المكاتبات والمناجاة الإلهية - 18 | إلهي؛ ما أقْرَبَكَ مِنِّي، وما أبْعَدَني عَنْك

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأحد 3 ربيع الأول 1448 هجري.

إلهي؛ ما أقْرَبَكَ مِنِّي، وما أبْعَدَني عَنْكَ. 

ما أَرْأَفَكَ بي!! فما الذي يَحْجُبُني عنك؟!

إلهي؛ قد عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الأَثَارِ، وَتَنَقْلَاتِ الأطْوَارِ: أنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أنْ تَتَعَرَّفَ إلَيَّ فِي كُلِّ شَيْء، حتَّى لا أجْهَلَكَ في شَيء

إلهي؛ كُلَّمَا أَخْرَسَنِي لُؤْمي.. أنْطَقَني كَرَمُك، وَكُلَّمَا آيَسَتْنِي أوْصَافِي.. أطْمَعَتْنِي أوْصَافُك

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"فمقام رؤية البعد: هو الذي يردُّ العبد إلى الطلب، ومقام القرب: هو الذي يعطيه كمال الأدب، وكلا الحالين في حق أهل الله خير؛ فإن أُقيموا في رؤيتهم لوجودهم.. فما يقتضيه منهم من حق العبودية، ويسمى عندهم بُعدًا عن شهود تجلي أسرار الربوبية، لا البُعد الذي عُني به أهل الحجاب المُبعدين في دركات العذاب.

وإذا تجلَّى عليهم بكمال صفاته، ولاحت لأسرارهم أنوار ذاته.. كانوا بالحقيقة مجموعين، وعن شهود الأغيار ممنوعين، وهو القُرب الذي أشار إليه، وعند تجلي هذا المشهد الرحموتي قال المؤلف رضي الله عنه:

"مَا أَرْأَفَكَ بِي!! فَمَا الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ؟!"

لمَّا رأى من عظيم القرب ما غيَّب عنه ظهور الأغيار، وطمس عنه رؤية الآثار.. قال: "مَا أَرْأَفَكَ بِي"، فالرأفة من خصائص فائضات الرحمة، فلذلك تَسمَّى بالرؤوف، فقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:143]، فالرأفة: ظهور أثر الرحمة على المرحوم، "فَمَا الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ؟!" وليس لي مشهود سواك ولا موجود إلا إياك؟! ولي في ذلك: 

في رأفتك علقتْ الآمال يا صمد *** وكشف نور جمال الحق مشهود 

فكيف يُحجب من نالته منك يد *** ولا يضام نزيل الفضل والجود

فَمِن آثار تلك الرأفة وظهور تلك الرحمة: ما أشهده قلوب أوليائه، واختص به أرواح أصفيائه؛ من ظهور رحمته في كل شيء، فلا يواجهون في الأشياء إلا سر رحمته؛ ولذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

"إِلَـٰهِي؛ قَدْ عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَتَنقُّلَّاتِ الْأَطْوَارِ: أَنْ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ."

"إِلَـٰهِي" بمعنى الظاهر لي برحمته والمتجلي لي في كل شيء بتمام نعمته وكمال مِنَّته وعظيم محبته، "قَدْ عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَتَنقُّلَّاتِ الْأَطْوَارِ: أَنْ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ"، وهذا العلم الذي أشار إليه هو ما اختصه الله به من علمه المكنون وسِرِّه المخزون، الذي من علمه ارتقى به إلى رتبة الكشف عما دخل تحت تكوين الكاف والنون. 

وإذا عَلَّم الله عبدًا هذا العلم.. كان حكيمًا، وهو الحكمة المؤتاة التي مَن أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا باطنًا وظاهرًا. 

واختلافها -أي: الآثار- تبصرة لذوي الأبصار، ففيها ما لا يخفى من تصاريف الاعتبار (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر:2]، فَعَبر أهل الاعتبار إلى تحت ستور الآثار من اسمه النافع أو الضار، وغير ذلك من تقلبات الآثار".

 

الحمد لله الذي أكرمنا بتعرّفاته وجميل ملاطفاته، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يُحيط بعلمه وصفاته فضلًا عن ذاته غيره وسواه، فلا معبود لنا ولا مقصود إلا إياه، ولا موجود على الحقيقة ولا مشهود إلا هو تعالى في علاه، ونشهد أنه بعث إلينا صفوته من البرية، ونَقوَتُهُ الدُّرة النقية، حبيبه محمد المختار، نورَ الأنوار وسر الأسرار، وجَعلَنا به خير أمة أُخرجت للناس، وأقام لنا به في المزية والخصوصية والرحمة أقوى أساس.

 فصَلِّ اللهم وسلم وبارك وكرِّم على مفتاح باب القُرب والحب والإيناس، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه خِيار الناس، وعلى مَن اتبعهم بالصدق من غير بأس، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسلين الذين جَعلتهم لحقائق دينك في بريِّتك خير حُراس وأكرم غُراس، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقَرَبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا حافظ أهل الوجهة إليك مِن شر كل وسواس خناس.

وبعد؛ 

فيذكُر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- ما يتناوب المؤمن الصالح مِن: 

  • إدراك وجوده ليقوم بحق العبودية 
  • ومِن كمال شهوده ليفنى في الربوبية 

فهو مِن حيث هو؛ يلتاح له أثر البُعد، فهو بأوصافه وأحواله بعيدٌ جدًا عن صفات الحق تبارك وتعالى، وعن شؤون الحق جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 وهو الحق -سبحانه وتعالى- في إحاطته وتَجلِّيه أقرب إليه من كل شيء، فحينما يقوم في رؤية البُعد، فيُرَدُ هذا العبدُ إلى الطلب والرَّغَب والقيام بالأوامر وترك الزواجر، وإذا غَلَبَ عليه شهود الحق في مقام القُرب أعطاه كمال الأدب وغَيَّبه؛ قال: "وكلا الحالين في حق أهل الله خير؛ فإن أُقيموا في رؤيتهم لوجودهم" وهذه رؤية البُعد-.. "فلما يقتضيه منهم من حق العبودية، ويسمى عندهم بُعدًا عن شهود تجلي أسرار الربوبية" بالمستوى الرفيع، "لا البُعد الذي عُني به أهل الحجاب" -والعياذ بالله تعالى- ماهو هذا، فبُعدهم: غَياب شهودهم عن الفَناء فيه سبحانه وتعالى بأن يشهدوا وجودهم ووجود الكائنات بإيجاده لهم، فَيُقيمون حق العبادة وحق العبودية، هذا يسمونه البُعد عندهم، ليس البُعد حق أهل الذنوب والمعاصي! هذاك بُعد ظُلمة وبُعد حِجاب ظُلماني، أما هذا فهو فقط مَقامُ فَرقٍ بعد جَمع، وقد يكونُ أصحابه من أهل البقاء -مقام البقاء بعد الفَناء- فهذا يسمونه بُعد.

"فمقام رؤية البعد: هو الذي يردُّ العبد إلى الطلب"، ليقوم بحق العبودية وحق العبادة للرب -جلَّ جلاله- وأما "البُعد الذي عُني به أهل الحجاب المُبعدين" فهم "في دركات العذاب".

حُجبوا وحسبهم الحجاب عذابُ *** يا ليتهم سمعوا النداء فأجابوا

عكفوا على كسب الذنوب وليت إذ *** عكفوا عليها بعد ذلك تابوا

فهؤلاء في ظُلمات ويُعَرَّضون للعذاب، قال سبحانه وتعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) [المطففين:15-16]، (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين:14]، من الذنوب والمعاصي، أما هؤلاء فَهُم في نور، من نور إلى نور، ما بين مَقام الفَرق والجَمع. 

  • فعند مقام الفَرق يُقيمون الأمور والتراتيب الحِسية. 
  • وعند مقام الجَمع يَغيبون عن كل شيء. 

قال سيدنا الإمام الحداد: والعارفون يشتاقون إلى دوام الجمع والحق ينقلهم عنه لطفًا بهم ورحمةً لئلا تتلاشى قواهم؛ كيف؟ قال: وقد دُكَّ الطور لما تجلى عليه سنا ذلك النور. 

لا إله إلا الله.

فالواصلون إلى الله ما بين فَرقٍ وجَمع دائم، فهم متنقلون بين هذا وهذا، فهم في حالة الفَرق يُقيمون حق العبادة وشؤون العبودية، وهم في حالة الجَمع يَغيبون عن أنفسهم وعن كل شيء سوى الحق سبحانه وتعالى.

وَعَلَى مَنَصَّ الجَمْع قِفْ مُتَخَلِّيًا *** عَنْ كُلِّ فَانٍ لِلتَّفَرُّقِ نَافِي

يقول: "وإذا تجلَّى عليهم بكمال صفاته، ولاحت لأسرارهم أنوار ذاته.. كانوا بالحقيقة مجموعين، وعن شهود الأغيار ممنوعين" قال: وهذه غايات القُرب، "وهو القُرب الذي أشار إليه، وعند تجلي هذا المشهد الرحموتي"؛ نسبة إلى الرحمة، ويُقابل عالم الرحموت عالم الرهبوت، الرهبوت والرحموت. 

  • فما يبدو فيه من مُلاطفات الحق وإحسانه وامتنانه يقال له: عالم الرحموت. 
  • وما يبدو فيه انتقامه وبطشه وعذابه يقال له: الرهبوت.

 

قال: "مَا أَرْأَفَكَ بِي!! فَمَا الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ؟!"، فما الذي يحجبني عنك؟ مالي هكذا؟ بأي شيء يحجبني عنك؟ وأنت فوق كل شيء، وأنت الأول والآخر والظاهر والباطن، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ "مَا أَرْأَفَكَ بِي!!". 

قال: "لمَّا رأى من عظيم القرب ما غيَّب عنه ظهور الأغيار"، صَرَّح بنعمة الله عليه "وطمس عنه رؤية الآثار.. قال: "مَا أَرْأَفَكَ بِي" فالرأفة من خصائص فائضات الرحمة، فلذلك تَسمَّى بالرؤوف -والرحيم-، فقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ) -وفي قراءة: (لَرَؤُفٞ)- (رَّحِيمٌ) [البقرة:143]".

وقال عن نبيه المصطفى في انعكاس تَجلي الحق على المؤمنين على الخُصوص قال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128]. فالله وَصَف نفسه بأنه (بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة:143]، ووصف نبيه بأنه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128] ﷺ، ولا شك أن هذا ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا ما يليق بمقام عبده وحبيبه سيدنا محمد ﷺ.

قال: "قال: "مَا أَرْأَفَكَ بِي"، فالرأفة: ظهور أثر الرحمة على المرحوم"، قال: "فَمَا الَّذِي يَحْجُبُنِي عَنْكَ؟!" أنا في خَطأ وضلال في كل ما انقطعت عنك، وكل ما غفلت عنك، ما كان ينبغي لي ذلك حتى أتحقق بمنتك هذه، "وليس لي مشهود سواك ولا موجود -في الحقيقة- إلا إياك؟!"، فما الذي يحجبني عنك؟ أوهام وخيالات من نفوسنا وأهوائنا وغفلاتنا وكلها ليست شيء، ما ينبغي أن تكون حاجبة بيننا وبين ربنا، هو أكبر وأجلّ من ذلك جلَّ جلاله وتعالى في علاه، فلا ينبغي أن ننحجب عنه.

"في رأفتك علقت الآمال يا صمد *** وكشف نور جمال الحق مشهود

فكيف يُحجب من نالته منك يد *** ولا يُضام نزيل الفضل والجود"

الله أكبر!

تعفو الملوك عن النزيل بسوحها *** كيف النزول بساحة الرحمن 

لا إله إلا الله..

قال: "فَمِن آثار تلك الرأفة وظهور تلك الرحمة: ما أشهده قلوب أوليائه، واختص به أرواح أصفيائه؛ من ظهور رحمته في كل شيء"، عنه قالوا:

وَاشْهَد جَمَالًا أَشْرَقَتْ أَنْوَارُه *** فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرًا لَا خَافِي

"فلا يواجهون في الأشياء إلا سر رحمته" سبحانه وتعالى، وبذلك يطالعون سنا رحمته ورأفته ومِنَّته وفضله ولطفه؛ في أيديهم، في أرجلهم، في الثياب التي يلبسونها، في الهواء الذي يستنشقونه، في الأرض الموطدة لهم، في السماء المرفوعة فوقهم لا تسقط! ما أحد يمسكها إلا هو-جلَّ جلاله- وإذا آثار رأفته ورحمته في كل شيء -لا إله إلا الله- ولذلك يقول الحبيب علي الحبشي:

لساني بحمد الله قد أعلنت شكرا *** على نعمٍ لا أستطيع لها حصرا

فما ساعةٌ مرت عليّ ولحظةٌ *** من الوقت إلا جددت عندي البُشرى

أثر رحمته في كل شيء؛ في الماء هذا أثر رحمته، والأواني التي خلقها لنا لحفظ الماء وغيره، سبحان الله!.. سواء من طين أو من خشب؛ من مظاهر رحمته ورأفته  خلقها هو وكوّنها لكي ننتفع لكي تُسَخَر لنا، وخلق النار تذكرة لنا في الدار الآخرة، وتعليم لنا لنشم ريح العود وإلا لن يظهر لنا ولكن نَعرضه على النار فيظهر لنا ريح العود، ومعاني كثيرة من الرحمن؛ ننجّح بها طعامنا و نتدفأ بها وقت بردنا، وأشياء كثيرة، فرحمته ورأفته موجودة في كل شيء؛ خشب أو حجر أو حديد أو هواء أو ثوب، مظاهر رحمته مبثوثة سبحانه وتعالى.

وقال: أكرمتني بتقلب الأطوار والآثار واختلافها مِن أجل أن يتسع نطاق معرفتي بك وآثار عظمتك ورحمتك، لو أبقيتني في حال واحد سينقص عليّ إدراك معاني رحمتك الواسعة والعظيمة، لكن قَلَّبت وبَدلت، وطلَّعت ونزلت، وقرّبت وبعّدت، وليل ونهار، ونهار وليل، وشمس وقمر ونجوم، كله من ليجتمع لي من سر معرفتك مجموع كثير كبير.

قال: "إِلَـٰهِي؛ قَدْ عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَتَنقُّلَّاتِ الْأَطْوَارِ" -استفدتُ علمًا- "أَنْ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ"، ولا أغفل عنك بهواء ولا بماء، ولا بطعام ولا بِلِباس، ولا بمنام ولا بيقظة، ولا بحركة ولا بسكون، ولا بأخذ ولا بعطاء، ولا بمحبة ولا ببغضاء، ولا بقليل ولا كثير، ولا كبير ولا صغير، ما أنقطع عنك بشيء من هذه الأشياء، بل أزداد معرفةً بك وقربًا منك؛ وكان هذا من أعظم حِكمك في تنويع الكائنات والمخلوقات وتقليبها من أجل تُبدي لي عجائب كرمك وجودك وإحسانك وألطافك وعظمتك، فلولا هذا التقلّب وهذا الاختلاف لما وقفتُ على سر اتساع رأفتك وقدرتك وحِكمَتِك وعَظَمَتِك ومِنَتِك، ولكن بهذه التَّقَلُبات في الأطوار شؤون يبديها ولا يبتديها، (كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29].

(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26] أطوار وتقلبات تُفيدَك؛ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة:164]، دلالات وإشارات وتَعَرُفات ومُطالَعات لقومٍ يعقلون، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً)؛ يخلف هذا هذا، وهذا هذا، (لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62]، (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء:12] لا إله إلا الله.

مظاهر قدرته وعظمته في كل شيء في الوجود، (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، يقول سبحانه وتعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات:20-23]، يقول: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أنت وعَينك وأذنك وشعرك وبشرك كلها آيات وعلامات ودلالات، هو كَوَّنها، هو عيَّنها، هو رَتبها.. (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، وإلا من أين جئت بهذه؟ عسى ما جئت بها من مخزن الأمم المتحدة! من أين جئت بها؟ من أين جئت بالعينين حقك والأذنين؟ من عند حكومة أو من شركة أو من مؤسسة؟ (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) [البلد:8-11]، ما يمشي في الطريق سواء ويرتفع في الدرجات، خير له من أن يبقى محصورًا محجوبًا مبعود؟ لا إله إلا الله.

يقول: "إِلَـٰهِي" .. "الظاهر لي برحمته والمتجلي لي في كل شيء بتمام نعمته وكمال منته وعظيم محبته " قَدْ عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَتَنقُّلَّاتِ الْأَطْوَارِ: أَنْ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ"، وهذا العلم الذي أشار إليه هو ما اختصه الله به من علمه المكنون وسره المخزون، الذي من علمه ارتقى به إلى رتبة الكشف عما دخل تحت تكوين الكاف والنون"، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل:40]؛ الله أكبر، لا إله إلا الله.

"وإذا عَلَّم الله عبدًا هذا العلم" اللهم عَلِّمنا.. "كان حكيمًا"، (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:269]. 

قال: "واختلافها"، "واختلاف الآثار تبصرة لذوي الأبصار؛ ففيها ما لا يخفى من تصاريف الاعتبار، (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر:2]، عَبَرَ أهل الاعتبار إلى تحت ستور الآثار من اسمه النافع أو الضار"، أو الرافع أو الخافض، أو المعطي أو المانع، أو الكريم الجواد، أو المنتقم الجبار، أو المحيي أو المميت؛ أسماؤه تحت هذه الكائنات كلها تدل عليها، "وغير ذلك من تقلبات الآثار."

 

 

 إلى أن قال:

"فلو كان أقمتني في حالة واحدة لم تنقلني عنها: ضارة أو سارة، حلوة أو قارة.. لكنتُ ناقص المعرفة عن كمال ظهورك في متعددات مظاهر ألوهيتك.

فإذا كان ما يتجلَّى به من المؤلمات والملائمات مما يورث العارف زيادة معرفة.. فكانت الأشياء له كلها تعرُّفات خاصة ونعمًا من الله سابغة، وهو بعض وجوه الآية في قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]، كما سمعنا ذلك غير مرةٍ من شيخنا العارف بالله السيد الشريف عمر بن عبد الرحمن باعلوي نفع الله به: أن النعم الظاهرة: هو ما ظهر من النعم، والباطِنة: ما انطوى من التعرُّف في المحن، وكتب بذلك مستشهدًا به للشيخ علي بن محمد بامزاحم ساكن بروم، لما شكا إليه بعض ما ناله من المحن.

وإذا كان الأمر كذلك.. فالنعمة الباطنة فيها ما لا يخفى من المزيد لسائر العبيد؛ أما المقربون.. فلما تزداد به معرفتهم التي يصغر إلى جنبها كل شيءٍ من أصناف النعيم.

وأما أصحاب اليمين وعموم المؤمنين.. فلما ينالون من الثواب الجسيم، ويكفر عنهم من السيئات، ويدفع عنهم من العقاب؛ كما وردت بذلك كله الأخبار، وشهدت به الآثار.

وهذه التأثيرات كثيرة، مثل: الصحة والمرض، والغنى والفقر، والعز والذل، والطاعة والمعصية، ولك فيما ظهر منها تعرُّف خاص، من تجلِّي اسمٍ خاص، ولا يكون شاهدًا للاسم وغائبًا عن المسمى، وغاية النعيم ومنتهى كل مقصد ومطلب.. هو شهوده، وتحقق وجوده.

وأما تنقلات الأطوار.. فهي تنقلات الأحوال وتغاير الواردات، فهي من متعلقات القلوب، وتجليات أسرار الغيوب، فهي لأرباب القلوب مشهودة، وعند ذوي الأحوال موجودة؛ كالقبض والبسط، والخوف والرجاء، والهيبة والأنس، والوجد والفقد، وكل ذلك أيضًا تعرُّفات وصفية وتجليات ذاتية، يعرفها من وصل إليها، وتحققها من طافت بسرِّه لديها، وأما عموم الخلق.. فليس لهم إلى تنقلات الأطوار سبيل، وإنما هم في شهود اختلاف الآثار.

والإرادة محيطه بكل ذلك، لا تنقلب عنها لمحة ناظر ولا فلتة خاطر، ومن أشرف على علم الإرادة.. كان تاركًا لاختياره، راضيًا عن الله في جميع ما يوصله إليه من نفع وضر، فلا أعز منه علمًا".

 

لا إله إلا الله. 

يقول: "فلو كان أقمتني في حالة واحدة لم تنقلني عنها: ضارة أو سارة، حلوة أو قارة.. لكنتُ ناقص المعرفة عن كمال ظهورك في متعددات مظاهر ألوهيتك"، فأسرار ألوهيته سارية في كل شيء جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

نَوَّر الله قلوبنا وإياكم ورَزَقنا الحضور الدائم معه.

يقول: "فإذا كان ما يتجلَّى به من المؤلمات والملائمات مما يورث العارف زيادة معرفة.. فكانت الأشياء له"؛ أي: للعارف، "كلها تعرُّفات خاصة ونعمًا من الله سابغة، وهو بعض وجوه الآية في قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]". 

ويذكر الشيخ علي باراس عليه رحمه الله عن شيخه الإمام عمر بن عبد الرحمن العطاس أن من معاني  (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً):

  • أن الظاهرة التي يُحَس بها ويُشعَر بها مِن الصحة والعافية والتوفيق والعِلم والعمل كلها ظاهرة.
  • قال: ولكن الباطنة يُرسل لك مرض يُقَرِّبَك به ويأجرك عليه، يوقعك في شدة يُخَلِّصَك بها مِن آفات مِن نفسك ما بتتخلص بها سنين عديدة إلا بهذه الشدة، عجيب!.. نِعَم باطنة طيّ المصائب وطيّ الشدائد، يقول نِعَم فكلها نِعَم تتحول للمؤمن نِعَم، لا إله إلا الله.

قال: "كما سمعنا ذلك غير مرةٍ من شيخنا العارف بالله السيد الشريف عمر بن عبد الرحمن"، عمر بن عبد الرحمن العطاس بن عقيل بن سالم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن السقاف، يقول: "أن النعم الظاهرة: هو ما ظهر من النعم، والباطِنة: ما انطوى من التعرُّف -الإلهي للعبد- في المحن، وكتب بذلك مستشهدًا به للشيخ علي بن محمد بامزاحم ساكن بروم" لما كتب الشيخ بامزاحم عليه رحمه الله تعالى مِن بروم يشكو إلى الحبيب عمر بعض ما ناله من المحن، فكتب إليه أَن فيها نِعَم باطنة!.. ولهذا كان يقول بعضهم: 

جزى الله المصائب كل خير ***  أفادتنا علومًا نافعات

علومًا ما قرأناها في كتاب *** ولا تلقيناها عن الرواة

حَصَّلناها في الإمتحانات هذه والإختبارات عَلَمَتنا، لا إله إلا الله، وهكذا كم لله.. قال سبحانه وتعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، فيا عَلَّام ثَبِّتنا على ما تحبه في كل خاص وعام، ونية وقصدٍ وفعلٍ وكلام، وأعظم علينا من الإنعام ظاهرًا وباطنًا  في لطف وعافية يا كريم.

قال: "وإذا كان الأمر كذلك.. فالنعمة الباطنة فيها ما لا يخفى من المزيد لسائر العبيد؛ أما المقربون.. فلما تزداد به معرفتهم التي يصغر إلى جنبها كل شيءٍ من أصناف النعيم"، معرفة الرَّب كل نعيم دونها، كل نعيم أقل منها، معرفة الرَّب -جلَّ جلاله- اللهم وفر حظنا من هذه المِنة، تَعَرَّف إلينا فَنَعرِفَك يا كريم يا عظيم المِنة والرحمة. 

قال: هذا أصحاب  المُقَرَبون، "وأما أصحاب اليمين وعموم المؤمنين.. فلما ينالون من الثواب الجسيم، ويكفر عنهم من السيئات، ويدفع عنهم من العقاب؛ كما وردت بذلك كله الأخبار، وشهدت به الآثار"، فكم من شدة يُدفع بها شدائد كثيرة، وكم من بَلية يُدفع بها أضعافها مِن البلايا بسببها، فترجع نعمة على صاحبها إلى غير ذلك.

وقال: 

  • أصحاب اليمين يلاحظون ما يندفع عنهم مِن العقاب ومِن الشدائد وما يَحصل لهم من الثواب. 
  • وأما المُقَربون ما يزدادون به في المعرفة الخاصة بالإله، قال: هذا نَعيم دونه كُل نَعيم، كل النعيم الآخر دون هذا النعيم، هذا أعظم نعيم؛ نَعيم المعرفة بالرحمن.

 اللهم لا تحرمنا ووفر حظنا يا ربنا. 

قال: "وهذه التأثيرات كثيرة، مثل: الصحة والمرض، والغنى والفقر، والعز والذل، والطاعة والمعصية، ولك فيما ظهر منها تعرُّف خاص". حتى كان يقول سيدنا جعفر الصادق: ما أُحب أن لي بنصيبي من الذل حُمرٌ النِّعم، لي نصيب من الذل أنا أرقى فيه مراقي جليلة، قال: ما أحب أن لي بدله حُمر النِّعَم، قال: هذا هو أحسن وأطمن وأضمن قال هو هذا هو، -لا إله إلا الله- عليهم رضوان الله.

قال: "ولك فيما ظهر منها تعرُّف خاص، من تجلِّي اسمٍ خاص"، فمن أين تعرف اسمه المُعافي إذا ما شي صحة وإذا ما شي مرض كذلك؟ من أين تَعرِف اسمه المغني إذا ما شي فقر وما شي غنى؟ من أين تَعرِف اسمه؟!.. و العز والذل وكل أسمائه المعز المذل والرافع والخافض، من أين تعرفها؟ يجيء لك رفع وخفض، تَعرِف الرافع وتَعرِف الخافض، تَعرِف المُعطي، تَعرِف المانع، تَعرِف المُغني، تَعرِف النافع، تَعرِف الضار، سبحانه عز وجل.

قال: "ولا يكون شاهدًا للاسم وغائبًا عن المسمى، وغاية النعيم ومنتهى كل مقصد ومطلب.. هو شهوده، وتحقق وجوده.

وأما تنقلات الأطوار.. فهي تنقلات الأحوال وتغاير الواردات، فهي من متعلقات القلوب، وتجليات أسرار الغيوب، فهي لأرباب القلوب مشهودة"، يتنقل من طور إلى طور، "وعند ذوي الأحوال موجودة؛ كالقبض والبسط، والخوف والرجاء، والهيبة والأنس، والوجد والفقد، وكل ذلك أيضًا تعرُّفات وصفية وتجليات ذاتية، يعرفها من وصل إليها" اللهم أوصلنا في عافية. 

"وتحققها من طافت بسرِّه لديها، وأما عموم الخلق"؛ أمثالنا-.. "فليس لهم إلى تنقلات الأطوار سبيل، وإنما هم في شهود اختلاف الآثار".

"والإرادة" -الربانية- "محيطةٌ بكل ذلك"، تنقلات الأطوار واختلاف الآثار "والإرادة محيطه بكل ذلك، لا تنقلب عنها لمحة ناظر ولا فلتة خاطر، ومن أشرف على علم الإرادة" -الإلهية-.. "كان تاركًا لاختياره"، فأَترُكُ ما أريد لما يريد، الحق يقول لنا في الحديث القدسي: "عبدي أنت تُريد وأنا أُريد، فإن سَلَّمتَ لي فيما أُريد كَفَيتُكَ ما تُريد، وإن لم تُسَلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أُريد" جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

فوِّض له أمورك وأحْسِن فيه الظنون

قال: "كان تاركًا لاختياره" لمَّا أشرف على عِلم الإرادة، "راضيًا عن الله في جميع ما يوصله إليه من نفع وضر، فلا أعز منه علمًا"؛ اللهم علمنا.

 

 

رضي الله عنكم، إلى أن قال:

"فمن أراد غير ذلك، أي: رأى أن يكون بحالة يختارها لنفسه.. فقد أعوز المعرفة؛ فعبد الله يسأل الله أن يشعره لطفه وحسن اختياره له في كل ما قضاه، ولا يطلب أن ينقله عن حالةٍ هو فيها إلا ما قد علم أن الله يرضاه له، كالإيمان مثلاً؛ فإنه يطلبُ الثبوت عليه، وكل ما علم أنه لا يرضاه له؛ كالكفر وما والاه.. فيطلبُ اللهَ أن يحفظه عنه ويعصمه منه؛ وذلك لأن كل ذلك ليس من تدبير العبد واختياره، بل من تدبير الله واختياره، والشر فيه ظاهر، والإيمان أيضًا الخير فيه ظاهر، بخلاف ما عدا ذلك من سائر الأحوال؛ فالأمر فيه غيبٌ لا يدري العبد خيره من شره، فيكون عبد لله حيث أقامه، ولا يكون ممن قلَّ فهمه عن الله؛ إن ورد عليه غير ملائمٍ لطبعه وموافقٍ لحظه.. سخط وتبرَّم، فيصدق عليه قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ) [الحج:11].

ولكن المطلوب من العبد: أن يكون حريصًا على حق العبودية لله في كل حالة تردُ عليه من الله؛ 

  • فأما إن كانت من قبيل النعمة.. فحقُّ العبد أن يقوم الله فيها بالشكر. 
  • وإن كانت من قبيل الطاعة.. فشهود المِنَّة لله. 
  • وإن كانت من قبيل الذنب.. فالتوبة والاستغفار. 
  • وإن كانت من قبيل البلية.. فالصبر. 

فالأمر دائر على هذه الأحوال، ولي في ذلك:

لقد علمتُ بأنَّ للهَ حكمته *** في اختلافات آثار المقادير

وما تلوَّنَ من حالٍ برحمته *** في ما كمنْ تحت مكنون التباشيرِ

أن يشهد العارف أنَّ الكل نعمته *** في كل واردٍ من حُكم المقادير

له زيادة قرب أو نيل مِنّته *** تحت المعاني وأطوار التصاوير

 

إِلَـٰهِي؛ كُلَّمَا أَخْرَسَنِي لُؤْمِي .. أَنْطَقَنِي كَرَمُكَ، وَكُلَّمَا آيَسَتْنِي أَوْصَافِي.. أَطْمَعَتْنِي أَوْصَافُكَ

 

"إِلَـٰهِي" بمعنى المولى الكريم المتفضِّل، المحسن الغني، ذي الصفات العلا والأسماء الحسنى "كُلَّمَا أَخْرَسَنِي لُؤْمِي .. أَنْطَقَنِي كَرَمُكَ، وَكُلَّمَا آيَسَتْنِي أَوْصَافِي .. أَطْمَعَتْنِي أَوْصَافُكَ". 

"كُلَّمَا"، يقتضي التكرار كذلك، والعبد أبدًا واقع في الأفعال التي تورث اللوم بين يدي سيده؛ لأن العبد ناقص في الأصل، فلا يصدر عنه من الأفعال إلا النقص، والأفعال متفرعة عن الذات الصادرة عنها.

وقد علمت ما ذات العبد عليه من النقص، فإذا شهد ما منه من الأفعال الناقصة الملومة والخصال الرذيلة المذمومة.. أخرسَتْ لسانه عن الكلام، وإذا أُشهِد الصفات العلية، والنعوت الكاملة الأزلية.. غابت عنه صفاته، واضمحل عنه شهود ذاته، فرأى الكمال العلي نطق وأوسع في الكلام، كيف لا وقد لاح تيار الكرم العميم والفضل العظيم؟! فأنى يفنى المقال بعبارته، أو تفصح المقالة بإشارته؟!

كلا لا يصل تعبير المعبرين، ومقال المتبحرين إلى غبرة من رماله، ولا رشحة من بحار نواله، فكيف يقصر في الكلام عند شهود مواهب ذي الكرم والجود؟! أو كيف ييئس عند تجلي اسمه الرحيم الودود؟! فهنا طمع في نيله أهل المعاصي والجحود، فكيف بأهل الإيمان والشهود؟! ولي في ذلك:

فكلما أخرستني قبح معصيتي *** لا شك تنطقني من وصفك الكرم 

وكلما آيستني كل مفظعة *** مني إليك طمعت في فضلك العمم"

 

اللهم صل على محمد. 

يقول عليه رحمة الله: من أراد غير ما رتبه الحق وأراده؛ "أن يكون بحالة يختارها لنفسه.. فقد أعوز المعرفة"، أي: اتهم بالعَوَزِ عِلمُ الله تبارك وتعالى وإحاطته، لذا قال: "فعبد الله يسأل الله أن يشعره لطفه وحسن اختياره له في كل ما قضاه"، ويقول: لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، "ولا يطلب أن ينقله عن حالةٍ هو فيها إلا ما قد علم أن الله يرضاه له، كالإيمان مثلاً"؛ لأن أشياء نَعلَم الخير والشر فيها بِعلم الله -تبارك وتعالى تقديره- وأشياء غيب عنا مُتَرَدِدين ما نَعرِفها وليس لنا في إدراك لحقيقتها، الأمر فيها غيب بالنسبة لنا: 

  • فما الأمر فيه غيب ما نجزم أن نقول أنه كذا إلا إن عَلِمتَ أن لنا فيه الخير يارب. 
  • وأما الأمر الذي فيه خير واضح مثل: إيمان ويقين، مثل زهد مثل تقوى، مثل صبر، اطلبها من الله ما عليك أي شيء اطلبها منه، وطلبك لها عبودية وأدب. 
  • وأشياء كذلك هي شر محض وكفر ونفاق وكذب، اطلب ربك يبعدك منها وينقلك عنها إن كنت فيها. 
  • وأما الغيوب الثانية ما تدري أنت هنا ولا هنا، صحة ولا مرض، سفر ولا إقامة، هذا ما تدري به، فوِّضه له، ولا تسأله شيء إلا بربطه واستثناؤه: إن عَلِمت لي فيه الخير وأن عَلِمتَ فيه، وإلا فهو أعلم سبحانه وتعالى، لا إله إلا الله.

وأما العبد الغافل؛ "يكون ممن قلَّ فهمه عن الله؛ إن ورد عليه غير ملائمٍ لطبعه وموافقٍ لحظه.. سخط وتبرَّم"، "وإن ورد عليه ملائم وموافق شمخ وتكبر؛ فهذا "يصدق عليه قوله سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ) [الحج:11].

ولكن المطلوب من العبد: أن يكون حريصًا على حق العبودية لله في كل حالة تردُ عليه من الله؛ 

  • فأما إن كانت من قبيل النعمة.. فحقُّ العبد أن يقوم الله فيها بالشكر. 
  • وإن كانت من قبيل الطاعة.. فشهود المِنَّة لله. 
  • وإن كانت من قبيل الذنب.. فالتوبة والاستغفار، والندم والرجوع.
  • وإن كانت من قبيل البلية.. فالصبر".

فهذه عبودية العبد لربه جلَّ جلاله "ولي في ذلك:

لقد علمتُ بأنَّ اللهَ حكمته *** في اختلافات آثار المقادير

وما تلوَّنَ من حالٍ برحمته *** في ما كمنْ تحت مكنون التباشيرِ

أن يشهد العارف أنَّ الكل نعمته *** في كل واردٍ من حُكم المقادير

له زيادة قرب أو نيل مِنته *** تحت المعاني وأطوار التصاوير"

 

يقول: "إِلَـٰهِي؛ كُلَّمَا أَخْرَسَنِي لُؤْمِي.. أَنْطَقَنِي كَرَمُكَ"، إذا أخرسني لؤمي؛ لنقص العبد. "والعبد أبدًا واقع في الأفعال التي تورث اللوم بين يدي سيده؛ لأن العبد ناقص في الأصل، فلا يصدر عنه من الأفعال إلا النقص، والأفعال متفرعة عن الذات الصادرة عنها.

وقد علمت ما ذات العبد عليه من النقص، فإذا شهد ما منه من الأفعال الناقصة الملومة والخصال الرذيلة المذمومة.. أخرسَتْ لسانه عن الكلام، وإذا أُشهِد الصفات العلية، والنعوت الكاملة الأزلية.. غابت عنه صفاته، واضمحل عنه شهود ذاته، فرأى الكمال العلي نطق"، ينطق فنطق: " أَنْطَقَنِي كَرَمُكَ، وَكُلَّمَا آيَسَتْنِي أَوْصَافِي" عن رحمتك .."أَطْمَعَتْنِي أَوْصَافُكَ"، فوصفي المذنب لكن وصفك الغفور، فإذا آيسني وصفي الذنب، جاء وصفك الغفور التواب وأطمعني، وزجَّ بي في الطمع فيما عندك (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر:53]، والله أعلم.

 

يرزقنا حُسن السباق، ويحلّينا بأحسن الأخلاق، ويثبتنا في أهل التلاق، ويرعانا بما رعى به أهل الوِفاق، ويعيذنا من جميع الزيغ والزلل والنفاق، وينظمنا في سلك الحبيب وأهل التقريب، ويوفر لنا الحظ والنصيب، ويفرِّج كروبنا وكروب الأمة، ويكشف عنَّا كل غمة، ويتمِّم لنا النعمة، ويبسط لنا بساط الجود والرحمة، ويعاملنا بفضله وما هو أهله، مع صلاح الشأن كله لنا ولكم ولأهل لا إله إلا الله، ويختم لنا بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة 

تاريخ النشر الهجري

11 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

24 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام