الفوائد الثمينة - 6 | أحكام النية، حد الوجه، سنن الوضوء، القلتين
الدرس السادس للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر الأحد 20 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
لمشاهدة الدرس (يوجد نقص في اوله)
يتضمن الدرس:
- أحكام النية: استحضار النية في العبادات والسنن
- التلفظ بالنية وزمنها في مختلف العبادات
- شروط النية وتفصيلاتها
- حدود الوجه طولاً وعرضاً للوضوء
- غسل الشعور النابتة في الوجه واللحية الكثيفة
- إطالة الغرة ومقاصدها
- المراد بالمرفقين والكعبين في غسل اليدين والرجلين
- شرح سنن الوضوء
- كيفيات الوصل والفصل في المضمضة والاستنشاق
- التثليث وإطالة الغرة ومسح الرقبة
- ضابط الموالاة في غسل الأعضاء
- الاستعانة بالغير في الوضوء والتنشيف بعده
- فضل الدعاء عقب الوضوء
- مقدار القلتين بالوزن والمساحة
- أنواع المياه
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
أحكام النية
أحكام النية سبعة، نظمها بعضهم بقوله:
حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌ وَزَمنْ *** كَيْفِيَّةٌ شَرْطٌ وَمَقْصُودٌ حَسَن
فحقيقتها: قصد الشيء مقترنا بفعله.
وحكمها: الوجوب غالبا.
ومحلها: القلب، والتلفظ بها سنة.
وزمنها: أول العبادات إلا الصوم.
وكيفيتها: تختلف باختلاف المنوي.
وشروطها ستة:
- إسلام الناوي.
- وتمييزه.
- وعلمه بكيفية المنوي.
- وتحقق المقتضي.
- والقدرة على المنوي.
- وعدم الإتيان بما ينافيها.
ومقصودها: تمييز العادة عن العبادة، أو تمييز مراتب العبادة.
وحسن: تمام البيت.
حد الوجه
حد الوجه طولا: من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين، وعرضا: من الأذن إلى الأذن.
اللحيان: هما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى.
المرفقان في اليدين: المرفقان: هما العظمان البارزان بين مفصلِ الساعد والعضد.
الكعبان في الرجلين: هما العظمان البارزان بين مفصلِ الساق والقدم".
ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، ولله الحمد والمنّة، ونسأله أن يثبتنا في هذه النفوس المطمئنّة، وأن يصلي ويسلم على عبده الهادي إليه والدّال عليه، مرشدنا ومنقذنا ومعلّمنا سيدنا محمّد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبياء الله ورسله وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين.
وتقدّم الكلام معنا على "النية وتعريفها في اللغة: أنّها القصد، وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله".
وبقي أن نشرح ما ذكره من "أحكام النية سبعة"، -عليه رضوان الله تعالى-.
وتقدّم الكلام من أن "النية" تستعمل أيضًا بمعنى: الغرض الباعث والحامل للإنسان على فعل شيء.
وذكرنا مكانة هذا في الشريعة واعتباره:
- لأنه هو رأس المعاملة مع الله -تبارك وتعالى- في "النية": الغرض.
- ولا خير من غرض الامتثال لأمر الله والعبودية له في أنواع الطاعات والعبادات.
ثم ذكرنا:
- توسّع النيات في الصالحات للصالحين.
- وأمرهم بتحري هذه النيات وكثرتها في الأعمال الصالحة.
- وزكاء أعمال الصدّيقين بكثرة النيات، رزقنا الله خالص النيات.
ويتكلّم الآن عن:
- أحكامها فيما يتعلّق بما اعتبره الفقهاء من القصد للعمل عند القيام به، "قصد الشيء مقترنا بفعله".
- فذكر أن لها:
- حقيقةً.
- وحكمًا.
- ومحلًا.
- وزمنًا.
- وكيفيةً.
- وشروطًا.
- ومقصوداً.
فهذه السبعة يسمونها "أحكام النية".
قال: ذكر "حقيقتها: قصد الشيء مقترنًا بفعله":
- فلا يؤثر عندهم قصد الشيء قبل أوانه، وقبل فعله، ولا يعد نية له، باعتبار الواجب عند العمل.
- بل عند مباشرة العمل يجب أن يكون قاصدًا، أي: حاضر القلب أنه يؤدي هذا الأمر المفترض عليه، أو المسنون له والمندوب له، وهكذا.
قال: "وحكمها: الوجوب غالبا"، في غالب العبادات والطاعات على اختلاف بين الأئمة:
- وأشرنا إلى قول ابن عباس.
- وأشرنا أيضًا إلى ما هو مقرر في مذهب الحنفية:
- من أن "النية" إنما تجب في حالات مخصوصة وأوضاع مخصوصة، وإلا فيكفي مجرد الفعل للأمر.
- وإنما يندرج في نية الإسلام؛ لأن المسلم ناوٍ أن يقوم بجميع أعمال الشرع والتكليف.
- واعتبره أيضًا كثير من الفقهاء: أنه إنما هو عبارة عن قصد شيء بعد دخول وقته وعند الشروع في العمل.
وقال: "وحكمها: الوجوب غالبا"، أي: وهناك عبادات وأعمال لا تلزم فيها "النية" ومنها:
- ما مثّلوه بالأذان، فالمؤذن يكفي أن يؤذن، ولكن إذا استحضر في ابتداء الأذان نية إقامة هذه السنة. ثم تحرّى من نيات الآخرة فيما يتحصّل عليه من فضل، وما يشهد له من كل ما يسمعه إلى غير ذلك، كان ذلك أتمّ وأكمل.
- ومثل: الصدقة المندوبة، لا تلزم فيها "النية"، بخلاف الزكاة المفروضة رُبطت فيها بالنية، أما الصدقة المندوبة بمجرد أن يتصدّق يُثاب؛ ولكن تُستحضر أداء هذه السنّة والامتثال للأمر الإلهي وما نُدب إليه، ثم تحرى نيات أخرى كان ذلك أجمل وأكمل.
- وهكذا في كثير من العبادات مثل: إزالة النجاسة، إزالة النجاسة يكفي أن يزيلها بالماء من دون أن ينوي، فلا يشترط أن يقول: نويت إزالة هذه النجاسة أو نويت الطهارة للصلاة وما إلى ذلك.
فكثير من الأعمال تصح من دون النية؛ ولكن في غالب العبادات الوجوب -عند غالب الفقهاء-
"ومحلها: القلب" أن يستحضر ذلك بقلبه فهو المقصود.
أما "التلفظ" بها فمُعِينٌ:
قال الشافعية: إنه سنة استدلالًا بتلفظ النبي ﷺ بالنية في الحج؛ وكذلك ما صح أيضًا في الحديث أن جبريل قال له: "وقل حجَّة في عمرة". والقول هو اللفظ أو التلفّظ، "وقل حج في عمرة". قل معناه: التلفظ، فقاسوا عليها بقية العبادات:
- ولم يروا معارضةً بين هذا وبين أنه كان في الصلوات لا يُسمع منه إلا التكبير، فقالوا: ليس من شرط التلفظ الجهر حتى يُسمع، فيكون المتلفظ متلفظًا من دون أن يجهر.
- وهو السنة كذلك ألا يجهر من أراد أن يتلفظ بالنية، لا يُسن له أن يجهر إلا في حالات إرادة التعليم للغير وإلا فلا يجهر. قال: بل لا يُسمع منه إذا كان إمامًا إلا التكبير، لا يُسمع منه شيء قبل ذلك.
وهكذا قالوا: "التلفظ بها سنة" -يقول الشافعية-.
"وزمنها: أول العبادات إلا الصوم"؛ فإنه يتقدم، يجوز أن يتقدم) بل يجب في الفرض أن يتقدم على بداية الصوم:
- لأن بداية الصوم عند طلوع الفجر و"النية" تتقدم قبله فإن كان فرضاً فلابد أن يتقدم.
- وإن كان سنةً فيجوز أن تمتد إلى وقت الزوال عند كثير من أهل العلم، فزمنها أول العبادات إلا الصوم.
قالوا أيضًا: لاحظوا في الزكاة:
- إن كان بدايتها أول تسليمها للفقير هذا يتقدم "النية"؛ وأجازوا تقديم النية فيها.
- وأما عند فرزها؛ لأنها أول الزكاة الفرز، فيجب عند فرز المال أن ينوي.
وإنما يتحقّق أداء الزكاة باستلام الفقير لها، فلم يكلفوه أن يكون باستلام الفقير، بل يوكل غيره في الإيصال وما إلى ذلك، فإذا قد أفرز شيئًا من المال الذي هو زكاة ونوى صحت النية في ذلك.
وكيفيتها تختلف باختلاف المنوي؛ ففي الطهارة لها نية، وفي الصلاة لها نية، والصوم له نية، ولكل عبادة كيفية في النية.
قال: وشروطها ستة:
1. إسلام الناوي.
- ولهذا قالوا: أنّ ما يترتب عليها اشتراط النية لا يصح من الكافر، فلا يصح من الكافر أن يصلي مثلًا ولا أن يصوم ولا يكون ذلك عبادة.
- لكن ما لا يحتاج منه نية مثل: يتبرع، الكافر يتبرع ولّا يبيع ولّا يشتري يصح، يصح من الكافر يبيع ويشتري ويتبرّع، يعطي تبرعات ويعطي صدقات.
قال: قلتم الأذان ما يحتاج إلى نية، فهل يصح للكافر يأذن؟
- قال: لا، شرط الأذان غير النية الإسلام أيضًا، شرطه أن يكون مسلمًا.
قال: فإذا أذّن يكون مسلم؛ لأنه فيه الشهادتان؟
- نعم؛ إذا أذّن صار الآن بنطقه بالشهادتين مسلم، لكن أول الأذان ما كان محكوم بإسلامه، لما شهد الشهادتين الآن بدأ.
- فهو ابتدأ أيضًا في أذانه من قوله: حي على الصلاة، يعني من قبل عاده كان ما حكم بإسلامه لما نطق.
- قالوا: إلا إن كان من فرقة من النصارى يعتقدون أن سيدنا محمد مرسل إلى العرب بخصوصهم، فهذا ما يُحكم بإسلامه حتى يصرّح بأنه يشهد أن محمد رسول الله إلى كافة الناس.
- وأما غيره من الكفار إذا أذٍّن خلاص حُكم له بالإسلام، لكن بس الإسلام بالأذان هذا ما يُعتد به؛ لأنه لم يُحكم بإسلامه من قبل أن ينطق بالشهادتين.
- إسلام الناوي.
- تمييزه.
فلا تصح النيات من المجانين، ولا ممن لم يميّز من الأطفال، وما يترتب على "النية" فينوي عنه وليّه، مثل: أن يحجّ بالمجنون أو يحجّ بالطفل الصغير -غير المميز-؛ يصح الحج، لكن "النية" ما هي له، وليه الذي ينوي له، ينوي له الإحرام وينوي له الطواف.
- إسلام الناوي.
- وتمييزه.
- وعلمه بكيفية المنوي.
فمن لم يعلم الذي ينويه ما هو، ونطق بالنية؛ لا تصح حتى يكون متصور بذهنه.
ما هو الذي يعمله إذا قال نويت الوضوء؟
- يعرف ما هو الوضوء، عنده تصور عام عن المنوي الذي ينويه:
- أنه عبارة عن طهارة تصح بها الصلوات ويرتفع بها الحدث.
- ما هو عبارة عن غسل وجه وغسل يد يمنى وما إلى ذلك.
- إذا تصوّر هذا وقال نويت الوضوء صح.
أما عاده ما هو داري ما هو الوضوء، هو قول؟ هو فعل؟ هو حركة؟ هو ماذا؟ وقال نويت الوضوء؛ فما يصح حتى يأخذ تصور عن الوضوء ما هو، كذلك الصلاة وكذلك الصوم وكذلك الزكاة وكل شيء؛ لابد يعلم كيفية المنوي.
"4. وتحقق المقتضي"، زاد بعضهم إن بانَ الحال.
ما الذي يقتضي الوضوء؟
- الحدث.
فإذا توضأ وهو لا يتحقق أنه أحدث؟
- فهذا يكون إمّا من باب التجديد -فالتجديد مفسوح أمره- يمكنه يجدد؛ بل الوضوء على الوضوء حسنة.
- وكان سيدنا عمر وسيدنا علي دائمًا يجددون الوضوء لكل فرض، وإن كانوا متوضئين، يحرصون على أن يجددوا الوضوء ويقرؤون قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6].
لكن ما هو بنية التجديد إذا توضأ وهو يشك: هل انتقض وضوءه أم لا؟ فصلّى، ثم بعد الصلاة علم أنه كان انتقض وضوءه وتذكّر ذلك؟
- ما دام بان الحال؛ فأنت توضأت مع عدم "تحقق المقتضي"، فأعِد هذا الوضوء وأعِد هذه الصلاة.
- أما إذا لم يبِنْ الحال ما عليه شئ؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، إذا لم يبِنْ الحال؛ وهكذا "تحقق المقتضي".
"تحقق المقتضي"؛ مثلًا فرض رمضان هو هلال الشهر وثبوته:
- فإذا لم يعلم هلاله ولا ثبوته عند الحاكم وقال نويت الصيام عن أداء شهر رمضان؟
- ما يصح.
- تبيّن أنه ثبت بس ما هو داري؟
- نقول: الصوم هذا لابد تقضيه؛ لأن نيتك كانت قبل أن تحقق المقتضي للصوم وهو ثبوت الشهر.
وهكذا في بقية الطاعات والعبادات "تحقق المقتضي" إن بان الحال.
5. "والقدرة على المنوي"
فإذا أراد ونوى شيئًا عاجزًا عنه، فالنية بها هباء منثور، لا يقدر أصلًا أن يعمله وهو بعيد منه، ولا يمكنه القيام به؛ فذلك يكون هباء.
6. "وعدم الإتيان بما ينافيها"
فلو كان في أثناء بوله، ابتدأ يتوضأ، ويقول: نويت الطهارة؛ أنت ناقض الآن، كيف أنت تحدث وتقول: نويت الطهارة؟!
كمّل الحدث أول، ولا تأتِ بما ينافي الطهارة، وابتدأ في الطهارة وهكذا، ألا يأتي بشيء ينافيها.
قال: "ومقصودها: تمييز العادة عن العبادة، أو تمييز مراتب العبادة"
فبما يتميّز الفرض عن السنة؟ وبما تتميّز العادة من العبادة؟
- فقد يغتسل الإنسان؛ لأجل التنظيف أو لأجل التبرّد.
- وقد يغتسل عبادة؛ يميّز بينها النية.
والعبادة، قد يغتسل عن سنة كغسل جمعة، أو يغتسل عن فرض كغسل جنابة، ما الذي يفرق بينها؟
- النية؛ فالنية تميّز العادة عن العبادة، وتميّز مراتب العبادة؛ هذا مقصود "النية"،
أما قوله في "وحسن: تمام البيت"؛ فتمام للبيت "مقصودٌ حسن".
ذكر لنا الآن: "حد الوجه"؛
- قال تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:6].
- سُمي وجه: لأنه تقع به المواجهة.
فما "حد الوجه" هذا الذي يجب علينا غسله؟
قال: "حد الوجه طولا: من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين" أو منتهى الذقن ومنتهى اللحيين، بما فيهما اللحية إذا كانت عنده اللحية.
فإذًا هذا "حد الوجه": من منابت شعر الرأس، أي: من المكان الذي يعتاد منه نبت الشعر غالبًا، ولا عبرة بمن شذّ عن القاعدة؛ فصار له غمم، أو نبت الشعر من جبهته، ولا بالأصلع، لا عبرة بلا شعر.
قال: أنا معي شعر نبت من نصف الرأس، أنا أصلع هل واجب علي أغسل نصف الرأس؟
لا، ليس واجبك تغسل نصف الرأس، شوف المكان فوق تسطيح الجبهة الذي يكون نبت الشعر فيه غالبًا عند الناس، هذا هو "حد الوجه" حقك الذي ينبت فيه الشعر غالبًا، لا عبرة بالأصلع، ولا بمن تدلّى فصار ذا غمم تدلّى شعره إلى فوق الجبهة، نقول له: اغسل من فوق؛ لأن هذا غير معتاد أن ينزل الشعر إلى هذا الحد في الوجه.
ولكن "من منابت شعر الرأس" -غالبًا- "إلى منتهى اللحيين طولًا، وعرضًا: ومن الأذن إلى الأذن."
- قالوا: وإذا قست طول وجهك وعرضه وجدت:
- أن الطول يستغرق منك شبر.
- ولكن العرض إذا بتقيسه كذا بيأخذ منك شبر وأربع أصابع.
قالوا: فطول كل شيء أكثر من عرضه إلا الوجه؛ قالوا: إذا أردت تقيسه من عند الأذن إلى الأذن، وأما بوجهه كذا لا. ولكن عندما تريد تذرعه من عند الأذن إلى عند الأذن تزيد أربع أصابع على طول الوجه. سبحان الخلاق! (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]، ولو جعله على غير ذلك لكان مشوه، -فسبحانه عزّ وجل-. هذا "حد الوجه".
أيضًا يدخل فيه شعور الوجه من:
- الغمم: النابت على الجبهة عند بعض الناس.
- ومن العارضين وَالعِذَارين ما فوق العارض من عند هذا العظم الذي عند الأذن، ما تحته عارض وما فوق عذار، عذار إلى بداية الرأس.
- والشارب كذلك.
- وَالعَنْفَقَةُ كذلك، النَّفَقَتَانِ.
- وَالسَّبَلَانِ.
- وَالخَدَّانِ الأَشْعَارُ النَّابِتَةُ على مجرى الدمع ويحصل عند بعض الناس.
فيجب غسل ظاهرها وباطنها؛ إلا باطن اللحية الكثيفة والعارضان الكثيفان:
- استدلالًا بأنه ﷺ مع كثافة لحيته توضأ مرة بغرفة واحدة مرةً واحدة ، مرة، مرة، ولا تستغرق الغرفة أن يصل إلى منابت الشعر.
- فقط يكفي غسل ظاهر اللحية الكثيفة والعارضان الكثيفان لمن كان له لحية كثيفة وعارضان كثيفان.
- ويُسن له تخليل اللحية والعارضين.
والذي ينبغي تفقده عند غسل الوجه في الوضوء، طرفي العينين، مما يلي الأنف ومما يلي الأذن بإصبعه السّبابة:
- فبطرفها يلاحظ ما قد يحصل من النمص هذا في العين، فيمنع وصول الماء، أو في الطرف الثاني كذلك.
- وما تحت الأنف فقد يغفل عنه الماء. -اللهم صلِّ على محمدٍ وآله-
والسنة:
- يبدأ بأعلى الوجه ثم ينزل.
- ويتفقد المواضع في وجهه.
- ويكرره ثلاثاً كما هو معلوم.
يقول: "حد الوجه":
- "اللحيان: هما العظمان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى."
- فهذا "حد الوجه" وعرضه "من الأذن إلى الأذن" من عند وتد الأذن.
ثم إن السنة إطالة الغرة، وهو أن يغسل شيئاً من مقدمة الرأس، ويغسل الأذن وصفحتي العنق، فيكون استكمل إطالة الغرة..
- وقال ﷺ: "إنَّ أمَّتي يأتونَ يومَ القيامةِ غرًا مُحجلينَ من آثارِ الوضوءِ"، أي: يظهر عليهم النور في وجوههم وأيديهم بواسطة الوضوء، مع أن الأمم كلها تتوضأ بس الظهور هذا مخصوص بأمة النبي محمد -صلى الله عليه وصحبه وسلم- حتى يميزون من بقية الأمم.
- سألوه مرة: كيف بتميزنا يا رسول الله، المحشر فيه الملايين الملايين الملايين؟ قال: "أرأيتَ لو كانَت لرجُلٍ خيلٌ غرٌّ محجَّلةٌ في خَيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَهُ؟" -هل يميز بينها؟- "قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ" -واضح- "قالَ: فإنَّهم يأتونَ يومَ القيامَةِ غرًّا محجَّلينَ منَ الوُضوءِ"، يفرّق بينهم وبين بقيتهم.
وخصائص أُعطوها كثيرة في القيامة بواسطة المظلل بالغمامة ﷺ، خصّنا الله تعالى بعطايا كثيرة بواسطته، فلله الحمد، وصلى الله على عبده وحبيبه ونبيه سيدنا محمد.
قال لهم: "المرفقان"، عند قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6].
ثم "النية" أيضًا في الوضوء: متى أول الوضوء؟ متى أول الوضوء؟
- فأمّا عند من أوجب غسل الكفين، فعنده بداية الوضوء هذا، وكذلك من أوجب المضمضة والاستنشاق.
- ومثل الشافعية لم يوجبوا ذلك، فمتى بداية الوضوء عنده؟ بداية الوضوء عند غسل الوجه.
فكيف ينوي؟ يغسل الكفين ويتمضمض بلا نية؟ نقول: لا!
- إما أن يقدم النية من البداية فينوي، ولكن عليه أن يستحضرها عند بداية غسل الوجه.
- وإما أن ينوي قبلها أداء سنن الوضوء:
- فيدخل فيه ما كان قبل غسل الوجه من سنن الوضوء، من مثل: السواك وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار.
- ثم عند بداية غسل الوجه ينوي رفع الحدث.
- والأولى أن ينوي من البداية ولا يغفل عن استحضارها عند غسل الوجه، ثم يكمل الوضوء ببقية فروضه وسننه على اجتهاد الأئمة فيما ورد من النصوص، وما هو واجب وما هو مسنون.
وإحسان الوضوء وإتقانه من القربات الموصلة إلى الله -تبارك وتعالى-، "والطهور شطر الإيمان" كما سمعنا في الحديث.
يقول: "المرفقان"، قال تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:6].
فالمرفق في كل يد مرفق، وفي كل رجل كعبان؛ لأن:
- مجموعة العظام التي في اليد تسمى مرفقاً واحداً.
- أما العظم الذي في الرجل، هذا كعب وهذا كعب، ففي كل رجل كعبان وفي كل يد مرفق واحد.
لهذا اختلف التعبير في القرآن:
- قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
- وقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
ثنّى الكعبين وجمع المرافق، يعني في كل يد مرفق واحد، هذا مرفق وهذا مرفق وأن مجموع هذه العظام،
وذكر هنا "العظمان البارزان بين مفصلِ الساعد والعضد" الذي في الجانب هذا والجانب هذا، الذي يأتيان من العضد والعظم هذا إبرة الذراع، فيكون داخل فيه إبرة الذراع هذا؛ لأنه يكون تحته، بالنسبة لليد "المرفقان" هذا.
- ولهذا يلاحظ بعضهم أن التعبير بأنه مجموع، مجتمع عظمي العضد وإبرة الذراع هو المرفق، أن المرفق ليس العظمان فقط هؤلاء، ولكن هذا معنى ثالث يرتفق به. ولكنه داخل على كل حال في الحد، في مجموعة عظمتي العضد وإبرة الساعد؛ كلها مجموعها يسمى مرفق.
يجب إيصال الماء إلى المرفق:
- والأفضل أن يبدأ من عند الأصابع ويمضي به حتى يصل المرفقين.
- والسنة أن يزيد في العضد شيئاً وهذا هو إطالة التحجيل؛ سنة إطالة التحجيل:
- أكمله إلى الكتف.
- وأوسطه إلى نصف العضد.
فيدخل المرفقان في وجوب الغسل:
- يدخل المرفق في وجوب الغسل؛ لأن الآية فيها: (إِلَى) بمعنى "مع"، مع المرافق: وقد جاء كذلك في اللغة، فيقول: اشتريت من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، فتكون الشجرة التي قال أنها "إلى"؛ داخلة في البيع فتأتي بهذا المعنى.
- وأكدَّ ذلك لما بيّن الغسل الواجب وغسل مرة واحدة، غسل يده حتى أشرع في العضد، فأدخل المرفق وسطه.
كذلك "الكعبان في الرجلين: هما العظمان البارزان بين مفصلِ الساق والقدم".
قال تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:6]:
- ففي القراءة: (وَأَرْجُلَكُمْ) عائد إلى العطف على قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
- وفي القراءة: (وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، وهي أيضاً عائدة على الأول ولكنه بالحركة المجاورة يسمونها:
- وإلا أجمع أهل الفقه أنه لا يكفي مسح القدمين، إنما هو للابس الخفين بشروطها.
- ومن لم يكن لابس الخفين بشروطها؛ فليس يصح مسح القدمين، بل يجب غسله.
ليست محل مسح ولكن محل غسل القدمان؛ كما بيّنتها قراءة (وَأَرْجُلَكُمْ) وبيّنتها السنة بعد ذلك:
- في الصحيح لما رأى الصحابة يتوضؤون في سفر، ورأى الأعقاب بعضها تلوح لم يصلها الماء، نادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار".
- أمرهم أن يتفقدوا غسل الكعبين؛ فدل على أنه ما يكفي غسل بعض الرجل فضلًا عن مسحها، ولا بد من غسلها إلى الكعبين.
سنن الوضوء
السنن: جمع سنة، وهي لغة: الزيادة.
واصطلاحًا: ما طلبه الشارع طلبًا غير جازم.
ويرادفها ستة أشياء، وقد تقدّمت.
وسنن الوضوء كثيرة:
منها:
- البسملة.
- وغسل الكفين.
- والاستياك.
- والمضمضة.
- والاستنشاق.
- والتثليث.
- وإطالة الغرّة.
- والتحجيل.
- ومسح جميع الرأس.
- ومسح الأذنين.
- والرقبة.
- والموالاة.
- وترك الاستعانة.
- وترك التنشيف بخرقة.
- والدعاء عَقِبَهُ.
فائدة
معنى إطالة الغرّة: هي أن يغسل مقدّمة الرأس وصفحتي العنق.
وغاية التحجيل: أن يغسل اليدين إلى المنكبين، والرجلين إلى الركبتين .
فائدة
ضابط الموالاة: هو أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان".
السنن: جمع سنة، وهي لغة: الزيادة.
واصطلاحًا: ما طلبه الشارع طلبًا غير جازم.
ويرادفها ستة أشياء، وقد تقدّمت.
وسنن الوضوء كثيرة:
بدأ يذكر سنن الوضوء؛ "السنن: جمع سنة":
- وهي لغة: -الطريقة- والزيادة، والنفل هذا أكثر شيء زيادة، وكذلك يُطلق على السنة.
- واصطلاحًا: ما طلبه الشارع طلبًا غير جازم، أي: على سبيل الندب لا على سبيل الفرض والإيجاب.
"ويرادفها ستة أشياء، وقد تقدّمت" معنا: المندوب والنفل، المستحب، والحسن، والمتطوع به، والمُرغب فيه.
وسنن الوضوء كثيرة؛ وكل سنة من سنن الوضوء تزيده نور، تزيد نور المتوضئ وتزيد حضوره في الصلاة؛ بل حتى يحرصون عند أداء الوضوء على حضور القلب مع الله.
ويرون أنه أكبر معين على حضور القلب في الصلاة:
- أن يكون عند الوضوء حاضر القلب مع الله تعالى في امتثال أمره، واستشعار اطلاعه عليه، وعمله بسنّة النبي ﷺ والاقتداء به.
- أن هذا الحضور مع الوضوء من أقوى أسباب العون على حضور القلب في الصلاة مع الله -تبارك وتعالى-.
وقال: هكذا يُذكر عند بعضهم أن المتوضئ إذا ابتدأ وشرع الوضوء كانت عليه قبة من نور، فإذا تكلّم مع أحد ارتفعت، فيُكره له أن يتكلم أثناء الوضوء لغير الضرورة.
وهذه السنن ذَكر:
منها البسملة:
- ويُذكر قول في وجوبها عند الحنابلة، قول عند الحنابلة بوجوب البسملة عند الوضوء.
- البسملة: "بسم الله" وأكملها: "بسم الله الرحمن الرحيم". وهذه في بداية الوضوء.
غسل الكفين ثم الاستياك:
وقيل: إن الاستياك قبل؛ لأنه اختلفوا هل الاستياك من سنن الوضوء الداخلة فيها في الوضوء، أو الخارجة عنه (المتقدم)؟
فإذا قال أنه من سنن الوضوء الخارجة عنه؛ فيستاك قبل غسل الكفين.
- ولا يُسن له البسملة للاستياك، لماذا؟ لأن الاستياك أمر ذو بال.
- كيف ما يُسن له البسملة؟ لأن البسملة ذكر للرّحمن والذكر يُسن لهُ الاستياك.
- فإذا قلنا الذكرُ يُسن له الاستياك والبسملة ذكر، والاستياك أمر ذو بال يُسن له البسملة فترجع تبدأ بماذا؟ فيصير ما يحتاج البسملة، الاستياك ما عاد يحتاج للبسملة، تبدأ بالسواك. وكان إذا قام من النوم أول ما يقوم يسوك فاه؛ ثم يذكر، فمعناه: السواك يتقدّم على الذكر، ما يحتاج بسملة قبله السواك، ثم يذكر الله تعالى.
فكذلك السواك للوضوء:
والسواك للوضوء نعم متفق عليه ومؤكد، وفي الحديث: "ولولا أن أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ وضوءٍ"، وفي رواية "عِندَ كُلِّ صلاةٍ"، وفي رواية "مع الوضوءِ عند كلِّ صلاةٍ"، أي:
- لأمرتهم أمْرَ إيجاب، فإنه أمَرَ أمْر ندب وسنة، هو أمَرْ لكن أمْر سنة؛ لكنه لم يأمُر أمْرَ إيجاب خشية المشقة على أمته ﷺ.
- فعلمنا من ذلك رغبته منّا أن نستاك؛ فنحرص على ذلك لنؤدي رغبته ﷺ ومحبته لهذه السنة.
فالبسملة في البداية، ثم غسل الكفين من أطراف الأصابع إلى الكوعين، فيُسن غسله.
ويجب عند بعض الفقهاء كذلك الاستياك والمضمضة: وهو إدخال الماء في الفم وتحريكه فيه يسن. والمبالغة فيه سنة لغير الصائم كذلك.
لغير الصائم يبالغ في المضمضة:
- وهو أن يدير الماء بقوة في الفم ويوصله إلى الغَلْصَمَةِ، هذا المبالغة في المضمضة.
وكذلك الاستنشاق: وهو أن يرفع الماء بالنّفَس إلى خياشيمه، فهذه المبالغة فيه؛ فإدخال الماء في الأنف يسمى استنشاق:
- ويُسن المبالغة فيه برفعه بالنفس إلى أعلى الخياشيم إلا أن يكون صائمًا، لقوله ﷺ: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا".
- ثم يتعلّق بالاستنشاق الاستنثار، وينص عليه بعض الفقهاء، وهو: إخراج الماء، قيل: من الأنف، وقيل: من الأنف والفم كله يسمى استنثار، أن يُخرج الماء من الفم ومن الأنف استنثار.
والاستنشاق، والتثليث:
- ويُسن في المضمضة والاستنشاق أن يثلث، وفيه بجميع أعمال الوضوء.
- ويُسن فيه الوصل وهو أفضل من الفصل: وذلك بأن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرفة:
- فإما غرفة واحدة بكفيه يتمضمض ويستنشق بها ثلاثًا.
- وإما غرفة بيده يتمضمض بها ويستنشق منها؛ وهذه أفضل الكيفيات.
- يأخذ غرفة بيده اليمنى يتمضمض ببعضها ثم يستنشق بالباقي.
- وإما يجمع بين الكفين ويأخذ غرفة من الماء فيتمضمض ويستنشق، ويتمضمض ويستنشق، ويتمضمض ويستنشق.
فإما:
- يتمضمض ويستنشق ثلاثاً.
- أو يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً من نفس الغرفة.
فهذه ما سمّوها بكيفيات الوصل.
والفصل: أن يفصل بين غرفة المضمضة عن غرفة الاستنشاق:
- إما بأن يأخذ غرفة فيتمضمض ثلاثًا، ثم غرفة أخرى فيستنشق ثلاثًا.
- وإما أن يأخذ غرفة فيتمضمض منها، ثم غرفة فيستنشق منها، ثم غرفة فيتمضمض، ثم غرفة فيستنشق، ثم غرفة فيتمضمض، ثم غرفة فيستنشق.
فهذه التي يسمّوها كيفيات الفصل، أن يفصل بين المضمضة والاستنشاق؛ فلا تكون المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.
- قالوا: ولمّا جاءت الرواية بالوصل، كان الوصل أفضل.
ثم أنه ذكر التثليث:
- والتثليث عام عند الشافعية.
- واستثنى أكثر الأئمة مسح الرأس، فقالوا: أنه مرة واحدة.
واستدل الشافعية:
- بعمومٍ جاء في الصحيح: أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا ولم يذكر استثناء الرأس.
- وكذلك ما جاء في رواية أوردها البيهقي في السنن الكبرى: أنه مسح رأسه ثلاثًا؛ فأخذ بها الشافعية.
- وإلا أكثر روايات الوضوء أنه مسح الرأس مرة واحدة.
والتثليث في كل أفعال الوضوء -كما ذكرنا-، ومنه مسح الرأس، وكذلك من قال بسنية مسح الرقبة، فقيل: مرة، وقيل: ثلاثًا.
والتثليث وإطالة الغرّة، والتحجيل، أي: وإطالة التحجيل.
لماذا قالوا الإطالة؟
- قال: لأن نفس الغرّة تدخل في الواجب؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ما يتأتى يغسل حدود الوجه كلها بدون ما يشرع في الطرف، لا بد أن يشرع هذه غرة هذه ضرورة.
- لكن إطالة الغرة هو السنة، فإن يغسل زايد عن الواجب من أطراف الرأس والأذنين، وأكمله -كما ذكر عندكم في الفائدة-. أكمل الإطالة في الغرة أن يغسل مقدمة الرأس -والأذنين- وصفحتي العنق؛ لأنه:
- قيل: إن الأذنين من الوجه.
- وقيل: هما من الرأس.
- وقيل: هما عضوان مستقلان كما هو المعتمد عند الشافعية.
قال: مسح الأذنين، والرقبة:
- وهو سنّة عند جماعة من الشافعية كالإمام الغزالي -عليه رحمة الله تعالى- وكذلك غيره من الشافعية.
- وهو أيضًا ثابت عند الحنفية: مسح الرقبة بعد مسح الأذنين وقبل غسل الرجلين.
مسح الرقبة:
- ويروى فيه حديث: "مسحُ الرقبةِ أمانٌ من الغَلِّ يومَ القيامةِ."، الغَل: يعني أن تُغل رقبته.
- وذكروا أيضًا في فوائده تخفيف الأحلام المتراكمة المزعجة؛ أن مسح الرقبة يؤثر في ذلك.
والموالاة:
- ذكر عندكم في الفائدة الآتية؛ "ضابط الموالاة: أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول".
- وهو واجب عند المالكية، الموالاة في الوضوء واجب عند المالكية، فإذا تأخر مدة طويلة يغسل العضو الثاني لابد أن يعيد الأول.
قال: "والموالاة وترك الاستعانة" لغير المضطر إليه والمحتاج إليه، بل بنفسه يقرب ماءه ويباشر وضوءه.
ولكن في الاستعانة:
- ما هو مباح كتقريب الماء.
- وما هو خلاف الأولى، كالاستعانة في الصب.
- وما هو مكروه؛ كالاستعانة بمن يغسل أعضاءه:
- ترفهًا وهو يقدر يغسل الأعضاء ويخلي واحد يغسل له مكروه.
- بخلاف المريض العاجز يكون واجب عليه: وواجب عليه يستعين بها.
- ما يقدر هو يخلي واحد يسوي له؟ ولو بأجرة، يستأجره لكي يوضئه؛ لأنه عاجز أن يتوضأ بنفسه.
"وترك التنشيف بخرقة" بعد الوضوء مباشرة؛ لأنه كالتبري من العبادة، ولكن جاءت الروايات عنه ﷺ أنه قد استعمل التنشيف وردّه في بعض الأحوال.
فحمله بعض أهل الفقه على اختلاف الأحوال:
- أنه إن لم تكن هناك حاجة وللضرورة فيُكره التنشيف؛ وإلا فهو مباح.
- فإن كان حاجة مثل: وقت البرد وغيره يحتاج للتنشيف؛ فلا يُكره عند بعضهم.
"والدعاء عقبه"؛ بل ورد فيه أن الذي يدعو بعد الوضوء بهذا الدعاء الخفيف تفتح له أبواب الجنة الثمانية، شأن عظيم:
- من قال بعد عقب الوضوء: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، فتحت له أبواب الجنة الثمانية.
- وفي رواية عند بعض أهل السنن زيادة: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين".
- كما يُؤثر أيضًا من الدعاء عقب الوضوء ويقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك".
- كما يُؤثر عقب الوضوء أيضًا قراءة سورة القدر (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1] مرة أو مرتين أو ثلاثًا.
- ومن السنة عقب الوضوء أن يستقبل القبلة ويرفع يديه ورأسه إلى السماء، ويقرأ الدعاء: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك الصالحين"؛ وفائدته الكبيرة أن تفتح له أبواب الجنة الثمانية.
ثم قال ذكر لنا:
- "معنى إطالة الغرة، -نفس ما قلته من الثلاثة- مسح مقدمة الرأس مع صفحتي العنق" والأذنين كذلك يدخل في كمال إطالة الغرة.
- وكذلك التحجيل: غسل اليدين ويزيد في العضد شيء وأكمله وغايته إلى المنكب.
- وكان يحرص على هذا أبو هريرة، إذا توضأ يغسل يديه إلى المنكبين ورجليه إلى الركبتين، كمال التحجيل -رضي الله عنه-.
ويُقال:
- أن "تَبلُغُ الحِليةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيثُ يَبلُغُ الوُضوءُ"، حلية المؤمن في الجنة ما يبلغه الماء في الوضوء.
- وكذلك يقال أن الذي ينير منه في القيامة ما يصله الماء في الوضوء، هو الذي يظهر عليه النور. قالوا: فإذا كان أحيانًا يطيل الغرة وأحيانًا ما يطيلها، يقول: فنوره في القيامة يظهر وينطفي أحيانًا، على حسب أيامه في الدنيا كيف فعل.
فقيمة الوجود في الدنيا من أجل اكتساب الأعمال قيمة عالية جدًا، تعرف قيمة العمر فيها أن تكتسب الأعمال الصالحة؛ لأنه بعدها ما عاد شيء نتيجة.
لما صلّى بعضهم، كان حضرته الصلاة -وكان يزور بعض القبور- فانتحى جانبًا وصلّى الرجل، فرأى صاحب القبر ثاني يقول له: تعرف قدر الركعتين التي ركعتها بجنبنا، إننا لو خُيرنا بين أن نحصل هذا الثواب للركعتين ونحن نملك الدنيا كلها، لأنفقنا الدنيا في مقابل ركعتين! انقطعت أعمالنا الآن ما عاد نقدر نعمل. قال: فأنتم ما تشعرون بقيمة الأعمال والعمر الذي أنتم فيه؛ فرصة لكسب الحسنات من خلال هذا العمر في الدنيا، بارك الله في أعمارنا.
وختمها أيضًا "بضابط الموالاة: أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول مع اعتدال الهواء"، يعني:
- إذا كان الهواء يهب بسرعة بسرعة يجف،.
- أو إذا كان متوقف نهائيًا يبطئ.
العبرة باعتدال الهواء:
- أيام الصيف بسرعة يجف.
- أيام الشتاء يبطئ.
العبرة باعتدال الهواء والمزاج -الطبع-:
- صاحب الطبع الحار القوي بسرعة يجف الماء حقه.
- البارد الذي ما عنده غضب يبطئ.
لا عبرة بكثير البرودة ولا بشديد الغضب، العبرة بالمتوسط.
والزمان كذلك ما بين الصيف والشتاء مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان؛ هذا ضابطه. وقلنا أن الموالاة واجبة عند المالكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
القلتان
"قدر القلتين في الوزن بالأرطال البندرية: أربعمائة واثنان وعشرون رطلا إلا ثُمنًا، أي: ستة آلاف وسبعمائة وخمسون أوقية.
وقدرهما بالمساحة في المحل المربع: ذراع وربع طولا، ومثلها عرضا، ومثلها عمقا.
وفي المحل المدور: ذراع عرضا، وذراعان ونصف عمقا.
وفي المحل المثلث: ذراع ونصف عرضا، ومثلها طولا، وذراعان عمقا.
فائدة
- الماء الطهور: هو الماء الطاهر في نفسه المطهِّر لغيره.
- والماء المستعمل: هو الماء القليل الذي رفعَ ما لابد منه.
- والماء النجس: هو الذي وقعت فيه نجاسة ونجسته".
يتكلم عن القلّتين، لحديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث".
وعامة الفقهاء فرّقوا بين الماء القليل والكثير:
- ولم يفرّق ذلك المالكية فجعلوا حكم القليل كحكم الكثير عند غيرهم: أنه لا يُحكم عليه بالنجاسة إلا إن تغيّر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
- قال الأئمة الثلاثة:
- إذا كان الماء كثيرًا فلا ينجس بوقوع النجاسة حتى يتغيّر.
- وإن كان قليلًا فبمجرد وقوع أي نجاسة فيه يصير نجسًا.
- وكذلك لا يصير مستعملًا، إذا كان كثيرًا باستعماله في وضوء أو غسل أو إزالة نجاسة، إذا كان الماء كثيرًا لم يتغيّر؛ فلا يُعد مستعملًا.
قال: قدر القلتين في الوزن بالأرطال البندرية، أي:
- مناطق الساحل عندهم: والرطل عندهم ستة عشر أوقية، أربعمائة واثنان وعشرون رطلًا إلا ثُمنًا، ستة ألاف وسبعمائة وخمسين أوقية وزنه، يصير يحمل القلّتين.
- كذلك عند أهل العراق عندهم الرطل أقل ما هو ستة عشر، ثلاثة عشر أوقية، فيكون عندهم خمسمائة رطل. خمسمائة رطل بالبغدادي يكون مقدار القلتين.
- وذلك أنه جاء في بعض الروايات: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هَجَر".
والقلة: الجرة التي يضعون فيها الماء، وكان أهل هجر في ذلك الوقت لهم صناعة القلال، مشهورون بها بكثرة:
- وأن الشافعي لقي شايب ممن يعرف قلال هَجَر قال: كم تَسع القلة؟ قال له: تَسع القلة مائتين وشيء، القلة تسع مائتين وشيء من الأرطال.
- فاحتاط الشافعي لشيء جعله نصف، قال: مائتين وخمسين، القلة الثانية مائتين وخمسين، المجموع: خمسمائة رطل بالبغدادي.
هذا الماء من حيث المساحة: إذا كان المحل مربع، فالذراع هو ربع عرضا وطولا وعمقا يحمل مقدار القلتين.
وهي بالتنك التي كانت مشتهرة للسمن الكبيرة عشر تنك.
وَالْقُلَّتَانِ: عَشْرَةٌ مِنَ التَّنَكْ *** كَمَا أَتَى تَحْرِيرُهُ مِنْ غَيْرِ شَكْ
فمثلها وما زاد عليها قلتان فأكثر، وما نقص عنها يكون أقل من القلتين.
قال: "وفي المدور ذراع عرضًا وذراعان ونصف عمقًا، وفي المثلث ذراع ونصف عرضًا ومثلها طولًا، وذراعان عمقًا:
- فإذا كان في المثلث ذراع ونصف من هذه الناحية، وذراع ونصف من هذه الناحيتين، وفي العمق ذراعان عمقا؛ فهذا يصير يحمل مقدار القلتين.
- قال الحنفية: إن الماء الكثير ما كان عشر في عشر، وأرادوا به ما إذا حركت طرفه لم تصل الحركة إلى طرفه الآخر فهذا عندهم الكثير، وما دون ذلك فهو قليل.
ثم ذكر:
الماء الطهور، الطهور: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره:
فإن الماء بأصل خلقته هو طهور، وهو ما نزل من السماء ونبع من الأرض:
- قال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان:48].
- وقال في الآية الأخرى: (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال:11].
فإذًا هو طاهر في نفسه مطهّر لغيره. وهذا أصل الماء على أصل خلقته:
- ما نزل من السماء ونبع من الأرض، سواءًا كان ماء مطرٍ، أو ماء بئرٍ، أو ماء بحرٍ، أو ماء نهرٍ، أو ماء عينٍ، أو ماء ثلجٍ، أو ماء بردٍ إذا ذاب؛ كله من جملة المياه الباقية على أصلها.
- ما نزل من السماء ونبع من الأرض:
- فأصله يكون طاهر مطهر.
- لكن يطرأ عليه ما يحوّله:
- إلى مستعمل، فيكون طاهر غير مطهر.
- وإلى ما يكون نجس.
الذي يطرأ عليه مما يوجب له الاستعمال هو الماء القليل الذي رفع ما لابد منه، أي: من رفع حدث أو إزالة نجاسة.
- فإذا عندنا ماء قليل توضأ به أحد، أو أزال به النجاسة ولم يتغيّر، فهذا الماء القليل -إذا رفع ما لابد منه- صار مستعملًا، طاهر في نفسه غير مطهر لغيره.
كذلك إذا خالطه شيءٌ من الطاهرات فامتزج به، لا يتأتى فصله عنه، فتغيّر تغيّرًا كثيرًا بحيث سَلب عنه اسم الماء:
- عندنا ماء ولكن قمنا ففورناه، وصلحنا قهوة أو شاي، قدر من الماء صار قهوة الآن، جاء ليتوضأ، فعند الشافعية ما يصح، ما يصح؛ لأنه سُلب عنه اسم الماء.
إلا:
- التراب ما يضرّ التغير بالتراب، لا يضر التغيّر بالتراب ما دام يسير، يصح تتوضأ؛ لأن التراب أصل في التطهير.
- وكذلك بالملح المائي، الملح:
- لأنه منعقد من أصل الماء، الملح المائي ليس الملح الجبلي الذي يؤخذ من الجبال.
- الملح المائي الذي يؤخذ من البحار، فهذا يصح الوضوء به، وإن تغيّر تغيرًا كثيرًا.
- قال ﷺ في ماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته".
الماء النجس: هو الذي وقعت فيه نجاسة ونجسته:
متى تنجسه؟
- إن كان قليلًا بمجرد وقوع النجاسة إلا عند المالكية.
- وإن كان كثيرًا فبالتغيّر، إذا غيّرت طعمه أو لونه أو ريحه ولو تغير يسير.
أما التغيّر بالطاهرات يحوّله طاهر غير مطهّر:
- إذا كان التغير كثير سلب عنه اسم الماء.
أما التغير بالنجاسة يصير نجس ولو تغيرًا يسيرًا:
- إذا تغير بسبب النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه صار نجسًا.
وبالله التوفيق
نظر الله إلينا وإليكم، وأقبل الله بوجهه الكريم علينا وعليكم، وأصلح لنا ولكم الشأن كله، ودفع عنّا وعنكم السوء وأهله. وجعلنا في الهداة المهتدين، مترقّين أعلى مراتب علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. مع الفوز والسعادة، وصلاح الغيب والشهادة. وفقّهنا في دينه، ورزقنا الاتباع لحبيبه وأمينه، ودفع به عنا شرور الدارين، ويختم لنا بكمال الحسنى وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 مُحرَّم 1448