شرح كتاب الأدب في الدين للإمام الغزالي -43- آداب الاستئذان

للاستماع إلى الدرس

الدرس الثالث والأربعون من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب الأدب في الدين لحجة الإسلام الإمام محمد بن محمد الغزالي، ضمن الدروس الصباحية لأيام الست الأولى من شوال 1446هـ، آداب الاستئذان.

فجر  الإثنين 2 شوال 1446هـ.

 

يتضمن الدرس:

  •  آداب الاستئذان: معناه والمقصود منه
  •  الاستئذان لدخول بيت
  •  ثلاث أوقات لا يدخل فيها الأطفال بغير استئذان
  •  أدب المشي وراء الجدار عند الاستئذان
  •  التسبيح والتحميد قبل دق الباب
  •  ترك التسمُّع لمن في المنزل
  •  أدب السلام بعد الاستئذان (قصة مع عمر بن الخطاب)
  •  قصة النبي مع جارية تبكي في السوق
  •  الاستئذان بعد السلام (ارجعوا هو أزكى لكم) 
  •  عدم قول (أنا) عند الاستئذان
  •  خيرات الزيارات والسلام بين المسلمين
  •  أحوال بيوت المسلمين

 

نص الدرس مكتوب:

 

آداب الاستئذان

"المشي بجانب الجدار، ولا يقابل الباب، والتسبيح والتحميد قبل الدق، والسلام بعده، وترك السمع إلى من في المنزل، واستئذان بعد السلام،  فإن أذن له وإلا رجع ولم يقف، ولا يقول: أنا ، بل يقول: فلان إذا استفهم."

 

الحمد لله مُكْرِمِنا بآداب النبوة والبيان لحُسنِ المعاملة على يَدِ سيِّد أهل الفتوة، سيدنا محمد الذي آتاه الله -تبارك وتعالى- من لدنه رِفعةً وتمكينًا وقوة، فهو (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) [التكوير:20].

أدم اللهم صلواتِك على عبدك وحبيبك الأمين سيّدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من والاهم واتّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

وبعدُ،

فإننا نتذاكر في الآداب كما جاءت في الرسالة المنسوبة إلى الإمام حُجَّةُ الإسلام الغزاليّ، ووقفنا عند "آداب الاستئذان"، والاستئذان الذي شرعه الله عند الدخول إلى منزل وبيت ودار أحدٍ من الناس، وهو أدب من الآداب يَنفَسِحُ إلى أنواع من الاستئذانات، سواءً في الدخول إلى الأماكن أو في استعمال شيء من الأدوات أو في القيام بالكلام، إلى غير ذلك مما ينبغي أن يُقدَّم الاستئذان فيه؛ ترسيخًا لأسس الطمأنينة والسكينة والوقار والحياء، وأن لا يُتجرَّأ على الأمور ولا يُفتات على الأشياء، وتُؤتى الأشياء من أبوابها وأماكنها، فذلك من النظام الرباني لهذا العالَم الإنساني على ظهر الأرض؛ يتم به استقرار وطمأنينة وضبط للأشياء وترتيب لها.

فجاء شأن الاستئذان، ومن جملته إذا أردت أن تدخل بيت أحد من الناس، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا) [النور:27]. 

فوجود هذا الاستئناس فوق مسألة الاستئذان -الاستئناس: 

  • بأن يكون الوقت مناسبًا.

  • والحال مناسبًا.

  • والظرف مناسبًا.

هذا الاستئناس.. لا تجيء للإنسان في وقت اعتياد نومه أو في وقت طعامه، أو في وقت.. (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا) ترى المجيء في هذا الوقت فيه أُنس وفيه استعداد نفسي (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا). إلا للضرورات وللطوارئ فلها شأنها، ولكن في عموم الأحوال لا ينبغي أن يُؤتَى الإنسان إلى مكانه أو لبيته إلا في وقت يتناسب مع حاله واستعداده للاستقبال (حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا).

وهكذا اعتنى القرآن ببيان آداب في هذا الجانب، ورتب شأن الأسرة في داخلها، وفيهم مثل:

  • الأطفال الصغار.

  • وبعض القائمين بالخدمة.

  • ومَن تملكهم أيمانهم كذلك من الأرقاء.

 قال: هؤلاء في أوقات ثلاثة لابد أن يستأذنوا، وفي غيرها من الأوقات فلهم المجال لحاجة الأسرة من تداخل بعضها لبعض، لبعض الخدمات وبعض الشؤون، فلا يحتاجون إلى استئذان في كل مرة. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) [النور:58]. قال في هذه الأوقات حتى هؤلاء الأطفال، حتى هؤلاء الخدام، لا يدخلوا الغرفة إلا باستئذان. في غير هذه الأوقات أنتم أهل البيت بينكم البين، ولكن (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ) خلاص توقف في هذه الأوقات  أو في غيرها (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [النور:59]. فهكذا النظام البديع العجيب الذي يُقيم الحياة الإنسانية على هدوء وترتيب واستئناس وأدب وطمأنينة.

يقول: "آداب الاستئذان"، قال: "المشي بجانب الجدار" إذا جاء، "ولا يقابل الباب"، يمشي من جانب الجدار ولا يكون مستقبِلًا الباب؛ هكذا جاء في السنة، لماذا؟ 

لأنه لمَّا يُفتح الباب يقع بصره على ما في البيت، وعلى ما في المنزل. 

وقال ﷺ: "إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ"؛ يعني: من أهم ما شُرِعَ الاستئذان له؛ أن لا تقع العين على ما لا يحب أهل الدار وأهل البيت أن يقع عين الغير عليه؛ فلهذا قال لا يقف مقابل الباب، ولكن يُوَلِّي ظهره، يكون يمشي بجانب الجدار، ويولي ظهره إلى الجانب الثاني يستقبله، ويطرق الباب ويستأذن؛ حتى إذا فتحوا لا تقع عينه على ما في وسط الغرفة وما وسط الدار.

قال: "المشي بجانب الجدار ولا يقابل الباب". ومع ذلك "التسبيح والتحميد قبل الدَّق"، فيه من الإشعار.. سبحان الله، والحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله. يسمعون فيه حس، فيه إنسان مقبل وناس مقبلون قبل ما يدق الباب. فإن هذا ممن يجيء عند الباب يدق بقوة يزعج الصغير والكبير! بل يتكلم من قبل، حتى يُشعِره أنه فيه أحد مقبل أو أحد جاي من الطريق.

وهكذا كنا نعهدهم الشيابة والصغار والكبار عندما يدخلون البيت يقولون: الله الله الله الله، يمشي من عند دخول البيت إلى عند طلوعه في الدرج، إلى عند القرب من المنازل يقول: الله الله الله الله، ليُشعِروا أنه فيه أحد جاي، أحد مقبل. حتى عند أهل بيته، إن كان أحد غير محرم تروح، وإن كان أحد من المحارم تستعد للاستقبال؛ فهكذا كنا نعهدهم ونسمعهم لتأدبهم بآداب القرآن وآداب السنة. ما يجون كذا فجأة يدخلون! بل يقولون: الله الله، الله الله؛ ليستعدون أهل البيت.. فلان جاء، فلان يدخل هذا المكان، يكون المحل مهيئًا له. فهكذا اللطف والذوق في تعامل الناس في مجالساتهم في تكوين أسرهم؛ جاءت به النبوة وجاء به الوحي الشريف.

يقول: "والتسبيح والتحميد قبل الدق، والسلام بعده". فإذا دق: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم. وهكذا.. 

قال: "وتَرْكُ السماع" أي: التسمّع "إلى من في المنزل"، لا يجي أول يتنصت؛ ماذا يقولون؟ ما لك دخل! أنت جاسوس تتبع أحدا خبيث؟! وإلا كيف أنت؟ لا تفتح باب التنصت للناس! وإن "من استمع إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهونَ صُبَّ في أذنهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ"، يعني: الرصاص المذاب بالنار يُصب في أذنه؛ لأنه قاعد يتسمَّع كلام الناس، لماذا؟

وهكذا قالوا أيضا في الذي يمد بصره من شقوق الباب وغيرها إلى غرف الناس وأماكنهم: أنه لو أن أحداً قابله في هذه الحالة وفقأ عينه فهي هدر، فليس عليه دية؛ نصف دية في العين؛ لأنه عين هدر. ولمَّا جاء مَن كان قليل الأدب وجاء ينظر من الشقوق في بيت النبي ﷺ، وكان بيده المَسَلَّة -أداة لفرق الشعر رأسها مستدير-،  فجاء يريد أن يفقأ بها عينه فهرب الرجل قبل أن يصل إليه النبي؛ مُشير إلى أنه فقدَت هذه العين حرمتها، وأنه يجوز طعنه في عينه هدر، وما له حق -هدر عينه-؛ لأنه تعدى بها على الحرمات. 

قال: وهكذا جاءت الآداب الشريفة، وجاءت المناقضات المضادة لها.

وجابوا أجهزة تنصت وأجهزة التصوير من بعيد.. ويتجسسون على خلق الله وعلى عباد الله! ولا ينتهون إلى خير من ذلك، وينتهون إلا إلى مثل ما هم فيه من حروب وكروب وآفات وعاهات. ومنهج الرحمن ورسله خير وأحسن وأجمل للناس. 

وحدَّدوا حدودًا في تتبع أخبار المقاتل والمجاهد ببنود معينة وبفهوم معينة، وانتهت المسألة. غير هذا لا يتجاوزونه الأنبياء وأتباعهم. وأما هؤلاء لايتركون صوتًا إلا تنصتوا عليه، ولا صورة إلا تنصتوا عليها بمختلف الأجهزة، هكذا هم لا قِيَم عندهم ولا إنسانية عندهم، ولا كرامة عندهم، ولا شرف عندهم، ولا حرمة عندهم.

قال: "والسلام بعده" وهكذا، ومِن عادته ﷺ إذا جاء أن يُسلّم ثلاثًا، فإن أجابوا وإلا انصرف. وكذلك شَرَع الاستئذان ثلاثًا. وإذا دق وسلم ولا أحد أجاب.. ثاني و ثالث مرة؛ ينصرف؛ مهما توقع أنه إن كان هناك أحد فقد سمع، خلاص بعد ثلاث مرات ينصرف. ليس بالقوة يقابلونك الناس، ولا بالقوة تدخل على الناس، يكونون في ظرف أو في عذر.

فلهذا لما جاء أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري إلى عند سيدنا عمر بن الخطاب وكان مشغولاً بكلام بعض الذين عنده، وذا سلّم أولاً وثانياً وثالثاً، شاف ما حد أجابه فانصرف بعد ذلك قال سيدنا عمر: أين فلان؟ -سمع صوته- قالوا له: انصرف. قال: استدعوه. استدعوه. فلما جاء قال: ما لك انصرفت؟ قال: استأذنتُ ثلاثاً فلم أجاب فانصرفت وذلك السنة. قال له: أتقول هكذا السنة؟ من يشهد لك؟ -وكان سيدنا عمر يريد يُثَبِّت مثل هذه المسائل الدقيقة، يحب إثباتها وتوطيدها في الأمة-، فذهب إلى عند جماعة مجتمعين من الصحابة قال: إني استأذنت على عمر ثلاثاً فانصرفت، فدعاني فقال لي: لِمَ انصرفت؟ قلت له: إن رسول الله ﷺ قال: "إذَا اسْتَأْذَنَ أحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ له فَلْيَرْجِعْ". فقال: هل سمع منكم أحد هذا من النبي ﷺ؟  قالوا: نعم، حتى أصاغرنا -صغارنا- سمعوا النبي ﷺ يقول كذا. فأخذه إلى عنده فأُخبِر عمر بذلك. فكان أيضًا مقصود سيدنا عمر أن مثل هذه المسائل الدقيقة تشاع بين الناس وتثبت. فلذا قال له: اذهب فأتِ بمن يشهد لك أن النبي قال كذا.

وهكذا..

ويُروى أيضًا -في حديثٍ في سندٍ مقال- أنه لمّا خرج مع الجارية التي خافت أنها أبطأت عن أسيادها -نساء كُن في بيت- وهذه كانت رقيقة عندهم أرسلنها إلى السوق بأربعة دراهم تشتري لهم بعض الحاجات، ويقال أنه خرج ﷺ وعنده ثمانية دراهم، فوجد الجارية تبكي. فقال: ما لك تبكين؟ قالت: أرسلني أهلي أسيادي بأربعة دراهم فضاعت عليّ. فأخرج ﷺ أربعة دراهم فقال: خذي هذه، واقضي حاجة أهلك وارجعي إليهم. ثم دخل إلى السوق فاشترى سراويل بدرهمين، ثم مشى فلقي سائلاً فأعطاه درهمين، ثم مشى فلقي سائلا فأعطاه السراويل. كملت الثمانية الدراهم، فوجد الجارية تبكي. قال: ما لك؟ أما اشتريت الحاجة التي أمروك إلى الآن؟  قالت: اشتريت الحاجة لهم لكني الآن تأخرت، وأخشى أن يعاتبوني. قال: أنا أشفع لك عندهم، أين هم؟ قالت: بيتهم هناك في محل مُنتَزِح. فمشى ﷺ قبلها حتى أقبل عليهم، وكُنَّ في في البيت فلمَّا رأينه مقبلا تعجَّبن؛ ما الذي جاء برسول الله إلى هذا المكان والآن في هذه الساعة؟ فترقَّبنه حتى وصل، وإذا به يقف عند باب البيت! فوقف متوجِّهًا إلى الجهة الأخرى ودق الباب وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجبن خُفِيَّة في سِرِّهن: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله؛ ما تركنه يسمع، فأعاد السلام ثاني مرة: السلام عليكم أهل هذه الدار ورحمة الله وبركاته، فأجبنه خفيةً أيضاً سرًّا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله. فسلَّم الثالثة، فرفعن الصوت وقلن: وعليكم السلام يا رسول الله، أهلاً وسهلاً. 

قال: إنما جئتكم في شأن هذه البنت، أرسلتموها فأبطأت، فلا تعاتبوها. قالوا: من أجلها جئت إلى هنا؟! هي حُرَّة لوجه الله. قال: أنا سلمت عليكم ثلاثاً؟ قالوا: كنا نسمعك ونرد عليك سرًا، لأننا نعلم أن من هديك أنك ترد السلام ثانيًا وثالثًا؛ فأحببنا أن يكثر الخير في بيتنا بسلامك علينا. لو أجبناك أول مرة وسمّعناك ما كنت ستُعيد الثانية والثالثة، ونحن نريد الثانية والثالثة في البيت. 

فكان هذا حال الصحابة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-، ورجع ﷺ ولا دراهم ولا سراويل إلى داره، وقضى حاجة هذه الجارية.

قال:"الاستئذان بعد السلام" إذا أجابوه بعد السلام استأذن: أأدخل؟ ليقال: تفضّل اُدخل، "فإن أذن له وإلا رجع" (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ) [النور:28].

ولما جاء بعض الأكابر من أهل العلم إلى بيت واحد من الناس في يوم جمعة يريد زيارته، فقال قولوا له: اليوم جمعة ما أحد يزور أحدًا نلقاه هناك في الجمعة. فرجعوا. فالجماعة متعجّبين كيف يرجّع هذا الإنسانُ العالِم! ورجع منبسطًا يضحك. فقالوا له: كيف؟ قال: رجعنا بزكاة! (فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ)، فرجعنا بالزكاة. فجزاه الله خيراً، قد ردّنا بما هو أزكى. وما تأثر من ردِّه، قال: رجعنا بزكاة (فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ)!

" فإن أذن له وإلا رجع ولم يقف ولا يقول: أنا". إذا قالوا له: من؟ يقول: أنا. كيف أنا؟ من أنت؟ ولما جاء واحد مرة يدق على بابه، قال: من؟ قال: أنا. فدعاه: اُدخل يا أنا، مرحبا بك يا أنا، كيف حالك يا أنا!

وهكذا أرشد ﷺ إذا سألوك من؟ قل لهم: أنا فلان بن فلان ما يقول أنا! ما يدريهم أنت من؟ ما هذا أنا؟ هل هذا اسم؟ أي أحد يقول: أنا!. يقول : فلان بن فلان، فلا يقول: أنا؛ بل يقول: فلان إذا اُستُفهم منه: من؟ ومثله حتى في التليفون، يقال مَن؟ فيقول أنا! أنت؟ من أنت؟ هات اسمك؟ هات شيئًا تُعرف به. وهكذا حتى تترتب مسألة الزيارة والدخول إلى بيوت الآخرين والتزاور. 

  • فإنّ في دخول المؤمنين على بعضهم البعض إلى بيوتهم خيراً وبركة.

  • وفي إلقاء السلام أيضًا عليهم. 

  • بل أَرشَد ﷺ أنّ كل دخول للمؤمن ولو إلى بيته يُقرئ السلام على من في البيت قال: فإن الله جاعلٌ له في سلامه عليهم خيرًا. الله يجعل خيرًا في هذا البيت  بالسلام عليهم. كلما دخل البيت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يُسلّم على من في البيت. حتّى إن لم تجدوا فيها أحدا (فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) [النور:61]. فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. عند الدّخول: السّلام! 

فالسلام:

  •  شعار الإسلام. 

  • وفيه معنى الأمان. 

  • وفيه الدعاء بالأمان. 

  • وهو من أسماء الرحمن جل جلاله. 

وتستقر الزيارات بهذه المؤانسات وبهذه الآداب على انبساطٍ وعلى خلق كريم، وتقوى الروابط بين المؤمنين والمتزاورين؛ لأنه "من زار أخاً له في الله شيّعه سبعون ألف ملك، إن زاره في الصباح يستغفرون له إلى المساء، وإن زاره في المساء يستغفرون له إلى الصباح". فهذا بركة التزاور في الله -سبحانه وتعالى-.

ويقول -عليه الصلاة والسلام-: إن رجلاً -من بني إسرائيل- ذهب يزور أخاً له في الله -في قرية كانت بعيدة منه-، فأرصد الله على مدرجته -يعني: على الطريق الّتي يلوي فيها إلى القرية- ملكاً في صورة إنسان. سلّم عليه وردّ السلام قال له: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: لماذا؟ قال: لأزور فلان بن فلان. قال: لقرابة بينكما؟ قال: لا. قال: لنعمة تربُّها عليه؟ -عمل معك معروفا؟- قال: لا، قال: فلماذا تزوره؟ قال: لا لشيء، لأنّي أحبّه في الله. رجل تقيّ وصالح وأنا أحبّه في الله وأزوره. قال: فإني رسول من الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. وإنما ذكر لنا النبي ﷺ هذه القصة ليُعلمنا أن الله يحب المتحابين فيه. فيقول إن كان هذا من بني إسرائيل وبُشِّرَ بهذه البشارة؛ فالواحد من أمّتي كذلك إذا زار إخوانه في الله، فله عند الله محبةٌ وله عند الله مكانة.

 

وانتقل إلى ذكرِ آداب الجلوس على الطريق. عمَّر الله ديارنا ومنازلنا بالقرآن والذكر والخير والآداب النبوية والعمل بالشريعة، لأن بيوت المسلمين:

  • حصون للدين وحصون للشرع. 

  • يُطبق فيه شرع الله ويُنفّذ فيه حكم الله.

  • ويُذكر الله فيه. 

  • ويكون محطّاً لتنزُّل الرحمة وهبوط السكينة ولتردد الملائكة. 

هذه بيوت المؤمنين، هكذا بيوت المؤمنين، فتعرفها الملائكة؛ وبهذا تتميز. لا يتميز بيت المسلم بكهرباء ولا بفرش ولا بدواليب ولا بغاز؛ هذه ما هي ميزة، هذه عند المسلم والكافر اوالفاجر والخيِّر والشرير..كلهم عندهم مثل هذا.

لكن بيوت المؤمنين؛ تتميّز بالقرآن، تتميز بالآداب. تتميز بتطبيق الشّرع المصون، تتميز بالآداب النبوية. 

فهكذا تكون بيوت المؤمنين، "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض". 

بارك الله في بيوتنا وفي منازلنا، إنه أكرم الأكرمين.

قال الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر مرّة لابن أخته الإمام عبد الله بن عمر بن يحيى: كأني رأيت البارحة بيوت المَسِيلة مرتفعة وعليها نور، لكن بيتك هذا مرتفع فوق بيوت المسيلة، والغرفة التي أنت فيها مرتفعة حتى فوق بيتك! فأي شيء صنعتَ في البيت؟ قال له: ما شيءَ إلا ما علمتمونا من التحري والورع والنية الصالحة في البناء عملنا، ثم لما بنينا البيت كل غرفة وكل درجة من البيت قرأت فيها ختمة من قيام في الصلاة، في الغرف كلها والأماكن كلها والدرج كله، كل درجة. والغرفة التي أنا فيها قرأت ختماتٍ كثيرة. قال: إذًا لهذا، لهذا ارتفع دارك على الديار ورأيته بهذه الصورة والمثابة.

فهذه بيوت المؤمنين وهذه بيوت الأخيار، وفيها العلم وفيها البر وفيها التقوى وفيها الصلاح. ولا يزال عندنا بعض الغرف في بعض البيوت هنا لعلماء متقدمين، تخرّج منها كذا كذا عالم، وكذا كذا عارف، وكذا كذا ولي، من وسط الغرفة هذه كانت تُقرأ فيها الكتب.

وعندنا في قرية مِشْطَة لما جاءت سيول قبل سنوات وهدّمت الديار، كان فيها بيتا فيه غرفة كانت تُقرأ فيها الأمهات السِّتّ وغيرها من الكتب وتُقرأ فيها المتون. فتأثرت الدار كلها إلا هذه الغرفة، تأثّر ما فوقها وما تحتها، وهي باقية إلى الآن. البيت حواليها ما بقي، تكسّر! ولكن هذه الغرفة جابوا سُلّما ليطلعون عليه للغرفة. حتى كانت هناك سيارة تحت الغرفة فحُفِظت! وما أخذها السيل ولا شيء سقَط فوقها! تحت هذه الغرفة.

غرفة  قُرِئَ فيها كثير من كلام الله ورسوله ﷺ، فحفظها الله -تبارك وتعالى-.

وهكذا، إنّما المكان بالمكين. وميزة بيوت المؤمنين: 

  • تقوى الله.

  • والعمل بشريعته. 

  • وقراءة كلامه وكلام رسوله ﷺ. 

  • وكثرة الذكر. 

  • بهذه تتميز بيوت المؤمنين. 

يقول بعضهم لولده يوصيه: أوصيك أن تحفظ حرمة البيت من بعدي إذا أنا مت. وهذه الغرفة إياك أن تعصي الله فيها وتتكلم بكلمة نابية؛ فإنّي قد قرأت فيها سبع آلاف ختمة وسط الغرفة هذه. فانتبه لا تعصي الله في هذا المكان.

نوَّر الله بيوتنا ونور قبورنا. وفي الغالب أن العامرين بيوتهم بهذه الأنوار؛ قبورهم تتنوَّر كذلك، تكون قبورهم منورة. لمَّا يصلون للقبور يجد بيته في البرزخ مثل بيته في الدنيا، منوراً بنور القرآن وبنور الأعمال الصالحة وبنور تطبيق الشرع الذي كان وسط داره وسط بيته، فيتنور قبره بذلك. 

الله ينور قلوبنا، وينور بيوتنا، وينور قبورنا، ويبعثنا يوم القيامة في نور (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖنُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التّحريم:8]. 

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

(رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

يبارك الله لنا ولكم، وينور قلوبنا، وينور بيوتنا، وينور ديارنا، وينور منازلنا، وينور قبورنا، ويرعانا بعين العناية، ويبارك لنا وللأمة في هذا العيد، ويجعله من أبرك الأعياد على أمة الإسلام في كل خاص وعام، ويبلّغنا المرام وفوق المرام مع صلاح كل شأن، وارتقاء أعلى مكان. والتّعجيل بفرج المسلمين، ورد كيد المعتدين والظالمين والغاصبين من الفجار والكفار ومَن والاهم عنا وعن البلاد والعباد وعن جميع المسلمين، ولا يُبلّغهم مرادا فينا ولافي أحد من أهل "لا إله إلا الله"، ويحوّل أحوالنا والمسلمين إلى أحسن الأحوال، وبسِرّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

04 شوّال 1446

تاريخ النشر الميلادي

01 أبريل 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام