(631)
(368)
(454)
الدرس الرابع للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر السبت 19 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
الإيمان
"الإيمان لغة: التصديق، واصطلاحا: التصديق بكل ما جاء به سيدنا محمد ﷺ.
فائدة
الملائكة: هم أجسام لطيفة نورانية، خلقهم الله من نور، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.
وهم كثيرون لا يُحصِي عددهم إلا الله تعالى، والواجب الإيمان بهم تفصيلا عشرة؛ وهم ساداتنا:
الحمد لله الذي يزيدنا به إيمانًا، ويرفعنا به إحسانًا وإيقانًا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط علمه بكل شيء إسرارًا وإعلانًا، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله، أعظم الخلق قدرًا وشأنًا؛ اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن ساروا في دربه صدقًا وإخلاصًا وإيقانًا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أعلى الخلائق قدرًا عند الرحمن، وآتاهم منه سبحانه وتعالى ذِكرًا وتبيانًا، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
مما يَتطرَّق في كتب الفقه من ذكر الإسلام والإيمان، وهما من المسائل التي يتخصص بالحديث فيها علماء الاعتقاد وعلماء التوحيد. والسفينة في أولها ذكر أركان الإسلام وأركان الإيمان، فذَكَر -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بعض مايتعلق بشؤون الإسلام والإيمان كما تقدم معنا مسائل تتعلق بالإسلام.
ويتحدث الآن أيضًا عن: "الإيمان -الذي هو- لغة: التصديق":
ومن المعلوم أيضًا:
يقول: "واصطلاحا: التصديق بكل ما جاء به سيدنا محمد ﷺ" عن الله تعالى؛ فهذا جامع للتصديق بجميع ما أوجب الله علينا الإيمان به وتصديقه:
"فالتصديق" بما جاء به يشمل الإيمان بجميع ما أوجب الله علينا الإيمان به، وهو ما جاء به نبينا محمد ﷺ عن الله تعالى.
وهذا الإيمان يكون في رتبة الاعتقاد الجازم، وهو بداية العلم الذي يخرجه عن الجهل. فإن ما ينازل باطن الإنسان يكون:
والعلم بعد ذلك له درجات فيما يتعلق باليقين والاعتقاد:
فأما الوهم:
فهو ما يُحتمل من الأمور احتمالًا ضعيفًا، فتجويز أحد الأمرين إن كان أحدهما راجحًا على الآخر:
بعد ذلك يأتي الإيمان وهو العلم:
فالذي لم يعلم صدق ما بُعث به رسول الله ﷺ فهو أعمى:
من لم يعلم أن ما جاء به سيدنا رسول الله حق فهو أعمى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ) [الرعد:19].
كنتَ بصير بالميزان الظني الذي في ظنك ووهمك وأنت بصير! بما تبصر بعينين! تبصر بهما المواد والأشياء ما كنتَ بصيرًا بالحقيقة؛ (قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا) أي: لم تكن بصيرًا أصلًا(قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ) [طه:126].
وتُحشَر الناس على حقائقها:
في القيامة المعنى هو الغالب فيها، وفي الدنيا الحس هو الغالب الذي يغلب على الناس اختبارًا لعباده حتى تنكشف الستارة.
فهكذا البصر أن يعلم أن ما جاء به خاتم الرسل حق؛ هذا بصر، خروجه من العمى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، اللهم اجعلنا منهم.
ثم ذكر في هذا العلم وهذا الإيمان ما يتفرع عنه: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ) [الرعد:19-22]، فأدرج هذه الأعمال في ضمن حقيقة العلم بأن ما جاء به رسول الله هو الحق وهو الإيمان.
إذًا الإيمان أيضًا يتعلق بالقول والعمل من وجهٍ، ممن وجد ثمرته، فمن صحَّ الإيمان في قلبه:
ومن هنا نعلم أن الإيمان قد يُطلق أيضًا من التصديق، يُطلق على ثمرة التصديق، ومن هنا سُميت الصلاة إيمانًا:
وعلى هذا نعلم أن معنى زيادة الإيمان ونقصه:
فإذا رسخ الإيمان وثبت وقَوِي:
فإذا حصل التصديق الجازم عُدَّ صاحبه مؤمنًا:
ولا تحصل قوة الإيمان والوصول إلى اليقين إلا بتنقية الباطن، والعكوف على الوِجهة إلى الله والإقبال عليه بالعمل بالصالحات:
وبذلك أيضًا يُعلم ما يتكلمون عليه في الإيمان: من أنه كيف يأتي الاستثناء؟ وهل يجوز يقول أنا مؤمن إن شاء الله؟
وإلا فلابد من الجزم بما بُعث به عليه الصلاة والسلام. وهذا الجزم يكفي، والعمل بمقتضاه بالثلاث أُسس التي تقوي الإيمان وتستنزل اليقين:
فَكُن من الْإِيمَان فِي مزِيد *** وَفِي صفاء الْقلب ذَا تَجْدِيد
بِكَثْرَة الصَّلَاة والطَّاعات *** وَترك مَا للنَّفس من شهواتِ
فشهوة النَّفس مَعَ الذُّنُوب *** موجبتـــان قســـوة الْقُلُوب
وَإِن أبعد قُلُوب النَّاس *** من رَبنَا الرَّحِيم قلبٌ قاسي
يشير إلى حديث: "أبعَدَ الناسِ مِنَ اللهِ القَلبُ القاسي"، فهؤلاء أبعد عن الله تعالى. فتبين أن القرب والبعد من الله أمر معنوي لا يتعلق بمكان ولا مسافة ولا شيء من هذه الصور.
فقربنا الله وإياكم إليه زُلفى، وزادنا إيمانًا في كل لمحة وفي كل نفس وفي كل تسبيحة وفي كل تحميدة وفي كل قراءة وفي كل درس وفي كل صلاة وفي كل قومة وقعدة، زادنا الله إيمانًا.
فإن حياتنا هذه محل الاستزادة من الإيمان، ومحل الاستزادة من اليقين، وما نزل من السماء إلى الأرض شيء أشرف من اليقين.
ثم ذكر لنا "الملائكة"؛ لأن في الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، ومعناه: أن تؤمن وتصدِّق بما أخبرنا ﷺ أن لله ملائكة، "وهم أجسام نورانية لطيفة".
وإنما قلنا نُورانية لأن الفرق بين النُّور والنَّور:
قلنا: "الملائكة: هم أجسام لطيفة نورانية، خلقهم الله من نور"، هذا معنى النورانية مخلوقون من النور:
والكل خلق الله، النور خلق الله، والطين خلق الله، والنار خلق الله، والأجسام خلق الله، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: 62] جل جلاله وتعالى في علاه.
"أجسام لطيفةٌ نورانية، خلقهم الله من نور، -أوصافهم كما جاءنا عنه ﷺ- لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون"، وهذه الأعراض البشرية والجنية ليست عند الملائكة، فأجسامهم النورانية بعيدة عن الحاجة للطعام والشراب، فتركيبة أجسامهم النورانية بعيدة عن الحاجة إلى الطعام والشراب وما يترتب عليه، والنكاح وما يترتب عليه، والنوم، فلا نوم لهم ولا شرب ولا أكل.
والـمـلك الـذي بـلا أب وأم *** لا أكـل لا شـرب ولا نوم لهم
"ولا ينامون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون":
وهم أكثر خلق الله عددًا، إذا رجعنا إلى العدد من أشجار أو أحجار أو جبال أو رمال أو ذرات أو أي شيء من المخلوقات؛ الملائكة أكثر خلق الله عدد، سبحان الله! يخلقهم كما يشاء:
وكم لله مِن الملائكة فوق السماوات السبع؟ والملائكة الأرضيين وما إلى ذلك، فسبحان الله لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه وتعالى!.
"والواجب الإيمان بهم تفصيلا عشرة": وهم الذين جاءت أسماؤهم في السنة الغراء وبعضها في الكتاب العزيز مثل جبريل وميكائيل.
والمعنى: أنه لا يسع المؤمن أن يجهل أن جبريل يُنطَق على اسم واحد من ملائكة الله تعالى، فإذا جهل ذلك يجب أن يتعلمه، وهو من فروض العين في علم الدين أن يعلم هؤلاء الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وأنهم ملائكة ذكرهم الله تعالى في كتابه، ومنهم من ذكره رسول الله ﷺ في السنة.
ويمكن تبحثوا عن ذكر اسم عزرائيل فإنه جاء في حديث؛ ولهذا بعض المستعجلين ينكرون أنه جاء في السنة اسم عزرائيل، -سأل الحبيب الحاضرين عن الحديث- فأجاب أحد الحضور: هو في كتاب الطوالات عند الطبراني، ففي الحديث جاء عزرائيل وفي القرآن جاء لقبه ملك الموت.
1. "جبريل: أمين الوحي" أي: هو المخصص بالنزول على الأنبياء والرسل أكثر من غيره بالشرائع، وإن كان تنزل ملائكة آخرون أيضًا على الأنبياء ببعض الأشياء:
قال: 2. "وميكائيل: المُوَكَّل بالأرزاق والأمطار":
الرزق في أم الكتاب مقسوم *** فلا تكن به يا بليدٌ مهموم
قال: "الموَكل بالأرزاق والأمطار".
3. "وإسرافيل: المُوَكَّل بالنفخ في الصور"، أي: هذه أظهر ما وُظّفوا فيه أو ما شُغلوا به من الأعمال ولهم أعمال، والكُل منهم قانت، والكُل منهم له سجودات، والكُل منهم له تسبيحات، والكُل عليهم سلام الله تبارك وتعالى.
4. "وعزرائيل: المُوَكَّل بقبض الأرواح"، ومعه من الملائكة ملايين موكلين بقبض روح كل من حضر أجله من جميع الإنس والجن والحيوانات فتُقبض أرواحهم.
ويُحشر الكل بعد ذلك، ولها متسع في الصُّور، القرن العظيم الذي فيه ثقوب على عدد كل روح خُلقت لا إله إلا الله!، أعداد هائلة كبيرة للأرواح:
بعد ما تُكوَّن الأجساد بين النفختين يرد الله الأجساد، فتبقى أجساد بالمليارات في الأرض مفرقة، وحيث دُفنت، والتي أكلتها السباع وغيرها، إنس وجن وحيوان، أجساد من دون الأرواح:
هذا سيدنا إسرافيل عليه السلام، وعزرائيل موكل بقبض الأرواح، ويقول سبحانه وتعالى:
فتُبيِّن أن هناك ملائكة كثيرة مع سيدنا عزرائيل يقبضون الأرواح، فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم يتناولها بيده وبعد ذلك إما إلى عليين وإما إلى سجين.
وتبقى أرواح بقية الحيوانات لا حساب عليها إلى وقت النفخ، قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38]:
حينها ينظر الكفار فيقولون: يا ليتنا كنا مثل الحيوانات هذه: (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ:40]، لاإله إلا الله! هو كان مغتر في الدنيا وملآن بغرور وكبر، والآن يتمنى أنه كان كبش ولا كان بقرة ولا كان ذرة أحسن له، ولا ذاك الكفر والزمجرة: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)، فلا يقدرون على هذا، بل إلى مصيرهم مما أعدَّ الله لهم من عذاب جهنم وبئس المصير والعياذ بالله تعالى.
5. "ومنكر ونكير" كذلك الملائكة الموكلين بأسئلة الأموات في قبورهم، -منكر ونكير- ومن خلال الاسم تعلم ما يتصورون به عند السؤال، إنها صور فظيعة وشنيعة صعبة يتصورون بها..
يقول: 6. "ورقيب وعتيد"، قال ربنا: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]:
7. "ومالك: خازن النار"، الموكل بالنار ومعه الألوف المؤلفة من الملائكة خزنة جهنم (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر:49-50].
ينادون مالك كذلك بعدين، يقولوا: يا مالك يا مالك يا مالك، مقدار ألف عام ثم يجيبهم: ما لكم يا أهل النار؟ يقولُ: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) -خلاص نحن ندمنا وحسرنا، ليقضِ علينا، يميتنا، لم نعد نطيق العذاب!- (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]، (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) لا إله إلا الله! ويرجعون يدعون الإله الأعلى -سبحانه وتعالى- ويقول: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ)، (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:106-108]، هذا كلام الحق وهو منتظر كل أصناف المعاندين والمعتدين من الفجار والكفار مهما كانوا، مهما اغتروا بشيء؛ فهذا هو المستقبل حقهم هذا هو المصير الخطير الكبير، أجارنا الله وجعلنا من أهل جنته، آمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
فائدة
الكتب الواجب الإيمان بها تفصيلا أربعة:
يقول في الإيمان بالكتب؛ الكتب: ما أنزله الله تعالى على الأنبياء من كتب وصحف، كما قال: ( إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ) [الأعلى:18]، وقد أنزل الله على الأنبياء كتبًا ومنهم من أنزل عليه صحفًا:
الألواح مكتوبة، تنزل يناولها الملك للنبي مكتوبة يستلمها -هذه الصحف-. أما الكتب عبارة عن وحي يُوحيه إليه وهم فيما بعد يكتبونه عن هذا النبي.
أنزل الله الكتب على الأنبياء فوجب الإيمان بها، والقول بأنها مئة وأربعة ما يثبت فيه شيء يُستند إليه، فآمنا بكل كتاب أنزله الله -تبارك وتعالى-، ولكن يجب أن نعلم منها هذه الأربعة؛ لأن الله نصَّ عليها في قرآنه، فيجب على كل مؤمن يعلم:
1. "التوراة: المنزلة على سيدنا موسى"، -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- معنى إيماننا بها:
2. "والإنجيل: المنزل على سيدنا عيسى"، أما الإنجيل الذي الصبح كلمة والعصر كلمة فهذا كلامهم هم ولا لنا دخل فيه:
وفي جميع الكتب المنزلة كذلك، فآمنا بها كما أنزلها الله تبارك وتعالى؛ ولهذا حذرنا: إذا حدثونا أهل الكتاب عن التوراة والإنجيل أن نكذبهم أو نصدقهم، قال لا تكذبوا أهل الكتاب ولا تصدقوهم، قولوا:
وفي الخبر أنه سيدنا عيسى يتلو بعدين الإنجيل الذي أُنزل عليه، ويستخرج النسخة من التوراة التي بقيت على ما هي عليه، ويجد الناس فيها كلامًا غير الكلام الذي يتكلم به هؤلاء المحرفون من اليهود والنصارى:
3."والزبور: المنزل على سيدنا داوود" -عليه السلام-، ولما كُتب في عهده وكان يتلوه وله صوت حسن، فإذا تلا ورفع صوته بالآداء:
لهذا قال لما عجبته قراءة سيدنا أبي موسى الأشعري: "لقَدْ أُوتِيتَ مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ"، وكانت تعجبه قراءة ابن مسعود ﷺ، ولما كان يقرأ في المسجد في الليل سيدنا أبي موسى الأشعري وسمعه ﷺ فخرج حتى أخرج السيدة عائشة وقال تعالي اسمعي، قرب من المسجد يستمع إليه:
رزقنا الله الإيمان بجميع كتب الله وما أنزله على أنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.
4. "والفرقان: وهو القرآن المنزل على سيدنا محمد ﷺ"، وفي القرآن لنا الغنى، وفي الحديث أنه لما رأى في يد سيدنا عمر ورقة أعطاه إياه بعض اليهود من التوراة، وهي عرضة لما حُرّف وبُدّل، قال له ﷺ: "أَمُتَهَوِّكُونَ فيها يا ابنَ الخطابِ؟ والذي نفسي بيدِه لقد جئتُكم بها بيضاءَ نَقِيَّةً"، ألم آتكم بكتاب الله تعالى البيِّن الواضح الجلي؟ فأمره أن لا يستلم منهم شيء ولا يأخذ منهم شيء، وقال: "جئتُكم بها بيضاءَ نَقِيَّةً"، عندكم كتاب القرآن، " لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعي"، موسى بالنص الذي أُنزل عليه غير المحرف ما بيكون له قبول عند الله إلا اتباع محمد ﷺ، فماذا تريد من هذا الكلام؟!
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
(فائدة)
الرسل الواجب الإيمان بهم تفصيلا خمسة وعشرون:
"وهم ساداتنا: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وهارون، وموسى، واليسع، وذو الكفل، وداوود، وسليمان، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ومحمد ﷺ، الهاشمي العربي الذي ولد بمكة وبعث بها، وهاجر إلى المدينة ومات ودفن بها، ووجهه أبيض مشرب بحمرة وهو حي في قبره .
وشريعته نسخت جميع الشرائع التي قبلها، وتبقى مستمرة إلى يوم القيامة، لأنه آخر الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده أبدا".
صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه؛
ذكر لنا أسماء الرسل مذكورين في القرآن، عندنا خمسة وعشرون رسول آمنا بهم، وبكل رسولٍ أرسله الله تبارك وتعالى يقول:
فلا يسع المؤمن أن يجهل أن هذه الأسماء أسماء أنبياء ورسل، لأنهم مذكورون في الكتاب العزيز، بل في مُقرأ واحد ذكر ثمانية عشر منهم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأنعام:83-86]؛ ثمانية عشر ذكرهم في هذه الآيات، والباقون مفرقون في آيات القرآن، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، آمنا بجميع رسل الله، حشرنا الله في زمرتهم.
ثم ذكر لنا خاتم الأنبياء والمرسلين، أفضلهم وأجلهم عند الله قدرًا، يستظلون بظل لوائه جميعهم وأتباعهم، فجعلنا الله ممن يستظل بظل ذلك اللواء.
يقول: "ومحمد ﷺ، الهاشمي العربي الذي ولد بمكة وبعث بها"، وهذا مما يجب أن يتعلمه المسلمون، مولد النبي ﷺ وبعثته وهجرته واسمه الكريم واسم أبيه وأمه مما يجب أن يعلمه المؤمنون ويعلمونه أولادهم وأهاليهم:
كان يقول السيد محمد المالكي -عليه رحمة الله- قال للذين يحبون نسبة الموت إلى الأنبياء -والعياذ بالله تعالى- ويقولون إنه ميت، يقول: أنت تحسب بنفسك أنك حيّ، بماذا تميزت؟ بماذا تميزت عن حياة هؤلاء الأنبياء في قبورهم؟
إن كنت تُرزق هم يرزقون، إن كنت تصلي هم يصلون، بماذا تميزت؟ قال: تشخ(تبول)! قال: هذه ميزتك أنك تشخ وعندك أوساخ! هذه حياتك؟ هذه الميزة! هل يوجد ميزة كريمة في حياتك عن حياتهم؟! هم ما يشخون ولا يبولون ولا يتغوطون سواء، هذا صحيح، هذه ميزتك التي ستتميز بها وتتعالى بها على الأنبياء!
حياتهم أعلى من حياتك، حياتهم أشرف من حياتك هذه، قال ﷺ:
فهم يصلون وهم يرزقون، (بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران:169] كما قال الله تعالى.
وماذا بقي من ميزتك؟، هذا أنت أنك في الدنيا تصلح هذه الأشياء ما ميزتك؟! حياتهم أعلى وحياتهم أشرف؛ ولهذا أدّب الله المؤمنين مع حياة الشهداء فضلًا عن الأنبياء، قال:
قال: "وهو حي في قبره"، وفي الحقيقة إن الله أحياه بأشرف حياة:
فهو الحي الذي تجلى عليه الحي بأعلى معاني ما وهب الخلق من الحياة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وسلم.
"شريعته نسخت جميع الشرائع التي قبلها"، فيبقى معنى الموت في حقه وحق الأنبياء وحق الشهداء كذلك الانتقال من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة وخروج الأرواح من الأجساد، هذا صحيح:
قال: "وشريعته نسخت جميع الشرائع التي قبلها، وتبقى مستمرة إلى يوم القيامة"، الحمد لله الذي جعلنا الله أن نكون من أنصارها والقائمين بحقها والعاملين بها، "لأنه آخر الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده أبدا":
وإذا رُفع القرآن ذهب خير الأرض بعد ذلك، لكن ما دام القرآن موجود، فحقائق الشرع المصون بل حقائق الولاية وإرث النبوة قائمة في الأمة وموجودة استترت أو ظهرت لكنها قائمة وموجودة: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِّ".
الله يرزقنا نصرة هذه الشريعة وحُسن الأعمال بها ويجعلنا من خواص أهلها في العمر الذي قدره الله لنا في الدنيا والأيام التي نقضيها في الحياة، يجعلنا الله من خواص المتحققين بحقائق خدمة هذه الشريعة ونصرها وبيانها، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.
و بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
22 مُحرَّم 1448