا فقط.

وهكذا سمعتم بالذي كان يزور قبور بعض من يعرفهم في الدنيا، ثم حضرته وقت الصلاة، انتحى ناحية وصلى ركعتين، فرأى الميت في الليل يقول له: جئت عندي تزور ثم صليت، شفت الركعتين التي صليتها؟ لو نحن رجعنا إلى الدنيا ومُلِّكنا الدنيا من طرفها إلى طرفها مقابل أن نحصّل هذه الركعتين لبذلناها! أنتم ما تعرفون قدر ما أنتم فيه -يعني قدر بقائكم في الحياة الدنيا من أجل تكسبون الخير- قال ما تعرفون هذا القدر.

الآن أنت في نعمة كبيرة من الله؛ تقدر ترتقي، تقدر تستغفر، تقدر تتطهر، تقدر تتنور، تقدر تقرب من حضرته ما دمتَ في الدنيا أما بعدها خلاص؛ لو اجتهدت وبغيت ثواب تسبيحة ما تقدر، تحميدة واحدة ما تقدر، ثواب صدقة درهم واحد من أين تجيبه؟ ماشي! كانت معك فرصة في الدنيا أما الآن انتهى طُوِيَت صحيفتك، لا إله إلا الله. 

فبهذا بقية الأرواح في البرازخ تتشوف إلى ما يهدى إليها من قِبل من بقيت عندهم الفرصة في أهل الدنيا؛ يستغفرون لهم، يدعون لهم، يهدون لهم شيء، أمَّا هم ما عاد يقدرون على شيء، خلاص انتهت الفرصة بالنسبة لهم. لا إله إلا الله…

قال: "ويكون مستعينًا في ذلك بالله؛ ليصل إلى نيل بغيته وغاية مقصده، لأن من كان بالله استعانته.. توالت من الله إعانته، وإذا لم يكن من الله إعانة.. لم تغنِ عنه ظواهر الأدلة، ولم تنفعه إضاءة الشموس وأنوار الأهلِّة".

 إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ لِلفَتى *** فَأَوَّلُ ما يَجني عَلَيهِ اجتِهادُهُ

 

إذا كان عون الله للعبد حاضرًا *** تسنى له من كل شيءٍ مراده 

وإن لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده 

يجتهد وتطلع النتيجة عكس وما يحصل… اللَّهُمَّ أعنّا على ذِكرِك وشُكرِك وحسنِ عبادتِكَ.

 

"من بعدما يخْلِيُ الإنسان ساحته *** عن الشوائب والأشغال بالغير

لا شك أن السبيل الحق بان له *** وشاهد السر مبسوطًا على الصور"

اللهم ارزقنا صدق الوجهة إليك، وصدق الإقبال عليك، وكمال القبول لديك، وارضَ عنا رضًا لا سخط بعده أبدًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الله يُوَفِّر حظنا من مننه ومواهبه وعطاياه ومنحه وهداياه مع استقامة، وتُحف بأنواع الكرامة، وصلاح القلوب والأقوال بإقبال صادق عليه، وقبول كامل لديه، وحُسن تَذلُّل بين يديه، وأن يُوَفِّر حظنا من الأيام ومن الليالي والساعات ومن هذه المواسم وهذه الخيرات، ويدفع عنا جميع الشرور، ويصلح لنا جميع الأمور، ويتولانا في البطون والظهور، ويثبتنا فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون، من خواص ورثة الأمين المأمون.

وأن الله يرحم موتانا وأحيانا بالرحمة الوسيعة، ويرفعنا إلى مراتب القرب، ويختم لنا بالحسنى وهو راضٍ عنا في خير وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

12 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام