(475)
(635)
(368)
الدرس الأول للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
فجر الخميس 17 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين... وبعد:
فهذه فوائد في فن الفقه ينبغي تقريرها لمن يقرأ كتاب (سفينة النجاة) وما أشبهه من الكتب المختصرة، أرجو الله أن ينفع بها، إنه سميع مجيب.
فائدة
يبتدئ كل مؤلف كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله العزيز وعملا بالسنة المحمدية.
فائدة
الواجب: هو الذي يُثاب على فعله، ويُعاقب على تركه، ويرادفه أربعة أشياء:
- الفرض.
- واللازم.
- والمتحتم.
- والمكتوب.
فائدة
المندوب: هو الذي يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه، ويرادفه ستة أشياء:
- السنة.
- والنفل.
- والحسن.
- والمتطوع به.
- والمرغب فيه.
- والمستحب.
فائدة
المباح: هو الذي كان فعله وتركه على السواء، وفي معناه الجائز.
فائدة
المكروه: هو الذي يُثاب على تركه امتثالا، ولا يُعاقب على فعل.
فائدة
الحرام: هو الذي يُثاب على تركه امتثالا، ويُعاقب على فعله، وفي معناه: المعصية والمحظور.
الحمد لله منور القلوب بأنوار الأحكام، وما شَرعَ على أيدي الرسل العظام، وما بُيِّنَ على لسان خاتمهم مسك الختام خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعدُ،،،
فهذه رسالة جمع فيها الوالد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- مهمات من الفوائد المتعلقة بفقه الشريعة المطهرة ومبادئ الأحكام، ومن الذي اشتهر بين الشافعية من الكتب والمتون التي يقرؤونها في بدايات أخذ الفقه:
فلذا جاء الاسم (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة)، أي: الذين اشتغلوا بتحصيل علوم الفقه في الشريعة المطهرة، وهذا مثال في مذهب الإمام الشافعي يقرؤون مثل هذه الكتب في بداية أخذهم لفقه الشريعة.
ويقول: ابتدأهُ بالبسملة، وسيذكر:
ويأتي المعنى في البسملة من مثلِ هذا الموطن:
"الرحمن الرحيم":
"الرحمن الرحيم" أي: المتفضل المنعم بأنواع من جلائل النعم ودقائقها، (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
ثم أردفه بـ"الحمد لله" تعالى:
فله الحمد على كل حال وفي كل حال.
ومن أعظم ما يتعلق به قلب المؤمن حمد الإله سبحانه وتعالى؛
"الحمد لله رب العالمين" وسيأتي أيضًا معنا في ضمن الفوائد ذكر الحمد ومعانيه وأحكامه.
"الحمد لله رب العالمين" الذي خلق العالمين وهو مالكهم ومربيهم وهو المقدر لشؤونهم وأحوالهم جل جلاله.
"والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد -خاتم النبيين- وآله وصحبه أجمعين…"، وسيأتي أيضاً معنا معاني الصلاة عليه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وأسمائه وختمه للنبوة باختيار الرحمن -سبحانه وتعالى- واصطفائه له أن يكون خاتماً للنبيين، (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب:40].
"وبعد.. فهذه فوائد في فن الفقه -أي: متعلقة بفقه الشريعة والأحكام- ينبغي تقريرها لمن يقرأ كتاب (سفينة النجاة) وما أشبهه من الكتب المختصرة " مع فهم معانيها وحفظها.
فإنه كثيراً ما يُقرأ من الكتب ومن الفوائد، ولكن يختلف المجال والرتبة في فهم المعاني وفي حفظ هذه المعاني وفي الاتساع فيها.
وأما مجرد قراءتها والمرور عليها فلا يجدي بثمرات حسنة حتى يصحَبُه فهم للمعنى، وحفظ لتلك المعاني ورسوخ لها، والاتساع فيها.
فقهنا الله في دينه واجعلنا من خواص من أراد بهم الخير، بشاهد قوله ﷺ:" مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" نافعة إن شاء الله تعالى ، وقد نفع الله بها الكثير.
فابتدأ الفائدة الأولى في ذكر الحكمة من أن مؤلفي الكتب يبتدئون كتبهم بالبسملة.
لماذا يبتدئ المؤلفون كتبهم بالبسملة؟
قال: "يبتدئ كل مؤلف كتابه بالبسملة، وهي قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ اقتداء بكتاب الله العزيز فيما رُتِّبَ وكُتب بأمره ﷺ وتحت نظره، فَرُتِّبَت أن الفاتحة أول سور القرآن ويُكتب فيها البسملة وما بعدها. وذكر الإمام السيوطي قولاً في أنه أول ما نزل عليه ﷺ البسملة مع (اقْرَأْ)، والمشهور أنه نزلت أول ما نزل عليه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1] خمس آيات من أول سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن؛ فالمراد بالاقتداء بالكتاب أي: في ترتيبه لا في أول نزوله.
وبعد ذلك يقول: "اقتداء بكتاب الله العزيز وعملاً بالسنة المحمدية"؛ أي: بإشارته ﷺ وتعليمه أن نبتدئ الأمور المهمة في الشرع بالبسملة، وأشار عندكم في التعليقة إلى قوله ﷺ فيما ذكره الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه مروي بسند حسن: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقطَع"؛ أي: كمقطوع يدٍ أو يدين من الخلائق فيكون فيه نقص في تمام خلقته، فكذلك "كل أمر ذي بالٍ":
قال : "بالسنة المحمدية"؛ كأشار كذلك إلى أحاديث: "ما يُبتدأ بالحمد"، والبسملة تتضمن الحمد أيضاً؛ لأن فيها الثناء على الله تعالى بالرحمن الرحيم (بسم الله الرحمن الرحيم).
فلذلك يبتدئ المؤلفون كتبهم "بسم الله" تبارك وتعالى، وهو الشرف الذي شُرِّف به المؤمنون أن يجعلوا انطلاقهم في أعمالهم وأحوالهم "بسم الله" تبارك وتعالى وذلك كرامة لهم وشرف به يتشرفون ويحوزون الخير. ويأتي الكلام عن الابتداء بالبسملة.
قال: "فائدة"، ويذكر في هذه الفوائد أحكام الشرع المصون. وذلك أن نظام الله تعالى للمكلفين في الحياة الذي ينزل على الأنبياء يبتني على هذه الأسس.
فيقوم النظام على تبيين:
فهذه الخمسة الأحكام يدور عليها نظام شرائع الله للمكلفين منذ أَرسل آدم إلى بنيه ومن بعده من الأنبياء والمرسلين إلى نبينا محمد ﷺ وبارك عليه وعلى آله.
فيأتي تبيين وتعيين ما فَرض على كل أمة وما شَرع، وما أَلزم وأَوجب، وما استحب سبحانه وتعالى وندب إليه، وما أباحه وأحله، وما حرَّمه ونهى عنه، وما كرهه دون أن يجعل عليه الإثم. كل ذلك أسس تقوم عليها نظام الشريعةِ لعباد الله على ظهر الأرض، فلا يكون لهم حقيقة صلاحهم ولا استقامة معاشهم ثم معادهم إلا بتنفيذ هذا النظام وإقامته: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96].
فكل ما أصاب الناس من أنواع الشر والفساد والضر في حياتهم سببه:
ولا يمكن في أمة من الأمم أن يكون لهم نظام يحكم حركتهم في الحياة خير من نظام الإله الذي خلق:
وبهذا الفقه في دين الله تعالى ومعرفة هذه الأحكام يُتعامل مع جميع أنظمة العالم وما يجري فيها وما يدور فيها، وعلى هذا النظام يُعرف ما يُقبل وما يُرد، وما يجوز وما لا يجوز؛ فيكون منهج الله تبارك وتعالى هو الحاكم على المؤمن والحاكم على المسلم في فكره وعقيدته وأقواله وأفعاله ومعاملاته وأخلاقه، وما تعلق به من حركاته وسكناته.
فإنما تقوم العبودية لله تبارك وتعالى في امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتطبيق هذا النظام الإلهي في هذه الأحكام؛ فمنها الحكم الواجب، وهو ما أوجبه الله تعالى على عباده على ألسن رسله.
قال: "والواجب هو الذي يُثاب علي فعله ويُعاقب على تركه". فمعنى ما أوجبه أنه سبحانه يُثيب الذي فعل ذلك الواجب ويُعاقب من تركه ومن أهمله ومن أعرض عنه ومن لم يكن له عذر؛ من كل من لم يكن له عذر في تركه.
قال: "ويُرادِفُهُ" أي: في الحكم الشرعي، معناه إذا عبّر الفقهاء في الشريعة والعلماء عن الأمر الذي فرضه الله وأوجبه قد يقولون: فرض، أو لازم، أو مُتَحَتِّم، أو مكتوب، أو واجب. ومرادهم هذا، وهو كذلك عند عامة الفقهاء.
فهذه الألفاظ في معناها الشرعي تتحدُ، وأشار في التعليق إلى دلالتها في اللغة المشرفة:
إلى غير ذلك مما يُطلق عليه من جهة اللغة.
ولكن من جهة الشرع إذا أطلق علماء الإسلام:
الواجب، واللازم، والمُتَحَتِّم، والمكتوب، وكذلك الفرض، فأرادوا به ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه.
وكذلك "المندوب: وهو الذي يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه". ويأتي في هذه المترادفات أيضاً من حيث معناها الشرعي، وإن كانت أيضاً من حيث دلالة اللغة تُطلق على عدد من المعاني: "السنة، النفل، الحَسَن، المتطوع به، المرغوب فيه، المستحب".
أشار عندكم أيضًا في التعليق إلى دلالاتها في اللغة:
وجاء استعمال الفقهاء لها كلها في: ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه؛ فيكون الحِرص عليه وفعله:
ثم ذكر لنا أيضاً المباح، "والمباح هو الذي كان فِعله وتركه على السواء، وفي معناه الجائز".
ثم إنه يتأثّر هذا المباح من حيث النيّة ومن حيث المقاصد، ومن حيث اتخاذه وسائل:
كما قال قائلهم في تمثيل المباح بالأكل ثم يقول:
لَكِنْ إِذَا نَوَى بِأَكْلِهِ القُوَى *** لِطَاعَةِ اللهِ لَهُ مَا قَدْ نَوَى
فتتأثر المباحات بالنيات والمقاصد.
يعمل شيء من المعاصي، واحد قال لك قصدي طيب. قصدك طيب؟ كيف قصدك طيب؟ حُكم الله لا يتغير، حرام حرام، خبيث خبيث عند الله تعالى لا يتغير بقصد أحد؛ لكن المقاصد تؤثر في المُباحات وتؤثر في الواجبات وفي المندُوبات من حيث ما يكثر به الثواب وإذا صحّت وصَفَت المقاصد والنيات وتكاثرت، "وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقالوا: كما لا يؤثّر التغسيل لنجس العين شيئاً فيه لا يمكن تطهيره، فإذا جاء واحد إلى نجاسة عينية؛ عينها ذاتها نجِسة يريد يغسّلها، كيف يغسّلها؟ يريد أن يغسّلها من أجل أن تَطهُر، كيف تَطهُر؟ لا يمكن طهارتها بالتغسيل؛ لأنها نَجسة أصلها. كلما غسّلتها الغُسالة حقّها نجسة وتنجس الباقي؛ فكذلك المعاصي والذنوب لا تتغيّر بالنية لتكون حسنة ولا تكون مباحة، ما حرّم الله فقال ﷺ: "مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ".
يقول: "المكروه هو الذي يُثاب على تركه امتثالاً":
لكن "الحَرَام هو الذي يُثاب على تركه امتثالاً"، بل الثواب على تَركِه امتثالاً من أعظم الثواب؛ إذا ترك المحرّمات امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لا حياءً من الناس ولا تظاهراً لهم بالتقوى، ولا لأي غرض آخر من الأغراض.
رَزَقنا الله فعل الواجبات والإكثار من النوافل والمستحبات، ورَزَقنا النيّة الصالحة في جميع المباحات، وجنَّبنا المكروهات والشّبهات والمحرّمات ظاهراً وباطناً، اللهم آمين.
أحكام البسملة
أحكام البسملة خمسة:
عليه رضوان الله يتكلم على أحكام البسملة.
يقول: "بسم الله" و"بسم الله الرحمن الرحيم" أحكام البسملة -تعتريها الأحكام- الخمسة التي ذُكرت من أحكام الشّرع المصُون: تكون واجبة، وتكون مستحبّة، وتكون مُباحة، وتكون مكروهة، وتكون في بعض الأحوال محرّمة.
فتتناولها هذه الأحكام بحسب اختلاف الأحوال والأعمال، فمنها:
وبقيَ من أماكن الوجوب أيضاً بالبسملة:
وإذا جُمعت مع التعوّذ:
ومنه ما ذَكَر في الصلاة في الفاتحة:
واكتفى الحنفيّة بثلاثِ آياتٍ من القرآن في الركعة تكفي عندهم من أيّ سورة كانت.
وأوجَبَ الجمهور قراءة الفاتحة في كل ركعة:
والذي عليه العمل والاستحسان عند الجميع قراءةُ الفاتحة في كل ركعة، وقال ﷺ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"؛ فتكون مندوبة عند كل أمر ذي بالٍ.
ويأتي في الفائدة بعدها: متى يكون نَدب البسملة؟
في أي أمر اجتمعت فيه الثلاثة شروط ستأتي. فيُسَنّ ابتداؤه بالبسملة، والأمر ذي بال أي حالٍ مهم في الشرع.
وقال: "ومباحة"، أي: تقييدها في المباحات التي لا شرف فيها كنقل متاع من مكان إلى مكان، فتكون الإباحة فيها من حيث تخصيصها في هذا الوقت مباح؛ وأما في حد ذاتها هي ذِكر يُثاب عليها في أي وقت كان؛ لا يتأتَّى أن لا يكون له ثواب عليها. إذا قال: "بسم الله" أُثيب؛ لأنه ذكر الله تبارك وتعالى، وهو مثاب على كل حال، إنما رَبطُها والتحديد بها بهذا الموطن المباح، مُباح عند المباحات التي لا شرف فيها.
وقال: "ومكروهة عند المكروه لذاته":
وقال: "ومحرمة"، كيف بسملة وحرام؟
قال: لكونها مربوطة، -ما هو في حد ذاتها هي- لكن ربطها بهذا الفعل المحرّم يكون حراماً، بل -والعياذ بالله تعالى- تحمل معنى الاستخفاف! بل إذا قصد الاستهزاء فقد كَفَر! والعياذ بالله تبارك وتعالى، يفعل معصية ويشرب الخمر ويبسمل، يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ حَرام فوق الحرام، هذا باسم الشيطان يُشرب ما يشرب باسم الله، هذا يُشرب باسم الشيطان ما يشرب باسم الله تعالى! فإذا بَسْمَلَ أضاف إثماً إلى الإثم؛ أما إذا استخف وقصد الاستهزاء فكفر، نعوذ بالله من غضب الله.
"محرمة عند المعصية كالزّنا والسرقة ونحوهما"؛ هذا عند المحرّم لذاته يأتي.
فيأتي إذا واحد غَصب ماء وأراد يتوضأ فيه بسمل، الوضوء ليس حرام في ذاته، ولكن لِكَونه من الماء المغصوب صار حراماً، لكن عند الوضوء يبسمل، بَسْمَلَ، لكن عند أخذ الماء وسرقته لا؛ إذا بَسْمَلَ أضاف إثماً إلى إثمه أما عند الوضوء به فيُبسمل للوضوء، والوضوء ما صار محرماً هنا إلا لِعارض، أصل الوضوء ليس بحرام، لكن لكونه من الماء المغصوب صار حراماً.
فائدة
شروط ندب الابتداء بالبسملة ثلاثة:
هذه الثلاثة الشروط إذا اجتمعت في أي شيء سُنَّ ابتداؤه بالبسملة. يقول: "شروط ندب الابتداء بالبسملة" أي شيء اجتمعت فيه هذه الشروط الثلاثة فيُسن أن يُبتدأ "بسم الله الرحمن الرحيم".
"أن يكون أمراً ذا بال"، فسّر معنى الأمر ذا بال: "أن يكون أمراً ذا بال، أي ليس محرماً لذاته ولا مكروهاً لذاته ولا من سفاسف الأمور"؛ ليس بحرام ولا مكروه ولا من سفاسف الأمور كبصاق ومخاط وكنس ومن السفاسف، فيكون ذا بال.
والثاني: "أن لا يكون ذكراً محضاً"، أي: خالصاً، كيف؟ أراد أن يذكر الباقيات الصالحات: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله والله أكبر، مئة مرة. لا يُسنّ البسملة فيها؛ هي ذكر أصلاً يقولها، هو ذكرها ذكر اسم الله تعالى وصفات الله -تبارك وتعالى- فما يُستحب أن يقول: بسم الله سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ ما دام ذِكر خالص يكفيه الذكر نفسه، فلا يحتاج إلى "بسم الله".
والشرط الثالث: "أن لا يجعل الشارع لذلك العمل مبدأً آخر"؛ هو عمل ذا بال، وليس بذِكر خالص، لكن الشّارع يجعل له مبدأ غير البسملة؛ فما تُسَنُّ البسملة عنده:
ولكن إذا كان "أمر ذا بال، وليس بذِكر محض، ولم يجعل الشارع له مبدأ"، فيُسن أن تسمي الله تعالى؛ حتى في لبسك وقيامك وقعودك ودخولك وخروجك وركوبك يُسَنُّ تسمّي الله سبحانه وتعالى، هذه كلها مواطن جاء فيها سُنّية البسملة. وفيها شَرَف المؤمن بأن يفعل شؤونه وأحواله باسم الرب جل جلاله وتعالى في علاه.
حتى جاءنا في الحديث تقول عند المنام: "بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي"؛ حتى وضعه جنبه يكون باسم الإله سبحانه وتعالى! ما هذه الكرامة لهذا العبد المؤمن المثاب، "وَبِاسْمِكَ أَرْفَعُهُ فَاغْفِرْ لي ذَنْبِي"، لا إله إلا الله.
وهذا كرم الحقّ على عباده المؤمنين، أحياناً من له مظهر من مظاهر الشّرف يُشَرِّفُك تتكلم باسمه في مكان ولا تعمل عمل باسمه في مكان، ولكن شؤونك الخاصة وهكذا ما يدخل فيها ولا ينسِبها لاسمه. الرحمن قال عبدي مؤمن بي، تريد كرامة، كلّ شؤونك وأحوالك باسمي، كُلْ باسمي واشرب باسمي ونَم باسمي، أنت في كنفي ورعايتي، فَسَح له المجال جل جلاله أن يجعل كل شيء باسمه جل جلاله وتعالى في علاه.
ولذلك حتى يُمنع منه أنواع الشياطين بسبب هذا الاسم.
هذا ينبهنا، أنه لما نأكل نقول "بسم الله" يعني لا آكل لمجرد شهوتي للأكل ولرغبتي فيه، أنا مرزوق من قِبَلِهِ برزق أَمَرَنِي، وأنا آكل فيه (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ) [البقرة:60] جل جلاله وتعالى، وأستعين به على طاعة الله، فأنا آكل باسمه سبحانه وتعالى لا باسم نفسي ولا باسم شهوتي وما إلى ذلك.
وفي هذا حتى جاء أن قوة الإيمان أحياناً تسري للمؤمن في بيته، قال يأكل بشهوة أهل بيته؛ يعني: يُحِب ويُحضِر الذي يشتهيه أهل داره وأهل بيته الذين ينزلون وهو يكون من ضمنهم. بخلاف المنافق تَبَعٌ لشهواته فقط، حتى لا يحضر للبيت إلا الذي يشتهي هو. قال: والمنافق يأكل أهل بيته بشهوته، والمؤمن يأكل بشهوة أهل بيته؛ لأنه بـ "بسم الله" يأكل ماله غرض معين. والمنافق يأكل أهل بيته بشهوته، الشيء الذي يشتهيه هو الذي يتبعونه فيه يحكم شهوته هو. لا إله إلا الله.
وهكذا دخولك إلى البيت والمنزل إذا كان "بسم الله" دخولك مشرّف، حتى قرينك من الشياطين لا يقدر يدخل معك، من دون "بسم الله"، تدخل معك الشياطين، وهكذا إلى أبعد الحدود. حتى دخولنا الخلاء بـ"بسم الله"، قُرب الرجل من زوجته بـ "بسم الله" سبحانه وتعالى، يصير أمره مشرّفاً. وإلا (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأولادِ) [الإسراء:64]، إذا ما سَمَّوا باسمه وتصرفوا من نفسهم بشهواتهم، دخل معهم فيتمكن منهم؛ لكن إذا ذكروا اسم الله فَشَرُفوا بذلك وعظموا، واكتسبت أفعالهم كرامة وقدسية وشرف.
فالحمد لله، و"بسم الله" نقول ونفعل ونتحرك ونسكن، والله يحققنا بالعبودية له، ويجعلنا في عنايته ورعايته حيثما كنا وأينما كنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
18 مُحرَّم 1448