الفوائد الثمينة - 10 | تكملة أركان الصلاة، وسنن الصلاة، والأذان

للاستماع إلى الدرس

الدرس العاشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

ظهر الثلاثاء 22 محرم 1448هـ

لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا

يتضمن الدرس:

بيان صيغ التشهد

  •  متى تجب الصلاة على النبي ﷺ؟
  •  صيغ الصلاة الإبراهيمية ومعانيها
  •  إشارات قرآنية حول تخيير أزواج النبي ﷺ
  •  من هم ذرية النبي ﷺ وآل بيته؟
  •  معاني العبدية والعبودية والعبودة لله تعالى ومقاماتها
  •  ربط البركة في الصلاة الإبراهيمية في آل إبراهيم
  •  شروط السلام من الصلاة وأحكامه
  •  نية الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والمصلين
  •  شروط السلام عشرة (الموالاة، استقبال القبلة، نية الإنشاء، وغيرها)
  •  سنن الصلاة: أنواعها وعددها في الصلاة
  •  سنن رفع اليدين عند التكبير
  •  بيان بقية سنن الصلاة: الأذان، الإقامة، الخشوع
  •  استحباب السواك ومواضعه
  •  سنن الصلاة: وضع اليمين على الشمال، دعاء الافتتاح، التعوذ، التأمين
  •  تكبيرات الانتقال وقول "سمع الله لمن حمده" والتسبيح
  •  وضع اليدين للتشهد وهيئة الإشارة بالمسبحة
  •  هيئة الجلوس في الصلاة (الافتراش والتورك)
  •  أحكام الأذان وشروطه الستة

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:

الصلاة الإبراهيمية

"أكمل الصلاة على النبي ﷺ: الصلاة الإبراهيمية، وهي: اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

شروط السلام

شروط السلام عشرة نظم بعضهم تسعة منها، فقال:

عرِّف وخاطِب وصِلْ واجْمَعْ وَوَال وَكُنْ *** مُسْتَقْبِلًا ثُمَّ لَا تَقْصُدْ بِهِ الخَبَرا

واجلِسْ وَاسْمِعْ بِهِ نَفْسًا، فَإِنْ كَمُلَتْ *** تلكَ الشَّرُوطُ وَتَمَّتْ كَانَ مُعْتَبَرا

والعاشر: كونه بالعربية".

 

الحمد لله مكرمنا بالعبادة والزيادة والسعادة، وصلى الله وسلم وبارك وكرم على عبده المجتبى محمد رأس القلادة سيد أهل السيادة، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان في الغيب والشهادة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين اختارهم واصطفاهم ففاقوا عباده، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

تقدَّم ذكر: 

  • التشهد وشروطه، وما اختاره الأئمة من الروايات. 
  • أما في السلام عليه ﷺ، والسلام على عباد الله الصالحين والشهادتين؛ فقد اتفقت الروايات كلها واتفقوا. 

فأما في صدر التشهد والتحيات: 

  • فَاخْتَارَ الشَّافِعِيَّةُ: "التَّحِيَّاتُ الْـمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ"، وكذلك الحنابلة.
  • وَاخْتَارَ الْحَنَفِيَّةُ رِوَايَةَ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ".
  • وَاخْتَارَ الْـمَالِكِيَّةُ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ".

وفيما بقي : 

  • فالروايات متحدة: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ". 
  • إلا أن الحنفية اختاروا رواية: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"؛ هذا فيما يتعلق بالتشهد.

ثم الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد: 

  • واجبة عند الشافعية والحنابلة، أوجبوا الصلاة على النبي في كل صلاة بعد التشهد. 
  • وذلك أن الجميع اتفقوا على أن الصلاة على النبي ﷺ واجبة. 

ولكن متى تجب؟

  • فقال الشافعية والحنابلة: تجب في الوقت الذي يجب فيه السلام عليه؛ لأن الله جمع بين الصلاة والسلام (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، الوقت الذي يجب السلام عليه فيه وهو وقت الصلاة في التشهد، تسلم على النبي ﷺ وتصلي عليه، فهذا الوقت. 
  • ودلت بعض الروايات أيضًا على أنهم سألوه: كيف الصلاة عليك والسلام؟ لأجل الصلاة، فعلمهم هذه الصلاة الإبراهيمية بصيغها.
  • وقال بقية الأئمة: لا، إنها لا تلزم في نفس الصلاة؛ ولكنها تُستحب وتتأكد مع السلام، أي بعد التشهد أن يصلي عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ومن العلماء من قال: 

  • إنما تجب الصلاة عليه في العمر مرة.
  • ومن قال: إنها تجب في كل يوم.
  • ومنهم من قال: إنها تجب عند كل ما ذُكر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لحديث: 
    • "من ذُكِرتُ عندَهُ فلم يصلِّ عليَّ خطئَ طريقَ الجنَّةِ". 
    • "البخيلَ كُلَّ البخيلِ مَن ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عَلَيَّ".

وكذلك قال أهل العلم إن أفضل الصلاة على النبي ﷺ: 

  • هي الصلاة الإبراهيمية؛ لورودها عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
  • ويقول فيها: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي"؛ وهذه من أجمع الروايات التي وردت في الصلاة الإبراهيمية، وقد قلنا إنها نحو سبعة عشر أوعشرين رواية في صيغة الصلاة الإبراهيمية عنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ منها هذه من أجمعها: "اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه"، وهن أمهات المؤمنين وعددهن إحدى عشرة: 
  • اثنتان توفيتا عنه في حياته. 
    • وهي أفضلهن وأعظمهن سيدتنا خديجة الكبرى.
    • وكذلك توفيت في حياته زينب بنت خزيمة. 
  • وبقيت التسع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وهن اللاتي نزلت فيهن آيات التخيير؛ فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

وذلك أنه لما كان منهن طلب لشيء من الزيادة في الكسوة والنفقة، أنزل الله الآية يقول: خاطب أزواجك يا نبينا، قل لهن أنتن في أي موطن وفي أي مقام وبماذا تتعلق قلوبكن ورغباتكن وإرادتكن؟ إن علمتن قدر نبينا ومنزلته لدينا، وأردتن شرف الزوجية معه والأمومة للمؤمنين أجمعين؛ فهذا مقام يجب أن تتسامى فيه الرغبات إلى ما هو أجلَّ وأكبر من الملابس والدنيا وما فيها، وإن بقي في نفوسكن شيء من التعلق بذلك فاخرجن من هذا السياج الرفيع إلى حيث أردتن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ) -أعطيكن متعة من الدنيا- (وَأُسَرِّحْكُنَّ) -أُطلِّقكن- (سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29].

 

ودخل على سيدتنا عائشة وقال: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، وتلا عليها الآيتين، فَقَالَت لَهُ: "فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ "، فلما تلا عليها، قالت: "أفيك أستأمر أبويَّ يا رسول الله؟! لا، لا أبويَّ ولا غيرهما، أريد الله ورسوله والدار الآخرة".

لما عرفت أنه سيتلوها على بقية النساء ويُخيِّرهن، فقالت: "أَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِن نِسائِكَ بالَّذِي قُلتُ، قالَ: لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ منهنَّ إلّا أَخْبَرْتُها".

فخرج إلى الثانية وتلا عليها، فقالت: "لا أستأمر فيك أحدًا، وأريد الله ورسوله والدار الآخرة"، والثالثة والرابعة حتى كَمُلَ التِّسع، وكلهن كان جوابهن كذلك.

يقول المرزوقي في عقيدة العوام:

عن تسع نسوة وفاة المصطفى *** خُيِّرْن فاخترن النبي المقتفى

(وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ)، -وفي قراءة: (يُضَعَّفْ)- (لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ)‎ -فخُذن هذا القِوام العالي للقِيم والحياء والحشمة- (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) -لا ترققن أصواتكن عند كلام الرجال وكلام النساء لا ترققن أصواتكن- (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) -هذا شغلكن- (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ) [الأحزاب:29-34]، أي من القرآن والسُّنة الغرَّاء، تأملن الوحي الذي نوحيه إلى نبينا والبيان الذي يبينه وسط دياركن، تأملن هذا واعملن فكركن في هذا المجال، عليهن رضوان الله تبارك وتعالى، (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6].

قال: "وذريته":

  • وذريته ﷺ الذين تناسلوا من سيدنا الحسن والحسين، انحصرت ذريته في ذلك. 
    • فأبناؤه الكرام تُوفوا صِغارًا. 
    • وبناته الطاهرات لم يتم عقب لهن مستمر وبقي العقب والذرية من فاطمة بواسطة الحسن والحسين.
    • مُحسِّن أيضًا مات صغيرًا. 
    • وخلَّفت أيضًا زينب وأم كلثوم. 
  • فهؤلاء ذريته، وفي الحديث: "إنَّ اللهَ تعالى جعلَ ذريةَ كلِّ نبيِّ في صلبِهِ، وجعلَ ذريتِي في صلبِ عليِّ ".

"وأزواجه وذريته، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم"، والصلاة على الحبيب الأعظم ﷺ أتم وأكمل، فلماذا قال: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"؟ 

يعود على قوله: "وعلى آل محمد أزواجه، كما صليت على سيدنا إبراهيم"، "كما صليت على سيدنا إبراهيم" متعلق بقوله: "وعلى آل محمد وأزواجه وذريته"، أمرُ أمر، يعني: صلِّ على آله وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. 

أما الصلاة عليه هو: 

  • فهو أصل الصلاة وأعظم الصلوات، صلى عليه ما لم يُصلِّ على أحد من أنبيائه لا الخليل ولا غيره، فهو أرفع درجة من سيدنا الخليل -عليهم السلام- فهذا يعود عليه من وجه.
  • ومن وجه آخر يأتي استعمال مثل هذه الألفاظ، ما تقتضي الأفضلية ولا الأعظم ولكن مجلى من مجالي الرحمة الكبرى مع التعظيم صدرت من الرحمن للخليل وآله فذكرها ﷺ دون غيره من الأنبياء، فذكر الخليل وحده إبراهيم -عليه السلام- وهو أفضل الخلق بعد نبينا محمد ﷺ.

"كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم"، وكذلك في البركة: "وبارك على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد"، وكانوا يستجلون في ذكر العبدية له ﷺ معانٍ جليلة من تشريف الله وتكريمه إياه: 

  • فإنه لم يُحقِق بالعبدية والعبودية والعبودة له أحد كما حقق محمدًا ﷺ؛ ولذلك وصفه بها في أشرف المراتب والمقامات في الوحي والإسراء والمعراج:
    • وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء:1]. 
    • وقال سبحانه: (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) [النجم:10]. 
    • وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1].

وذلك غاية الشرف والكمال لجميع الكائنات، مراتبهم في العَبْدِيَّة والعُبُودِيَّة والعَبُودَة لله تعالى: 

  • وقد بلغ الذروة فيها محمد ﷺ ؛ فهو المتحقق بحقائق العبدية والعبودية والعبودة أعلى التحقق.
  • ومِن دونه ساداتنا الأنبياء الذين لم يبلغ شَأْوَهُمْ في عبوديتهم لله تبارك وتعالى أحد من الصدِّيقين ولا من غيرهم. 
  • ثم أكابر الصدِّيقين وأهل الصدِّيقية الكبرى. 
  • ثم عموم الصدِّيقين. 
  • ثم خواص الصالحين من الأمة. 
  • ثم عامة الأمة نصيبهم من العبدية والعبودية بالنسبة لأولئك نصيب يسير وقليل ولكن به النجاة.

(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93]؛ فهم من حيث أنه مالكهم وخالقهم وفي قبضته كلهم بهذا المعنى: عباد وعبيد ومُلك له جل جلاله، ولكن من حيث إدراكهم لهذه الحقائق واجتلائهم مع أسرارها ومعانيها وتحققهم بحقائقها يختلفون اختلافًا كثيرًا كبيرًا، وكلما علا قدر مَلَكٍ أو نبيٍّ أو صدِّيقٍ أو أحدٍ من خواصِّ المؤمنين لدى الله، رسخ قدمه في العبدية والعبودية للحق -جل جلاله- والتذلل له بمعانٍ لا يدركها غيره؛ (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]. 

وقد قال قائل يشير إلى هذا الشرف والكرامة في العبدية: 

لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِـيَا عَبْدِهَا *** فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي

أهم شيء أن أكون عبدًا له؛ لا إله إلا الله! 

ويقول عن أنبيائه: 

  • (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24]. 
  • (وَعَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3].  
  • (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)  [الزخرف:59]، -يقول عن سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام-. 

وهنيئًا لهم بما آتاهم الله من هذا الشرف الأفخر، فما شرف مخلوق إلا بقوة تذلله لهذا الخالق وخضوعه، وهو يترتب عليه رضاه عنه وقربه منه ومعرفته به، كلما عرف الله أكثر، تذلل لله أكثر، وخضع لله أكثر، وخشع لله أكثر، وتصاغر لله أكثر.

وفي شرف هذه العبدية متعلقة بالسجود؛ لأنها معبرة عنه جعل الله تعالى السجود فاصلًا: 

  • بين مَن أُكرِم في الدنيا بالسجود طواعية. 
  • وبين مَن كان يسجد رياءً. 
  • ومَن لم يسجد لله أصلًا. 

يوم يدعون إلى السجود يوم القيامة، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) يعني: يعظم الهول ويشتد الخطب والكرب، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) -هؤلاء الذين لم يسجدوا لله أو كانوا يسجدون نفاقًا، والآن ما عاد يقدرون يسجدون، ويسجد المؤمنون وحدهم، إن سجدوا لله تبارك وتعالى فلا يستطيعون- (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) -أي في الدنيا- (وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم:42-43]، يستطيعون السجود بإخلاص وصدق، ولكن يوفق الله من يشاء. 

الحمد لله الذي أكرمنا بالسجود والعبدية والعبودية، والله يحققنا بحقائق ذلك ويسلك بنا أشرف المسالك.

"عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل سيدنا محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم"، وذلك أن الله نص على البركة على آل إبراهيم في القرآن الكريم في قوله: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) [هود: 73]، في خبر سيدنا إبراهيم -عليه السلام- يقول سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) -يعني: أهل بيت إبراهيم- (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) [هود:69 -73]، فكان هذا من مناسبة ربطه ﷺ البركة والرحمة والصلاة على آله، ربطه بما ذكر ونصَّ عليه في القرآن من رحمته وبركته على آل إبراهيم، على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

  • فالعَبْدِيَّة تأتي بإدراك المُلكية للرحمن -جل جلاله- والخضوع لعظمته.
  • وفوقها بعد ذلك االعُبُودِيَّة بأن تنقاد وتخضع جميع الأركان لامتثال الأمر واجتناب النهي.
  • وفوقها العَبُودَة باضمحلال شهود نفسه ووجوده مع إلهه الذي خلقه حتى لا يبقى عنده من نفسه خبر، ولا يبقى عنده من نفسه ذرة ويتحقق بالعبودَة.

لهذا قال في وصف كبار الأولياء في كل زمان الذي يسمونه القطب سيدنا الإمام الحداد قال:

أَهْلًا وَسَهْلًا بِالْحَبِيبِ الْوَاصِلِ

هُوَ سَيِّدٌ مُتَوَاضِعٌ مُتَخَشِّعٌ *** وَرِعٌ تَقِيٌّ زَاهِدٌ فِي الْعَاجِلِ

الشَّرْعُ سِيرَتُهُ الْحَقِيقَةُ حَالُهُ *** وَمِنَ الْعَبُودَةِ بِالْمَقَامِ الْحَافِلِ

بَرٌّ رَحِيمٌ بِالْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ *** يَرْعَى الْوُجُودَ بِعَيْنِ لُطْفٍ شَامِلِ

يَمْتَدُّ مِنْ بَحْرِ الْبُحُورِ مُحِيطِهَا *** خَيْرِ الْأَنَامِ بِعَاجِلٍ وَبِآجِلِ

صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا هَبَّ الصَّبَا *** أَوْ سَارَ حَادٍ قَصْدُهُ بِرَوَاحِلِ

فيرث الرحمة للعالمين، ويعظم نصيبه من إرث سيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ويتحقق بحقائق العبودة.

قال: "في العالمين -أي: صلِّ عليهم في العالمين- إنك -يا ربنا- حميد مجيد": مستحق للحمد لك الأوصاف الحميدة والفعال الحميدة، وكل حمد راجع إليك. 

"مجيد": لك المجد الأعلى الذي لا يدانيه مجد -سبحانه وتعالى-، "إنك حميد مجيد".

ثم ذكر شروط السلام من الصلاة:

  • والسلام من الصلاة واجب أيضًا عند الجمهور أن يسلم من الصلاة. 
  • وهو من الواجبات المستحبات عند الحنفية، الذي يمكن: 
    • إذا تعمَّد الخروج من الصلاة بغير السلام صحَّت صلاته أوأجزأته، ولو سبقه الحدث قبل أن يسلم فعليه أن يتوضأ ثم يسلم.
    • وأما إن تعمَّد الخروج من الصلاة باستعمال أي مبطل فقد تمت صلاته من دون السلام.
  • وقال الأئمة الثلاثة: لا بد من السلام، به يتم الخروج من الصلاة. 

والسلام: 

  • أقلُّه عند الحنفية: السلام فقط.
  • ولكن عند غيرهم: السلام عليكم.
  • أما عند المالكية فلابُد: السلام عليكم ورحمة الله، يأتي به كاملًا.
  • وقال الشافعية: الواجب: السلام عليكم، مرة واحدة.
  • وقال الحنابلة: الواجب: السلام عليكم، مرتين. 
    • وهو عندهم في الجنازة سلام واحد، في صلاة الجنازة. 
    • وفي الفرائض سلامان، لا بد من السلامين.
    • وعند الشافعية سواء في الجنائز أو في الصلوات المفروضات والنوافل: السُنَّة سلامان، والواجب واحد، يجب سلام واحد: 
  • فإن سلَّم مرة واحدة فإلى الأمام. 
  • وإن سلَّم مرتين؛ فمرة عن يمينه ومرة عن يساره، وهذا فعله ﷺ المنقول عنه عليه الصلاة والسلام.

ثم في هذا السلام أيضًا: 

  • يجوز أيضًا عند المالكية يقول: سلامٌ عليكم ورحمة الله.
  • ولكن عند الشافعية: لا، لا بد من ألف، ولام التعريف -ال- لا بد من السلام عليكم.
    • بخلافه في التشهد؛ فيجوز: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. 
    • ويجوز: السلام عليك أيها النبي. 
    • ويجوز: سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين.
    • ويجوز: السلام علينا وعلى عباد الله؛ لوروده في الرواية سلامٌ والسلام.

أما عند الخروج من الصلاة: 

  • لا؛ لا بد عند الشافعية من الألف واللام -السلام- لا بد من ال التعريفية: السلام عليكم ورحمة الله.
  • وقال المالكية: يجوز يقول سلامٌ عليكم ورحمة الله.
  • وعلمنا أيضًا أن الحنفية يكتفون بلفظ السلام ولو لم يذكر عليكم من جهة الأداء الواجب وصحة الخروج من الصلاة.

ثم اختلفوا هل يلزم عند السلام نية الخروج من الصلاة؟

  • اعتمد الشافعية: أنه سُنَّة وليس بواجب.
  • وقال الحنابلة: لا بد أن ينوي بالسلام الخروج من الصلاة بالسلامَين كلها، أن ينوي الخروج من الصلاة. 

وكذلك من السُّنَّة: 

  • إذا كان إمامًا أن ينوي السلام على مَن على يمينه من المؤمنين من المصلين معه عند السلام الأول، وينوي السلام على مَن على يساره ومَن خلفه عند السلام الثاني. 
  • كذلك كلٌّ من المأمومين والإمام: ينوي السلام على جميع مَن على يمينه وأمامه إلى آخر العالَم في السلام الأول من الملائكة ومؤمني الإنس والجن، وعند السلام الثاني ينوي السلام على جميع مَن على يساره وخلفه من الملائكة و مؤمني الإنس والجن، وبالخصوص يقصد الإمام المأمومين الذي حواليه.
  • وكذلك المأموم يُسن له مع نيته: السلام على جميع من على يمينه وأمامه من الملائكة و مؤمني الإنس والجن ينوي إن كان عن يسار الإمام بالتسليمة الأولى: الرد على الإمام الذي سلَّم عليه، وإن كان عن يمين الإمام فبالتسليمة الثانية: ينوي أيضًا الرد على الإمام.

فإن كان خلفه مباشرة ينوي الرد عليه بالتسليمة الأولى، أو في الثانية؟ لا هو يمينه ولا هو يساره!. 

يجوز في أيهما، والأَوْلى في الأُولى، ينوي رد السلام على الإمام في الأُولى.

كذلك مَن أمام ومَن خلف: 

  • ينبغي في الأُولى ينوي السلام على مَن أمامه مع مَن على اليمين. 
  • وفي الثانية  ينوي السلام على مَن في الخلف مع الذين على اليسار.

فإذا قَبِل الله منه ذلك، فله على عددهم ثواب، أو لا؟ إذا سلمتَ على واحد قلت له السلام عليكم ورحمة الله؛ لك عشرون حسنة، كم من الملائكة ومؤمني الإنس والجن على اليمين إلى آخر الدنيا كم؟ واليسار كذلك إلى آخر الدنيا كم عددهم؟ إذا قَبِل الله ذلك فلك على مثل عددهم خذ لك: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) [البقرة:261].

قال: "شروط السلام"، عند الخروج من الصلاة.

"شروط السلام عشرةنظم بعضهم تسعة منها"، فقال: 

  1. "عرِّف"، أي: ائتِ بأل التعريف، الألف واللام: السلام، وقلنا إنه لم يشترط المالكية ذلك. 
  2. "وخاطِب"، السلام عليكم، لا تقول: السلام عليهم، قل: السلام عليكم، لا بد أن تأتي بكاف الخطاب، ما يصح السلام عليهم ورحمة الله وبركاته، ولا السلام عليه ورحمة الله وبركاته، لا بد من كاف الخطاب، "خاطِب". 
  3. "وصِلْ"، لا تفصل بين قولك السلام وعليكم بفاصل طويل، كقول: السلام... عليكم، ما يصح هذا، لا بد أن تواصل بينهم، ما تفصل بينهم بفاصل طويل. 
  4. "واجْمَعْ"، قل بلفظ الجمع، السلام عليك ما يصح، السلام عليكما ما يصح، لا بد من لفظ الجمع، ميم الجمع، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكيف تسلم؟ لأنك تخرج الآن إلى عالم الخلق من الحضرة الشريفة، فتسلم عليهم، ثم تجيء من مكان إلى مكان تدخل على الناس تسلم عليهم، وأنت كنت في حضرة الجمع على الله ومشاهدة أسمائه وصفاته وخطابه، الآن ترجع إلى عالم الخلق والدنيا، تسلم عليهم، السلام عليكم، السلام عليكم، أنت رجعت إليهم الآن، لا إله إلا الله! السلام عليكم ورحمة الله.

وقال أيضًا بعض الأئمة: "وبركاته":

  • وهو قول عند الشافعية وهو المعتمَد عندهم في صلاة الجنازة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، على خلاف بينهم. 
  • وهو أيضًا عند بعض الأئمة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 
  • والسلام عليكم ورحمة الله مشهورة عند الجميع، قول: السلام عليكم ورحمة الله.

 

  1. "وَوَالِ"، أيضًا بين اللفظين الموالاة، السلام عليكم، ذكروا الفرق بين الوصل والموالاة:
  • الوصل: لا يُقطع بينهما بسكوت، في الوصل.
  •  والموالاة: لا يُقطع بينهما بكلام ولا غيره، يأتي واحد يقول: السلام التام الحسن الطيب!، قل: السلام عليكم بس كما ورد، خلِّ الفلسفة حقك لك، هذه تأتي في موضع ثانٍ، أما هذا موضع اتباع، مكان اتباع، اتبعْ، قال لك: السلام عليكم، قل: السلام عليكم.

     

  1. "وكُنْ مُسْتَقْبِلًا": أي: للقِبلة، أي بصدرك: ما تحرف صدرك عن القِبلة، خلِّ صدرك إلى القِبلة، وإذا انصرفت عن القِبلة قبل ما تنطق بالميم مِن عليكم بطلت صلاتك، "وكُنْ مُسْتَقْبِلًا"، ولا تلوِ إلا رأسك فقط، تلوي رأسك لا دَخْلَ للصدر، لا في السلام من الصلاة ولا في السلام من الجنازة، لا دَخْلَ للصدر، لا تحركه، اتركه كما هو عليه.

ومثله في الأذان حتى لما يقول: حيِّ على الصلاة، على اليمين وعلى اليسار يلوي عنقه فقط، لا دَخْلَ للصدر، خلِّك محلَّك مُستقبِل القِبلة، اِلْوِ عنقك فقط: السلام عليكم ورحمة الله، واللَّيُّ: ينبغي أن يكون من عند قوله: ورحمة الله، بحيث يبتدئ ووجهه أيضًا مُستقبِل القِبلة: السلام عليكم، فإذا أراد أن يقول ورحمة الله، لَوَى عنقه: ورحمة الله، ويعود إلى استقبال القِبلة، ثم أيضًا يقول عند ورحمة الله يلتفت إلى جانبه الأيسر. 

والتفاته إلى الأيمن والأيسر من دون ما يحرك رأسه، بعضهم يطلِّع وينزِّل رأسه! ما الذي معك؟! اِلْوِ رأسك بِلا حركات بِلا تطليع ولا تنزيل، لَيّ فقط على اليمين والتفات عن الشمال، لا تطلع ولا تنزل اتركه ثابت على ما هو عليه.

 

  1. فهذا يقول: "ثُمَّ لا تَقْصُدْ بِهِ الخَبَرا"، أي: 

يكون السلام إنشاءً، أنشئ السلام؛ يعني أنت الآن تسأل لهم السلام وتلقي عليهم السلام، ما قصدك الخبر أنه حصل السلام عليكم؛ بل الإنشاء فلفظها تقبل احتمال الإنشاء واحتمال الخبر، فلا تقصد به الخبر، بل تقصد به الإنشاء، إنشاء سلام جديد، ما هو سلام ماضٍ، السلام عليكم، قد حصل السلام عليكم لا، الآن ننشئ سلامًا جديدًا عليكم، نطلب لكم السلام ونعلنه. 

قال: وهذا يقتضي منك أنه ما دام تسلم عليهم لا تغتب أحدًا منهم ولا تؤذِهم، وإلا كيف تقول لهم السلام عليكم وبعدين قده غير الأمان وقع؟! وأنت تأمنهم أول تقول السلام عليكم، وبعدين قدك تحسد على ذا وتكذب على ذا وتغش ذا! أين السلام؟ كذب هذا، رجع هذا السلام كذب، لكن السلام عليكم؛ لا أخونكم، ولا أخدعكم، ولا أغشكم ولا أؤذيكم، سلام عليكم ورحمة الله؛ لأن السلام أمان، يعني كونوا مطمئنين من جهتي ما أغشكم ولا أضركم ولا أخدعكم ولا أحسدكم ولا أؤذيكم، السلام عليكم، السلام عليكم.

 

  1. "واجلِسْ"، أن يكون جالسًا، فلا يأتِ بالسلام وهو قائم ناهض من مكان جلوسه. 
  2. "واسْمِعْ بِهِ نَفْسًا": ما هو إلى داخل باطنه يُسلِّم وحده ما أحد يسمعه، فتتلفظ حتى تُسمِع نفسك أقل شيء، فما يكفي مجرد حركة اللسان من دون صوت تُسمِع به نفسك، ما يكفي. 

"واسْمِعْ بِهِ نَفْسًا"، فإن كملت تلك الشروط وتمت كان معتبرًا. 

  1. قال: "والعاشر كونه بالعربية"، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؛ لأنه اللفظ الذي ورد عنه ﷺ.
  • وكذلك كما يشترط التكبير بالعربية، ولكن الحنفية قالوا: يجوز أن يمجِّد الله -تعالى- بأي لغة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

 سنن الصلاة

"سنن الصلاة كثيرة منها: الأذان والإقامة، ودخولها بنشاط، وحضور قلب، والخشوع فيها، والسواك، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال، وعند القيام من التشهد الأول، ووضع اليمين على الشمال، وجعلها تحت الصدر، ودعاء الافتتاح، والتعوذ، والجهر في موضعه، والإسرار في موضعه، والتأمين، وقراءة السورة، وتكبيرات الانتقال، وقول سَمِعَ الله لمن حَمِدَهْ، والتسبيح في الركوع والسجود، ووضع اليدين على الفخذين في الجلوس للتشهد، ويبسط اليسرى، ويقبض اليمنى إلا المسبحة فإنه يشير بها مُتشهِّدًا، والافتراش في جميع الجلسات والتورك في الجلسة الأخيرة، والتسليمة الثانية".

نعم هذه سُنَن الصلاة، وما أعظمها! والسُّنَن: جمع سُنَّة: 

  • والسُّنَّة لغةً الطريقة. 
  • وهي شرعًا: ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه.

وسُنَن الصلاة قد عدَّها بعضهم إلى المئة والمئتين والثلاثمئة والأربعمئة، وإلى ألف سُنَّة مع اعتبار المكرر في كل ركعة، في خلال الأربع الركعات قد تجتمع إلى ألف سنة يذكرون ذلك. 

ويذكرون أن أحد شيوخ الأزهر، لما اجتمع جماعة من أهل العلم وغيرهم وحضر وقت الصلاة، فقال لهم شيخ الأزهر: الذي يُعد في سُنَّة الصبح أربعمئة سُنَّة نقدِّمه يُؤمُّنا اليوم في الصلاة، فعدُّوا المشايخ عنده وصلوا إلى المئتين، آخرهم وصل إلى المئتين والسبعين، وكان بينهم الحبيب عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس، فقال له: اسمع مني، عدَّها وصَّلها إلى أربعمئة سُنَّة، قال: أنت الفقيه تصلح، تقدَّمْ قدامهم فقدَّموه أمامهم.

وكان مرة يمشي الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر مع ابن أخته الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى يجيئون من قريتهم المسيلة إلى وسط تريم، قال: تعالَ في الطريق نعمرها نتذكر سُنَن الصلاة، عُدْ، أول سُنَّة، ثاني سُنَّة، وصلوا إلى أوَّل البلد وعند المقابر وصلوا ثمانمئة، قال: خلِّنا نزور نُسلِّم على الموتى بعدين نكمل، رجعوا من عند المقبرة إلى البيت مئتين فوق الثماني فرجعت ألف عدُّوها، لا إله إلا الله! 

  • فيذكرون عندنا في سُنِّيَّة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وهي متفق عليها. 
  • وعند الحنفية ما شيء رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام فقط.
  • وهي عند عدد من أهل العلم عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الارتفاع من الركوع وعند القيام من التشهد الأول، بل قيل عند كل قيام.

وقوله: رفع اليدين سُنَّة عند تكبيرة الإحرام، قالوا فيها عشر سُنَن: 

  1. أن تكون اليدان مكشوفتين.
  2. وأن يستقبل بباطنهما القبلة، ثاني سُنَّة.
  3. وثالث سُنَّة: أن يبتدئ الرفع عند ابتداء التكبير.
  4. ورابع سُنَّة: أن ينتهي من الرفع عند انتهاء التكبير.
  5. وخامس سُنَّة: أن يُحني رؤوس الأصابع.
  6. وسادس سُنَّة: أن يحاذي بالإبهامين شحمة الأذنين.
  7. وسابع سُنَّة: أن يحاذي برؤوس الأصابع رؤوس الأذنين.
  8. وثامن سُنَّة: أن يفرق بين الأصابع، لا يضمها.
  9. وتاسع سُنَّة: أن يكون التفريق وسطًا، ما هو كامل، ولا يضم، بل يكون التفريق وسطًا.
  10. العاشر: سُنَن تنطوي في سُنَّة، وهي سُنَّة رفع اليدين. 

وعلى هذا تجيء بعدين سُنَن الصلاة وفي كل حركة وفي كل قراءة.

ويقول: "سنن الصلاة كثيرة منها": 

  • "الأذان"، وهذا أيضًا يختص -كما يأتي معنا- بالرجال، وهو بالنسبة لأهل كل بلدة فرض كفاية، فرض كفاية عليهم أن يُعلنوا الأذان، وقيل بوجوبه لكل صلاة. 
  • "والإقامة" كذلك، وهذه يشترك فيها الرجال والنساء، الإقامة. 
  • "ودخولها بنشاط" وفرح؛ فإن الله يحب الذين يقبلون عليه بمحبة وفرح ونشاط، ووصف المنافقين بقوله: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:142]، والعياذ بالله تعالى. وقال: (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [النساء:102]. 
  • "وحضور قلب"؛ فإن الله ينظر إلى القلوب. 
  • "والخشوع فيها"؛ فالحضور واحد من أجزاء الخشوع. 

والخشوع مع حضور القلب، وتفهُّم المعنى، وسكون الأعضاء، واستشعار العظمة والهيبة من الرحمن -جل جلاله-. والرجاء والطمع فيه والحياء منه هذا الخشوع؛ فيندرج الحضور في الخشوع، فالحضور بعض أجزاء الخشوع.

  • حضور القلب: أن يعلم ما يقول ويفعل، يستشعر ماذا يقول ويفعل، هذا حضور القلب. 
  • ووراءه الخشوع وهو مع حضور القلب تسكن الأعضاء، ويتدبر المعنى ويهاب ويعظم، ومع التعظيم هيبة، ومع الهيبة رجاء، ومع الرجاء حياء من الله تعالى، فذلك هو الخشوع.

رزقنا الله الخشوع في الصلاة، نعم (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون:1-2].

قال سيدنا عبد الله بن مسعود: إن أول علم يُنزع من هذه الأمة الخشوع، سمَّاه علمًا، وقال: حتى لا تكاد تجد خاشعًا، وكانوا في القرون الأولى تجد الخشوع حتى في الأسواق، تدخل السوق وإلا تحصِّل خاشعين، وهم يمشون في السوق عليهم الخشوع، لا إله إلا الله! فصار قال ما عاد تحصِّله حتى في المسجد بعدين! لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: حتى لا تكاد تجد خاشعًا. الله لا إله إلا الله!.

  • "والسواك"، وهو مستحب، وجعله الحنفية مع الوضوء.
    • وقال الشافعية وغيرهم: السواك مع الوضوء مستحب ومع الصلاة أيضًا مستحب ويتأكد استحبابه، والسواك مستحب في كل حال عندهم، ويتأكد استحبابه: 
      • لأجل الصلاة، ولأجل الوضوء. 
      • ولأجل النوم وعند القيام من النوم. 
      • وعند تغير الفم. 
      • وكذلك لأجل تلاوة القرآن، ولأجل قراءة العلم. 
      • وعند الدخول إلى البيت.

فهذه أماكن يتأكد فيها استحباب السواك، وهو مستحب في كل حال.

  • "ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام"، قلنا هذا متفق عليه. "وعند الركوع" عند الجمهور كذلك لِمَا صحَّ في الحديث، "وعند الاعتدال وعند القيام من التشهد الأول" 
  • "ووضع اليمين على الشمال"، نعم من السنن اقتداءً به  ﷺ، "وضع اليمين على الشمال"؛ أبعد عن العبث ولأجل اتباع السنة الشريفة. 
    • ثم إن مكانها قال: "جعلها تحت الصدر"، وفوق السرة، هذا عند الشافعية وأكثر الأئمة.
    • وقال الحنفية: تحت السرة، يجمع اليدين ويضع اليمين على الشمال ويجعلهما تحت السرة. 
    • والأكثر قالوا: فوق السرة وتحت الصدر ولا يرفعهن إلى فوق الصدر.

 

  • "ودعاء الافتتاح"، وهو ما يُروى عنه ﷺ قبل قراءة الفاتحة، وعند بعض العلماء ممكن تقديمه قبل تكبيرة الإحرام، والجمهور على أنه ما بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة.
    • ومنه دعاء: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا".
    • ومنه دعاء: "وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".
    • ومنه دعاء: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد". 
    • ومنه دعاء: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". 

فكل هذه أدعية وردت للافتتاح، يأتي بواحد منها أو باثنين أو بكلها إذا لم يكن إمامًا لجماعة غير محصورين، ويأتي بما يشاء من هذه الأدعية.

وفي الحديث في صحيح مسلم عن ابن عمر قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ فجاء رجل فدخل في الصلاة فقال: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: من صاحب كلام كذا وكذا فقال الرجل: أنا فقال: عجبت لها فتحت أبواب السموات قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت النبي ﷺ يقول ذلك"، ما تركتُ هذه الكلمات عند افتتاح الصلاة: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا" إلى غير ذلك مما ورد من أدعية الافتتاح، ودعاء الافتتاح تُفتتح به الصلاة. 

  • "والتعوذ": "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، فهو سُنَّة بالاتفاق قبل الفاتحة. 
  • "والجهر في موضعه"، ومنه الجهر بالبسملة عند الشافعية والإسرار بها عند غيرهم.

"في موضعه": وهو الصلوات الجهرية التي سيذكرها، الصلوات التي يسن فيها الجهر، اثنا عشر سيذكرها عندكم هنا.

  • ثم يقول: "والإسرار في موضعه": مثل الظهر والعصر ومثل صلاة الكسوف للشمس، وغيرها من الصلوات السرية التي لا يجهر فيها الإمام ولا المنفرد.
  • "والتأمين": وهو قول آمين عند الانتهاء من الفاتحة. 
    • آمين إما بالمد آمين، وإما بالقصر أمين، والمعنى: أنه اسم فعل أمر بمعنى: استجب يا الله واجعل الأمر كذلك آمين. 
    • ولا يصح مع تشديد الميم؛ فهو لحن -آمِّين-، آمِّين معناها: قاصدين، (آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) [المائدة:2]. 
    • فإذا قال: آمِّين، إن قصد خطاب الحق بالتوجه إليه: أني قاصدك؛ وإلا تعرض لبطلان الصلاة لأنه ما حمل معنى استجب يا الله، إنما بالتخفيف من دون تشديد، آمين. 

وفي الحديث أن الملائكة يؤمِّنون وأن تأمينهم مع تأمين الإمام، وأنه ينبغي للإمام أن يؤمن والمأمومون يُأَمِّنون معه عند تأمينه، ويقول: "ما حسَدَتْكمُ اليَهودُ على شيءٍ ما حَسَدوكم على السَّلامِ والتأمينِ ".

  • "وقراءة السورة": وهي في الركعتين الأوليين، ذكرها في الواجبات الحنفية، وأيضًا الجمهور على: 
    • أنها سنة في الركعة الأولى والثانية، دون الثالثة والرابعة. 
    • واختلفوا في الثالثة والرابعة؛ فقيل بسُنِّيَّتها، وقيل بجوازها، وقيل بالكراهة في السورة بعد الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة في الرباعية، والثالثة أيضًا في المغرب.
  • "وتكبيرات الانتقال"، كلها إلا عند الارتفاع من الركوع إلى الاعتدال. 
  • "وقول: "سَمِعَ الله لمن حَمِدَهْ": أي: سَمِعَ رضًا وإجابةً ومحبةً، وإلا هو يسمع كل شيء، ولكن سَمِعَه يعني: قبله وارتضاه وأحبه. 

"سَمِعَ الله لمن حَمِدَهْ" فتقول كذلك، ثم تحمده؛ ليكون سامعًا لك، مُقابِلًا منك، مُجيبًا لك، راضيًا عنك بالحمد، وفي البخاري أيضًا أنه عن رفاعة بن رافع يقول: "كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا آنِفًا"، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ"؛ حتى قال ابن حجر في شرح البخاري: وفي هذا دليل على إحداث ذكر لم يكن، وعلى رفع الصوت بالذكر، فإن الأعرابي رفع صوته وما أنكر عليه ﷺ، وأحدث الدعاء من عنده لم يكن سمعه من قبل.

  • قال: "والتسبيح في الركوع والسجود":
    • وهو واجب عند الحنابلة، يجب عندهم مرة واحدة واجب التسبيح في الركوع والسجود. 
    • وعند غيرهم هو سُنَّة مؤكدة، التسبيح. 
    • والثلاثة أفضل من الواحدة، وإذا كان إمام قوم محصورين راضين بالتطويل، أو كان يصلي منفردًا فخمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة تسبيحة: 
      • "سبحان ربي العظيم" في الركوع. 
      • "سبحان ربي الأعلى" في السجود.
      • وفي رواية: "وبحمده".
      •  وإلى جانب الدعاء الوارد.
  • "ووضع اليدين على الفخذين في الجلوس للتشهد"
    • بأن تكون الأصابع قريبًا من الركبة أو تُسامي لها، ولا يؤخرها، ولا يضعها فوق الركبة بل تحت، فيقدمها ويضعها على الفخذين في الجلوس للتشهد، بل وفي الجلوس أيضًا بين السجدتين يضع اليدين على الفخذين.
  • "و يبسط اليسرى ويقبض اليمنى" هذا في التشهد: 
    • "ويبسط اليسرى": أي يجعل أصابعها ممدودة مبسوطة. 
    • "ويقبض اليمنى إلا المسبحة": السبابة فإنه يرسلها. 
  • "يشير بها متشهدًا"
    • واستحب المالكية التحريك، يحركها، يحرك المُسَبِّحَة. 
    • وقال الشافعية وغيرهم: يرفعها عند قوله -إلا الله- من دون تحريك، يرفعها المُسَبِّحَة هذه التي تلي الإبهام، الإصبع الذي يلي الإبهام: 
      • يُقال له المُسَبِّحَة؛ لأنه يشار بها عند التسبيح. 
      • ويُقال له المُهَلِّلَة؛ لأنه يشار بها عند التهليل. 
      • ويقال له السَّبَّابَة؛ لأنه أيضًا يشار بها عند السَّب. 

قال: إذا

  •  يسب أحدًا يقول له: (أشار بالسبابة كعلامة تهديد).
  • وهو يُهَلِّل يقول كذا (رفع المهلِّلة إلى أعلى). 
  • ويسبح يقول كذا (رفع المسبحة إلى أعلى). 
  • وهو يسب أحدًا يقول كذا (أشار بالسبابة كعلامة تهديد). 

فهي سبَّابة وهي مُهَلِّلة وهي مُسَبِّحة، فخلِّها مُهَلِّلة ومُسَبِّحة، لا تسب أحدًا، أحسن لك كن مُهَلِّل ومُسَبِّح، لا سَّبَّابَ؛ لأن "سِبابُ المُسلِمِ فُسوقٌ".

فهذه واحدة، ثم يضم الأُخريات بأن يضع الإبهام تحت السَّبَّابة، أو على العقد الأول منها، أو على الثاني، أو عند بعضهم على رأس السَّبَّابة إلى أن يرفعها، لكن يضم الأربع ويبسط السَّبَّابة ويشير بها متشهدًا.

  • "والافتراش في جميع الجلسات" إلا الأخيرة، هذا معتمد الشافعية وكذلك عند الحنابلة، جمعوا بين روايات الافتراش والتورك: 
    • الافتراش: يجلس على رجله اليسرى، يفترشها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى. 
    • والتورك: يلصق وركه بالأرض ويخرج رجله اليسرى من تحت اليمنى وينصب الرجل اليمنى. 

فقال: 

  • الشافعية والحنابلة أنه يفترش في غالب جلسات الصلاة، ولكن في الأخيرة قبل السلام يتورك. 
  • وقال المالكية: يتورك في جميع جلسات الصلاة. 
  • وقال الحنفية: يفترش في جميع جلسات الصلاة. 

فسلكوا مسلك الترجيح للروايات:

  • فرجح هؤلاء الافتراش، وهم الحنفية. 
  • ورجح هؤلاء التورك، وهم المالكية. 
  • وجمعوا بين الروايات الشافعية والحنابلة فقالوا: في بعض الجلسات يفترش وفي بعض الجلسات يتورك. 
  • وقال الشافعية: يفترش في الجلسات كلها إلا الجلسة التي يعقبها السلام. 
    • فكل جلسة تعقبها حركة يسن فيها الافتراش. 
    • وكل جلسة يعقبها السلام ففيها التورك.

 

  • "والتسليمة الثانية": وهي عند الشافعية سُنَّة، وكما أشرنا بعض الأئمة يقول: إن التسليمتين لا بد منها، مثل الحنابلة، يقول: واجب التسليمتين. 

والتسليمة الثانية بها يكون الخروج من الصلاة.

 




بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

فائدة

"الأذان لغة: الإعلام، وشرعًا: ذِكْرٌ مخصوص مطلوب للصلاة المفروضة أصالة على الأعيان.

ويشترط في كلٍّ من الأذان والإقامة ستة شروط:

  1. الإسلام. 
  2. والتمييز.
  3. وكونه من واحد. 
  4. والترتيب.
  5. والموالاة.
  6. ودخول الوقت.

ويُشترط في الأذان وحده: الذكورة.

شروط ندب دعاء الاستفتاح

شروط ندب دعاء الاستفتاح خمسة:  

  1. أن يَدرك الإمام في القيام. 
  2. وأن لا تكون صلاة الجنازة.
  3. وأن لا يشرع في القراءة.  
  4. وأن لا يخاف فوات بعض الفاتحة مع الإمام. 
  5. ولا يخاف فوات الوقت."

 

يذكر لنا عن الأذان وهو شعار من شعائر الإسلام، وعلمنا أنه على أهل كل بلدة فرض كفاية، ويقول: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ".

  • "و الأذان لغة: الإعلام. 
  • وشرعًا: ذِكْرٌ مخصوص مطلوب للصلاة المفروضة أصالة على الأعيان". 

إنما يكون الأذان للصلوات المفروضة دون غيرها، والتي يُسن فيها الجماعة من غير المفروضة يُنادى لها: الصلاةُ جامِعةً أو الصلاةَ جامِعةً أو الصلاةُ جامعةٌ ولا يؤذن لها، مثل: صلاة الاستسقاء، وصلاة العيدين، وصلاة الخسوف والكسوف وغيرها من الصلوات التي يُسن فيها الجماعة وليست بفرض، فلا يؤذَّن لها، ولكن يُنادى لها: الصلاة  جامعة.

يقول: "ذِكْرٌ مخصوص مطلوب للصلاة المفروضة أصالة على الأعيان"، أي: سُنَّة عين لمن أرادوا أن يصلوا، فكل مجموعة منهم يكفيهم أذان واحد؛ ليقيموا بعد ذلك ويُصلُّوا.

وفي الأذان فضل عظيم وثواب كبير، فينبغي للمؤمن أن يحرص عليه، لا يمر عليه الشهر والشهران والسَّنَّة من دون ما يؤذن ولو مرة، يطلب له أذان سواء في البيت أو المسجد أو في  أي مكان تقام في الجماعة يحرص على الأذان فإن ثوابه كبير: 

  • "يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ". 
  • "إنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة".
  • "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
  • "لو يعلَمُ النّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأوَّلِ ثمَّ لَمْ يجِدوا إلّا أنْ يستَهِموا عليه لاستَهَموا عليه".

وقال: "ويشترط في كلٍّ من الأذان والإقامة": 

1) "الإسلام": فلا يصح الأذان من غير المسلم ولا إقامة الصلوات.

2) "التمييز": وقد تقدَّم معنا الكلام في ذلك. والتمييز فلا يصح الأذان من ببغاء ولا من مجنون ولا من صبي غير مميز.

3) "وكونه من واحد": يتقاسمونه، بعضه يؤذن يجيب بعض الألفاظ والباقي على الثاني! من واحد؛ إذا سيؤذن الثاني يجيء به من أوله، ما يبني على أذان الأول.

4) "والترتيب": ما يقدم شيئًا على شيء، ما يبدأ بحيِّ على الصلاة ولا حيِّ على الفلاح، يبدأ: الله أكبر، يبدأ باسم الجلالة ويختم باسم الجلالة، يبدأ : الله أكبر، ويختم : لا إله إلا الله، فأوله: الله، وآخره: الله. لا إله إلا الله!

5) "والموالاة": بأن لا يفصل بين ألفاظ الأذان بمقدار ركعتين.

6) "ودخول الوقت": فلا يصح الأذان لصلاة قبل دخول وقتها إلا:

  • الأذان الأول للجمعة وللفجر، فلهما أذانان، فيصح أن يكون الأول قبل دخول الوقت.
  • الجمعة: من أجل أن يقدم الناس.
  • والفجر: من أجل أن يقوم الناس من النوم.
  • ولكن الأذان الثاني للفجر والأذان الثاني كذلك للجمعة ما يكون إلا بعد دخول الوقت، كبقية الأذانات ما تكون إلا بعد دخول الوقت.

قال: "ويُشترط في الأذان وحده: الذكورة".

فلا يُسن للمرأة أن تؤذِّن؛ لأنه مطلوب فيه رفع الصوت، فخُصِّص ذلك بالذكور دون الإناث، وإنما يُقِمن الصلاة إذا صلِّين:

  • وعند الحنفية: تُكره صلاة النساء وحدهن جماعة. 
  • فإذا صلِّين جماعة فتكون إمامتهن وسطهن وهو سنة لهن عند الشافعية وغيرهم. والله أعلم.

رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة.

رفعنا الله مع أهل الذوق وأهل الشوق وأهل الفوق، ومع الذين تحققوا بحقائق الصدق مع الحي القيوم، وتولاهم الحي القيوم، وبلغكم منهم فوق مايرومون من عطاياه العظيمة ومنِّه الجسيم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، من جوده الأكبر ومَنِّه الأوفر وفضله الأعظم. 

لا إله إلا هو، آمنا به وتوكلنا عليه وآمنا بما آتى أنبياءه وبما آتى ملائكته وبما آتى الصالحين من عباده من عطاياه جلَّ أن يعطي غيره سبحانه وتعالى، ونسأله أن لا يحرمنا، وأن يوفر حظنا مما أعطاهم وآتاهم ومنحهم وتفضل عليهم جل جلاله.

اللهم ارحم عبادك الفقراء المساكين الضعفاء الواقفين ببابك، و اللائذين بأعتابك، والذين مدوا أكف رجائهم وافتقارهم إليك، يرجون ماعندك بك لا بشيء منهم ولا بشيء من أعمالهم، فتحنَّن وتكرم علينا وعليهم، وجُد علينا بما أنت أهله، فإنك الجواد المنعم المتفضل الذي يعطي ولا يبالي، يامولى الموالي.

يا ذا العطاء الغالي، ياوهاب ياكريم، يارب الأرباب يارحيم، يامسبب الأسباب ياعظيم، يا من لا إله إلا أنت، بك آمنا وبرسولك وما جاء به عنك، فافتح لنا باب الوصال من حضرتك، وأدخلنا في خواص أهل محبتك ومودتك من عبادك المقربين، وحزبك المفلحين أرباب التمكين، ياقوي يامتين بلطف وعافية.

وأصلح شؤوننا والأمة أجمعين، وبتعجيل الفرج لنا ولأهل لاإله إلا الله، وأن يثبتنا وإياكم بالمقبولين ويجعل كل منا مفتاح للخير مغلاق للشر، وسببًا لنفع الخلائق فيما أغتم وأظهر في لطف وعافية. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

24 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

09 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام