المكاتبات والمناجاة الإلهية - 17 | أم كيف أترجم إليكَ بمقالي وهو مِنْكَ بَرَزَ إِليك

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم السبت 2 ربيع الأول 1448 هجري.

"أَمْ كَيْفَ أُتَرْجِمُ إِلَيْكَ بِمَقَالِي وَهُوَ مِنْكَ بَرَزَ إِلَيْكَ؟!"

"أَمْ كَيْفَ تَخِيبُ آمَالِي وَهِيَ قَدْ وَفَدَتْ إِلَيْكَ؟! أَمْ كَيْفَ لَا تَحْسُنُ أَحْوَالِي وَبِكَ قَامَتْ وَإِلَيْكَ؟!"

" إِلَهِي: مَا أَلْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي! وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي!!"

"إِلَهِي، مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي!! وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ"

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"أَمْ كَيْفَ أُتَرْجِمُ إِلَيْكَ بِمَقَالِي وَهُوَ مِنْكَ بَرَزَ إِلَيْكَ؟!"

"أَمْ كَيْفَ" أي: عجبًا كيف أترجم؟! والترجمةُ: التفهيم باللسان عما انطوى عليه الجَنان، فكيف أُبَيِّنُ أمرًا وأنت الذي أبرزته على جناني قبلَ أن تنطق به لساني؟! فعلمك المحيط الذي أحاط بأوائل الأمور وأواخرها، وببواطن الأعيان وظواهرها، فكيف الترجمة هنالك؛ وإظهار ما هنالك؛ إذ شاهد الحقيقة ذلك؟! اللهم إلا أن تكون الترجمة باللسان عبودية للرحمن، وإظهارًا لسرِّ غناه في شهادة الأعيان، فذلك مطلوبٌ أيضًا من الإنسان في الشرائع والأديان، ولي في ذلك:

فالترجمان لمن لا يفهم الخبر *** والله جلَّ عن التشبيه بالبشرِ

 لا تركننَّ إلى التمثيل بالغِيَرِ *** ولا تعطله عن عينٍ ولا أثرِ

 

"أَمْ كَيْفَ تَخِيبُ آمَالِي وَهِيَ قَدْ وَفَدَتْ إِلَيْكَ؟! أَمْ كَيْفَ لَا تَحْسُنُ أَحْوَالِي وَبِكَ قَامَتْ وَإِلَيْكَ؟!"

فهذا من المصنف انعطاف، إلى نيل الظفر والإسعاف، بمزيد الألطاف، وتملق بما تحقق من عظيم الفضل والإتحاف ، بنيل مأمول الوصل.

وهذا هو تحقيق رجاء السالكين، وبغية نجباء المريدين، وثمرة غرس أعمال الصادقين؛ أن يتحققوا في الله بحسن الظن ألا يخيب آمالهم الوافدة عليه، والمتوجهة بكلية همتها إليه".

 

لا إله إلا هو.

يقول في تضرعه إلى الله ودعائه وابتهاله ومناجاته: "إِلَهِي أَمْ كَيْفَ أُتَرْجِمُ إِلَيْكَ بِمَقَالِي وَهُوَ مِنْكَ بَرَزَ إِلَيْكَ؟!"؛ ما أُبينه وأذكره بمقالي، قد علمته من قبل وقوعه وبعد وقوعه وقبل أن أقول فما أدعو وأبين لأُعلمك، ولكن لكي أُثبت عبوديتي لك، ولأثبت فقري وحاجتي إليك.

فَدُعَائِي وَابْـتِـهَـالِـي *** شَاهِدٌ لِى بافْتِقَارِي

فَلِهَذَا السِّرِّ أَدْعُو *** في يَسَارِي وَعَسَاري

وإلا ما يحتاج بيان سبحانه وتعالى؛ لكن بياننا وشكوانا لتثبيت عبوديتنا وفقرنا وحاجتنا، وإعلان اضطرارنا إلى ربنا جل جلاله، ونحن نعمل ذلك عبوديةً له، أما علمه "أحاط بأوائل الأمور وأواخرها، وببواطن الأعيان وظواهرها، فكيف الترجمة هنالك" إلا أن تكون عبوديةً للرحمن.

يقول: أو كيف تخيب آمالي في كل من صدق مع الله، وتوجّه إلى الله، ورجا الله وعمل بمقتضى ذلك بما يستطيع، كيف يخيب والآمال وفدت إلى الرحمن الرحيم، الملك الكريم، الوهّاب العظيم جل جلاله؟

يقول:
من توجــه نحو بابــــــــك *** ما رجع من ذاك خائب
واغفــر اغفر ذنب عبـــــــدٍ *** قد أتى نحوك تـــــائب

جل جلاله وتعالى في علاه، فيا فوز الذين وفدت آمالهم على رب العالمين فهو لا يخيب الآمال؛ لكن إذا وفدت على الغير فمحل الخيبة، أما إذا وفدت على رب العالمين فهو يعطي فوق الأمل، هكذا عادته دائمًا يعطي فوق الرجاء ويعطي فوق الأمل سبحانه، لكن توجه إليه بالصدق.

قال: "تملُّقٌ بما تحقق من عظيم الفضل والإتحاف، بنيل مأمول الوصل.

وهذا هو تحقيق رجاء السالكين، وبغية نجباء المريدين، وثمرة غرس أعمال الصادقين؛ أن يتحققوا في الله بحسن الظن".

وَلِحُسُن الظَّنَّ ألازم *** فَهْوَ خِلِّي وَحَلِيفِي

وَأَنِيسِي وَجَلِيسِي *** طُولَ لَيْلِي وَنَهَارِي

 

والمواهب جميعًا والمِنن *** تحت حُسن الرجاء فاحطط هنا 

انزل هنا.

حسِّن ظنونك بالمولى ترى البُشرى *** فالربُّ عند ظنون العبد فلتدرى 

جاء الحديث بذا فاصغِ إلى الذكرى *** والبَس من الصبر سربالًا لدى الضجر 

واسأل من الله كشف البؤس والضرر

لا إله إلا الله..


سقياً لأيامنا اللاتي *** مرَّت لنا بالحمى المأنوس 

كانت بها كل لذاتي *** في عالم الروح والمحسوس

لولا الترجّي لما يأتي *** من نفحات الملك القدُّوس 

لمزقَّت قلبي الأحزان *** وذُبتُ من شِدَّة الكَربِ

يقول الشيخ بامخرمة: 

………………………………. *** فإن لولا الرجاء في الله وحسن العقايد 

في الرجال الذين زانوا صفوف المساجد *** كان ماعادنا باغي في العمر زايد

 

 …………………………. *** وَإِنَّ الرَّجَا فِي الله أَسْنَى ذَخَـائِـرِي

"أنا عندَ ظَنِّ عَبْدي بي، فلْيَظُنَّ بي ما شاءَ"، له الحمد والمنة.

قال: "يتحققوا في الله بحسن الظن ألا يخيب آمالهم الوافدة عليه، والمتوجهة بكلية همتها إليه".

تحت باب الرجا وقفتُ بذلِّي *** فأغثني بالقصد قبل المنيّة

والرسول الكريم باب رجائي *** ………………….

ولولاه ما عرفنا الرجاء ولا التوجه إلى المولى.

…………………….. *** فهو غوثي، وغوث كل البرية 

فأغثني به، وبلِّغ فؤادي *** كل ما يرتجيه من أمنيّة

واجمع الشمل في سرورٍ ونورٍ *** وابتهاج بالطلعة الهاشمية

وجه ما أوجه منه، وجه ما أنور منه، وجه ما أكرم على الله منه، يخص الله برؤيته بالمحبة والتعظيم من شاء من عباده في الدنيا والبرزخ والآخرة، وكان سُئل الإمام عبد العزيز الدباغ: هل يوجد شيء ألذ من نعيم الجنة؟ قال: نعم، الاجتماع بالنبي يقظة! لو جمع الله شملك بالنبي يقظة نعيم أعظم مما في الجنان، صلى الله على سيد الأكوان. 

ويشهد لذلك أحوال الصحابة فإنهم ما رضوا بالجنة من دون الاجتماع به ومن رؤيته، وتألموا لذلك ألم حتى بشّرهم الحق أنهم يرونه ويجتمعون به في الجنة. لهذا يقول الإمام الحبيب علي الحبشي:

في جنة ما شاقني من وصفها *** إلا لكون الحِبِّ فيها خيّما

 

رضي الله عنكم،  إلى أن قال:

"والوفد: هو وصف القادم النازل المحبوب المفروح بقدومه؛ كما قال الله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا) [مريم:85]

 

"أَمْ كَيْفَ لَا تَحْسُنُ أَحْوَالِي وَبِكَ قَامَتْ وَإِلَيْكَ؟!"

 بفنائها عن نسبتها بسائر أحوالها وقواها؟! وهذا من المصنف إشارة منه إلى تطوره في مظاهر الحقيقة وترقيه، ولي في ذلك:

فكيف ترجع آمالي وقد وفدت *** إليك خائبة حاشاك يا صمد 

وكيف لا تحسن الأحوال وهي كذا *** إليك نسبتها بالجود والمدد

فلما أنس من فضل الله ما لم يكن له به استعداد، ورأى من تجلي سر الوداد ما زاد على المراد.. أخذ في الاعتراف له بذلك، وعدم استحقاق نفسه لِمَا هنالك؛ وذلك مما يعطيه مقام المعرفة، فقال:

 

" إِلَهِي: مَا أَلْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي! وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي!!"

"إِلَهِي": بمعنى  اللطيف بي والحليم عني، "مَا أَلْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي!! وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي!!" إلهي ومنتهى آمالي وبغية لطائف أحوالي، ما ألطفك مع عظمتك وعلو كبريائك بي؛ لمهانة صورتي وعظيم جهلي.

فلولا عظيم لطفك بي... لما تخلفت عني عقوبة جرائمي، وهذا شأن أهل الإيمان؛ كما رُوي في الحديث: "إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخشى أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كالذباب على وجهه فقال به هكذا"، فرؤيته لذلك توجب الحياء من الله، والوقوف على حد العبودية بالافتقار والذل والذلة والانكسار.

 "وَمَا أَرْحَمَكَ بِي"؛ لأن سر رحمتك هو القيام بوجودي مع قبيح فعلي، فقبيح الفعل: ما يجترحه العبد على خلاف أمر سيده، فلا أقبح فعلاً ممن يستعين بعطائه وغوامر آلائه على معاصي سيده، فهذا أقبح كل قبيح!! فلولا عميم رحمته وشمول رأفته.. لأدركت العاصين لله أنواع العقوبات، على ممر الساعات واللحظات، ولي في ذلك:

لطائف الله للإنسان شاملة *** وإن تعاظم جهل فالإله علي 

ورحمة الله في الأكوان سابغة *** لا تمتنع بقبيح الفعل والزلل

 

قال المؤلف رضي الله عنه: 

"إِلَهِي، مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي!! وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ"

 "إِلَهِي"؛ بمعنى اللطيف في عظمته والداني في رفعة تعاليه "مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي!! وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ!!" ما أقربك بشمول إحاطتك بي، واستغراق معيتك لباطني وظاهري وسائر لطائفي، وقيام أمرك على سائر أحوالي، وشهودك لسائر شؤوني المكنونة، وسائر أعمالي المتلونة، "وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ" في المناسبة والمشاكلة، وفي الذات والصفات والأفعال. 

وذلك لظهور حكمته البالغة أن أوجد الخلق وجعل لهم ذوات وصفات وأفعالاً، لتظهر عظمة ربوبيته العلية ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا على هذه الرقعة العبدية ذاتًا ووصفًا وفعلًا، ولي في ذلك:

قُرْبُ الإله من الأشيا برحمته *** وما أحاط بها من علمه الأزلي 

 وبُعدها عنه من حيث الصفات كما *** الذوات كذا الأفعال لا مثل"

 

سبحان الله عز وجل؛ يقول: "والوفد: هو وصف القادم النازل المحبوب المفروح بقدومه؛ كما قال الله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا) [مريم: 85]"، المجرمين ما قال عنهم وفدًا، قال: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم: 86] ما لهم وفادة ولا كرامة.

قال: "أَمْ كَيْفَ لَا تَحْسُنُ أَحْوَالِي وَبِكَ قَامَتْ وَإِلَيْكَ"، بفنائها عن نسبتها بسائر أحوالها وقواها؟! وهذا من المصنف إشارة منه إلى تطوره في مظاهر الحقيقة وترقِّيه". قال: أحوالي ما قامت به فبِك، وهي  متوجهة إليك، والمقصود أنت بها، فإذا كان كذلك كيف ما تحسن؟.. شيء أُريد به وجهك وقُصِدت أنت به، وكان من فضلك عليّ، سيحسن ويصلح، القصد أنه يتوجّه إليك ولا يكون له غرض غيرك؛ فالله يكرمنا وإياكم بصدق الوجهة إليه والقبول لديه.

"فلما أنِس من فضل الله ما لم يكن له به استعداد، ورأى من تجلي سر الوداد ما زاد على المراد.. أخذ في الاعتراف له بذلك، وعدم استحقاق نفسه لِمَا هنالك؛ وذلك مما يعطيه مقام المعرفة، فقال:

 "إِلَهِي: مَا أَلْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي !! وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي!!"

 فأنا عظيم الجهل وأنت لطفك قوي عظيم، وأنا قبيح الفعل ورحمتك كبيرة فوقي.. لا إله إلا الله! قال سيدهم: "أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ"؛ يا رب صلّ عليه، وارزقنا حسن متابعته. واجعل كثيرًا من أهل مجامعنا ودورتنا يفوزون بحسن متابعته في حقيقة هذا الدعاء وفي غيره من الخيرات والأحوال الشريفات، آمين.

"مَا أَلْطَفَكَ بِي مَعَ عَظِيمٍ جَهْلِي!! وَمَا أَرْحَمَكَ بِي مَعَ قَبِيحِ فِعْلِي!!"

قال: "إلهي ومنتهى آمالي وبغية لطائف أحوالي، ما ألطفك مع عظمتك وعلو كبريائك بي؛ لمهانة صورتي وعظيم جهلي.

 فلولا عظيم لطفك بي... لما تخلفت عني عقوبة جرائمي، وهذا شأن أهل الإيمان"، لو واحد من ذنوبي أو ذنب من ذنوب أحد الحاضرين آخذنا الله به؛ ما اجتمعنا هذا الاجتماع، ولا قام الدورة ولا المجلس، لكنه.. لكنه يرحم، يتفضّل، يجود، يحسن، وينعم؛ بل لأمثالنا وجه لنا خطاب خاص في كتابه يقول لحبيبه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ) [الزمر:53-54]، تعالوا، قل لهم تعالوا، ما أصدّ أبوابي عنكم، ما أقطع إحساني إليكم، تعالوا ارجعوا، وإن عملتم ما عملتم.. تعالوا، ما بتجدون أكرم مني، ما بتجدون أحسن مني، ما بتجدون أوفى مني، (وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [التوبة:111] جل جلاله.

 

يقول: "فلولا عظيم لطفك بي... لما تخلفت عني عقوبة جرائمي، وهذا شأن أهل الإيمان؛ كما رُوي في الحديث: إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل يخشى أن يقع عليه، وإن المنافق يرى ذنبه كالذباب على وجهه فقال به هكذا"، قال: "فرؤيته لذلك توجب الحياء من الله، والوقوف على حد العبودية بالافتقار والذل والذلة والانكسار"؛ اللهم أكرمنا بذلك.

 يقول: "وما أرحمك بي؛ لأن سر رحمتك هو القيام بوجودي مع قبيح فعلي، فقبيح الفعل: ما يجترحه العبد على خلاف أمر سيده، فلا أقبح فعلاً ممن يستعين بعطائه وغوامر آلائه على معاصي سيّده!"، هو ينعم عليه بها ويتفضل ويكرمه، وهو يخالف بها ويعصي بها، يوجد قبح أشد من هذا؟ ينعم عليك وتقوم بنعمته تعصيه وتخالفه جل جلاله! هذا غاية القبح.

قال: "فهذا أقبح كل قبيح!! فلولا عميم رحمته وشمول رأفته.. لأدركت العاصين لله أنواع العقوبات"، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [النحل:61]، لا إله إلا هو، ويعطيهم الفرصة يرجعون ويتراجعون ويعفو ويسامح ويغفر؛ فاللهم لك الحمد أتمّ النعمة علينا.

يقول: "إِلَهِي: مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي!! وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ"، والقرب صفة كمال لازمة للحق تعالى، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، هو أقرب إلينا من كل شيء، أقرب إليّ من يدي ومن رجلي ومن جسدي، أقرب إليّ من الذوات التي حواليّ، أقرب إليّ من حبل وريدي، حبل داخل وريدي الله أقرب إلي منه! قربٌ قدسي جلالي جمالي عظيم كبير ما يُحَد!.. لكننا نحن الذين نبتعد، نحن بغفلتنا، بذنوبنا، بإعراضنا نحن الذين نبعد، فالبعد وَصْف إلينا عائد، وصْف نقص عائد إلينا وهو منزه عنه سبحانه وتعالى؛ 

  • فالبعد منك 
  • أما هو وصفه القرب، جل جلاله. 

ومع ذلك يكرمك ويساعدك إذا تقربت منه، "مَن تقَرَّبَ إليَّ شِبرًا تقَرَّبْتُ إليه ذِراعًا"، يعني: أبعدتُه عنه من طول المسافة ومن ظلماتها شيء كبير أكثر مما هو يجتهد فيه، هو يجتهد كذا وأنا أقربه أكثر من ذلك. الله أكبر!

يقول: "مَا أَقْرَبَكَ مِنِّي!! وَمَا أَبْعَدَنِي عَنْكَ!!" ما أقربك بشمول إحاطتك بي، واستغراق معيتك لباطني وظاهري وسائر لطائفي، وقيام أمرك على سائر أحوالي، وشهودك لسائر شؤوني المكنونة، وسائر أعمالي المتلونة، وما أبعدني عنك في المناسبة والمشاكلة، وفي الذات والصفات والأفعال. 

وذلك لظهور حكمته البالغة أن أوجد الخلق وجعل لهم ذوات وصفات وأفعالاً، لتظهر عظمة ربوبيته العلية ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا على هذه الرقعة العبدية ذاتًا ووصفًا وفعلًا".

قُرْبُ الإله من الأشيا برحمته *** وما أحاط بها من علمه الأزلي 

 وبُعدها عنه من حيث الصفات كما *** الذوات كذا الأفعال لا مَثَلِ 

لا اله الا الله يا رب قربنا اليك زلفى، يارب قربنا إليك زلفى، يارب قربنا إليك زلفى.

وكان أشار إلينا نبينا في حديثه مبشرًا: أنه في كل قرن من قرون هذه الأمة يوجد مقرَّبون يُحشرون مع الأوائل في القيامة، يقول: "في كُلِّ قَرْنٍ مِنْ أمتي سابقونَ"، يلحقون بالسابقين، حتى في قرننا هذا، وفي القرن الذي قبله، وما بقي بعده كذلك، في ناس يسابقون يلحقون بالسابقين ويحشرون في الصفوف الأولى؛ "أهلُ الجنَّةِ يومَ القيامةِ عِشرون ومائةُ صَفٍّ"، ثمانون من هذه الأمة وأربعون من بقية الأمم، ولكن نجد في الصف الأول، نُحصَّل في كل قرن أحد في الصف الأول. 

فعسى.. 

ندخل مع طه وآله في الصفوف الأولات 

معهم وفيهم دائمًا في الدار ذه والآخرات

 آمين يا رب العالمين يا مجيب الدعوات.

اللهم صل عليه وعلى آله، وانظمنا في سلكه، وأكرمنا بِخِلَعه الكريمة، ومنّ علينا بمِنَّاتك الفخيمة، وسِر بنا في السبيل، واسقنا من السلسبيل، وارفعنا إلى أعلى مراتب القرب منك، والفهم عنك والمعرفة بك، والصدق معك والإخلاص لوجهك والأدب معك، وشريف كرامة عنايتك ورعايتك ورضوانك الأكبر، وأصلح لنا ما بطن وما ظهر. 

وبارك لنا في شهر ذكرى ميلاد حبيبك محمد ﷺ، أيامه ولياليه وساعاته كلها واجعل لنا فيها ارتقاء واجعل لنا فيها نقاء، واجعل لنا فيها استقامة وأتحِفنا بالكرامة والمنن والمواهب والمزايا في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة ودار المقامة، واجعلنا من أسعد أمته بقربه، ومن أسعد أمته بحبه، ومن أسعد أمته من شربه، ومن أسعد أمته بنصرته، ومن أسعد أمته بخدمته وخدمة شريعته وملته وسنته وهديه وطريقته وخدمة أهل بيته وخدمة صحابته وخدمة أمته، واجعلنا في أنفع الأمة للأمة، وأبرك الأمة على الأمة وانفعنا بعامّتهم عامة وخاصتهم خاصة، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا 

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

09 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

22 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام