الفوائد الثمينة - 1 | الأحكام الشرعية الخمسة وأحكام البسملة

للاستماع إلى الدرس

الدرس الأول للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

فجر الخميس 17 محرم 1448هـ

خلاصة من الفوائد الثمينة - 1

 لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا

يتضمن الدرس:

  • التعريف بكتاب الفوائد الثمينة وسبب التسمية
  •  معاني البسملة والحمد لله رب العالمين
  •  معنى الصلاة على النبي والآل والصحب والتابعين
  •  أهمية قراءة الكتب بالفهم والحفظ
  •  الفائدة الأولى: الحكمة من ابتداء المصنفين بالبسملة
  •  الأحكام التكليفية الخمسة وأثرها في حياة المكلفين
  •  تعريف الواجب والخلاف فيه
  •  معنى المندوب ودلالاته اللغوية
  •  المباح وتأثره بالنيات والمقاصد تحويلاً وتغييراً
  •  المكروه والحرام والفرق بينهما
  •  أحكام البسملة الخمسة وتفصيل مواطنها
  •  شروط ندب الابتداء بالبسملة الثلاثة
  •  ثمرات افتتاح شؤون المؤمن بالبسملة

 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين... وبعد:

فهذه فوائد في فن الفقه ينبغي تقريرها لمن يقرأ كتاب (سفينة النجاة) وما أشبهه من الكتب المختصرة، أرجو الله أن ينفع بها، إنه سميع مجيب.

فائدة

يبتدئ كل مؤلف كتابه بالبسملة اقتداء بكتاب الله العزيز وعملا بالسنة المحمدية.

فائدة

الواجب: هو الذي يُثاب على فعله، ويُعاقب على تركه، ويرادفه أربعة أشياء:

  1. الفرض.
  2. واللازم.
  3. والمتحتم.
  4. والمكتوب.

فائدة

المندوب: هو الذي يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه، ويرادفه ستة أشياء:

  1. السنة.
  2. والنفل.
  3. والحسن.
  4. والمتطوع به.
  5. والمرغب فيه.
  6. والمستحب.

فائدة

المباح: هو الذي كان فعله وتركه على السواء، وفي معناه الجائز.

فائدة

المكروه: هو الذي يُثاب على تركه امتثالا، ولا يُعاقب على فعل.

فائدة

الحرام: هو الذي يُثاب على تركه امتثالا، ويُعاقب على فعله، وفي معناه: المعصية والمحظور.

 

الحمد لله منور القلوب بأنوار الأحكام، وما شَرعَ على أيدي الرسل العظام، وما بُيِّنَ على لسان خاتمهم مسك الختام خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، وعلى من والاهم في الله واتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعدُ،،،

فهذه رسالة جمع فيها الوالد -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- مهمات من الفوائد المتعلقة بفقه الشريعة المطهرة ومبادئ الأحكام، ومن الذي اشتهر بين الشافعية من الكتب والمتون التي يقرؤونها في بدايات أخذ الفقه:

  • كتاب (السفينة) للإمام سالم بن سعد بن سمير. 
  • وكذلك كتاب (المختصر) للإمام عبد الله بن عبد الرحمن بافضل، وله من المختصرات: 
    • (المختصر اللطيف). 
    • والمختصر الثاني المسمى ب(المقدمة الحضرمية) مشتهرة أيضاً عند الشافعية. 

فلذا جاء الاسم (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة)، أي: الذين اشتغلوا بتحصيل علوم الفقه في الشريعة المطهرة، وهذا مثال في مذهب الإمام الشافعي يقرؤون مثل هذه الكتب في بداية أخذهم لفقه الشريعة.

ويقول: ابتدأهُ بالبسملة، وسيذكر: 

  • في أول فائدة لماذا يبتدئ المؤلفون كتبهم بالبسملة؟ 
  • ثم أردفها بالحمدله. 

ويأتي المعنى في البسملة من مثلِ هذا الموطن: 

  • "بسم الله الرحمن الرحيم" أي: أُؤلِّفُ؛ أي: بمُصاحِبة "اسم الله الرحمن الرحيم" أُؤلِّفُ مُتبرّكاً، وكذلك في كل ما تُذكر فيه بسملة من فعلٍ ومن حركة. 
    • فالمراد بها مصاحبة بسم الله الرحمن الرحيم؛ أي: عند دخولنا مثل المسجد والمصلى نقول: "بسم الله" أي: بمصاحبة بسم الله الرحمن الرحيم نقول مُتبرّكين ندخل إلى المسجد، وكذلك نخرج، وكذلك مختلف الأحوال.
  • "بسم الله الرحمن الرحيم" اسم الجلالة "الله" هذا العلم على الذاتِ الواجب الوجود جل جلاله وتعالى في علاه. 

لرحمن الرحيم": 

  • صفتان من صفاته سبحانه وتعالى. 
  • واسمان من أسمائه جاءا في الكتاب العجيب والسنة الغراء. 

"الرحمن الرحيم" أي: المتفضل المنعم بأنواع من جلائل النعم ودقائقها، (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].

ثم أردفه بـ"الحمد لله" تعالى: 

  • وهو الثناء على الله -تبارك وتعالى- واستشعار إفضاله وإنعامه وكمالهِ -جل جلاله- والذي لا غاية له.
  • وله الكمال المطلق وجماله الذي لا غاية له -سبحانه وتعالى- وواسع إفضاله وجلاله وكبريائه وعظمته. 

فله الحمد على كل حال وفي كل حال.

ومن أعظم ما يتعلق به قلب المؤمن حمد الإله سبحانه وتعالى؛ 

  • وبذلك يأتي الرُّقي في مراقي الحمد وما يكتسب به من الثواب، الذي يُجعلُ للمرة الواحدة من "الحمد لله" إذا صدرت من قلب حاضر مع الله أن يكون لها من الثواب ما يملأ الميزان، والميزان أوسع مما بين السماء والأرض. 
  • وجاء في وصف هذه الأمة في الكتب السابقة أنهم "الحَمَّادون"، أي: كثيرُو الحمد لله تبارك وتعالى، وهو المستحق للحمد على كل حال.

"الحمد لله رب العالمين" وسيأتي أيضًا معنا في ضمن الفوائد ذكر الحمد ومعانيه وأحكامه. 

"الحمد لله رب العالمين" الذي خلق العالمين وهو مالكهم ومربيهم وهو المقدر لشؤونهم وأحوالهم جل جلاله. 

  • والعالمون: يُطلقون على الإنس والجن والملائكة من ضمن العالم.
  • والعالم: كل ما سوى الله تبارك وتعالى. 
  • ولكن إذا جاء بلفظ العالِمين، جمع لفظ "العالمين" أُريد به على الخصوص من جميع العوالم: الإنس والجن والملائكة:
    • وهم العقلاء من بين بقية هذه الكائنات والمخلوقات. 
    • والمخصوصون بخطاب غير الخطاب الحقِ تعالى لبقية الموجودات والكائنات، وإن كانت كلها مسبحة بحمده سبحانه.

"والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد -خاتم النبيين- وآله وصحبه أجمعين…"، وسيأتي أيضاً معنا معاني الصلاة عليه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وأسمائه وختمه للنبوة باختيار الرحمن -سبحانه وتعالى- واصطفائه له أن يكون خاتماً للنبيين، (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب:40].

  • فلا نبي بعده صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. 
  • وكانت أيضاً في خصوصياته العظمى رسالته للعالمين أجمعين، ولم يكن ذلك لنبي قبله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آلهم وصحبهم، وسيأتي ذكر الآل والصحب ومعانيه.
  • والتابعين أي: من اتبعهم إيماناً واعتقاداً وعملاً.
    • وقد أثنى الله -تبارك وتعالى- في كتابه على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وعلى الذين اتبعوهم.
    • وذكر أنه أحلّ عليهم رضوانه وأنه أعد لهم الجنات فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100]. جعلنا الله وإياكم من التابعين حقيقة. 
    • ولهم مراتب في الاتباع كلما عظمت وكملت، عَظُم قربهم من الحق ومن رسوله، بل ومن نيلِ محبته تعالى الخالصة، كما قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [عمران:31].

"وبعد.. فهذه فوائد في فن الفقه -أي: متعلقة بفقه الشريعة والأحكام- ينبغي تقريرها لمن يقرأ كتاب (سفينة النجاة) وما أشبهه من الكتب المختصرة " مع فهم معانيها وحفظها. 

فإنه كثيراً ما يُقرأ من الكتب ومن الفوائد، ولكن يختلف المجال والرتبة في فهم المعاني وفي حفظ هذه المعاني وفي الاتساع فيها. 

وأما مجرد قراءتها والمرور عليها فلا يجدي بثمرات حسنة حتى يصحَبُه فهم للمعنى، وحفظ لتلك المعاني ورسوخ لها، والاتساع فيها. 

فقهنا الله في دينه واجعلنا من خواص من أراد بهم الخير، بشاهد قوله ﷺ:" مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" نافعة إن شاء الله تعالى ، وقد نفع الله بها الكثير.

فابتدأ الفائدة الأولى في ذكر الحكمة من أن مؤلفي الكتب يبتدئون كتبهم بالبسملة. 

لماذا يبتدئ المؤلفون كتبهم بالبسملة؟ 

قال: "يبتدئ كل مؤلف كتابه بالبسملة، وهي قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ اقتداء بكتاب الله العزيز فيما رُتِّبَ وكُتب بأمره ﷺ وتحت نظره، فَرُتِّبَت أن الفاتحة أول سور القرآن ويُكتب فيها البسملة وما بعدها. وذكر الإمام السيوطي قولاً في أنه أول ما نزل عليه ﷺ البسملة مع (اقْرَأْ)، والمشهور أنه نزلت أول ما نزل عليه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1] خمس آيات من أول سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن؛ فالمراد بالاقتداء بالكتاب أي: في ترتيبه لا في أول نزوله.

وبعد ذلك يقول: "اقتداء بكتاب الله العزيز وعملاً بالسنة المحمدية"؛ أي: بإشارته ﷺ وتعليمه أن نبتدئ الأمور المهمة في الشرع بالبسملة، وأشار عندكم في التعليقة إلى قوله ﷺ فيما ذكره الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه مروي بسند حسن: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقطَع"؛ أي: كمقطوع يدٍ أو يدين من الخلائق فيكون فيه نقص في تمام خلقته، فكذلك "كل أمر ذي بالٍ":

  • معنى ذي بالٍ: صاحب بالٍ.
  • معنى صاحب بالٍ: حالٍ يُهتم به شرعاً؛ أي: شيءٍ مهمٌ ليس من سفاسف الأمور كما سيأتي معنا في أثناء هذه الفوائد.

قال : "بالسنة المحمدية"؛ كأشار كذلك إلى أحاديث: "ما يُبتدأ بالحمد"، والبسملة تتضمن الحمد أيضاً؛ لأن فيها الثناء على الله تعالى بالرحمن الرحيم (بسم الله الرحمن الرحيم)

  • فكذلك جاء في الحديث: " كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ أَقطَع "، هذا في رواية عدد من أهل السنن أبي داود وابن ماجه والنسائي بسند حسن، فيقول: 
    • "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ"، أي: مهمٍ في الشرع ليس من سفاسف الأمور، ليس من المحرمات ولا من المكروهات ولا من السفاسف، "لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ أَقطَع"، هكذا جاءت الرواية عند هؤلاء الإمام أبي داود وابن ماجه والنسائي. ومن أقطع يقول: مثله كما أقطع اليد واليدين. 
  • وكذلك جاء في رواية : " كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَم"، أي حاله كحال المصاب بداء الجذام، وهو مرض يحمر منها العضو ثم يتشقق. 
  • وجاء في رواية: " كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّها فَهُوَ أَقْطَعُ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنَ الْبَرَكَةِ " الأبتر مثل حيوان مقطوع ذنبه؛ قُطِعَ ذنبُه وليس له ذنب. 
  • فالمعنى في الأحاديث هذه كلها أنه ناقص وقليل البركة، ولو تم في الحسِّ فلا يتم في المعنى حتى يكون ابتداؤه "بسم الله".

فلذلك يبتدئ المؤلفون كتبهم "بسم الله" تبارك وتعالى، وهو الشرف الذي شُرِّف به المؤمنون أن يجعلوا انطلاقهم في أعمالهم وأحوالهم "بسم الله" تبارك وتعالى وذلك كرامة لهم وشرف به يتشرفون ويحوزون الخير. ويأتي الكلام عن الابتداء بالبسملة.

قال: "فائدة"، ويذكر في هذه الفوائد أحكام الشرع المصون. وذلك أن نظام الله تعالى للمكلفين في الحياة الذي ينزل على الأنبياء يبتني على هذه الأسس.

فيقوم النظام على تبيين:

  1. الواجبِ.
  2. والمندوبِ.
  3. والمباح.
  4. والمكروه.
  5. والمحرم. 

فهذه الخمسة الأحكام يدور عليها نظام شرائع الله للمكلفين منذ أَرسل آدم إلى بنيه ومن بعده من الأنبياء والمرسلين إلى نبينا محمد ﷺ وبارك عليه وعلى آله. 

فيأتي تبيين وتعيين ما فَرض على كل أمة وما شَرع، وما أَلزم وأَوجب، وما استحب سبحانه وتعالى وندب إليه، وما أباحه وأحله، وما حرَّمه ونهى عنه، وما كرهه دون أن يجعل عليه الإثم. كل ذلك أسس تقوم عليها نظام الشريعةِ لعباد الله على ظهر الأرض، فلا يكون لهم حقيقة صلاحهم ولا استقامة معاشهم ثم معادهم إلا بتنفيذ هذا النظام وإقامته: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:96].

فكل ما أصاب الناس من أنواع الشر والفساد والضر في حياتهم سببه: 

  • ارتكاب المحرم.
  • ترك الواجب.
  • إهمال السنن.
  • والتساهل بالوقوع في المكروهات.
  • والمخالفة للنظام الإلهي. 

ولا يمكن في أمة من الأمم أن يكون لهم نظام يحكم حركتهم في الحياة خير من نظام الإله الذي خلق:

  • (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14]. 
  • (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]. 

وبهذا الفقه في دين الله تعالى ومعرفة هذه الأحكام يُتعامل مع جميع أنظمة العالم وما يجري فيها وما يدور فيها، وعلى هذا النظام يُعرف ما يُقبل وما يُرد، وما يجوز وما لا يجوز؛ فيكون منهج الله تبارك وتعالى هو الحاكم على المؤمن والحاكم على المسلم في فكره وعقيدته وأقواله وأفعاله ومعاملاته وأخلاقه، وما تعلق به من حركاته وسكناته. 

فإنما تقوم العبودية لله تبارك وتعالى في امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتطبيق هذا النظام الإلهي في هذه الأحكام؛ فمنها الحكم الواجب، وهو ما أوجبه الله تعالى على عباده على ألسن رسله.

 قال: "والواجب هو الذي يُثاب علي فعله ويُعاقب على تركه". فمعنى ما أوجبه أنه سبحانه يُثيب الذي فعل ذلك الواجب ويُعاقب من تركه ومن أهمله ومن أعرض عنه ومن لم يكن له عذر؛ من كل من لم يكن له عذر في تركه. 

قال: "ويُرادِفُهُ" أي: في الحكم الشرعي، معناه إذا عبّر الفقهاء في الشريعة والعلماء عن الأمر الذي فرضه الله وأوجبه قد يقولون: فرض، أو لازم، أو مُتَحَتِّم، أو مكتوب، أو واجب. ومرادهم هذا، وهو كذلك عند عامة الفقهاء. 

  • وفصّل الحنفية وفرَّقوا بين الفرض والواجب، وجعلوا: 
    • أن الفرض هو المقطوع بالإلزام به مما ورد في نص قرآني، أو في متواتر من السنة الغراء.
    • والواجب دون ذلك، وإن كان يأثم بتركه الكل، سواء فرض أو واجب في اصطلاحهم، كذلك يأثم بتركه، ولكن الإثم على ترك الفرض أكبر، ففرقوا بين الفرض والواجب. 
  • وعامة الفقهاء والأصوليين جعلوا المعنى واحداً في الفرض، و الواجب، المتحتم، واللازم، والمكتوب.

فهذه الألفاظ في معناها الشرعي تتحدُ، وأشار في التعليق إلى دلالتها في اللغة المشرفة: 

  • فالواجب:
    • يأتي بمعنى اللازم والثابت وهو الذي يتفق بمعناه مع الواجب الشرعي. 
    • وكذلك ما جاء في الحديث الذي يُذكر فيه الوجوب بمعنى الطلبية والندب للأمر، وإن لم يكن بمعنى الفرض، فهذا يدخل في الواجب اللغوي، مثل قوله: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ"، وعامة فقهاء الشريعة يقولون بسنيته واستحبابه لا بوجوبه، ولكن معنى "واجب" في الحديث: الوجوب اللغوي. 
    • وكذلك يأتي بمعاني كثيرة الوجوب، ومنه السقوط: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فكلوا منها)[الحج:36].
    • وكذلك رجفان القلب وحركته يقولوا له وَجَبَ القلب إذا رجف. 
    • وكذلك يأتي بمعنى المراعاة في الواجب، يقول : "أوجب حقه" يعني: رعاه.
  • كذلك لفظة الفرض
    • يُطلق على الحَزِّ، يقول : "فرضه " بمعنى حزّه، 
    • والتقدير، يُفرَض أنه كذا، يُفرَض لو كان كذا، يفرَض يعني: مُقدَّر، التقدير. يأتي الفرض بمعنى التقدير. 
    • وكذلك يأتي الفرض بمعنى الواجب، وهو المراد في المصطلح الشرعي. 
    • وكذلك الفرض بمعنى العطية، فرضُهُ كذا، وهذا فرضه كذا، كما نقرأ في الفرائض: الأنصبة والأقسام للورثة، يقول: فرضه كذا، فرضه كذا، بمعنى قسمه ونصيب. 
    • ويأتي الفرض أيضاً بهذه المعاني: العطية المرسومة. 
  • واللازم
    • يُطلق على الثابت والدائم والواجب، إلى غير ذلك مما هو في اللغة. 
  • والحتم: 
    • يُطلق على القضاء.
    • ويُطلق على الإتقان، أيضاً يُطلق على الإتقان، إذًا يقول: "حتمهم" بمعنى أتقنهم. 
    • ويُطلق على الخالص ويقول : "هذا حتم" يعني خالص. 
    • والمتحتِّم: اللازم. 
  • والمكتوب:
    •  يُطلق على المقضي.
    • وعلى المفروض.
    • وعلى المقدر.
    • وعلى رسالة تُرسل إلى الآخر يُقال لها مكتوب. 

إلى غير ذلك مما يُطلق عليه من جهة اللغة. 

ولكن من جهة الشرع إذا أطلق علماء الإسلام: 

الواجب، واللازم، والمُتَحَتِّم، والمكتوب، وكذلك الفرض، فأرادوا به ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه.

وكذلك "المندوبوهو الذي يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه". ويأتي في هذه المترادفات أيضاً من حيث معناها الشرعي، وإن كانت أيضاً من حيث دلالة اللغة تُطلق على عدد من المعاني: "السنة، النفل، الحَسَن، المتطوع به، المرغوب فيه، المستحب". 

  • كل واحد من هذه الألفاظ إذا أطلقَ على ألسن الفقهاء في الشرع فالمراد به: ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه. 
  • وهي القربات التي يُتقرب بها إلى الله من غير الفرائض والواجبات، كما يشير إليه حديث: "وما تقرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمّا افتَرَضتُه عليه، ومايزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتّى أُحِبَّه".

أشار عندكم أيضًا في التعليق إلى دلالاتها في اللغة: 

  • المندوب هو:
    •  المدعو والمرشح للقيام بالأمر. 
    • كذلك الميّت الذي تُعدد شمائله يُقال المندوب، والنّادب الذي يعدد شمائل الميت. 
  • والسُّنة معناها في اللغة: 
    • الطريقة والسيرة والطبيعة والشريعة والوجه كله يُقال له سُنّة، أو دائرة الوجه. 
  • كذلك النّفل: 
    • يُطلق على الزيادة: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) [الأنبياء:72]؛ أي: زيادة. 
    • والعطيّة يُقال لها: نَفْل. 
    • والحلف والنفي يُقال له: نفل. 
  • كذلك لفظ الحَسَن يُطلق في اللغة: 
    • على الجميل. 
    • والعَظم الذي يلي المرفق. 
    • وكذلك يُطلق على الأمر المتقن المزين يُقال له حَسَن. 
  • كذلك التطوّع يُطلق: 
    • على التبرّع. 
    • وكذلك على كثرة الطّاعات والتكلف فيها يُقال له تطوع: 
      • (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) [البقرة:184]. 
      • (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة:158]. 
  • والمرغّب فيه من المُرادات والمحبوبات. 
  • كذلك المستحبّ يُطلق على: المحبوب والمستحسن. 

وجاء استعمال الفقهاء لها كلها في: ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه؛ فيكون الحِرص عليه وفعله: 

  • علامة المحبّة من العبد لله. 
  • علامة عِشقه لعبادة الله سبحانه وتعالى. 
  • ورغبته في القرب منه جل جلاله وتعالى في علاه.

ثم ذكر لنا أيضاً المباح، "والمباح هو الذي كان فِعله وتركه على السواء، وفي معناه الجائز".

  • وإن كان الجائز أيضاً يأتي بمعنى المباح، وإن كان يصحّ إطلاقه على الواجب والمندوب كلّه يدخل في معنى الجائز. 
  • ولكن كثيراً ما يعبّرون عنه يريدون به المُباح، الذي في أصْل حكمه لا يترتّب على فِعله ثواب ولا عقاب ولا على تركه ثواب ولا عقاب.

ثم إنه يتأثّر هذا المباح من حيث النيّة ومن حيث المقاصد، ومن حيث اتخاذه وسائل: 

  • فإذا اتُّخِذَ المباح وسيلةً إلى واجب، صار من المندُوبات أو إلى سُنّة صار من السنن المثاب عليها. 
  • وإذا اتُّخِذَ المباح وسيلة إلى مكروه صار مكروهاً. 
  • وإذا اتُّخِذَ وسيلة إلى حرام صار حراماً. 
  • وإذا نَوَى به نيّاتٍ صالحة فيما بينه وبين الله فيتحوّل هذا المباح أيضًا إلى سُنّة وقربة إلى الله تبارك وتعالى. 

كما قال قائلهم في تمثيل المباح بالأكل ثم يقول:

لَكِنْ إِذَا نَوَى بِأَكْلِهِ القُوَى *** لِطَاعَةِ اللهِ لَهُ مَا قَدْ نَوَى

فتتأثر المباحات بالنيات والمقاصد. 

  • الطاعات من المندوبات والواجبات تتأثّر بالنيّات؛ من جهة صحتها ومن جهة اعتبار ثوابها، وقدرها عند الله سبحانه وتعالى. 
  • وأما المكروهات والمحرمات لا تؤثّر فيها النية شيئاً؛ النيات فيها لا تغير حُكمها، تبقى كما هي لا تتغير.

يعمل شيء من المعاصي، واحد قال لك قصدي طيب. قصدك طيب؟ كيف قصدك طيب؟ حُكم الله لا يتغير، حرام حرام، خبيث خبيث عند الله تعالى لا يتغير بقصد أحد؛ لكن المقاصد تؤثر في المُباحات وتؤثر في الواجبات وفي المندُوبات من حيث ما يكثر به الثواب وإذا صحّت وصَفَت المقاصد والنيات وتكاثرت، "وإنما لكل امرئ ما نوى".

وقالوا: كما لا يؤثّر التغسيل لنجس العين شيئاً فيه لا يمكن تطهيره، فإذا جاء واحد إلى نجاسة عينية؛ عينها ذاتها نجِسة يريد يغسّلها، كيف يغسّلها؟ يريد أن يغسّلها من أجل أن تَطهُر، كيف تَطهُر؟ لا يمكن طهارتها بالتغسيل؛ لأنها نَجسة أصلها. كلما غسّلتها الغُسالة حقّها نجسة وتنجس الباقي؛ فكذلك المعاصي والذنوب لا تتغيّر بالنية لتكون حسنة ولا تكون مباحة، ما حرّم الله فقال ﷺ: "مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ".

يقول: "المكروه هو الذي يُثاب على تركه امتثالاً":

  • إذا تركه امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى؛ أما ما يصادف تَركُه بدون الامتثال للأمر أو أيضاً لغَرَض آخر فلا يكون مُثاباً عليه. 
  • ولكن إذا تركه من أجل الله تعالى يُثاب على تركه ولا يُعاقب على فعله.

لكن "الحَرَام هو الذي يُثاب على تركه امتثالاً"، بل الثواب على تَركِه امتثالاً من أعظم الثواب؛ إذا ترك المحرّمات امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لا حياءً من الناس ولا تظاهراً لهم بالتقوى، ولا لأي غرض آخر من الأغراض. 

  • "الحرام هو الذي يُثاب على تركه امتثالاً"؛ فتَركُ الحرام إذا كان من أجل امتثال أمر الله - سبحانه وتعالى - فله ثواب عظيم بل من أعظم الثواب. 
  • "ويُعاقب على فعله، وفي معناه المعصية والمحظور"، والممنوع في الشرع، فكله يأتي بهذا المعنى: ما يُثاب على تركه امتثالاً ويُعاقب على فعله. 

رَزَقنا الله فعل الواجبات والإكثار من النوافل والمستحبات، ورَزَقنا النيّة الصالحة في جميع المباحات، وجنَّبنا المكروهات والشّبهات والمحرّمات ظاهراً وباطناً، اللهم آمين.

 

أحكام البسملة

أحكام البسملة خمسة:

  • واجبة: كما في الصلاة.
  • ومندوبة: عند كل أمرٍ ذي بال. 
  • ومُباحة: عند نقل متاع من مكان إلى غيره. 
  • ومكروهة: عند المَكرُوه لذاته، كنَتفِ الشيب. 
  • ومحرمة: عند المعصية كالزّنا والسرقة، ونحوهما…"

عليه رضوان الله يتكلم على أحكام البسملة. 

يقول: "بسم الله" و"بسم الله الرحمن الرحيم" أحكام البسملة -تعتريها الأحكام- الخمسة التي ذُكرت من أحكام الشّرع المصُون: تكون واجبة، وتكون مستحبّة، وتكون مُباحة، وتكون مكروهة، وتكون في بعض الأحوال محرّمة. 

فتتناولها هذه الأحكام بحسب اختلاف الأحوال والأعمال، فمنها:

  • ما مَثّله عند الشافعية بالقراءة في الفاتحة:
    • وهي أيضًا واجبة عند بعض الأئِمّة من غير أن يُستحب الجهر بها.
    • وهي غير واجبة في الفاتحة في الصّلاة عند بعض الأئمة كذلك.. 
  • الذين قالوا بأنها آية من الفاتحة ويجب الإتيان بها، وقال الشّافعية: يجب الإتيان بها ويُسَنُّ الجهر بها في الجهريّة؛ أي: يجهر بها الإمام. 
  • بخلاف التّعوذ والاستعاذة بالله -أي: التحفظ والتحصّن من الشيطان الرجيم- فإنه استحب قبل القراءة ولو في الصلاة ولكن من دون أن يجهر به الإمام ولو في الصلاة الجهرية؛ فلا يُستحب له الجهر بالتعوذ بالاتفاق. 
  • واختلفوا في الجَهر بالبسملة: 
    • فمن قال بسُنّية الجهر كبقية الفاتحة.
    • ومن قال بإباحة ذلك. 
    • ومن لم يستحبّ ذلك كما يُذكر عن الإمام مالك -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.

وبقيَ من أماكن الوجوب أيضاً بالبسملة: 

  • مثل ما أَوجب بعض الحنابلة عند الذبح التّلفظ بالبسملة، واختلف فيه الأئمة منهم من أوجبه. 
  • واكتفى الشافعية بكَوْن الذابح مسلماً؛ وكونه لا يذكر معه شيء من التقرب إلى غير الله سبحانه وتعالى أو شيء من الأسماء غير الله تعالى؛ فيكفي ذلك. 
  • وأوجَبَه بعض الأئمة، فهو من الأماكن المؤكّد فيها البسملة عند ذبح الأنعام والحيوانات التي أَباح الله للمسلمين أكلها بواسطة الذبح أو الصّيد كذلك فيُذكر اسم الله تعالى عليه؛ ما بين النّدب وما بين الوُجوب عند بعض الأئمّة.

وإذا جُمعت مع التعوّذ: 

  • فيكون محلها التقديم في مثل القراءة تقديم التعوذ ثم البسملة إلا:
    •  في عند دخول الخلاء تُسَنُّ البسملة والتعوّذ، لكن البسملة تُقدم على التعوّذ، يقول: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخُبْثِ والخبائث. يبدأ بالبسملة ثم يتعوّذ، على خلاف المألوف والمعتاد.
    • وكذلك عند الخروج من المسجد يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيقدّم البسملة لما ورد ذلك في السُّنة. 
    • وكذلك عند دخول الخلاء: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، فيقدّم البسملة على التعوّذ. 
  • وبقيّة المواطن يكون التعوذ قبل البسملة، مثل القراءة وغيرها، فيتعوّذ بالله؛ أي: يتحفظ ويتحصن معنى قوله أعوذ بالله ثم بعد ذلك يبسمل.

ومنه ما ذَكَر في الصلاة في الفاتحة: 

  • سُنّية الجهر بها عند الشافعية. 
  • ومن الأئِمة من أوجبها ولم يستحب الجهر بها. 
  • ومنهم من لم يُوجِبها؛ كمثل الحنفيّة والمالكية لا يقولون بوُجُوب البسملة في الصلاة. 

واكتفى الحنفيّة بثلاثِ آياتٍ من القرآن في الركعة تكفي عندهم من أيّ سورة كانت. 

وأوجَبَ الجمهور قراءة الفاتحة في كل ركعة: 

  • فأما في الأولى وفي الثانية فَعَلى اتّفاق جمهور علماء الشرع المَصُون وكذلك في الركعة الثالثة والرابعة، وإن جاء عن بعضهم إمكانية استبدالها بالذّكر. 

والذي عليه العمل والاستحسان عند الجميع قراءةُ الفاتحة في كل ركعة، وقال ﷺ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"؛ فتكون مندوبة عند كل أمر ذي بالٍ. 

ويأتي في الفائدة بعدها: متى يكون نَدب البسملة؟ 

في أي أمر اجتمعت فيه الثلاثة شروط ستأتي. فيُسَنّ ابتداؤه بالبسملة، والأمر ذي بال أي حالٍ مهم في الشرع.

وقال: "ومباحة"، أي: تقييدها في المباحات التي لا شرف فيها كنقل متاع من مكان إلى مكان، فتكون الإباحة فيها من حيث تخصيصها في هذا الوقت مباح؛ وأما في حد ذاتها هي ذِكر يُثاب عليها في أي وقت كان؛ لا يتأتَّى أن لا يكون له ثواب عليها. إذا قال: "بسم الله" أُثيب؛ لأنه ذكر الله تبارك وتعالى، وهو مثاب على كل حال، إنما رَبطُها والتحديد بها بهذا الموطن المباح، مُباح عند المباحات التي لا شرف فيها.

وقال: "ومكروهة عند المكروه لذاته":

  • إذا أراد فعل مكروه لذاته، فإذا بَسمل أضاف مكروهاً إلى المكروه. فمن أراد أن ينتف الشيب مثلاً -نتف الشّيب مكروه- فيقول عندما ينتف الشيب: "بسم الله" فمكروه الثاني. تبدأ مكروهاً بالبسملة فمكروه فوق المكروه، فصارت مكروهة ابتداءً؛ لأنه عند فعل المكروه لا تفعلها باسم الله تعالى، هذا باسم رغبة من رغبات نفسك مالها دخل بالله؛ الله ما أحبَّ ذلك حتى تسمّيه عندها؛ وهكذا عند المكروه لذاته. 
  • بخلاف المكروه لطارئ وعارض مثل أكل البصل مثلاً، لكونه نيئاً ومن أجل الرائحة، لا لِكَون الأكل مكروهاً. الأكل بحد ذاته ليس مكروه لا البصل ولاغيره، لكن لما يحمله من رائحة ومن كراهة، فليس مكروهاً لذاته. فإذا أراد يأكل البصل وبَسْمَل، ليس مكروه، البسملة غير مكروهة هنا، مستحبة؛ لأن المكروه الذي سيفعله ليس مكروهاً لذاته، المكروه لعارض فيُبسمل.

وقال: "ومحرمة"، كيف بسملة وحرام؟ 

قال: لكونها مربوطة، -ما هو في حد ذاتها هي- لكن ربطها بهذا الفعل المحرّم يكون حراماً، بل -والعياذ بالله تعالى- تحمل معنى الاستخفاف! بل إذا قصد الاستهزاء فقد كَفَر! والعياذ بالله تبارك وتعالى، يفعل معصية ويشرب الخمر ويبسمل، يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ حَرام فوق الحرام، هذا باسم الشيطان يُشرب ما يشرب باسم الله، هذا يُشرب باسم الشيطان ما يشرب باسم الله تعالى! فإذا بَسْمَلَ أضاف إثماً إلى الإثم؛ أما إذا استخف وقصد الاستهزاء فكفر، نعوذ بالله من غضب الله. 

"محرمة عند المعصية كالزّنا والسرقة ونحوهما"؛ هذا عند المحرّم لذاته يأتي. 

فيأتي إذا واحد غَصب ماء وأراد يتوضأ فيه بسمل، الوضوء ليس حرام في ذاته، ولكن لِكَونه من الماء المغصوب صار حراماً، لكن عند الوضوء يبسمل، بَسْمَلَ، لكن عند أخذ الماء وسرقته لا؛ إذا بَسْمَلَ أضاف إثماً إلى إثمه أما عند الوضوء به فيُبسمل للوضوء، والوضوء ما صار محرماً هنا إلا لِعارض، أصل الوضوء ليس بحرام، لكن لكونه من الماء المغصوب صار حراماً.

فائدة

شروط ندب الابتداء بالبسملة ثلاثة:

  1. أن يكون أمرًا ذا بال، أي: ليس محرما لذاته، ولا مكروها لذاته، ولا من سفاسف الأمور.
  2. وأن لا يكون ذكرا محضا.
  3. وأن لا يجعل الشارع له مبدأ آخر.

هذه الثلاثة الشروط إذا اجتمعت في أي شيء سُنَّ ابتداؤه بالبسملة. يقول: "شروط ندب الابتداء بالبسملة" أي شيء اجتمعت فيه هذه الشروط الثلاثة فيُسن أن يُبتدأ "بسم الله الرحمن الرحيم".

"أن يكون أمراً ذا بال"، فسّر معنى الأمر ذا بال: "أن يكون أمراً ذا بال، أي ليس محرماً لذاته ولا مكروهاً لذاته ولا من سفاسف الأمور"؛ ليس بحرام ولا مكروه ولا من سفاسف الأمور كبصاق ومخاط وكنس ومن السفاسف، فيكون ذا بال. 

  • يكون ذا بال إذا لم يكن مكروهاً ولا محرماً ولا من السفاسف. مثل أكل، مثل لبس ثوب، هذا ليس محرماً ولا مكروهاً ولا من سفاسف الأمور، مثل القيام والقعود والدخول والخروج هذه أمور كلها ذات بال. 
  • لكن ما ليس بذي بال هو المحرمات والمكروهات والسفاسف أي: الدنيئات من الأمور وتوافهَّا مثل البصاق والمخاط وما إلى ذلك، فلا يُذكر "بسم الله" عندها. لكن إذا كان ذا بال.

والثاني: "أن لا يكون ذكراً محضاً"، أي: خالصاً، كيف؟ أراد أن يذكر الباقيات الصالحات: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله والله أكبر، مئة مرة. لا يُسنّ البسملة فيها؛ هي ذكر أصلاً يقولها، هو ذكرها ذكر اسم الله تعالى وصفات الله -تبارك وتعالى- فما يُستحب أن يقول: بسم الله سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر؛ ما دام ذِكر خالص يكفيه الذكر نفسه، فلا يحتاج إلى "بسم الله". 

  • فإن الذّكر الخالص هو عبارة عن أسماء الله تعالى وعن صفاته فهي تحمل معنى البسملة فلا يحتاج إلى أن تبدؤه بالبسملة. 
  • بخلاف ذكر مخلوط بغيره، يُقرأ في كتاب فيه أذكار ذكر وفيه غيره يبدأ بـ "بسم الله" لأنه ليس ذكراً خالصاً، وهكذا. لكن الذكر المحض الخالص لا يُسنّ أن يُبتدأ بالبسملة.

والشرط الثالث: "أن لا يجعل الشارع لذلك العمل مبدأً آخر"؛ هو عمل ذا بال، وليس بذِكر خالص، لكن الشّارع يجعل له مبدأ غير البسملة؛ فما تُسَنُّ البسملة عنده: 

  • كمثل خطبة الجمعة، الشّارع جعل مبدأها الحمد، فما يُسنّ للخطيب يقوم فوق المنبر يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ليس محله؛ يقوم ﷺ على منبره ويبدأ بالحمد وجعل مبدأ الخطبة الحمد، لا تأتي بسملة في خطبة الجمعة، مثلها خطبة النكاح. 
  • وجعل مبدأ الصلاة التكبير، قال: تحريمها التكبير. الصلاة ذات بال، ذات بال، تقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ يعني هو يُكبّر، "بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر"؟ لا، الصلاة الشارع يجعل افتتاحها بالتكبير ليس بالبسملة؛ فإذا جعل الشارع لها مبدأً من عنده تتركه. ولا تأتي بمبدأ من عندك ثاني تُضاد به الشرع.

ولكن إذا كان "أمر ذا بال، وليس بذِكر محض، ولم يجعل الشارع له مبدأ"، فيُسن أن تسمي الله تعالى؛ حتى في لبسك وقيامك وقعودك ودخولك وخروجك وركوبك يُسَنُّ تسمّي الله سبحانه وتعالى، هذه كلها مواطن جاء فيها سُنّية البسملة. وفيها شَرَف المؤمن بأن يفعل شؤونه وأحواله باسم الرب جل جلاله وتعالى في علاه.

حتى جاءنا في الحديث تقول عند المنام: "بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي"؛ حتى وضعه جنبه يكون باسم الإله سبحانه وتعالى! ما هذه الكرامة لهذا العبد المؤمن المثاب، "وَبِاسْمِكَ أَرْفَعُهُ فَاغْفِرْ لي ذَنْبِي"، لا إله إلا الله. 

وهذا كرم الحقّ على عباده المؤمنين، أحياناً من له مظهر من مظاهر الشّرف يُشَرِّفُك تتكلم باسمه في مكان ولا تعمل عمل باسمه في مكان، ولكن شؤونك الخاصة وهكذا ما يدخل فيها ولا ينسِبها لاسمه. الرحمن قال عبدي مؤمن بي، تريد كرامة، كلّ شؤونك وأحوالك باسمي، كُلْ باسمي واشرب باسمي ونَم باسمي، أنت في كنفي ورعايتي، فَسَح له المجال جل جلاله أن يجعل كل شيء باسمه جل جلاله وتعالى في علاه.

ولذلك حتى يُمنع منه أنواع الشياطين بسبب هذا الاسم. 

  • يشرب، يشرب معه الشياطين، إذا بَسْمَل، قال: "بسم الله"، لا يقدرون، صار شربك الآن مشرف ومكرم باسم الله الواحد الأحد جل جلاله، لا يقدرون عليك. 
  • حتى طعامك كذلك، إذا أكلت يأكلون معك الشياطين، لكن قل "بسم الله" صار أكل مشرف؛ لأنه باسمه جل جلاله.

هذا ينبهنا، أنه لما نأكل نقول "بسم الله" يعني لا آكل لمجرد شهوتي للأكل ولرغبتي فيه، أنا مرزوق من قِبَلِهِ برزق أَمَرَنِي، وأنا آكل فيه (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ) [البقرة:60] جل جلاله وتعالى، وأستعين به على طاعة الله، فأنا آكل باسمه سبحانه وتعالى لا باسم نفسي ولا باسم شهوتي وما إلى ذلك. 

وفي هذا حتى جاء أن قوة الإيمان أحياناً تسري للمؤمن في بيته، قال يأكل بشهوة أهل بيته؛ يعني: يُحِب ويُحضِر الذي يشتهيه أهل داره وأهل بيته الذين ينزلون وهو يكون من ضمنهم. بخلاف المنافق تَبَعٌ لشهواته فقط، حتى لا يحضر للبيت إلا الذي يشتهي هو. قال: والمنافق يأكل أهل بيته بشهوته، والمؤمن يأكل بشهوة أهل بيته؛ لأنه بـ "بسم الله" يأكل ماله غرض معين. والمنافق يأكل أهل بيته بشهوته، الشيء الذي يشتهيه هو الذي يتبعونه فيه يحكم شهوته هو. لا إله إلا الله.

وهكذا دخولك إلى البيت والمنزل إذا كان "بسم الله" دخولك مشرّف، حتى قرينك من الشياطين لا يقدر يدخل معك، من دون "بسم الله"، تدخل معك الشياطين، وهكذا إلى أبعد الحدود. حتى دخولنا الخلاء بـ"بسم الله"، قُرب الرجل من زوجته بـ "بسم الله" سبحانه وتعالى، يصير أمره مشرّفاً. وإلا (وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأولادِ) [الإسراء:64]، إذا ما سَمَّوا باسمه وتصرفوا من نفسهم بشهواتهم، دخل معهم فيتمكن منهم؛ لكن إذا ذكروا اسم الله فَشَرُفوا بذلك وعظموا، واكتسبت أفعالهم كرامة وقدسية وشرف. 

فالحمد لله، و"بسم الله" نقول ونفعل ونتحرك ونسكن، والله يحققنا بالعبودية له، ويجعلنا في عنايته ورعايته حيثما كنا وأينما كنا.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

18 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

03 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام